انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الشعراء

تفسير الطبريالآيات 1–56

تفسير سورة الشعراء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الشعراء

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 1:05:38

  1. 1 الآيات 1–51في هذه الصفحة 17:50
  2. 2 الآيات 52–110في هذه الصفحة 15:44
  3. 3 الآيات 111–180 18:45
  4. 4 الآيات 181–227 13:19

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

طسٓمٓ ۝١ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُبِينِ ۝٢ لَعَلَّكَ بَٰخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ۝٣

قال أبو جعفر: وقد ذكرنا اختلاف الـمختلفـين فـيـما فـي ابتداء فواتـح سور القرآن من حروف الهجاء، وما انتزع به كلّ قائل منهم لقوله ومذهبه من العلة. وقد بـيَّنا الذي هو أولـى بـالصواب من القول فـيه فـيـما مضى من كتابنا هذا بـما أغنى عن إعادته، وقد ذكر عنهم من الاختلاف فـي قوله: طسم وطس، نظير الذي ذكر عنهم فـي: آلـم والـمر والـمص. وقد:

حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله {طسم} قال: فإنه قسم أقسمه الله، وهو من أسماء الله.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، فـي قوله {طسم} قال: اسم من أسماء القرآن.

فتأويـل الكلام علـى قول ابن عبـاس والـجميع: إن هذه الآيات التـي أنزلتها علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم فـي هذه السورة لآيات الكتاب الذي أنزلته إلـيه من قبلها الذي بـين لـمن تدبره بفهم، وفكَّر فـيه بعقل، أنه من عند الله جلّ جلاله، لـم يتـخرّصه مـحمد صلى الله عليه وسلم، ولـم يتقوّله من عنده، بل أوحاه إلـيه ربه.

وقوله: {لَعَلَّكَ بـاخِعٌ نَفْسَكَ أنْ لا يكُونُوا مُؤْمِنِـينَ} يقول تعالـى ذكره: لعلك يا مـحمد قاتل نفسك ومهلكها إن لـم يؤمن قومك بك، ويصدقوك علـى ما جئتهم به. والبخْع: هو القتل والإهلاك فـي كلام العرب ومنه قول ذي الرُّمة:

ألا أيُّهَذَا البـاخعُ الْوَجْدُ نَفْسَهُلشَيْءٍ نَـحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ الـمَقادِرُ

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عبـاس: {بـاخِعٌ نَفْسَك}: قاتل نفسك.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، فـي قوله {لَعَلَّكَ بـاخعٌ نَفْسَكَ أنْ لا يكُونُوا مُؤْمِنِـينَ} قال: لعلك من الـحرص علـى إيـمانهم مخرج نفسك من جسدك، قال: ذلك البخع.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {لَعَلَّكَ بـاخِعٌ نَفْسَكَ} علـيهم حرصاً، وأنْ من قوله: {أنْ لا يَكُونُوا مُؤْمِنـينَ} فـي موضع نصب ببـاخع، كما يقال: زرت عبد الله أن زارنـي، وهو جزاء ولو كان الفعل الذي بعد أنْ مستقبلاً لكان وجه الكلام فـي «أن» الكسر كما يقال أزور عبد الله إن يزورنـي.

إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَٰقُهُمْ لَهَا خَٰضِعِينَ ۝٤

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {فَظَلَّتْ أعْناقُهُمْ...} الآية، فقال بعضهم: معناه: فظلّ القوم الذين أنزل علـيهم من السماء آية خاضعة أعناقهم لها من الذَلَّة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد فـي قوله: {فَظَلَّتْ أعْناقُهُمْ لَهَا خاضِعينَ} قال: فظلوا خاضعة أعناقهم لها.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، فـي قوله {خاضِعِينَ} قال: لو شاء الله لنزّل علـيه آية يذلون بها، فلا يَـلْوِي أحد عنقه إلـى معصية الله.

حدثنا القاسم قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج {أنْ لا يَكُونُوا مُؤْمِنِـينَ إنْ نَشأْ نُنَزّلْ عَلَـيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً} قال: لو شاء الله لأراهم أمراً من أمره لا يعمل أحد منهم بعده بـمعصية.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {فَظَلَّتْ أعْناقُهُمْ لَهَا خاضِعِينَ} قال: ملقـين أعناقهم.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فَظَلَّتْ أعْناقُهُمْ لَهَا خاضِعِينَ} قال: الـخاضع: الذلـيـل.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فظلت سادتهم وكبراؤهم للآية خاضعين، ويقول: الأعناق: هم الكبراء من الناس.

واختلف أهل العربـية فـي وجه تذكير خاضعين، وهو خبر عن الأعناق، فقال بعض نـحويِّـي البصرة: يزعمون أن قوله {أعْناقُهُمْ} علـى الـجماعات، نـحو: هذا عنق من الناس كثـير، أو ذُكِّركما يذكَّر بعض الـمؤنث، كما قال الشاعر:

تَـمَزَّزْتها والدّيكُ يَدْعُو صَبـاحَهُإذا ما بنو نَعْشٍ دَنَوْا فَتَصَوَّبُوا

فجماعات هذا أعناق، أو يكون ذكره لإضافته إلـى الـمذكر كما يؤنث لإضافته إلـى الـمؤنث، كما قال الأعشى:

ونَشْرَقُ بـالقَوْل الَّذي قَدْ أذَعْتَهكمَا شَرقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّم

وقال العجاج:

لَـمَّا رأى مَتْنَ السَّماء أبْعَدَتْ

وقال الفرزدق:

إذَا الْقُنْبُضَات السُّود طَوَّفْنَ بـالضحىرَقَدْنَ عَلَـيْهِنَّ الـحِجالُ الـمَسَجَّفُ

وقال الأعشى:

وَإنَّ امْرَأً أهْدَى إلَـيْكِ وَدُونَهُمِنَ الأرْضِ يَهْماءٌ وَبَـيْدَاءُ خَيْفَقُ لَـمَـحْقُوقَةٌ أن تَسْتَـجِيبِـي لِصَوْتِهِوأنْ تَعْلَـمِي أنَّ الـمُعانَ الـمُوَفَّقُ

قال: ويقولون: بنات نعش وبنو نعش، ويقال: بنات عِرس، وبنو عِرس وقالت امرأة: أنا امرؤ لا أخبر السرّ، قال: وذكر لرؤبة رجل فقال: هو كان أحد بنات مساجد الله، يعنـي الـحَصَى. وكان بعض نـحويـي الكوفة يقول: هذا بـمنزلة قول الشاعر:

تَرَى أرْماحَهُمْ مُتَقَلدِيهاإذَا صَدِىءَ الـحَدِيدُ علـى الكُماةِ

فمعناه عنده: فظلت أعناقهم خاضعيها هم، كما يقال: يدك بـاسطها، بـمعنى: يدك بـاسطها أنت، فـاكتفـى بـما ابتدأ به من الاسم أن يكون، فصار الفعل كأنه للأوّل وهو للثانـي، وكذلك قوله: لـمـحقوقة أن تستـجيبـي لصوته إنـما هو لـمـحقوقة أنت، والـمـحقوقة: الناقة، إلا أنه عطفه علـى الـمرء لـما عاد بـالذكر. وكان آخر منهم يقول: الأعناق: الطوائف، كما يقال: رأيت الناس إلـى فلان عنقاً واحدة، فـيجعل الأعناق الطوائف والعُصَب ويقول: يحتـمل أيضاً أن تكون الأعناق هم السادة والرجال الكبراء، فـيكون كأنه قـيـل: فظلت رؤوس القوم وكبراؤهم لها خاضعين، وقال: أحبُّ إلـيّ من هذين الوجهين فـي العربـية أن يقال: إن الأعناق إذا خضعت فأربـابها خاضعون، فجعلْت الفعل أوّلاً للأعناق، ثم جَعَلْتَ خاضعين للرجال، كما قال الشاعر:

عَلـى قَبْضَة مَرْجُوَّة ظَهْرُ كَفِّهِفَلا الـمَرْءُ مُسْتَـحْيٍ وَلا هُوَ طاعِمُ

فأنث فعل الظهر، لأن الكفّ تـجمع الظهر، وتكفـي منه، كما أنك تكتفـي بأن تقول: خضعت لك، من أن تقول: خَضَعَتْ لك رقبتـي، وقال: ألا ترى أن العرب تقول: كل ذي عين ناظر وناظرة إلـيك، لأن قولك: نظرتْ إلـيك عينـي، ونظرتُ إلـيك بـمعنى واحد بترك كل، وله الفعل وبرده إلـى العين، فلو قلت: فظلت أعناقهم لها خاضعة، كان صوابـاً.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب وأشبهها بـما قال أهل التأويـل فـي ذلك أن تكون الأعناق هي أعناق الرجال، وأن يكون معنى الكلام: فظلت أعناقهم ذلـيـلة، للآية التـي ينزلها الله علـيهم من السماء، وأن يكون قوله «خاضعين» مذكراً، لأنه خبر عن الهاء والـميـم فـي الأعناق، فـيكون ذلك نظير قول جرير:

أرَى مَرَّ السِّنِـينَ أخَذْنَ مِنِّـيكمَا أخَذَ السِّرَارُ مِنَ الهِلالِ

وذلك أن قوله: مرّ، لو أسقط من الكلام، لأدى ما بقـي من الكلام عنه ولـم يفسد سقوطه معنى الكلام عما كان به قبل سقوطه، وكذلك لو أسقطت الأعناق من قوله: فظلت أعناقهم، لأدى ما بقـي من الكلام عنها، وذلك أن الرجال إذا ذلُّوا، فقد ذلت رقابهم، وإذا ذلت رقابهم فقد ذلوا.

فإن قـيـل فـي الكلام: فظلوا لها خاضعين، كان الكلام غير فـاسد، لسقوط الأعناق، ولا متغير معناه عما كان علـيه قبل سقوطها، فصرف الـخبر بـالـخضوع إلـى أصحاب الأعناق، وإن كان قد ابتدأ بذكر الأعناق لـما قد جرى به استعمال العرب فـي كلامهم، إذا كان الاسم الـمبتدأ به، وما أضيف إلـيه يؤدّي الـخبر كلّ واحد منهما عن الآخر.

وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَٰنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهُ مُعْرِضِينَ ۝٥

يقول تعالـى ذكره: وما يجيء هؤلاء الـمشركين الذين يكذّبونك ويجحدون ما أتـيتهم به يا مـحمد من عند ربك من تذكير وتنبـيه علـى مواضع حجج الله علـيهم علـى صدقك، وحقـيقة ما تدعوهم إلـيه مـما يحدثه الله إلـيك ويوحيه إلـيك، لتذكرهم به، إلا أعرضوا عن استـماعه، وتركوا إعمال الفكر فـيه وتدبره

فَقَدْ كَذَّبُوا۟ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنۢبَٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ۝٦

يقول تعالـى ذكره: فقد كذّب يا مـحمد هؤلاء الـمشركون بـالذكر الذي أتاهم من عند الله، وأعرضوا عنه {فَسَيَأْتِـيهِمْ أنْبـاءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} يقول: فسيأتـيهم أخبـار الأمر الذي كانوا يسخرون، وذلك وعيد من الله لهم أنه مـحلّ بهم عقابه علـى تـماديهم فـي كفرهم، وتـمرّدهم علـى ربهم.

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلْأَرْضِ كَمْ أَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ۝٧

يقول تعالـى ذكره: أَوَ لـم ير هؤلاء الـمشركون الـمكذّبون بـالبعث والنشر إلـى الأرض، كم أنبتنا فـيها بعد أن كانت ميتة لا نبـات فـيها {مِنْ كُلّ زَوْجٍ كَرِيـمٍ} يعنـي بـالكريـم: الـحسن، كما يقال للنـخـلة الطيبة الـحمل: كريـمة، وكما يقال للشاة أو الناقة إذا غزرتا، فكثرت ألبـانهما: ناقة كريـمة، وشاة كريـمة. وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنـي أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {أنْبَتْنا فِـيها منْ كُلّ زَوْجٍ كَرِيـمٍ} قال: من نبـات الأرض، مـما تأكل الناس والأنعام.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، فـي قوله {مِنْ كُلّ زَوْج كَرِيـمٍ} قال: حسن.

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ۝٨ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ۝٩

يقول تعالـى ذكره: إن فـي إنبـاتنا فـي الأرض من كلّ زوج كريـم لآية. يقول: لدلالة لهؤلاء الـمشركين الـمكذّبـين بـالبعث، علـى حقـيقته، وأن القدرة التـي بها أنبت الله فـي الأرض ذلك النبـات بعد جُدُوبها، لن يُعجزه أن يُنْشِر بها الأموات بعد مـماتهم، أحياء من قبورهم. وقوله: {وَما كانَ أكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِـينَ} يقول: وما كان أكثر هؤلاء الـمكذّبـين بـالبعث، الـجاحدين نبوّتك يا مـحمد، بـمصدقـيك علـى ما تأتـيهم به من عند الله من الذكر. يقول جلّ ثناؤه: وقد سبق فـي عملـي أنهم لا يؤمنون، فلا يؤمن بك أكثرهم للسابق من علـمي فـيهم. وقوله: {وَإنَّ رَبِّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيـمُ} يقول: وإن ربك يا مـحمد لهو العزيز فـي نقمته، لا يـمتنع علـيه أحد أراد الانتقام منه. يقول تعالـى ذكره: وإنـي إن أحللت بهؤلاء الـمكذّبـين بك يا مـحمد، الـمعرِضين عما يأتـيهم من ذكر من عندي، عقوبتـي بتكذيبهم إياك، فلن يـمنعهم منـي مانع، لأنـي أنا العزيز الرحيـم، يعنـي أنه ذو الرحمة بـمن تاب من خـلقه من كفره ومعصيته، أن يعاقبه علـى ما سلف من جُرْمه بعد توبته. وكان ابن جُرَيج يقول فـي معنى ذلك، ما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي الـحجاج، عن ابن جُرَيج قال: كلّ شيء فـي الشعراء من قوله «عَزِيزٌ رَحِيـمٌ» فهو ما أهلك مـمن مضى من الأمـم، يقول عزيز، حين انتقم من أعدائه، رحيـم بـالـمؤمنـين، حين أنـجاهم مـما أهلك به أعداءه.

قال أبو جعفر: وإنـما اخترنا القول الذي اخترناه فـي ذلك فـي هذا الـموضع، لأن قوله: {وَإنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيـمُ} عقـيب وعيد الله قوماً من أهل الشرك والتكذيب بـالبعث، لـم يكونوا أهلكوا، فـيوجه إلـى أنه خبر من الله عن فعله بهم وإهلاكه. ولعلّ ابن جُرَيج بقوله هذا أراد ما كان من ذلك عقـيب خبر الله عن إهلاكه من أهلك من الأمـم، وذلك إن شاء الله إذا كان عقـيب خبرهم كذلك.

وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٠ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ ۝١١

يقول تعالـى ذكره: واذكر يا مـحمد إذ نادى ربك موسى بن عمران {أنِ ائْتِ القَوْمَ الظَّالِـمِينَ} يعنـي الكافرين قوم فرعون، ونصب القوم الثانـي ترجمة عن القوم الأوّل، وقوله {ألا يَتَّقُونَ} يقول: ألا يتقون عقاب الله علـى كفرهم به. ومعنى الكلام: قوم فرعون فقل لهم: ألا يتقون. وترك إظهار فقل لهم لدلالة الكلام علـيه. وإنـما قـيـل: ألا يتقون بـالـياء، ولـم يقل ألا تتقون بـالتاء، لأن التنزيـل كان قبل الـخطاب، ولو جاءت القراءة فـيها بـالتاء كان صوابـاً، كما قـيـل: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سيُغلبونَ و«ستُغلبونَ».

قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ۝١٢ وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِى فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَٰرُونَ ۝١٣ وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنۢبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ۝١٤

يقول تعالـى ذكره: {قالَ} موسى لربه {رَبّ إنّـي أخافُ} من قوم فرعون الذين أمرتنـي أن آتـيهم {أنْ يُكَذّبُونِ} بقـيـلـي لهم: إنك أرسلتنـي إلـيهم {وَيَضِيقُ صَدْرِي} من تكذيبهم إياي إن كّذبونـي. ورفع قوله: {وَيَضيقُ صَدْرِي} عطفـا به علـى أخاف، وبـالرفع فـيه قرأته عامة قرّاء الأمصار، ومعناه: وإنـي يضيق صدري. وقوله: {وَلا يَنْطَلقُ لسانِـي} يقول: ولا ينطلق بـالعبـارة عما ترسلنـي به إلـيهم، للعلة التـي كانت بلسانه. وقوله: {وَلا يَنْطَلق لِسانِـي} كلام معطوف به علـى يضيق. وقوله: {فأَرْسِلْ إلـى هارُونَ} يعنـي هارون أخاه، ولـم يقل: فأرسل إلـيّ هارون لـيؤازرنـي ولـيعيننـي، إذ كان مفهوماً معنى الكلام، وذلك كقول القائل: لو نزلت نازلة لفزعنا إلـيك، بـمعنى: لفزعنا إلـيك لعتـيننا. وقوله: {ولَهُمْ عَلـيَّ ذَنْبٌ} يقول: ولقوم فرعون علـيّ دعوى ذنب أذنبت إلـيهم، وذلك قتله النفس التـي قتلها منهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنـي عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {ولَهُمْ عَلـيَّ ذَنْبٌ فأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ} قال: قتل النفس التـي قتل منهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنـي الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قال: قتْل موسى النفس.

قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قَتادة، قوله {وَلهُمْ عَلـيَّ ذَنْبٌ} قال: قتل النفس. وقوله: {فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ} يقول: فأخاف أن يقتلونـي قوداً بـالنفس التـي قتلت منهم.

قَالَ كَلَّا فَٱذْهَبَا بِـَٔايَٰتِنَآ إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ ۝١٥ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٦ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ۝١٧

يقول تعالـى ذكره: {كَلاَّ}: أي لن يقتلك قوم فرعون {فـاذْهَبـا بآياتِنا} يقول: فـاذهب أنت وأخوك بآياتنا، يعنـي بأعلامنا وحججنا التـي أعطيناك علـيهم. وقوله: {إنَّا مَعَكُمْ مُسْتَـمعُون} من قوم فرعون ما يقولون لكم، ويجيبونكم به. وقوله: {فَأْتِـيا فِرْعَوْنَ فَقُولا...} الآية، يقول: فأت أنت يا موسى وأخوك هارون فرعون {فَقُولا إنَّا رَسُولُ رَبّ العالَـمينَ} إلـيك بـ {أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِـي إسْرائِيـلَ} وقال رسول ربّ العالـمين، وهو يخاطب اثنـين بقوله فقولا، لأنه أراد به الـمصدر من أرسلت، يقال: أرسلت رسالة ورسولاً، كما قال الشاعر:

لقَدْ كَذَبَ الوَاشُونَ ما بُحْتُ عِندَهمْبِسُوءٍ وَلا أرْسَلْتُهُمْ بِرَسُول

يعنـي برسالة، وقال الآخر:

ألا مَنْ مُبْلِغٌ عَنّـي خُفـافـاًرَسُولاً بَـيْتُ أَهْلِكَ مُنْتَهاها

يعنـي بقوله: رسولاً: رسالة، فأنث لذلك الهاء.

قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ۝١٨ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝١٩

وفـي هذا الكلام مـحذوف استغنـي بدلالة ما ظهر علـيه منه، وهو: فأتـيا فرعون فأبلغاه رسالة ربهما إلـيه، فقال فرعون: ألـم نر بك فـينا يا موسى ولـيداً، ولبثت فـينا من عمرك سنـين؟ وذلك مكثه عنده قبل قتله القتـيـل الذي قتله من القبط، (وفعلت فعلتك التـي فعلت) يعنـي: قتله النفس التـي قتل من القبط. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَفَعَلْتَ فعْلَتَكَ التـي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ} قال فعلتها إذاً وأنا من الضالـين. قال: قتل النفس.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله.

وإنـما قـيـل {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ} لأنها مرّة واحدة، ولا يجوز كسر الفـاء إذا أريد بها هذا الـمعنى. وذُكر عن الشعبـي أنه قرأ ذلك: «وَفَعَلْتَ فِعْلَتَكَ» بكسر الفـاء، وهي قراءة لقرّاءة القرّاء من أهل الأمصار مخالفة.

وقوله: {وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ} اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: وأنت من الكافرين بـالله علـى ديننا. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التـي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ} يعنـي علـى ديننا هذا الذي تعيب.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأنت من الكافرين نعمتنا علـيك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التـي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ} قال: ربـيناك فـينا ولـيداً، فهذا الذي كافأتنا أن قتلت منا نفساً، وكفرت نعمتنا

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ} يقول: كافراً للنعمة لأن فرعون لـم يكن يعلـم ما الكفر.

قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله ابن زيد أشبه بتأويـل الآية، لأن فرعون لـم يكن مقرّا لله بـالربوبـية وإنـما كان يزعم أنه هو الربّ، فغير جائز أن يقول لـموسى إن كان موسى كان عنده علـى دينه يوم قتل القتـيـل علـى ما قاله السديّ: فعلت الفعلة وأنت من الكافرين، الإيـمان عنده: هو دينه الذي كان علـيه موسى عنده، إلا أن يقول قائل: إنـما أراد: وأنت من الكافرين يومئذ يا موسى، علـى قولك الـيوم، فـيكون ذلك وجهاً يتوجه. فتأويـل الكلام إذن: وقتلت الذي قتلت منا وأنت من الكافرين نعمتنا علـيك، وإحساننا إلـيك فـي قتلك إياه. وقد قـيـل: معنى ذلك: وأنت الآن من الكافرين لنعمتـي علـيك، وتربـيتـي إياك.

قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذًا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ۝٢٠ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِى رَبِّى حُكْمًا وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝٢١

يقول تعالـى ذكره: قال موسى لفرعون: فعلت تلك الفعلة التـي فعلت، أي قتلت تلك النفس التـي قتلتُ إذن وأنا من الضالـين. يقول: وأنا من الـجاهلـين قبل أن يأتـينـي من الله وحي بتـحريـم قتله علـيّ. والعرب تضع من الضلال موضع الـجهل، والـجهل موضع الضلال، فتقول: قد جهل فلان الطريق وضلّ الطريق، بـمعنى واحد. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وأنا مِنَ الضَّالِّـينَ} قال: من الـجاهلـين.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، مثله. قال ابن جُرَيج: وفـي قراءة ابن مسعود: «وأنا مِنَ الـجاهِلِـينَ».

قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قتادة {وأنا مِنَ الضَّالِّـينَ} قال: من الـجاهلـين.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله

{ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ }فقال موسى: لـم أكفر، ولكن فعلتها وأنا من الضالـين. وفـي حرف ابن مسعود: «فَعَلْتُها إذا وأنا مِنَ الـجاهِلِـينَ».

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {قالَ فَعَلْتُها إذاً وأنا مِنَ الضَّالـينَ} قبل أن يأتـينـي من الله شيء كان قتلـى إياه ضلالة خطأ. قال: والضلالة ههنا الـخطأ، لـم يقل ضلاله فـيـما بـينه وبـين الله.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {قال فَعَلْتُها إذاً وأنا مِنَ الضَّالِّـينَ} يقول: وأنا من الـجاهلـين.

وقوله {فَفَرَرْت مِنْكُمْ لَـمَّا خِفْتُكُمْ...} الآية، يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـل موسى لفرعون: {فَفَرَرْتُ مِنْكُم} معشر الـملأ من قوم فرعون {لَـمَّا خِفْتُكُمْ} أن تقتلونـي بقتلـي القتـيـل منكم {فَوَهَبَ لِـي رَبِّـي حُكْماً} يقول: فوهب لـي ربـي نبوّة وهي الـحكم. كما.

حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط عن السدّيّ {فَوَهَبَ لـي رَبّـي حُكْماً} والـحكم: النبوّة.

وقوله: {وَجَعَلَنِـي مِنَ الـمُرْسَلِـينَ} يقول: وألـحقنـي بعداد من أرسله إلـى خـلقه، مبلغاً عنه رسالته إلـيهم بإرساله إياي إلـيك يا فرعون.

وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ۝٢٢ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٢٣ قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ۝٢٤

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـل نبـيه موسى صلى الله عليه وسلم لفرعون {وَتِلكَ نِعْمَةٌ تَـمُنُّها عَلـيَّ} يعنـي بقوله: وتلك تربـية فرعون إياه، يقول: وتربـيتك إياي، وتركك استعبـادي، كما استعبدت بنـي إسرائيـل نعمة منك تـمنها علـيّ بحقّ. وفـي الكلام مـحذوف استغنـي بدلالة ما ذكر علـيه عنه، وهو: وتلك نعمة تـمنها علـيّ أن عبَّدت بنـي إسرائيـل وتركتنـي، فلـم تستعبدنـي، فترك ذكر «وتركتنـي» لدلالة قوله {أن عبَّدتَّ بنـي إسرائيـل} علـيه، والعرب تفعل ذلك اختصاراً للكلام، ونظير ذلك فـي الكلام أن يستـحقّ رجلان من ذي سلطان عقوبة، فـيعاقب أحدهما، ويعفو عن الآخر، فـيقول الـمعفوّ عنه هذه نعمة علـيّ من الأمير أن عاقب فلاناً، وتركنـي، ثم حذف «وتركنـي» لدلالة الكلام علـيه، ولأن فـي قوله: {أنْ عبَّدتَّ بَنِـي إسْرائِيـلَ} وجهين: أحدهما النصب، لتعلق «تـمنها» بها، وإذا كانت نصبـاً كان معنى الكلام: وتلك نعمة تـمنها علـيّ لتعبدك بنـي إسرائيـل. والآخر: الرفع علـى أنها ردّ علـى النعمة. وإذا كانت رفعاً كان معنى الكلام: وتلك نعمة تـمنها علـيّ تعبـيدك بنـي إسرائيـل. ويعنـي بقوله: {أنْ عَبَّدتَّ بَنِـي إسْرَائِيـلَ}: أن اتـخذتهم عبـيداً لك. يقال منه: عبدت العبـيد وأعبدتهم، قال الشاعر:

عَلامَ يُعْبِدنِـي قَوْمِي وقدْ كَثُرَتْفِـيها أبـاعِرُ ما شاءُوا وَعُبْدَانُ

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {تـمُنُّها عَلـيَّ أنْ عَبَّدتَّ بَنِـي إسْرَائِيـلَ} قال: قهرتهم واستعملتهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: تـمن علـيّ أن عبَّدت بنـي إسرائيـل، قال: قهرت وغلبت واستعملت بنـي إسرائيـل.

حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَـمُنُّها عَلـيَّ أنْ عَبَّدتَّ بَنِـي إسْرَائِيـلَ} وربـيتنـي قبل ولـيداً.

وقال آخرون: هذا استفهام كان من موسى لفرعون، كأنه قال: أتـمنّ علـيّ أن اتـخذت بنـي إسرائيـل عبـيداً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، فـي قوله: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَـمُنُّها عَلـيَّ} قال: يقول موسى لفرعون: أتـمنّ علـيّ أن اتـخذت أنت بنـي إسرائيـل عبـيداً.

واختلف أهل العربـية فـي ذلك، فقال بعض نـحويـي البصرة: وتلك نعمة تـمنها علـيّ، فـيقال: هذا استفهام كأنه قال: أتـمنها علـيّ؟ ثم فسر فقال: {أنْ عَبَّدتَّ بَنِـي إسْرَائِيـلَ} وجعله بدلاً من النعمة. وكان بعض أهل العربـية ينكر هذا القول، ويقول: هو غلط من قائله لا يجوز أن يكون همز الاستفهام يـلقـي، وهو يطلب، فـيكون الاستفهام كالـخبر، قال: وقد استقبح ومعه أم، وهي دلـيـل علـى الاستفهام واستقبحوا:

تَرُوحُ منَ الـحَيّ أمْ تَبْتَكرْوَماذاَ يَضُرُّكَ لَوْ تَنْتَظرْ؟

قال: وقال بعضهم: هو أتروح من الـحيّ، وحذف الاستفهام أوّلا اكتفـاء بأم. وقال أكثرهم: بل الأوّل خبر، والثانـي استفهام، وكأن «أم» إذا جاءت بعد الكلام فهي الألف، فأما ولـيس معه أم، فلـم يقله إنسان. وقال بعض نـحويـي الكوفة فـي ذلك ما قلنا. وقال: معنى الكلام: وفعلت فعلتك التـي فعلت وأنت من الكافرين لنعمتـي: أي لنعمة تربـيتـي لك، فأجابه فقال: نعم هي نعمة علـيّ أن عبَّدت الناس ولـم تستعبدنـي.

وقول {قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَـمينَ} يقول: وأيّ شيء ربّ العالـمين؟ {قالَ} موسى هو {رَبُّ السَّمَوَاتِ والأرْضِ} ومالكهنّ {وَما بَـيْنَهُما} يقول: ومالك ما بـين السموات والأرض من شيء {إنْ كُنْتُـمْ مُوقِنـينَ} يقول: إن كنتـم موقنـين أن ما تعاينونه كما تعاينونه، فكذلك فأيقنوا أن ربنا هو ربّ السموات والأرض وما بـينهما.

قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُۥٓ أَلَا تَسْتَمِعُونَ ۝٢٥ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝٢٦ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِىٓ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ۝٢٧ قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ۝٢٨ قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ ۝٢٩

يعنـي تعالـى ذكره بقوله {قالَ لِـمَنْ حَوْلَهُ ألا تَسْتَـمِعُونَ} قال فرعون لـمن حوله من قوله: ألا تستـمعون لـما يقول موسى، فأخبر موسى علـيه السلام القوم بـالـجواب عن مسئلة فرعون إياه وقـيـله له

{ وَما رَبُّ العالَـمِينَ } لـيفهم بذلك قوم فرعون مقالته لفرعون، وجوابه إياه عما سأله، إذ قال لهم فرعون {ألا تَسْتَـمِعُونَ} إلـى قول موسى، فقال لهم الذي دعوته إلـيه وإلـى عبـادته {رَبُّكُمْ} الذي خـلقكم {وَرَبُّ آبـائِكُمُ الأوَّلـينَ} فقال فرعون لـما قال لهم موسى ذلك، وأخبرهم عما يدعو إلـيه فرعون وقومه: {إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَـيْكُمْ لَـمَـجْنُون} يقول: إن رسولكم هذا الذي يزعم أنه أرسل إلـيكم لـمغلوب علـى عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه، وإنـما قال ذلك ونسب موسى عدوّ الله إلـى الـجِنَّة، لأنه كان عنده وعند قومه أنه لا ربّ غيره يعبد، وأن الذي يدعوه إلـيه موسى بـاطل لـيست له حقـيقة، فقال موسى عند ذلك مـحتـجاً علـيهم، ومعرّفهم ربهم بصفته وأدلته، إذ كان عند قوم فرعون أن الذي يعرفونه ربـا لهم فـي ذلك الوقت هو فرعون، وأن الذي يعرفونه لآبـائهم أربـابـاً ملوك أخر، كانوا قبل فرعون، قد مضوا فلـم يكن عندهم أن موسى أخبرهم بشيء له معنى يفهمونه ولا يعقلونه، ولذلك قال لهم فرعون: إنه مـجنون، لأن كلامه كان عندهم كلاماً لا يعقلون معناه: الذي أدعوكم وفرعون إلـى عبـادته رب الـمشرق والـمغرب وما بـينهما يعنـي ملك مشرق الشمس ومغربها، وما بـينهما من شيء لا إلـى عبـادة ملوك مصر الذين كانوا ملوكها قبل فرعون لآبـائكم فمضوا، ولا إلـى عبـادة فرعون الذي هو ملكها {إنْ كُنْتُـمْ تَعْقِلُونَ} يقول: إن كان لكم عقول تعقلون بها ما يقال لكم، وتفهمون بها ما تسمعون مـما يعين لكم. فلـما أخبرهم علـيه السلام بـالأمر الذي علـموا أنه الـحق الواضح، إذ كان فرعون ومن قبله من ملوك مصر لـم يجاوز ملكهم عريش مصر، وتبـين لفرعون ومن حوله من قومه أن الذي يدعوهم موسى إلـى عبـادته، هو الـملك الذي يـملك الـملوك. قال فرعون حينئذ استكبـاراً عن الـحقّ، وتـمادياً فـي الغيّ لـموسى: {لَئنِ اتَّـخَذْتَ آلها غَيْرِي} يقول: لئن أقررت بـمعبود سواي {لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الـمَسْجُونِـينَ} يقول: لأسجننك مع من فـي السجن من أهله.

قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُّبِينٍ ۝٣٠ قَالَ فَأْتِ بِهِۦٓ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ۝٣١ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ۝٣٢ وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ ۝٣٣

يقول تعالـى ذكره: قال موسى لفرعون لـما عرفه ربه، وأنه ربّ الـمشرق والـمغرب، ودعاه إلـى عبـادته وإخلاص الألوهة له، وأجابه فرعون بقوله

{ لَئِنِ اتَّـخَذْتَ إلَهَا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الـمَسْجُونِـينَ }: أتـجعلنـي من الـمسجونـين {وَلَوْ جِئْتُكَ بشَيْءٍ مُبـينٍ} يبـين لك صدق ما أقول يا فرعون وحقـيقة ما أدعوك إلـيه؟ وإنـما قال ذلك له، لأن من أخلاق الناس السكون للإنصاف، والإجابة إلـى الـحقّ بعد البـيان فلـما قال موسى له ما قال من ذلك، قال له فرعون: فأت بـالشيء الـمبـين حقـيقة ما تقول، فإنا لن نسجنك حينئذ إن اتـخذت إلها غيري إن كنت من الصادقـين: يقول: إن كنت مـحقا فـيـما تقول، وصادقاً فـيـما تصف وتـخبر. {فأَلْقَـى عَصَاهُ فإذَا هيَ ثُعْبـانٌ مُبـينٌ} يقول جلّ ثناؤه: فألقـى موسى عصاه فتـحوّلت ثعبـاناً، وهي الـحية الذكر كما قد بـيَّنت فـيـما مضى قبل من صفته وقوله {مُبِـينٌ} يقول: يبـين لفرعون والـملأ من قومه أنه ثعبـان. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن ابن عبـاس، قوله {فَأَلْقَـى عَصَاهُ فإذَا هِيَ ثُعْبـانٌ مُبِـينٌ} يقول: مبـين له خـلق حية. وقوله: {وَنَزَعَ يَدَه فإذَا هيَ بَـيْضَاءُ} يقول: وأخرج موسى يده من جيبه فإذا هي بـيضاء تلـمع {للنَّاظرِينَ} لـمن ينظر إلـيها ويراها.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثام بن علـيّ، قال: ثنا الأعمش، عن الـمنهال، قال: ارتفعت الـحية فـي السماء قدر ميـل، ثم سفلت حتـى صار رأس فرعون بـين نابـيها، فجعلت تقول: يا موسى مرنـي بـما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بـالذي أرسلك، قال: فأخذه بطنه.

قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُۥٓ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٌ ۝٣٤ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِۦ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ۝٣٥ قَالُوٓا۟ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَٱبْعَثْ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ۝٣٦

يقول تعالـى ذكره: قال فرعون لـما أراه موسى من عظيـم قدرة الله وسلطانه حجة علـيه لـموسى بحقـيقة ما دعاه إلـيه، وصدق ما أتاه به من عند ربه {للْـمَلإِ حَوْلَه} يعنـي لأشراف قومه الذين كانوا حوله: {إنَّ هَذَا لَساحِرٌ عَلِـيـمٌ} يقول: إن موسى سحر عصاه حتـى أراكموها ثعبـاناً {عَلِـيـمٌ}، يقول: ذو علـم بـالسحر وبصر به {يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ} يقول: يريد أن يخرج بنـي إسرائيـل من أرضكم إلـى الشأم بقهره إياكم بـالسحر. وإنـما قال: يريد أن يخرجكم فجعل الـخطاب للـملإ حوله من القبط، والـمعنـيّ به بنو إسرائيـل، لأن القبط كان قد استعبدوا بنـي إسرائيـل، واتـخذوهم خدماً لأنفسهم ومُهَّاناً، فلذلك قال لهم: {يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكُمْ} وهو يريد: أن يخرج خدمكم وعبـيدكم من أرض مصر إلـى الشأم.

وإنـما قلت معنى ذلك كذلك، لأن الله إنـما أرسل موسى إلـى فرعون يأمره بإرسال بنـي إسرائيـل معه، فقال له ولأخيه

{ فَأْتِـيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنَّا رَسُولُ رَبّ العالَـمِينَ أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنـي إسْرائِيـلَ }

وقوله: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} يقول: فأيّ شيء تأمرون فـي أمر موسى وما به تشيرون من الرأي فـيه؟ {قالُوا أَرْجِهْ وأخاهُ، وَابْعَثْ فـي الـمَدَائِنِ حاشِرِينَ} يقول تعالـى ذكره: فأجاب فرعون الـملأ حوله بأن قالوا له: أخِّر موسى وأخاه وأنِظره، وابعث فـي بلادك وأمصار مصر حاشرين يحشرون إلـيك كل سحّار علـيـم بـالسحر.

يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ۝٣٧

to bring you every cunning sorcerer’, to surpass Moses in the art of magic.


Tafsir al-Jalalayn, trans. Feras Hamza
© 2017 Royal Aal al-Bayt Institute for Islamic Thought, Amman, Jordan (http://www.aalalbayt.org) ® All Rights Reserved
Apart from any fair dealing for the purposes of research or private study, or criticism or review, this work may not be reproduced, stored or transmitted, in any form or by any means, without the prior permission in writing of the Great Tafsirs Project, Royal Aal al-Bayt Institute for Islamic Thought ([email protected])

فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ۝٣٨ وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ ۝٣٩ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ ٱلسَّحَرَةَ إِن كَانُوا۟ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ ۝٤٠

يقول تعالـى ذكره: فجمع الـحاشرون الذين بعثهم فرعون بحشر السحرة {لِـميقاتِ يَوْم مَعْلُومٍ} يقول: لوقت واعد فرعون لـموسى الاجتـماع معه فـيه من يوم معلوم، وذلك يوم الزِّينة

{ وَأَنْ يُحْشرَ النَّاسُ ضُحَى }وقـيـل للناس: هل أنتـم مـجتـمعون لتنظروا إلـى ما يفعل الفريقان، ولـمن تكون الغلبة، لـموسى أو للسحرة؟ فلعلنا نتبع السحرة. ومعنى لعلّ هنا: كي. يقول: كي نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبـين موسى. وإنـما قلت ذلك معناها، لأن قوم فرعون كانوا علـى دين فرعون، فغير معقول أن يقول من كان علـى دين: أنظر إلـى حجة من هو علـى خلافـي لعلـي أتبع دينـي، وإنـما يقال: أنظر إلـيها كي أزدادَ بصيرة بدينـي، فأقـيـم علـيه. وكذلك قال قوم فرعون، فإياها عنوا بقـيـلهم: لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبـين. وقـيـل: إن اجتـماعهم للـميقات الذي اتعد للاجتـماع فـيه فرعون وموسى كان بـالإسكندرية. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَقِـيـلَ للنَّاسِ هَلْ أنْتُـمْ مُـجْتَـمِعُونَ} قال: كانوا بـالإسكندرية، قال: ويقال: بلغ ذنب الـحية من وراء البحيرة يومئذ، قال: وهربوا وأسلـموا فرعون وهمت به، فقال: فخذها يا موسى، قال: فكان فرعون مـما يـلـي الناس منه أنه كان لا يضع علـى الأرض شيئاً، قال: فأحدث يومئذ تـحته، قال: وكان إرساله الـحية فـي القبة الـحمراء.

فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُوا۟ لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَٰلِبِينَ ۝٤١ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ۝٤٢ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلْقُوا۟ مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ ۝٤٣ فَأَلْقَوْا۟ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا۟ بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَٰلِبُونَ ۝٤٤

يقول تعالـى ذكره: {فَلَـمَّا جاءَ السَّحَرَةُ} فرعون لوعد لـموسى وموعد فرعون {قالُوا لِفرْعَوْنَ أئِنَّ لَنا لأَجْراً} سحرنا قبلك {إنْ كُنَّا نَـحْنُ الغالِبِـينَ} موسى، {قالَ} فرعون لهم {نَعَمْ} لكم الأجر علـى ذلك {وَإنَّكُمْ لَـمِنَ الـمُقَرِّبِـينَ} منا. فقالوا عند ذلك لـموسى: إما أن تلقـى، وإما أن نكون نـحن الـملقـين، وترك ذكر قـيـلهم ذلك لدلالة خبر الله عنهم أنهم قال لهم موسى: ألقوا ما أنتـم ملقون، علـى أن ذلك معناه فـ {قالَ لَهُمْ مُوسَى ألْقُوا ما أنْتُـمْ مُلْقُونَ} من حبـالكم وعصيكم {فَأَلَقُوا حِبـالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ} من أيديهم {وَقالُوا بعزَّةِ فرْعَوْنَ} يقول: أقسموا بقوّة فرعون وشدّة سلطانه، ومنعة مـملكته {إنَّا لَنَـحْنُ الغالِبُونَ} موسى.

فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ۝٤٥ فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ ۝٤٦ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٤٧ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ۝٤٨

يقول تعالـى ذكره: {فَأْلَقـى مُوسَى عَصَاهُ} حين ألقت السحرة حبـالهم وعصيهم، {فَإذَا هيَ تَلْقَـفُ مَا يأْفِكُونَ} يقول: فإذا عصا موسى تزدرد ما يأتون به من الفِرْية والسحر الذي لا حقـيقة له، وإنـما هو مخايـيـل وخدعة {فَأُلْقِـيَ السَّحَرَة ساجدِينَ} يقول: فلـما تبـين السحرة أن الذي جاءهم به موسى حقّ لا سحر، وأنه مـما لا يقدر علـيه غير الله الذي فطر السموات والأرض من غير أصل، خرّوا لوجوههم سجدا لله، مذعنـين له بـالطاعة، مقرّين لـموسى بـالذي أتاهم به من عند الله أنه هو الـحقّ، وأن ما كانوا يعملونه من السحر بـاطل، قائلـين: {آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَـمِينَ} الذي دعانا موسى إلـى عبـادته دون فرعون وملئه {رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ. قالَ آمَنْتُـمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ} يقول جلّ ثناؤه: قال فرعون للذين كانوا سحرته فآمنوا: آمنتـم لـموسى بأن ما جاء به حقّ قبل أن آذن لكم فـي الإيـمان به

{ إنَّهُ لَكَبِـيرُكُمُ الَّذِي عَلَّـمَكُمُ السِّحْرَ }يقول: إن موسى لرئيسكم فـي السحر، وهو الذي علَّـمكموه، ولذلك آمنتـم به، { فَلَسَوْفَ تَعْلـمَونُ }عند عقابـي إياكم وبـالَ ما فعلتـم، وخطأ ما صنعتـم من الإيـمان به.

قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُۥ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَٰفٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ۝٤٩ قَالُوا۟ لَا ضَيْرَ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ۝٥٠

يقول {لأُقَطِّعَنّ أيْديَكُمْ وأرْجُلَكُمْ} مخالفـاً فـي قطع ذلك منكم بـين قطع الأيدي والأرجل، وذلك أن أقطع الـيد الـيـمنى والرجل الـيسرى، ثم الـيد الـيسرى والرجل الـيـمنى، ونـحو ذلك من قطع الـيد من جانب، ثم الرجل من الـجانب الآخر، وذلك هو القطع من خلاف {وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أجَمعِينَ} فوكد ذلك بأجمعين إعلاماً منه أنه غير مستبقٍ منهم أحداً {قالُوا لا ضَيْرَ} يقول تعالـى ذكره: قالت السحرة: لا ضير علـينا وهو مصدر من قول القائل: قد ضار فلانٌ فلاناً فهو يضير ضيراً، ومعناه: لا ضرر. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {لا ضَيْرَ} قال: يقول: لا يْضرّنا الذي تقول، وإن صنعته بنا وصلبتنا {إنَّا إلـى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ} يقول: إنا إلـى ربنا راجعون، وهو مـجازينا بصبرنا علـى عقوبتك إيانا، وثبـاتنا علـى توحيده، والبراءة من الكفر به.

إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَٰيَٰنَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝٥١ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِىٓ إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ۝٥٢

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـل السحرة: إنا نطمع: إنا نرجو أن يصفح لنا ربنا عن خطايانا التـي سلفت منا قبل إيـماننا به، فلا يعاقبنا بها. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {إنَّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا} قال: السحر والكفر الذي كانوا فـيه {أنْ كُنَّا أوَّلَ الـمُؤْمِنِـينَ} يقول: لأن كنا أوّل من آمن بـموسى وصدّقه بـما جاء به من توحيد الله وتكذيب فرعون فـي ادّعائه الربوبـية فـي دهرنا هذا وزماننا. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {أنْ كُنَّا أوَّلَ الـمُؤْمِنِـينَ} قال: كانوا كذلك يومئذ أوّل من آمن بآياته حين رأوها.

وقوله: {وأوْحَيْنا إلـى مَوسَى أنْ أسْرِ بعِبـادِي} يقول: وأوحينا إلـى موسى إذ تـمادى فرعون فـي غيِّه وأبى إلا الثبـات علـى طغيانه بعد ما أريناه آياتنا، أن أَسْرِ بعبـادي: يقول: أن سر ببنـي إسرائيـل لـيلاً من أرض مصر {إنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} إن فرعون وجنده متبعوك وقومك من بنـي إسرائيـل، لـيحولوا بـينكم وبـين الـخروج من أرضهم، أرض مصر.

فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ۝٥٣ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ۝٥٤ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ ۝٥٥ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَٰذِرُونَ ۝٥٦

يقول تعالـى ذكره: فأرسل فرعون فـي الـمدائن يحشر له جنده وقومه، ويقول لهم {إنَّ هَؤُلاءِ} يعنـي بهؤلاء: بنـي إسرائيـل {لَشِرْذِمَةٌ قَلِـيـلُونَ} يعنـي بـالشرذمة: الطائفة والعصبة البـاقـية من عصب جبـيرة، وشرذمة كل شيء: بقـيته القلـيـلة ومنه قول الراجز:

جاءَ الشِّتاءُ وقَمِيصِي أخْلاقْشَرَاذِمٌ يضْحَكُ مِنْهُ التَّوَّاقْ

وقـيـل: قلـيـلون، لأن كل جماعة منهم كان يـلزمها معنى القلة فلـما جمع جمع جماعاتهم قـيـل: قلـيـلون، كما قال الكُمَيت:

فَرَّدَّ قَوَاصِيَ الأَحْياءِ مِنْهُمْفَقَدْ صَارُوا كَحَيّ وَاحديِنا

وذُكر أن الـجماعة التـي سَمَّاها فرعون شرذمة قلـيـلـين، كانوا ستّ مئة ألف وسبعين ألفـاً.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن أبـي عُبـيدة {إنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذَمَةٌ قَلِـيـلُونَ}، قال: كانوا ستّ مئة وسبعين ألفـاً.

قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن أبـي عُبـيدة، عن عبد الله، قال: الشرذمة: ستّ مئة ألف وسبعون ألفـاً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا موسى بن عبـيدة، عن مـحمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن شدّاد بن الهاد، قال: اجتـمع يعقوب وولده إلـى يوسف، وهم اثنان وسبعون، وخرجوا مع موسى وهم ستّ مئة ألف، فقال فرعون {إنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذَمَةٌ قَلِـيـلُونَ}، وخرج فرعون علـى فرس أدهم حصان علـى لون فرسه فـي عسكره ثمان مئة ألف.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن سعيد الـجريري، عن أبـي السلـيـل، عن قـيس بن عبـاد، قال: وكان من أكثر الناس أو أحدث الناس عن بنـي إسرائيـل، قال: فحدّثنا أن الشرذمة الذين سماهم فرعون من بنـي إسرائيـل كانوا ستّ مئة ألف، قال: وكان مقدمة فرعون سبعة مئة ألف، كل رجل منهم علـى حصان علـى رأسه بـيضة، وفـي يده حربة، وهو خـلفهم فـي الدهم. فلـما انتهى موسى ببنـي إسرائيـل إلـى البحر، قالت بنو إسرائيـل: يا موسى أين ما وعدتنا، هذا البحر بـين أيدينا، وهذا فرعون وجنوده قد دهمنا من خـلفنا، فقال موسى للبحر: انفلق أبـا خالد، قال: لا لن أنفلق لك يا موسى، أنا أقدم منك خـلقا قال: فنودي أنِ اضربْ بعصاك البحر، فضربه، فـانفلق البحر، وكانوا اثنـي عشر سبطا. قال الـجريري: فأحسبه قال: إنه كان لكل سبط طريق، قال: فلـما انتهى أوّل جنود فرعون إلـى البحر، هابت الـخيـل اللهب قال: ومَثِّل لـحصان منها فرس وديق، فوجد ريحها فـاشتدّ، فـاتبعه الـخيـل قال: فلـما تتامّ آخر جنود فرعون فـي البحر، وخرج آخر بنـي إسرائيـل، أمر البحر فـانصفق علـيهم، فقالت بنو إسرائيـل: ما مات فرعون وما كان لـيـموت أبدا، فسمع الله تكذيبهم نبـيه علـيه السلام، قال: فرمى به علـى الساحل، كأنه ثور أحمر يتراءاه بنو إسرائيـل.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله {إنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذَمَةٌ قَلِـيـلُونَ} يعنـي بنـي إسرائيـل.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله {إنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذَمَةٌ قَلِـيـلُونَ} قال: هم يومئذ ستّ مئة ألف، ولا يحصى عدد أصحاب فرعون.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله

{ وأوْحَيْنا إلـى مُوسَى أنْ أسْرِ بعِبـادِي إنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ }قال: أوحى الله إلـى موسى أن اجمع بنـي إسرائيـل، كلّ أربعة أبـيات فـي بـيت، ثم اذبحوا أولاد الضأن، فـاضربوا بدمائها علـى الأبواب، فإنـي سآمر الـملائكة أن لا تدخـل بـيتاً علـى بـابه دم، وسآمرهم بقتل أبكار آل فرعون من أنفسهم وأموالهم، ثم اخبزوا خبزاً فطيرا، فإنه أسرع لكم، ثم أسر بعبـادي حتـى تنتهي للبحر، فـيأتـيك أمري، ففعل فلـما أصبحوا قال فرعون: هذا عمل موسى وقومه قتلوا أبكارنا من أنفسنا وأموالنا، فأرسل فـي أثرهم ألف ألف وخمس مئة ألف وخمس مئة ملك مُسَوَّر، مع كل ملك ألف رجل، وخرج فرعون فـي الكَرِش العظمى، وقال {إنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذَمَةٌ قَلِـيـلُونَ} قال: قطعة، وكانوا ستّ مئة ألف، مئتا ألف منهم أبناء عشرين سنة إلـى أربعين.

قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر بن حوشب، عن ابن عبـاس، قال: كان مع فرعون يومئذ ألف جبـار، كلهم علـيه تاج، وكلهم أمير علـى خيـل.

قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: كانوا ثلاثـين ملكاً ساقة خـلف فرعون يحسبون أنهم معهم وجبرائيـل أمامهم، يردّ أوائل الـخيـل علـى أواخرها، فأتبعهم حتـى انتهى إلـى البحر. وقوله: {وإنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ} يقول: وإن هؤلاء الشرذمة لنا لغائظون، فذكر أن غيظهم إياهم كان قتل الـملائكة من قتلت من أبكارهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: {وإنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ} يقول: بقتلهم أبكارنا من أنفسنا وأموالنا. وقد يحتـمل أن يكون معناه: وإنهم لنا لغائظون بذهابهم منهم بـالعواريّ التـي كانوا استعاروها منهم من الـحلـيّ، ويحتـمل أن يكون ذلك بفراقهم إياهم، وخروجهم من أرضهم بكره لهم لذلك.

وقوله {وَإنَّا لَـجِمِيعٌ حاذِرونَ} اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة {وَإنَّا لَـجِمِيعٌ حاذِرونَ} بـمعنى: أنهم معدون مؤدون ذوو أداة وقوّة وسلاح. وقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والبصرة: «وَإنَّا لَـجَمِيعٌ حَذِرُونَ» بغير ألف. وكان الفرّاء يقول: كأن الـحاذر الذي يحذرك الآن، وكأن الـحذر الـمخـلوق حذرا لا تلقاه إلا حذرا ومن الـحذر قول ابن أحمر:

هَلْ أُنْسَأَنْ يَوْما إلـى غَيْرِهِإنّـي حَوَالِـيٌّ وآنّـي حَذِرْ

والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان مستفـيضتان فـي قرّاء الأمصار متقاربتا الـمعنى، فبأيتهما قرأ القارىء، فمصيب الصواب فـيه. وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي إسحاق، قال: سمعت الأسود بن زيد يقرأ: {وَإنَّا لَـجِمِيعٌ حاذِرُونَ} قال: مقوون مؤدون.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عيسى بن عبـيد، عن أيوب، عن أبـي العرجاء عن الضحاك بن مزاحم أنه كان يقرأ: {وَإنَّا لَـجِمِيعٌ حاذِرُونَ} يقول: مؤدون.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي فـي قوله: {وَإنَّا لَـجِمِيعٌ حاذِرُونَ} يقول: حذرنا، قال: جمعنا أمرنا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج {وَإنَّا لَـجِمِيعٌ حاذِرُونَ} قال: مؤدون معدون فـي السلاح والكراع.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج أبو معشر، عن مـحمد بن قـيس قال: كان مع فرعون ستّ مئة ألف حصان أدهم سوى ألوان الـخيـل.

حدثنا عمرو بن علـيّ، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا سلـيـمان بن معاذ الضبـي، عن عاصم بن بهدلة، عن أبـي رزين، عن ابن عبـاس أنه قرأها: {وَإنَّا لَـجِمِيعٌ حاذِرُونَ} قال: مؤدون مقوون.

الخميس، 29 أكتوبر 2026 18 جمادى الأولى 1448 هـ