انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الإسراء

تفسير البغويالآيات 86–111

تفسير سورة الإسراء آية آية، من تفسير البغوي.

وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِۦ عَلَيْنَا وَكِيلًا ۝٨٦

قوله تعالى: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ}، يعني القرآن، معناه: إنا كما منعنا علم الروح عنك وعن غيرك، لو شئنا لنذهبنّ بالذي أوحينا إليك، يعني: القرآن، {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً}، أي: من يتوكل بردِّ القرآن إليك.

إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُۥ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا ۝٨٧ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ۝٨٨

{إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ}، هذا استثناء منقطع معناه: لكن لا نشاء ذلك رحمة من ربك.

{إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا}، فإن قيل: كيف يذهب القرآن وهو كلام الله عزّ وجلّ؟

قيل: المراد منه: مَحْوُه من المصاحف وإذهاب ما في الصدور.

وقال عبدالله بن مسعود: اقرؤوا القرآن قبل أن يرفع، فإنه لا تقوم الساعة حتى يرفع. قيل: هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الناس؟ قال: يسري عليه ليلاً فيرفع ما في صدورهم، فيصبحون لا يحفظون شيئاً ولا يجدون في المصاحف شيئاً، ثم يفيضون في الشعر.

وعن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث نزل، له دَوِيٌّ حول العرش كدوي النحل، فيقول الرب مالك وهو أعلم؟ فيقول: يا رب أُتْلَٰى ولا يُعْمَل بي.

قوله جلّ وعلا: {قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ}، لا يقدرون على ذلك، {وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}، عوناً ومظاهراً.

نزلت حين قال الكفار: لو نشاء لقلنا مثل هذا فكذبهم الله تعالى

فالقرآن معجز في النظم والتأليف والإِخبار عن الغيوب، وهو كلام في أعلى طبقات البلاغة لا يشبه كلام الخلق، لأنه غير مخلوق، ولو كان مخلوقاً لأتوا بمثله.

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰٓ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ۝٨٩ وَقَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلْأَرْضِ يَنۢبُوعًا ۝٩٠

قوله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ}، من كل وجه من العِبَر والأحكام والوعد والوعيد وغيرها، {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا}، جحوداً.

قوله عزّ وجلّ: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ}، لن نصدقك، {حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعًا}، قرأ أهل الكوفة ويعقوب {تَفْجُرَ} بفتح التاء وضم الجيم مخففاً، لأن الينبوع واحد، وقرأ الباقون بالتشديد من التفجير، واتفقوا على تشديد قوله: {فتفجِّر الأنهار خلالها تفجيراً}، لأن الأنهار جمع، والتشديد يدل على التكثير، ولقوله: "تفيجراً" من بَعْدُ.

وروى عكرمة عن ابن عباس:

أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث، وأبا البختري بن هشام، والأسود بن عبدالمطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام، وعبدالله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، ونبيهاً ومنبهاً ابني الحجاج، اجتمعوا ومن اجتمع معهم بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلِّموه وخاصموه حتى تُعذروا فيه، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلِّموك، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعاً، وهو يظن أنه بدا لهم في أمره بدء، وكان عليهم حريصاً، يحب رشدهم حتى جلس إليهم، فقالوا: يا محمد إنا بعثنا إليك لنعذر فيك وإنا والله لا نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعِبْتَ الدين، وسفَّهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرَّقت الجماعة فما بقي أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بينك وبيننا، فإن كنت جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جعلنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تطلب الشرف سوّدناك علينا، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الأمر الذي بك رَئِيٌّ تراه قد غلب عليك، لا تستطيع ردَّه، بذلنا لك أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه، أو نعذر فيك، وكانوا يسمُّون التابع من الجن: الرَّئِّي.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به لطلب أموالكم ولا الشرف عليكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل عليّ كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلّغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردُّوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم.

فقالوا: يا محمد إن كنت غير قابل منّا ما عرضنا عليك فقد علمتَ أنه ليس أحد أضيق منّا بلاداً ولا أشد منّا عيشاً، فسل لنا ربك الذي بعثك فليسيِّر عنا هذه الجبال، فقد ضيقت علينا، ويبسط لنا بلادنا ويفجّر فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا مَنْ مضى من آبائنا، وليكن منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخاً صدوقاً، فنسألهم عمّا تقول: أحقٌّ هو أم باطل، فإن صدقوك صدقناك.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بهذا بعثتُ، فقد بلغتكم ما أُرسلت به، فإن تقبلوه مني فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردُّوه أصبر لأمر الله.

قالوا: فإن لم تفعل هذا فسل ربك أن يبعث لنا ملكاً يصدقك، واسأله أن يجعل لك جناناً وقصوراً وكنوزاً من ذهب وفضة يغنيك بها عمّا نراك، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه.

فقال: ما بعثتُ بهذا ولكنّ الله بعثني بشيراً ونذيراً.

قالوا: فأسقِطْ السماء كما زعمت، إن ربك لو شاء فعل.

فقال: ذلك إلى الله إن شاء فعل ذلك بكم فعله.

وقال قائل منهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلاً.

فلما قالوا ذلك، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام معه عبدالله بن أبي أمية، وهو ابن عمته عاتكة بنت عبدالمطلب، فقال: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا عليك فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً يعرفون بها منزلتك من الله تعالى فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجِّل ما تخوِّفهم به من العذاب، فلم تفعل، فوالله لا أؤمن لك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلماً ترقٰى فيها وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي بنسخة منشورةٍ معك ونفر من الملائكة يشهدون لك بما تقول، وايم الله لو فعلت ذلك لظننت أن لا أصدقك، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزيناً لِما رأى من مباعدتهم، فأنزل الله تعالى: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْض} يعني: أرض مكة {يَنْبُوعًا} أي: عيوناً.

أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلْأَنْهَٰرَ خِلَٰلَهَا تَفْجِيرًا ۝٩١

{أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ}، بستان {مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَـٰرَ خِلَـٰلَهَا تَفْجِيرًا}، تشقيقاً.

أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِىَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ قَبِيلًا ۝٩٢ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَٰبًا نَّقْرَؤُهُۥ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّى هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا ۝٩٣

{أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا}، قرأ نافع وابن عامر وعاصم بفتح السين، أي: قِطَعاً، وهي جمع "كسفة"، وهي: القطعة والجانب، مثل: كِسْرَةٍ وكِسَرٍ. وقرأ الآخرون بسكون السين على التوحيد، وجمعه أكساف وكسوف، أي: تسقطها طبقاً واحداً، وقيل: أراد جانبها علينا. وقيل: معناه أيضاً القطع، وهي جمع التكسير مثل سدرة وسدر في الشعراء وسبأ {كسفاً} بالفتح، حفص، وفي الروم ساكنة أبو جعفر، وابن عامر.

{أَوْ تَأْتِىَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةِ قَبِيلاً}، قال ابن عباس: كفيلاً، أي يكفلون بما تقول. وقال الضحاك: ضامناً. وقال مجاهد: هو جـمع القبيلة، أي: بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة. وقال قتادة: عياناً أي: تراهم القابلة أي: معاينة. وقال الفراء: هو من قول العرب لقيت فلاناً قبيلاً، وقبيلاً أي: معاينة.

{أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ} أي: من ذهب، وأصله الزينة، {أَوْ تَرْقَىٰ}، تصعد، {فِى ٱلسَّمَآءِ}، هذا قول عبدالله بن أبي أمية، {وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ}، لصعودك، {حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَءُهُ}، أُمِرْنَا فيه باتّباعك، {قُلْ سُبْحَـٰنَ رَبِّى}، وقرأ ابن كثير وابن عامر {قال} يعني محمداً، وقرأ الآخرون على الأمر، أي: قلْ يا محمد، {هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً}، أمره بتنزيهه وتمجيده، على معنى أنه لو أراد أن ينزل ما طلبوا لفعل، ولكن الله لا ينزل الآيات على ما يقترحه البشر، وما أنا إلاّ بشر وليس ما سألتم في طوق البشر.

واعلم أن الله تعالى قد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من الآيات والمعجزات ما يغني عن هذا كله، مثل القرآن، وانشقاق القمر، وتفجير العيون من بين الأصابع وما أشبهها، والقوم عامتهم كانوا متعنتين لم يكن قصدهم طلبَ الدليل ليؤمنوا، فردّ الله عليهم سؤالهم.

وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوٓا۟ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا ۝٩٤ قُل لَّوْ كَانَ فِى ٱلْأَرْضِ مَلَٰٓئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكًا رَّسُولًا ۝٩٥ قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرًۢا بَصِيرًا ۝٩٦ وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِۦ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَٰهُمْ سَعِيرًا ۝٩٧

قوله عزّ وجلّ: {وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ}، جهلاً منهم، {أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً}، أراد: أن الكفار كانوا يقولون لن نؤمن لك لأنك بشر، وهلا بعث الله إلينا ملكاً؟ فأجابهم الله تعالى:

{قُل لَوْ كَانَ فِى ٱلأَرْضِ مَلَـٰئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ}، مستوطنين مقيمين، {لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكًا رَّسُولاً}، من جنسهم؛ لأن القلب إلى الجنس أميل منه إلى غير الجنس.

{قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ}، أني رسوله إليكم، {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا}.

قوله عزّ وجلّ: {وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ}، يهدونهم، {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ}.

أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أخبرنا الحسن بن شجاع الصوفي المعروف بابن الموصلي، أنبأنا أبو بكر ابن الهيثم، حدثنا جعفر بن محمد الصائغ، حدثنا حسين بن محمد، حدثنا سفيان عن قتادة عن أنس

أن رجلاً قال: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الذي أمشاه على رجليه قادرعلى أن يمشيه على وجهه".

وجاء في الحديث:

إنهم يتَّقون بوجوههم كلَّ حَدَبٍ وشَوْكٍ، {عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا}.

فإن قيل: كيف وصفهم بأنهم عميٌّ وبكم وصم. وقد قال:

{ وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ } [الكهف: 53]، وقال: { دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً } [الفرقان: 13]، وقال: { سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً } [الفرقان: 12]، أثبت الرؤية والكلام والسمع؟

قيل: يحشرون على ما وصفهم الله ثم تعاد إليهم هذه الأشياء.

وجواب آخر، قال ابن عباس: عمياً لا يرون ما يسرهم، بكماً، لا ينطقون بحجة، صماً لا يسمعون شيئاً يسرهم.

وقال الحسن: هذا حين يساقون إلى الموقف إلى أن يدخلوا النار.

وقال مقاتل: هذا حين يقال لهم:

{ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ }[المؤمنون: 108]، فيصيرون بأجمعهم عمياً وبكماً وصماً، لا يرون ولا ينطقون ولا يسمعون. {مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ}، قال ابن عباس: كلما سكنت، أي: سكن لهبها. وقال مجاهد: طفئت وقال قتادة: ضعفت وقيل: هو الهدوّ من غير أن يوجد نقصان في ألم الكفار، لأن الله تعالى قال: { لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ } [الزخرف: 75]، وقيل: "كلما خبت" أي أرادت أن تخبو، {زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا}، أي: وقوداً.

وقيل: المراد من قوله {كُلَّمَا خَبَتْ} أي: نضجت جلودهم واحترقت أعيدوا فيها إلى ما كانوا عليه، وزيد في تسعير النار لتحرقهم.

ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمًا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ۝٩٨ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَّا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى ٱلظَّٰلِمُونَ إِلَّا كُفُورًا ۝٩٩

{ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِـآيَـٰتِنَا وَقَالُواْ أَءِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا}، فأجابهم الله تعالى فقال:

{أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ}، في عظمتها وشدتها، {قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ}، في صغرهم وضعفهم. نظيره قوله تعالى:

{ لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ }[غافر: 57].

{وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً} أي: وقتاً لعذابهم، {لاَّ رَيْبَ فِيهِ}، أنه يأتيهم، قيل: هو الموت، وقيل: هو يوم القيامة، {فَأَبَىٰ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِلاَّ كُفُورًا}، أي: جحوداً وعناداً.

قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّىٓ إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلْإِنفَاقِ وَكَانَ ٱلْإِنسَٰنُ قَتُورًا ۝١٠٠ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَٰتٍۭ بَيِّنَٰتٍ فَسْـَٔلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ فَقَالَ لَهُۥ فِرْعَوْنُ إِنِّى لَأَظُنُّكَ يَٰمُوسَىٰ مَسْحُورًا ۝١٠١

{قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّى} أي: نعمة ربي. وقيل: رزق ربي، {إِذًا لأَمْسَكْتُمْ}، لبخلتم وحبستم، {خَشْيَةَ ٱلإِنفَاقِ}، أي: خشية الفاقة، قاله قتادة.

وقيل: خشية النفاد، يقال: أنفق الرجل أي أملق وذهب ماله ونفق الشيء، إذا: ذهب.

وقيل: لأمسكتم عن الإِنفاق خشية الفقر.

{وَكَانَ ٱلإنسَـٰنُ قَتُورًا}، بخيلاً: ممسكاً عن الإِنفاق.

قوله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَـٰتٍ بَيِّنَاتٍ}، أي: دلالات واضحات، فهي الآيات التسع.

قال ابن عباس والضحاك: هي العصا، واليد البيضاء، والعقدة التي كانت بلسانه فحلَّها، وفلق البحر، والطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم.

وقال عكرمة وقتادة ومجاهد وعطاء: هي الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، واليد، والسنون، ونقص الثمرات.

وذكر محمد بن كعب القرظي: الطمس، والبحر بدل السنين، ونقص من الثمرات، قال: فكان الرجل منهم مع أهله في فراشه وقد صَارَا حجرين، والمرأة منهم قائمة تخبز وقد صارت حجراً.

وقال بعضهم: هنّ آيات الكتاب.

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني الحسن بن محمد الثقفي، أخبرنا هارون بن محمد بن هارون العطار، أنبأنا يوسف بن عبدالله ابن ماهان، حدثنا الوليد الطيالسي، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة، عن عبدالله ابن مسلمة، عن صفوان بن عسال المرادي،

أن يهودياً قال لصاحبه تعال حتى نسأل هذا النبي، فقال الآخر: لا تقل نبيّ، فإنه لو سمع صارت له أربعة أعين، فأتياه فسألاه عن هذه الآية: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَـٰتٍ بَيِّنَاتٍ} فقال: لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلاّ بالحق، ولا تزنوا، ولا تأكلوا الربا، ولا تسحروا، ولا تمشوا بالبريء إلى سلطان ليقتله، ولا تسرفوا، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تفروا من الزحف، وعليكم خاصَّة اليهود أن لا تعدوا في السبت، فقبَّلا يده، وقالا: نشهد أنك نبي، قال: فما يمنعكم أن تتبعوني؟ قالا: إن داود دعا ربه أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف إن تبعناك أن يقتلنا اليهود.

{فَاسْأَلْ}، يا محمد، {بَنِى إِسْرَٰءِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ}، موسى، يجوز أن يكون الخطاب معه والمراد غيره، ويجوز أن يكون خاطبه عليه السلام وأمره بالسؤال ليتبين كذبهم مع قومهم. {فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّى لأَظُنُّكَ يَٰمُوسَىٰ مَسْحُورًا}، أي: مطبوباً سحروك، قاله الكلبي.

وقال ابن عباس: مخدوعاً.

وقيل: مصروفاً عن الحق.

وقال الفرَّاء، وأبو عبيدة: ساحراً، فوضع المفعول موضع الفاعل.

وقال محمد بن جرير: معطى علم السحر، فهذه العجائب التي تفعلها من سحرك.

قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّى لَأَظُنُّكَ يَٰفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ۝١٠٢

{قَالَ}، موسى، {لَقَدْ عَلِمْتَ}، قرأ العامة بفتح التاء خطاباً لفرعون، وقرأ الكسائي بضم التاء، ويُروى ذلك عن علي، وقال: لم يعلم الخبيث أن موسى على الحق، ولو عَلم لأمن، ولكن موسى هو الذي علم، قال ابن عباس: علمه فرعون ولكنه عاند، قال الله تعالى:

{ وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً }[النمل: 14].

وهذه القراءة، وهي نصب التاء، أصحُّ في المعنى، وعليه أكثر القراء، لأن موسى لا يحتج عليه بعلم نفسه، ولا يثبت عن علي رفع التاء، لأنه رُوي عن رجل من مراد عن علي، وذلك أن الرجل مجهول، ولم يتمسك بها أحد من القراء غير الكسائي.

{مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ}، هذه الآيات التسع، {إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ}، جمع بصيرة أي يبصر بها.

{وَإِنِّى لأَظُنُّكَ يَٰفِرْعَونُ مَثْبُورًا}، قال ابن عباس: ملعوناً. وقال مجاهد: هالكاً. وقال قتادة: مهلكاً.

وقال الفراء: أي مصروفاً ممنوعاً عن الخير. يقال: ما ثبرك عن هذا الأمر أي ما منعك وصرفك عنه.

فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ جَمِيعًا ۝١٠٣ وَقُلْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ لِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱسْكُنُوا۟ ٱلْأَرْضَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلْـَٔاخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ۝١٠٤ وَبِٱلْحَقِّ أَنزَلْنَٰهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ۝١٠٥ وَقُرْءَانًا فَرَقْنَٰهُ لِتَقْرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَٰهُ تَنزِيلًا ۝١٠٦

{فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم}، أي: أراد فرعون أن يستفزَّ موسى وبني إسرائيل، أي: يخرجهم، {مِّنَ ٱلأَرْضِ}، يعني أرض مصر، {فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا}، ونجينا موسى وقومه.

{وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ}، أي من بعد هلاك فرعون، {لِبَنِى إِسْرَٰءِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ}، يعني أرض مصر والشام، {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلأَخِرَةِ}، يعني يوم القيامة، {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} أي: جميعاً إلى موقف القيامة. واللفيف: الجمع الكثير: إذا كانوا مختلطين من كل نوع، يقال: لفت الجيوش إذا اختلطوا، وجَمْعُ القيامةِ كذلك، فيهم المؤمن والكافر، والبَرُّ والفاجر.

وقال الكلبي: "فإذا جاء وعد الآخرة": يعني مجيء عيسى من السماء "جئنا بكم لفيفاً" أي: النُّزَّاع من كل قومٍ، مِنْ هاهنا وهاهنا لفوا جميعاً.

قوله عزّ وجلّ: {وَبِٱلْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ}، يعني القرآن، {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا} للمطيعين، {وَنَذِيرًا}، للعاصين.

{وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ}، قيل: معناه: أنزلناه نجوماً، لم ينزل مرة واحدة، بدليل قراءة ابن عباس: {وقرآناً فَرَّقناه} بالتشديد، وقراءة العامة بالتخفيف، أي: فصّلناه. وقيل: بيّناه. وقال الحسن: معناه فرقنا به بين الحق والباطل. {لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ} أي: على تؤدة وترتيل وترسل في ثلاث وعشرين سنة، {وَنَزَّلْنَـٰهُ تَنزِيلاً}.

قُلْ ءَامِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوْ لَا تُؤْمِنُوٓا۟ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِۦٓ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ۝١٠٧ وَيَقُولُونَ سُبْحَٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ۝١٠٨ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ۝١٠٩

{قُلْ ءَامِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ}، هذا على طريق الوعيد والتهديد، {إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ}، قيل: هم مؤمنو أهل الكتاب، وهم الذين كانوا يطلبون الدِّين قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أسلموا بعد مبعثه، مثل: زيد بن عمرو بن نفيل، وسلمان الفارسي، وأبي ذر وغيرهم.

{إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ}، يعني: القرآن {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ} أي: يسقطون على الأذقان، قال ابن عباس: أراد بها الوجوه، {سُجَّدًا}.

{وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً}، أي: كائناً واقعاً.

{وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ}، أي: يقعون على الوجوه يبكون، البكاء مستحب عند قراءة القرآن، {وَيَزِيدُهُمْ}، نزول القرآن، {خُشُوعًا}، خضوعاً لربهم، نظيره قوله تعالى:

{ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً }[مريم: 58].

أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أخبرنا أبو عمرو بن بكر بن محمد المزني، حدثنا أبو بكر محمد بن عبدالله الجنيد، حدثنا الحسن بن الفضل البجلي، أخبرنا عاصم، بن علي بن عاصم، حدثنا المسعوديُّ، هو عبدالرحمن بن عبدالله، عن محمد بن عبدالرحمن مولى أبي طلحة عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا يَلِجُ النارَ مَنْ بكٰى من خشيةِ الله حتى يعودَ اللبَنُ في الضَّرْعِ، ولا يجتمع غبارٌ في سبيل الله ودخان جهنَّمَ في مَنْخِرَي مسلم أبداً

أخبرنا أبو القاسم بن عبدالكريم بن هوازن القشيري، أخبرنا أبو القاسم عبدالخالق بن علي بن عبدالخالق المؤذن، أخبرنا أحمد بن بكر بن محمد بن حمدان، حدثنا محمد بن يونس الكُدَيْمِيّ، أنبأنا عبدالله ابن محمد الباهلي، حدثنا أبو حبيب الغَنَوِي، حدثنا بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله يقول:

حُرِّمتِ النارُ على ثلاثِ أعينٍ: عين بكت من خشية الله، وعين سهرت في سبيل الله، وعين غضَّت ْعن محارم الله

.«

قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُوا۟ ٱلرَّحْمَٰنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا۟ فَلَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ۝١١٠

قوله عزّ وجلّ: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ}. قال ابن عباس:

سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ذات ليلة فجعل يبكي ويقول في سجوده: يا الله يا رحمن فقال أبو جهل: إن محمداً ينهانا عن آلهتنا وهو يدعو إلهين، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ومعناه أنهما اسمان لواحد.

{أَيًّا مَّا تَدْعُواْ}، «ما» صلة معناه أياً تدعوا من هذين الإسمين ومن جميع أسمائه، {فَلَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ}.

{وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا}، أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} قال: نزلت ورسول الله مختفٍ بمكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمعه المشركون سبُّوا القرآن ومَنْ أنزله ومن جاء به، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ} أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، ولا تخافت بها عن أصحابك فلا تسمعهم: {وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذََٰلِكَ سَبِيلاً}.

وبهذا الإسناد عن محمد بن إسماعيل قال: حدثنا مسدد عن هشيم عن أبي بشر بإسناده مثله، وزاد: {وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذََٰلِكَ سَبِيلاً}. أسمعهم، ولا تجهر حتى يأخذوا عنك القرآن.

وقال قوم: الآية في الدعاء، وهو قول عائشة، رضي الله عنها، والنخعي، ومجاهد، ومكحول:

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا طلق بن غنام، حدثنا زائدة عن هشام عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها في قوله: "ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها"، قالت: أُنزل ذلك في الدعاء.

وقال عبدالله بن شداد: كان أعرابٌ من بني تميم إذا سلَّم النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: اللهم ارزقنا مالاً وولداً، فيجهرون بذلك، فأنزل الله هذه الآية: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ}. أي: لا ترفع صوتك بقراءتك أو بدعائك ولا تخافت بها.

والمخافتة: خفض الصوت والسكوت "وابتغ بين ذلك سبيلاً" أي: بين الجهر والإخفاء.

أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبِّيّ، أخبرنا أبو محمد عبدالجبار بن محمد الخزاعي، أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا يحيـى بن إسحاق، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبدالله بن أبي رباح الأنصاري، عن أبي قتادة

أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: «مررتُ بك وأنت تقرأ وأنت تخفض من صوتك، فقال: إني أسمعتُ مَنْ ناجيت، فقال: ارفع قليلاً، وقال لعمر: مررت بك وأنت تقرأ وأنت ترفع صوتك، فقال: إني أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان، فقال: اخفض قليلاً«

.

وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ وَلِىٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًۢا ۝١١١

{وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا}، أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يحمده على وحدانيته، ومعنى الحمد لله هو: الثناء عليه بما هو أهله.

قال الحسين بن الفضل: معناه الحمد لله الذي عرفني أنه لم يتخذ ولداً.

{وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِىٌّ مَّنَ ٱلذُّلِّ}، قال مجاهد: لم يذل فيحتاج إلى ولي يتعزز به.

{وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا}، أي: وعظِّمْه عن أن يكون له شريك أو ولي.

أخبرنا الإِمام أبو علي الحسين ابن محمد القاضي، أخبرنا الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصَّغَانِيُّ، حدثنا نضْر بن حمادٍ أبو الحارث الوراق، حدثنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت قال: سمعت سعيد بن جبير يحدِّث عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله في السرَّاء والضرَّاء

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أخبرنا أبو الحسن بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي، أنبأنا عبدالرزاق، حدثنا معمرعن قتادة أن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الحمد لله رأس الشكر، ما شكر الله عبدٌ لا يحمده

أخبرنا أبو الفضل بن زياد بن محمد الحنفي، أخبرنا أبو محمد عبدالرحمن بن أحمد الأنصاري، أخبرنا أبو محمد يحيـى بن محمد بن صاعد، حدثنا يحيـى بن خالد بن أيوب المخزومي، حدثنا موسى ابن إبراهيم بن كثير بن بشر الخزامي الأنصاري، عن طلحة بن خراش، عن جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إنَّ أفضل الدعاء الحمدُ لله، وأفضل الذكر لا إله إلا الله

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم عبدالله ابن محمد بن عبدالعزيز البغوي، حدثنا علي بن الجَعْد، حدثنا زهير، حدثنا منصور عن هلال بن يسار، عن الربيع بن عميلة عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أحبُّ الكلام إلى الله تعالى أربع: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، لا يضرك بأيهنّ بدأت

«.

الأربعاء، 4 نوفمبر 2026 24 جمادى الأولى 1448 هـ