انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الشعراء

تفسير الطبريالآيات 57–130

تفسير سورة الشعراء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الشعراء

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 1:05:38

  1. 1 الآيات 52–110في هذه الصفحة 15:44
  2. 2 الآيات 111–180في هذه الصفحة 18:45

التفسير الصوتي لسورة الشعراء كاملًا (4 مقاطع)

فَأَخْرَجْنَٰهُم مِّن جَنَّٰتٍ وَعُيُونٍ ۝٥٧ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ۝٥٨ كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَٰهَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ۝٥٩ فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ ۝٦٠

يقول تعالـى ذكره: فأخرجنا فرعون وقومه من بساتـين وعيون ماء، وكنوز ذهب وفضة، ومقام كريـم. قـيـل: إن ذلك الـمقام الكريـم: الـمنابر. وقوله {كَذلكَ} يقول: هكذا أخرجناهم من ذلك كما وصفت لكم فـي هذه الآية والتـي قبلها {وأوْرَثْناها} يقول: وأورثنا تلك الـجنات التـي أخرجناهم منها والعيون والكنوز والـمقام الكريـم عنهم بهلاكهم بنـي إسرائيـل. وقوله: {فَأتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِـينَ} فأتبع فرعون وأصحابه بنـي إسرائيـل، مشرقـين حين أشرقت الشمس، وقـيـل حين أصبحوا.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنـي أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {فَأتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِـينَ} قال: خرج موسى لـيلاً، فكسف القمر وأظلـمت الأرض، وقال أصحابه: إن يوسف أخبرنا أنا سَننـجي من فرعون، وأخذ علـينا العهد لنـخرجنّ بعظامه معنا، فخرج موسى لـيـلته يسأل عن قبره، فوجد عجوزا بـيتها علـى قبره، فأخرجته له بحكمها، وكان حكمها أو كلـمة تشبه هذا، أن قالت: احملنـي فأخرجنـي معك، فجعل عظام يوسف فـي كسائه، ثم حمل العجوز علـى كسائه، فجعله علـى رقبته، وخيـل فرعون هي ملء أعنتها حضرا فـي أعينهم، ولا تبرح، حُبست عن موسى وأصحابه حتـى تواروا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قوله {فَأتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِـينَ} قال: فرعون وأصحابه، وخيـل فرعون فـي مل أعنتها فـي رأي عيونهم، ولا تبرح، حبست عن موسى وأصحابه حتـى تواروا.

فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ۝٦١ قَالَ كَلَّآ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ ۝٦٢ فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ ۝٦٣

يقول تعالـى ذكره: فلـما تناظر الـجمعان: جمع موسى وهم بنو إسرائيـل، وجمع فرعون وهم القبط {قالَ أصْحابُ مُوسَى إنَّا لَـمُدْرَكُونَ} أي إنا لـملـحقون، الآن يـلـحقنا فرعون وجنوده فـيقتلوننا، وذُكر أنهم قالوا ذلك لـموسى، تشاؤما بـموسى.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، عن أبـيه، قال: قلت لعبد الرحمن {فَلَـمَّا تَرَاءَى الـجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسَى إنَّا لَـمُدْرَكُونَ} قال: تشاءموا بـموسى، وقالوا: أوذينا من قبل أن تأتـينا، ومن بعد ما جئتنا.

حدثنا موسى، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {فَلَـمَّا تَرَاءَى الـجَمْعانِ} فنظرت بنو إسرائيـل إلـى فرعون قد رمقهم قالوا {إنَّا لَـمُدْرَكُونَ}. قَالُوا يا موسى

{ أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أنْ تأتِـيَنَا، وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا } الـيوم يدركنا فرعون فـيقتلنا، إنا لـمدركون البحر بـين أيدينا، وفرعون من خـلفنا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر، عن شهر بن حوشب، عن ابن عبـاس، قال: لـما انتهى موسى إلـى البحر، وهاجت الريح العاصف، فنظر أصحاب موسى خـلفهم إلـى الريح، وإلـى البحر أمامهم {قالَ أصْحابُ مُوسَى إنَّا لَـمُدْرَكُونَ قالَ كَلاَّ إنَّ مَعِيَ رَبّـي سَيَهْدِين}ِ.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار سوى الأعرج {إنَّا لَـمُدْرَكُونَ}، وقرأه الأعرج: «إنَّا لَـمُدَّرَكُونَ» كما يقال نزلت، وأنزلت. والقراءة عندنا التـي علـيها قرّاء الأمصار، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها.]

وقوله: {كَلاَّ إن مَعِيَ رَبّـي سَيَهْدِينِ} قال موسى لقومه: لـيس الأمر كما ذكرتـم، كلا لن تدركوا إن معي ربـي سيهدين، يقول: سيهدين لطريق أنـجو فـيه من فرعون وقومه. كما:

حدثنـي ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، قال: لقد ذُكر لـي أنه خرج فرعون فـي طلب موسى علـى سبعين ألفـا من دُهم الـخيـل، سوى ما فـي جنده من شِيَة الـخيـل، وخرج موسى حتـى إذا قابله البحر، ولـم يكن عنه منصرف، طلع فرعون فـي جنده من خـلفهم {فَلَـمَّا تَرَاءَى الـجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسَى إنَّا لَـمُدْرَكُونَ قالَ كَلا إنَّ مَعِيَ رَبّـي سَيَهْدِينِ} أي للنـجاة، وقد وعدنـي ذلك، ولا خُـلف لـموعوده.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {قالَ كَلاَّ إنَّ مَعِيَ رَبّـي سَيَهْدِينِ} يقول: سيكفـينـي، وقال:

{ عَسَى رَبكُمْ أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَـخْـلِفَكُمْ فِـي الأرْضِ فَـيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ }، {وقوله {فَأَوْحَيْنا إلـى مُوسَى أنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ البَحْرَ فـانْفَلَقَ} ذكر أن الله كان قد أمر البحر أن لا ينفلق حتـى يضربه موسى بعصاه.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: فتقدّم هارون فضرب البحر، فأبى ينفتـح، وقال: من هذا الـجبـار الذي يضربنـي، حتـى أتاه موسى فكناه أبـا خالد، وضربه فـانفلق.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي مـحمد بن إسحاق، قال: أوحى الله فـيـما ذكر إلـى البحر: إذا ضربك موسى بعصاه فـانفلق له، قال: فبـات البحر يضرب بعضه بعضا فرقا من الله، وانتظار أمره، وأوحى الله إلـى موسى أن أضرب بعصاك البحر، فضربه بها وفـيها سلطان الله الذي أعطاه، فـانفلق.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، ظن سلـيـمان التـيـمي، عن أبـي السلـيـل، قال: لـما ضرب موسى بعصاه البحر، قال: إيها أبـا خالد، فأخذه أَفْكَلٌ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جرَيج، وحجاج عن أبـي بكر بن عبد الله وغيره، قالوا: لـما انتهى موسى إلـى البحر وهاجت الريح والبحر يرمي بثـيّاره، ويـموج مثل الـجبـال، وقد أوحى الله إلـى البحر أن لا ينفلق حتـى يضربه موسى بـالعصا، فقال له يوشع: يا كلـيـم الله أين أمرت؟ قال: ههنا، قال: فجاز البحر ما يواري حافره الـماء، فذهب القوم يصنعون مثل ذلك، فلـم يقدروا، وقال له الذي يكتـم إيـمانه: يا كلـيـم الله أين أمرت؟ قال: ههنا، فكبح فرسه بلـجامه حتـى طار الزبد من شدقـيه، ثم قحمه البحر فأرسب فـي الـماء، فأوحى الله إلـى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فضرب بعصاه موسى البحر فـانفلق، فإذا الرجل واقـف علـى فرسه لـم يبتلّ سرجه ولا لبده.

وقوله: {فَكان كُلّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيـمِ} يقول تعالـى ذكره: فكان كل طائفة من البحر لـما ضربه موسى كالـجبل العظيـم. وذُكر أنه انفلق اثنتـي عشرة فلقة علـى عدد الأسبـاط، لكل سبط منهم فرق. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {فـانْفَلَقَ فَكانَ كُلّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيـمِ} يقول: كالـجبل العظيـم، فدخـلت بنو إسرائيـل، وكان فـي البحر اثنا عشر طريقا، فـي كل طريق سبط، وكان الطريق كما إذا انفلقت الـجدران، فقال: كل سبط قد قتل أصحابنا فلـما رأى ذلك موسى دعا الله فجعلها قناطر كهيئة الطيقان، فنظر آخرهم إلـى أوّلهم حتـى خرجوا جميعا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، وحجاج، عن أبـي بكر بن عبد الله وغيره قالوا: انفلق البحر، فكان كل فرق كالطود العظيـم، اثنا عشر طريقا فـي كل طريق سبط، وكان بنو إسرائيـل اثنـي عشر سبطا، وكانت الطرق بجدران، فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا فلـما رأى ذلك موسى، دعا الله فجعلها لهم بقناطر كهيئة الطيقان، ينظر بعضهم إلـى بعض، وعلـى أرض يابسة كأن الـماء لـم يصبها قطّ حتـى عبر.

قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: لـما انفلق البحر لهم صار فـيه كوى ينظر بعضهم إلـى بعض.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي مـحمد بن إسحاق {فَكان كُلّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيـمِ} أي كالـجبل علـى نشَز من الأرض.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {فَكان كُلّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيـمِ} يقول: كالـجبل.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله {كالطَّوْدِ العَظِيـمِ} قال: كالـجبل العظيـم ومنه قول الأسود بن يعفر:

حَلُّوا بأنْقِرَةٍ يَسيـلُ عَلَـيْهِمُماء الفُرَاتِ يَجيءُ مِنْ أطْوَادِ

يعنـي بـالأطواد: جمع طود، وهو الجبل.

وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلْـَٔاخَرِينَ ۝٦٤ وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ أَجْمَعِينَ ۝٦٥ ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلْـَٔاخَرِينَ ۝٦٦ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ۝٦٧ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ۝٦٨

يعنـي بقول تعالـى ذكره: {وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ}: وقرّبنا هنالك آل فرعون من البحر، وقدمناهم إلـيه، ومنه قوله:

{ وأُزْلفَتِ الـجَنَّةُ للْـمُتَّقِـينَ }بـمعنى: قربت وأُدنـيت ومنه قول العجاج:

طَيَّ اللَّـيالـي زُلَفـا فَزُلَفـاسَماوَةَ الهِلالِ حتـى احْقَوْقَـفَـا

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الـخراسانـي، عن ابن عبـاس، قوله {وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ} قال: قرّبنا.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، فـي قوله {وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ} قال: هم قوم فرعون قرّبهم الله حتـى أغرقهم فـي البحر.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: دنا فرعون وأصحابه بعد ما قطع موسى ببنـي إسرائيـل البحر من البحر فلـما نظر فرعون إلـى البحر منفلقا، قال: ألا ترون البحر فرِق منـي، قد تفتـح لـي حتـى أدرك أعدائي فأقتلهم، فذلك قول الله {وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ} يقول: قرّبنا ثم الآخرين هم آل فرعون فلـما قام فرعون علـى الطرق، وأبت خيـله أن تقتحم، فنزل جبرائيـل صلى الله عليه وسلم علـى ماذيانة، فتشامَّتْ الـحُصُن ريح الـماذيانة فـاقتـحمت فـي أثرها حتـى إذا همّ أوّلهم أن يخرج ودخـل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم، فـالتطم علـيهم، وتفرّد جبرائيـل بـمقلة من مقل البحر، فجعل يدسها فـي فـيه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر بن عبد الله، قال: أقبل فرعون فلـما أشرف علـى الـماء، قال أصحاب موسى: يا مكلـم الله إن القوم يتبعوننا فـي الطريق، فـاضرب بعصاك البحر فـاخـلطه، فأراد موسى أن يفعل، فأوحى الله إلـيه: أن اترك البحر رَهْوا: يقول: أمره علـى سكناته إنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ إنـما أمكر بهم، فإذا سلكوا طريقكم غرقتهم فلـما نظر فرعون إلـى البحر قال: ألا ترون البحر فِرق منـي حتـى تفتـح لـي، حتـى أدرك أعدائي فأقتلهم فلـما وقـف علـى أفواه الطرق وهو علـى حصان، فرأى الـحصان البحر فـيه أمثال الـجبـال هاب وخاف، وقال فرعون: أنا راجع، فمكر به جبرائيـل علـيه السلام، فأقبل علـى فرس أنثى، فأدناها من حصان فرعون، فطفق فرسه لا يقرّ، وجعل جبرائيـل يقول: تقدم، ويقول: لـيس أحد أحقّ بـالطريق منك، فتشامَّت الـحُصُن الـماذيانة، فما ملك فرعون فرسه أن ولـج علـى أثره فلـما انتهى فرعون إلـى وسط البحر، أوحى الله إلـى البحر: خذ عبدي الظَّالـم وعبـادي الظلـمة، سلطانـي فـيك، فإنـي قد سلطتك علـيهم، قال: فتغطمطت تلك الفرق من الأمواج كأنها الـجبـال، وضرب بعضها بعضا فلـما أدركه الغرق

{ قالَ آمَنْتُ أنَّه لا إلَهَ إلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسرَائيـلَ وأنا مِنَ الـمُسْلِـمِينَ }وكان جبرائيـل صلى الله عليه وسلم شديد الأسف علـيه لـما ردّ من آيات الله، ولطول علاج موسى إياه، فدخـل فـي أسفل البحر، فأخرج طينا، فحشاه فـي فم فرعون لكيلا يقولها الثانـية، فتدركه الرحمة، قال: فبعث الله إلـيه ميكائيـل يعبره: { آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ الـمُفْسِدِينَ }وقال جبرائيـل: يا مـحمد ما أبغضت أحدا من خـلق الله ما أبغضت اثنـين أحدهما من الـجنّ وهو إبلـيس، والآخر فرعون قالَ {أنَا رَبُّكُمُ الأَعْلـى} ولقد رأيتنـي يا مـحمد، وأنا أحشو فـي فـيه مخافة أن يقول كلـمة يرحمه الله بها. وقد زعم بعضهم أن معنى قوله: {وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ} وجمعنا، قال: ومنه لـيـلة الـمزدلفة، قال: ومعنى ذلك: أنها لـيـلة جمع. وقال بعضهم: وأزلفنا ثم وأهلكنا. وقوله: {وأنـجَيْنا مُوسَى وَمَنْ مَعَه أجَمعِينَ} يقول تعالـى ذكره: وأنـجينا موسى مـما أتبعنا به فرعون وقومه من الغرق فـي البحر ومن مع موسى من بنـي إسرائيـل أجمعين، وقوله: {ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ} يقول: ثم أغرقنا فرعون وقومه من القبط فـي البحر بعد أن أنـجينا موسى منه ومن معه، وقوله: {إنَّ فِـي ذلكَ لآيَةً} يقول تعالـى ذكره: إن فـيـما فعلت بفرعون ومن معه تغريقـي إياهم فـي البحر إذ كذّبوا رسولـي موسى، وخالفوا أمري بعد الإعذار إلـيهم، والإنذار لدلالة بـينة يا مـحمد لقومك من قريش علـى أن ذلك سنتـي فـيـمن سلك سبـيـلهم من تكذيب رسلـي، وعظة لهم وعبرة أن ادّكروا واعتبروا أن يفعلوا مثل فعلهم من تكذيبك مع البرهان والآيات التـي قد أتـيتهم، فـيحلّ بهم من العقوبة نظير ما حلّ بهم، ولك آية فـي فعلـي بـموسى، وتنـجيتـي إياه بعد طول علاجه فرعون وقومه منه، وإظهاري إياه وتوريثه وقومه دورهم وأرضهم وأموالهم، علـى أنـي سالك فـيك سبـيـله، إن أنت صبرت صبره، وقمت من تبلـيغ الرسالة إلـى من أرسلتك إلـيه قـيامه، ومظهرك علـى مكذّبـيك، ومعلـيك علـيهم، {وما كان أكثرهم مؤمنـين} يقول: وما كان أكثر قومك يا مـحمد مؤمنـين بـما أتاك الله من الـحقّ الـمبـين، فسابق فـي علـمي أنهم لا يؤمنون {وَإنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ} فـي انتقامه مـمن كفر به وكذب رسله من أعدائه، {الرَّحِيـمُ} بـمن أنـجى من رسله، وأتبـاعهم من الغرق والعذاب الذي عذّب به الكفرة.

وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَٰهِيمَ ۝٦٩ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦ مَا تَعْبُدُونَ ۝٧٠ قَالُوا۟ نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَٰكِفِينَ ۝٧١

يقول تعالـى ذكره: واقصص علـى قومك من الـمشركين يا مـحمد خبر إبراهيـم حين قال لأبـيه وقومه: أيَّ شيء تعبدون؟ {قَالوا} له: {نَعْبُدُ أصْنَاما فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِـين} يقول: فنظلّ لها خدما مقـيـمين علـى عبـادتها وخدمتها. وقد بـيَّنا معنى العكوف بشواهده فـيـما مضى قبل، بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. وكان ابن عبـاس فـيـما روي عنه يقول فـي معنى ذلك ما.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عبـاس، قوله: {قالُوا نَعْبُدُ أصْناما فَنَظَلُّ لَهَا عاكِفِـينَ} قال: الصلاة لأصنامهم.

قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ۝٧٢ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ۝٧٣ قَالُوا۟ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ ۝٧٤

يقول تعالـى ذكره: قال إبراهيـم لهم: هل تسمع دعاءكم هؤلاء الآلهة إذ تدعونهم؟ واختلف أهل العربـية فـي معنى ذلك: فقال بعض نـحويـي البصرة معناه: هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم، فحذف الدعاء، كما قال زُهَير:

القائِدُ الـخَيْـلَ مَنْكُوبـا دَوَابِرُهاقدْ أُحْكِمَتْ حَكماتِ القِدّ والأبَقا

وقال: يريد أحكمت حكمات الأبق، فألقـى الـحكمات وأقام الأبق مُقامها. وقال بعض من أنكر ذلك من قوله من أهل العربـية: الفصيح من الكلام فـي ذلك هو ما جاء فـي القرآن، لأن العرب تقول: سمعت زيدا متكلـما، يريدون: سمعت كلام زيد، ثم تعلـم أن السمع لا يقع علـى الأناسيّ، إنـما يقع علـى كلامهم ثم يقولون: سمعت زيدا: أي سمعت كلامه، قال: ولو لـم يقدم فـي بـيت زهير حكمات القدّ لـم يجز أن يسبق بـالأبق علـيها، لأنه لا يقال: رأيت الأبق، وهو يريد الـحكمة. وقوله: {أوْ يَنْفَعُونَكُمْ أوْ يَضُرُّونَ} يقول: أو تنفعكم هذه الأصنام، فـيرزقونكم شيئا علـى عبـادتكموها، أو يضرّونكم فـيعاقبونكم علـى ترككم عبـادتها بأن يسلبوكم أموالكم، أو يهلكوكم إذا هلكتـم وأولادكم {قالُوا بَلْ وَجَدْنا آبـاءَنا كَذلكَ يَفْعَلُونَ}. وفـي الكلام متروك استغنـي بدلالة ما ذكر عما ترك، وذلك جوابهم إبراهيـم عن مسألته إياهم: {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إذْ تَدْعُونَ، أوْ يَنْفُعُونَكُمْ أوْ يَضُرُّونَ} فكان جوابهم إياه: لا، ما يسمعوننا إذا دعوناهم، ولا ينفعوننا ولا يضرّون، يدلّ علـى أنهم بذلك أجابوه. قولهم: {بَلْ وَجَدْنا آبـاءَنا كَذلكَ يَفْعَلُونَ} وذلك رجوع عن مـجحود، كقول القائل: ما كان كذا بل كذا وكذا، ومعنى قولهم: {وَجَدْنا آبـاءَنا كذلكَ يَفْعَلُونَ} وجدنا من قبلنا ولا يضرّون، يدلّ علـى أنهم بذلك أجابوه. قولهم من آبـائنا يعبدونها ويعكفون علـيها لـخدمتها وعبـادتها، فنـحن نفعل ذلك اقتداء بهم، واتبـاعا لـمنهاجهم.

قَالَ أَفَرَءَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ ۝٧٥ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمُ ٱلْأَقْدَمُونَ ۝٧٦ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّىٓ إِلَّا رَبَّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٧٧

يقول تعالـى ذكره: قال إبراهيـم لقومه: أفرأيتـم أيها القوم ما كنتـم تعبدون من هذه الأصنام أنتـم وآبـاؤكم الأقدمون، يعنـي بـالأقدمين: الأقدمين من الذين كان إبراهيـم يخاطبهم، وهم الأوّلون قبلهم مـمن كان علـى مثل ما كان علـيه الذين كلـمهم إبراهيـم من عبـادة الأصنام، فإنهم عدوّ لـي إلا ربّ العالـمين. يقول قائل: وكيف يوصف الـخشب والـحديد والنـحاس بعداوة ابن آدم؟ فإن معنى ذلك: فإنهم عدوّ لـي لو عبدتهم يوم القـيامة، كما قال جلّ ثناؤه

{ واتَّـخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِـيَكُونُوا لَهُمْ عِزّا، كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبـادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَـيْهِمْ ضِدّاً }. وقوله: {إلاَّ رَبَّ العالَـمينَ} نصبـا علـى الاستثناء، والعدوّ بـمعنى الـجمع، ووحد لأنه أخرج مخرج الـمصدر، مثل القعود والـجلوس. ومعنى الكلام: أفرأيتـم كلّ معبود لكم ولآبـائكم، فإنـي منه بريء لا أعبده، إلا ربّ العالـمين.

ٱلَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ ۝٧٨ وَٱلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ ۝٧٩ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ۝٨٠

يقول: فإنهم عدوّ لـي إلا ربّ العالـمين {الَّذي خَـلَقَنِـي فَهُو يَهْدِينِ} للصواب من القول والعمل، ويسدّدنـي للرشاد {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِـي وَيَسْقِـينِ} يقول: والذي يغذونـي بـالطعام والشراب، ويرزقنـي الأرزاق {وَإذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِـينِ} يقول: وإذا سقم جسمي واعتلّ، فهو يبرئه ويعافـيه.

وَٱلَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ ۝٨١ وَٱلَّذِىٓ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيٓـَٔتِى يَوْمَ ٱلدِّينِ ۝٨٢

يقول: والذي يـميتنـي إذا شاء ثم يحيـينـي إذا أراد بعد مـماتـي {وَالَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لـي خَطِيئَتِـي يَوْمَ الدّينِ} فرّبى هذا الذي بـيده نفعي وضرّي، وله القدرة والسلطان، وله الدنـيا والآخرة، لا الذي لا يسمع إذا دُعي، ولا ينفع ولا يضرّ. وإنـما كان هذا الكلام من إبراهيـم احتـجاجا علـى قومه، فـي أنه لا تصلـح الألوهة، ولا ينبغي أن تكون العبودة إلا لـمن يفعل هذه الأفعال، لا لـمن لا يطيق نفعا ولا ضرّا. وقـيـل: إن إبراهيـم صلوات الله علـيه، عنـي بقوله: {وَالَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لـي خَطِيئَتِـي يَوْمَ الدّينِ}: والذي أرجو أن يغفر لـي قولـي:

{ إنّـي سَقِـيـمٌ }، وقولـي: { بَلْ فَعَلَهُ كَبِـيرُهُمْ هَذَا }، وقولـي لسارة إنها أختـي.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {أنْ يَغْفِرَ لـي خَطِيئَتِـي يَوْمَ الدّينِ} قال:

{ إنّـي سَقِـيـمٌ }، وقوله { فَعَلَهُ كَبِـيرُهُمْ هَذَا }، وقوله لسارَة: إنها أختـي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قوله {وَالَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لـي خَطِيئَتِـي يَوْمَ الدّينِ} قال: قوله

{ إنّـي سَقِـيـمٌ }، وقوله { بَلْ فَعَلَهُ كَبِـيرُهُمْ هَذَا }، وقوله لسارَة: إنها أختـي.

قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو تُـمَيـلة، عن أبـي حمزة، عن جابر، عن عكرمة ومـجاهد نـحوه. ويعنـي بقوله {يَوْمَ الدّينِ} يوم الـحساب، يوم الـمـجازاة، وقد بـيَّنا ذلك بشواهده فـيـما مضى.

رَبِّ هَبْ لِى حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّٰلِحِينَ ۝٨٣ وَٱجْعَل لِّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ۝٨٤

يقول تعالـى ذكره مخبرا عن مسألة خـلـيـله إبراهيـم إياه {رَبّ هَبْ لـي حُكْماً} يقول: ربّ هب لـي نبوّة {وألْـحِقْنِـي بـالصَّالِـحِينَ} يقول: واجعلنـي رسولاً إلـى خـلقك، حتـى تلـحقنـي بذلك بِعداد من أرسلته من رسلك إلـى خـلقك، واتـمنته علـى وحيك، واصطفـيته لنفسك. وقوله: {وَاجْعَلْ لـي لِسانَ صِدْقٍ فِـي الآخِرِينَ} يقول: واجعل لـي فـي الناس ذكرا جميلاً، وثناء حسنا، بـاقـيا فـيـمن يجيء من القرون بعدي. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر، عن عكرمة، قوله {وَاجْعَلْ لـي لِسانَ صِدْقٍ فِـي الآخِرِينَ}، قوله

{ وآتَـيْناهُ أجْرَهُ فِـي الدُّنْـيا }. قال: إن الله فضله بـالـخُـلّة حين اتـخذه خـلـيلاً، فسأل الله فقال: {وَاجْعَلْ لـي لِسانَ صِدْقٍ فِـي الآخِرِينَ} حتـى لا تكذّبنـي الأمـم، فأعطاه الله ذلك، فإن الـيهود آمنت بـموسى، وكفرت بعيسى، وإن النصارى آمنت بعيسى، وكفرت بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وكلهم يتولـى إبراهيـم قالت الـيهود: هو خـلـيـل الله وهو منا، فقطع الله ولايتهم منه بعد ما أقرّوا له بـالنبوّة وآمنوا به، فقال: { ما كانَ إبْرَاهِيـمُ يَهُودِيِّا وَلا نَصْرَانِـيًّا، وَلَكِنْ كانَ حَنِـيفـا مُسْلِـمَا وَما كانَ مِنَ الـمُشْرِكِينَ }، ثم ألـحق ولايته بكم فقال: { إنَّ أوْلَـى النَّاسِ بإبْرَاهيـمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، وَهَذَا النَّبِـيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَالله وَلِـيُّ الـمُؤْمِنِـينَ }فهذا أجره الذي عجل له، وهي الـحسنة، إذ يقول: { وآتَـيْناهُ فـي الدُّنْـيا حَسَنَةً }وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {وَاجْعَلْ لـي لِسانَ صِدْقٍ فِـي الآخِرِينَ} قال: اللسان الصِّدْق: الذكْر الصدق، والثناء الصالـح، والذكر الصالـح فـي الآخرين من الناس، من الأمـم.

وَٱجْعَلْنِى مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ ۝٨٥ وَٱغْفِرْ لِأَبِىٓ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ۝٨٦ وَلَا تُخْزِنِى يَوْمَ يُبْعَثُونَ ۝٨٧ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝٨٨ إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ۝٨٩

يعنـي إبراهيـم صلوات الله علـيه بقوله: {وَاجْعَلْنِـي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيـمِ} أورثنـي يا ربّ من منازل مَن هلك مِن أعدائك الـمشركين بك من الـجنة، وأسكنـي ذلك {وَاغْفِرْ لأبِـي} يقول: واصفح لأبـي عن شركه بك، ولا تعاقبه علـيه {إنَّه كانَ مِنَ الضَّالِّـينَ} يقول: إنه كان مـمن ضلّ عن سبـيـل الهدى، فكفر بك.

وقد بـيَّنا الـمعنى الذي من أجله استغفر إبراهيـم لأبـيه صلوات الله علـيه، واختلاف أهل العلـم فـي ذلك، والصواب عندنا من القول فـيه فـيـما مضى، بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

و قوله: {وَلا تُـخْزِنِـي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} يقول: ولا تُذِلَّنـي بعقابك إياي يوم تبعث عبـادك من قبورهم لـموقـف القـيامة {يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ} يقول: لا تـخزنـي يوم لا ينفع من كفر بك وعصاك فـي الدنـيا مالٌ كان له فـي الدنـيا، ولا بنوه الذين كانوا له فيها، فيدفع ذلك عنه عقاب الله إذا عاقبه، ولا ينـجيه منه. وقوله: {إلاَّ مَنْ أَتـى اللَّهَ بِقَلْب سَلِـيـمٍ} يقول: ولا تـخزنـي يوم يبعثون، يوم لا ينفع إلا القلب السلـيـم.

والذي عنـي به من سلامة القلب فـي هذا الـموضع: هو سلام القلب من الشكّ فـي توحيد الله، والبعث بعد الـمـمات. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن عون، قال: قلت لـمـحمد: ما القلب السلـيـم؟ قال: أن يعلـم أن الله حقّ، وأن الساعة قائمة، وأن الله يبعث من فـي القبور.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفـيان، عن لـيث، عن مـجاهد {إلاَّ مَنْ أَتـى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِـيـمٍ} قال: لا شكّ فـيه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قوله {إلاَّ مَنْ أَتـى اللَّهَ بِقَلْب سَلِـيـمٍ} قال: لـيس فـيه شكّ فـي الـحقّ.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله {بِقَلْبٍ سَلِـيـمٍ} قال: سلـيـم من الشرك.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد {إلاَّ مَنْ أَتـى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِـيـمٍ} قال: سلـيـم من الشرك، فأما الذنوب فلـيس يسلـم منها أحد.

حدثنـي عمرو بن عبد الـحميد الآمُلـي، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن جُوَبـير، عن الضحاك، فـي قول الله {إلاَّ مَنْ أَتـى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِـيـمٍ} قال: هو الـخالص.

وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ۝٩٠ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ۝٩١ وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ ۝٩٢ مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ ۝٩٣ فَكُبْكِبُوا۟ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُۥنَ ۝٩٤ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ۝٩٥

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {وأُزْلِفَتِ الـجَنَّةُ للْـمُتَّقِـينَ} وأدنـيت الـجنة وقرّبت للـمتقـين، الذين اتقوا عقاب الله فـي الآخرة بطاعتهم إياه فـي الدنـيا {وَبُرّزَتِ الـجَحِيـمُ للْغاوِينَ} يقول: وأظهرت النار للذين غووا فضلوا عن سواء السبـيـل {وَقِـيـلَ} للغاوين {أَيْنَ مَا كُنْتُـمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} من الأنداد {هَلْ يَنْصُرونَكُمْ} الـيوم من الله، فـينقذونكم من عذابه {أوْ يَنْتَصِرُونَ} لأنفسهم، فـينـجونها مـما يُرَاد بها؟

وقوله: {فَكُبْكِبُوا فـيها هُمْ والغاوُونَ} يقول: فرمي ببعضهم فـي الـجحيـم علـى بعض، وطرح بعضهم علـى بعض منكبـين علـى وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، ولكن الكاف كرّرت كما قـيـل: {بِرِيحٍ صَرْصَرٍ} يعنـي به صرّ، ونهنهنـي يُنهَنهنـي، يعنـي به: نههنـي. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قوله: {فَكُبْكبُوا} قال: فدهوروا.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {فَكُبْكبُوا فـيها} يقول: فجمعوا فـيها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {فَكُبْكبُوا فِـيها} قال: طرحوا فـيها. فتأويـل الكلام: فكبكب هؤلاء الأنداد التـي كانت تعبد من دون الله فـي الـجحيـم والغاوون.

وذُكر عن قَتادة أنه كان يقول: الغاوون فـي هذا الـموضع: الشياطين. ذكر الرواية عمن قال ذلك:

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، فـي قوله {فَكُبْكِبُوا فِـيها هُمْ وَالغاوُونَ} قال: الغاوون: الشياطين.

فتأويـل الكلام علـى هذا القول الذي ذكرنا عن قَتادة: فكبكب فـيها الكفـار الذين كانوا يعبدون من دون الله الأصنام والشياطين.

وقوله: {وَجُنُودُ إبْلِـيسَ أجَمعُونَ} يقول: وكبكب فـيها مع الأنداد والغاوين جنود إبلـيس أجمعون. وجنود. كل من كان من أتبـاعه، من ذرّيته كان أو من ذرّية آدم.

قَالُوا۟ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ۝٩٦ تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٩٧ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٩٨

يقول تعالـى ذكره: قال هؤلاء الغاوون والأنداد التـي كانوا يعبدونها من دون الله وجنود إبلـيس، وهم فـي الـجحيـم يختصمون {تاللَّهِ إنْ كُنَّا لَفِـي ضَلالٍ مُبِـينٍ} يقول: تالله لقد كنا فـي ذهاب عن الـحقّ، إن كنا لفـي ضلال مبـين، يبـين ذهابنا ذلك عنه عن نفسه، لـمن تأمله وتدبره، أنه ضلال وبـاطل. وقوله: {إذْ نُسَوّيكُمْ بِرَبّ العالَـمِينَ} يقول الغاوون للذين يعبدونهم من دون الله: تالله إن كنا لفـي ذهاب عن الـحق حين نعد لكم برب العالـمين فنعبدكم من دونه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {إذْ نُسَوِّيكُمْ برَبّ العالَـمِينَ} قال: لتلك الآلهة.

وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلَّا ٱلْمُجْرِمُونَ ۝٩٩ فَمَا لَنَا مِن شَٰفِعِينَ ۝١٠٠ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ۝١٠١ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٠٢

يقول تعالـى ذكره مخبرا عن قـيـل هؤلاء الغاوين فـي الـجحيـم: {وَما أضَلَّنا إلاَّ الـمُـجْرَمُونَ} يعنـي بـالـمـجرمين إبلـيس، وابن آدم الذي سنّ القتل. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عكرِمة، قوله {وَما أضَلَّنا إلاَّ الـمُـجْرِمُونَ} قال: إبلـيس وابن آدم القاتل.

وقوله {فَمَا لَنا مِنْ شافِعِينَ} يقول: فلـيس لنا شافع فـيشفع لنا عند الله من الأبـاعد، فـيعفو عنا، وينـجينا من عقابه {وَلا صَدِيقٍ حَميـمٍ} من الأقارب.

واختلف أهل التأويـل فـي الذين عُنوا بـالشافعين، وبـالصديق الـحميـم، فقال بعضهم: عنـي بـالشافعين: الـملائكة، وبـالصديق الـحميـم: النسيب.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج {فَمَا لَنا مِنْ شافِعِينَ} قال: من الـملائكة {وَلا صَدِيقٍ حَمِيـمٍ} قال: من الناس، قال مـجاهد: صديق حميـم، قال: شقـيق.

وقال آخرون: كل هؤلاء من بنـي آدم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي زكريا بن يحيى بن أبـي زائدة، قال: ثنا إسحاق بن سعيد البصريّ الـمسمعي، عن أخيه يحيى بن سعيد الـمسمعي، قال: كان قَتادة إذا قرأ: {فَمَا لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيـمٍ} قال: يعلـمون والله أن الصديق إذا كان صالـحا نفع، وأن الـحميـم إذا كان صالـحا شفع.

وقوله {فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ} يقول: فلو أن لنا رجعة إلـى الدنـيا فنؤمن بـالله فنكون بإيـماننا به من الـمؤمنـين.

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ۝١٠٣ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ۝١٠٤

يقول تعالـى ذكره: إن فـيـما احتـجّ به إبراهيـم علـى قومه من الـحجج التـي ذكرنا له لدلالة بـينة واضحة لـمن اعتبر، علـى أن سنة الله فـي خـلقه الذين يستنون بسنة قوم إبراهيـم من عبـادة الأصنام والآلهة، ويقتدون بهم فـي ذلك ما سنّ فـيهم فـي الدار الآخرة، من كبكبتهم وما عبدوا من دونه مع جنود إبلـيس فـي الـجحيـم، وما كان أكثرهم فـي سابق علـمه مؤمنـين، وإن ربك يا مـحمد لهو الشديد الانتقام مـمن عبد دونه، ثم لـم يتب من كفره حتـى هلك، الرحيـم بـمن تاب منهم أن يعاقبه علـى ما كان سلف منه قبل توبته من إثم وجرم.

كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝١٠٥ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ۝١٠٦ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ۝١٠٧

يقول تعالـى ذكره: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ} رسل الله الذين أرسلهم إلـيهم لـما {قالَ لَهُمْ أخُوهُمْ نُوحٌ ألاَ تَتَّقُونَ} فتـحذروا عقابه علـى كفركم به، وتكذيبكم رسله {إنّـي لَكُمْ رَسُولٌ} من الله {أمِينٌ} علـى وحيه إلـيّ، برسالته إياي إلـيكم.

فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ۝١٠٨ وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٠٩ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ۝١١٠

يقول تعالـى ذكره: فـاتقوا عقاب الله أيها القوم علـى كفركم به، وأطيعونـي فـي نصيحتـي لكم، وأمري إياكم بـاتقائه {وَما أسْأَلُكُمْ عَلَـيْهِ مِنْ أجْرٍ} يقول: وما أطلب منكم علـى نصيحتـي لكم وأمري إياكم بـاتقاء عقاب الله بطاعته فـيـما أمركم ونهاكم، من ثواب ولا جزاء {إنْ أجرِيَ إلاَّ عَلـى رَبّ العالَـمِينَ} دونكم ودون جميع خـلق الله، فـاتقوا عقاب الله علـى كفركم به، وخافوا حلول سخطه بكم علـى تكذيبكم رسله، وأطيعون: يقول: وأطيعونـي فـي نصيحتـي لكم، وأمري إياكم بإخلاص العبـادة لـخالقكم.

قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلْأَرْذَلُونَ ۝١١١ قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝١١٢ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّى لَوْ تَشْعُرُونَ ۝١١٣

يقول تعالـى ذكره: قال قوم نوح له مـجيبـيه عن قـيـله لهم:

{ إنـي لكم رسول أمين، فـاتقوا الله وأطيعون }قالوا: أنؤمن لك يا نوح، ونقرّ بتصديقك فـيـما تدعونا إلـيه، وإنـما اتبعك منا الأرذلون دون ذوي الشرف وأهل البـيوتات {قال وَمَا عِلْـمِي بِـما كانُوا يَعْمَلُونَ} قال نوح لقومه: وما علـمي بـما كان أتبـاعي يعملون، إنـما لـي منهم ظاهر أمرهم دون بـاطنه، ولـم أكلَّف علـم بـاطنهم، وإنـما كلفت الظاهر، فمن أظهر حسنا ظننت به حسنا، ومن أظهر سيئا ظننت به سيئا {إنْ حِسابُهُمْ إلاَّ عَلـى ربّـي لَوْ تَشْعُرُونَ} يقول: إن حساب بـاطن أمرهم الذي خفـي عنـي إلا علـى ربـي لو تشعرون، فإنه يعلـم سرّ أمرهم وعلانـيته. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله {إنْ حِسابُهُمْ إلاَّ عَلـى رَبّـي لَوْ تَشْعُرُونَ} قال: هو أعلـم بـما فـي نفوسهم.

وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١١٤ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ۝١١٥ قَالُوا۟ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ ۝١١٦

يقول تعالـى ذكره مخبرا عن قـيـل نوح لقومه: وما أنا بطارد من آمن بـالله واتبعنـي علـى التصديق بـما جئت به من عند الله {إنْ أنا إلاَّ نَذِيرٌ مُبِـينٌ} يقول: ما أنا إلا نذير لكم من عند ربكم أنذركم بأسه، وسطوته علـى كفركم به مبـين: يَقول: نذير قد أبـان لكم إنذاره، ولـم يكتـمكم نصحيته {قالُوا لَئِنْ لَـمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الـمَرْجُومِينَ} يقول: قال لنوح قومهُ: لئن لـم تنته يا نوح عما تقول، وتدعو إلـيه، وتعيب به آلهتنا، لتكوننّ من الـمشتومين، يقول: لنشتـمك.

قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ ۝١١٧ فَٱفْتَحْ بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِى وَمَن مَّعِىَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١١٨ فَأَنجَيْنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ۝١١٩ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ ٱلْبَاقِينَ ۝١٢٠

يقول تعالـى ذكره: قال نوح: {رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ} فـيـما أتـيتهم به من الـحقّ من عندك، وردّوا علـيّ نصيحتـي لهم {فَـافْتَـحْ بَـيْنِـي وَبَـيْنهُمْ فَتْـحاً} يقول: فـاحكم بـينـي وبـينهم حكماً من عندك تهلك به الـمُبطل، وتنتقم به مـمن كفر بك وجحد توحيدك، وكذّب رسولك. كما:

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، فـي قوله {فـافْتَـحْ بَـيْنِـي وَبَـيْنَهُمْ فَتْـحاً} قال: فـاقض بـينـي وبـينهم قضاء.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {فـافْتَـحْ بَـيْنِـي وَبَـيْنَهُمْ فَتْـحاً} قال: يقول: اقض بـينـي وبـينهم، {وَنـجِنـي} يقول: ونـجنـي من ذلك العذاب الذي تأتـي به حكماً بـينـي وبـينهم {وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الـمُؤْمِنِـينَ} يقول: والذين معي من أهل الإيـمان بك والتصديق لـي.

وقوله {فَأنـجَيْناه وَمَنْ مَعَهُ فِـي الفُلْكِ الـمَشْحُونِ} يقول: فأنـجينا نوحا ومن معه من الـمؤمنـين حين فتـحنا بـينهم وبـين قومهم، وأنزلنا بأسنا بـالقوم الكافرين فـي الفلك الـمشحون، يعنـي فـي السفـينة الـموقرة الـمـملوءة. وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل قوله {الفُلْكِ الـمَشْحُونِ} قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {فِـي الفُلْكِ الـمَشْحُونِ} قال: يعنـي الـموقَر.

حدثنا مـحمد بن سنان القزاز، قال: ثنا الـحسين بن الـحسن الأشقر، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جُبـير، عن ابن عبـاس، قال: الـمشحون: الـموقَر.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله {الفُلْكِ الـمَشْحُونِ} قال: الـمفروغ منه الـمـملوء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قال: {الـمَشْحُونِ} الـمفروغ منه تـحميلاً.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، فـي قول الله {الفُلْكِ الـمَشْحُونِ} قال: هو الـمـحمل.

وقوله: {ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ البـاقِـينَ} من قومه الذين كذّبوه، وردّوا علـيه النصيحة.

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ۝١٢١ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ۝١٢٢

يقول تعالـى ذكره: إن فـيـما فعلنا يا مـحمد بنوح ومن معه من الـمؤمنـين فـي الفلك الـمشحون، حين أنزلنا بأسنا وسطوتنا، بقومه الذين كذّبوه، لآية لك ولقومك الـمصدّقـيك منهم والـمكذّبـيك، فـي أن سنتنا تنـجية رسلنا وأتبـاعهم، إذا نزلت نقمتنا بـالـمكذّبـين بهم من قومهم، وإهلاك الـمكذّبـين بـالله، وكذلك سنتـي فـيك وفـي قومك. {وَما كانَ أكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِـينَ} يقول: ولـم يكن أكثر قومك بـالذين يصدّقونك مـما سبق فـي قضاء الله أنهم لن يؤمنوا {وَإنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ} فـي انتقامه مـمن كفر به، وخالف أمره {الرَّحِيـمُ} بـالتائب منهم، أن يعاقبه بعد توبته.

كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝١٢٣ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ ۝١٢٤ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ۝١٢٥ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ۝١٢٦ وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٢٧

يقول تعالـى ذكره: {كَذَّبَتْ عَادٌ} رسل الله إلـيهم {إذْ قالَ لَهُمْ أخُوهُمْ هُودٌ ألاَ تَتَّقُونَ} عقاب الله علـى كفركم به {إنّـي لَكُمْ رَسُولٌ} من ربـي يأمركم بطاعته، ويحذّركم علـى كفركم بأسه، أمِينٌ علـى وحيه ورسالته {فـاتَّقُوا اللَّهَ} بطاعته والانتهاء إلـى ما يأمركم وينهاكم {وأطِيعُونِ} فـيـما آمركم به من اتقاء الله وتـحذيركم سطوته {وَما أسألُكُمْ عَلَـيْهِ مِنْ أجْرٍ} يقول: وما أطلب منكم علـى أمري إياكم بـاتقاء الله جزاء ولا ثوابـاً {إنْ أجْرِيَ إلاَّ عَلـى رَبّ العالَـمِينَ} يقول: ما جزائي وثوابـي علـى نصيحتـي إياكم إلا علـى ربّ العالـمين.

أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةً تَعْبَثُونَ ۝١٢٨ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ۝١٢٩ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ۝١٣٠

يقول تعالى ذكره مخبرا عن قـيـل هود لقومه: {أتَبْنُونَ بِكُلّ ريع آيَةً تَعْبَثُونَ} والريع: كلّ مكان مشرف من الأرض مرتفع، أو طريق أو واد ومنه قول ذي الرُّمَّة:

طِرَاقُ الـخَوَافِـي مُشْرفٌ فَوْق رِيعَةٍنَدَى لَـيْـلِه فِـي ريشِهِ يَترَقْرَقُ

وقول الأعشى:

ويَهْماءُ قَـفْرٍ تَـجاوَزْتَهاإذَا خَبَّ فِـي رِيعِها آلُهَا

وفـيه لغتان: ريع ورَيع بكسر الراء وفتـحها. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {أتَبْنُونَ بِكُلّ ريعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ} يقول: بكلّ شَرَف.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {بكُلّ ريعٍ} قال: فجّ.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، فـي قوله {أتَبْنُونَ بِكُلّ ريعٍ آيَةً} قال: بكل طريق.

حدثنـي سلـيـمان بن عبـيد الله الغيلانـي، قال: ثنا أبو قُتـيبة، قال: ثنا مسلـم بن خالد، قال: ثنا ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله {أتَبْنُونَ بِكُلّ ريعٍ} قال: الريع: الثنـية الصغيرة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا يحيى بن حسان، عن مسلـم بن خالد، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال عكرمة {بِكُلّ ريعٍ} قال: فجّ وواد، قال: وقال مـجاهد {بِكُلّ رِيعٍ} بـين جبلـين.

قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، قوله {أتَبْنُونَ بِكُلّ ريعٍ} قال: شرف ومنظر.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، فـي قوله {بِكُلّ رِيع} قال: بكلّ طريق.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {بِكُلّ رِيعٍ} بكلّ طريق. ويعنـي بقوله {آيَةً} بنـياناً، علـما. وقد بـيَّنا فـي غير موضع من كتابنا هذا، أن الآية هي الدلالة والعلامة بـالشواهد الـمغنـية عن إعادتها فـي هذا الـموضع. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل علـى اختلاف منهم فـي ألفـاظهم فـي تأويـله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {بِكُلّ رِيعٍ آيَةً} قال: الآية: علـم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {بِكُلّ ريع آيَةً} قال: آية: بنـيان.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {آيَةً}: بنـيان.

حدثنـي علـيّ بن سهل، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، فـي قوله {بِكُلّ رِيع آيَةً} قال: بنـيان الـحمام.

وقوله: {تَعْبَثُونَ} قال: تلعبون. وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {تَعْبَثُونَ} قال: تلعبون.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك، يقول فـي قوله {تَعْبَثُونَ} قال: تلعبون.

وقوله: {وَتَتَّـخِذُونَ مَصَانِعَ} اختلف أهل التأويـل فـي معنى الـمصانع، فقال بعضهم: هي قصور مشيدة.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَتَتَّـخِذُونَ مَصَانعَ} قال: قصور مشيدة، وبنـيان مخـلد.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {مَصَانِعَ}: قصور مشيدة وبنـيان.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن مـجاهد، قال: {مَصَانِعَ} يقول: حصون وقصور.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا يحيى بن حسان، عن مسلـم، عن رجل، عن مـجاهد، قوله {مَصَانعَ لَعَلَّكُمْ تَـخْـلُدُونَ} قال: أبرجة الـحمام.

وقال آخرون: بل هي مآخذ للـماء.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، فـي قوله {مَصَانِعَ} قال: مآخذ للـماء.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الـمصانع جمع مصنعة، والعرب تسمي كل بناء مصنعة، وجائز أن يكون ذلك البناء كان قصورا وحصونا مشيدة، وجائز أن يكون كان مآخذ للـماء، ولا خبر يقطع العذر بأيّ ذلك كان، ولا هو مـما يُدرك من جهة العقل. فـالصواب أن يقال فـيه، ما قال الله: إنهم كانوا يتـخذون مصانع.

وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَـخْـلُدُنَ} يقول: كأنكم تـخـلدون، فتبقون فـي الأرض. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنا معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله {لَعَلَّكُمْ تَـخْـلُدُونَ} يقول: كأنكم تـخـلدون.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، قال فـي بعض الـحروف {وَتَتَّـخِذُونَ مَصَانِعَ} كأنكم تـخـلدون.

وكان ابن زيد يقول: «لعلكم» فـي هذا الـموضع استفهام.

ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {وَتَتَّـخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَـخْـلُدُونَ} قال: هذا استفهام، يقول: لعلكم تـخـلدون حين تبنون هذه الأشياء؟

وكان بعض أهل العربـية يزعم أن لعلكم فـي هذا الـموضع بـمعنى «كيـما».

وقوله: {وَإذَا بَطَشْتُـمْ بَطَشْتُـمْ جَبَّـارِينَ} يقول: وإذا سطوتـم سطوتـم قتلاً بـالسيوف، وضربـا بـالسياط. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جُرَيج {وَإذَا بَطَشْتُـمْ بَطَشْتُـمْ جَبَّـارِينَ} قال: القتل بـالسيف والسياط.

الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ