انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الشعراء

تفسير البغويالآيات 1–200

تفسير سورة الشعراء آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

طسٓمٓ ۝١ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُبِينِ ۝٢

{طسۤمۤ} قرأ حمزة, والكسائي, وأبو بكر: طۤسـۤمۤ, وطۤسۤ, وحـۤم, وَيسۤ بكسر الطاء والياء والحاء، وقرأ أهل المدينة بين الفتح والكسر، وقرأ الآخرون بالفتح على التفخيم، وأظهر النون في يس عند الميم في "طسۤم": أبو جعفر، وحمزة، وأخفاها الآخرون.

ورُوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: "طسم" عجزت العلماء عن تفسيرها. وروى علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس: أنه قَسَمٌ، وهو من أسماء الله تعالى: وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن. وقال مجاهد: اسم للسورة. قال محمد بن كعب القرظي: أقسم الله بطَوْله وسنائه ومُلكه.

{تِلْكَ}، أي هذه {ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ}.

لَعَلَّكَ بَٰخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ۝٣ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَٰقُهُمْ لَهَا خَٰضِعِينَ ۝٤

{لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ}، قاتل نفسك, {أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}، أي: إن لم يؤمنوا، وذلك حين كذب أهل مكة فشقَّ عليه ذلك، وكان يحرص على إيمانهم، فأنزل الله هذه الآية.

{إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَـٰقُهُمْ لَهَا خَـٰضِعِينَ }، قال قتادة: لو شاء الله لأنزل عليهم آية يذلون بها، فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله. وقال ابن جريج: معناه: لو شاء الله لأراهم أمراً من أمره، لا يعمل أحد منهم بعده معصية.

وقوله عزّ وجلّ: {خَـٰضِعِينَ} ولم يقل خاضعة وهي صفة الأعناق، وفيه أقاويل أحدها: أراد أصحاب الأعناق، فحذف الأصحاب وأقام الأعناق مقامهم، لأن الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون، جعل الفعل أولاً للأعناق، ثم جعل خاضعين للرجال.

وقال الأخفش: ردَّ الخضوع على المضمر الذي أضاف الأعناق إليه.

وقال قوم: ذكر الصفة لمجاورتها المذكر، وهو قوله "هم"، على عادة العرب في تذكير المؤنث إذا أضافوه إلى مذكر، وتأنيث المذكر إذا أضافوه إلى مؤنث.

وقيل: أراد فظلوا خاضعين فعبر بالعنق عن جميع البدن، كقوله

{ { ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } } [الحج: 10] و { { أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰئِرَهُ فِى عُنُقِهِ } } [الإسراء: 13].

وقال مجاهد: أراد بالأعناق الرؤساء والكبراء، أي: فظلت كبراؤهم خاضعين. وقيل: أراد بالأعناق الجماعات، يقال: جاء القوى عنقاً عنقاً، أي جماعات وطوائف.

وقيل: إنما قال خاضعين على وفاق رؤوس الآي ليكون على نسق واحد.

وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَٰنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهُ مُعْرِضِينَ ۝٥ فَقَدْ كَذَّبُوا۟ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنۢبَٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ۝٦ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلْأَرْضِ كَمْ أَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ۝٧ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ۝٨ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ۝٩ وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٠

{وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ} وعظ وتذكير، {مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ}، أي: محدث إنزاله، فهو محدث في التنزيل. قال الكلبي: كلما نزل شيء من القرآن بعد شيء فهو أحدث من الأول، {إِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ}، أي عن الإِيمان به.

{فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِيهِمْ} أي: فسوف يأتيهم، {أَنبَاء}، أخبار وعواقب، {مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ}.

{أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ} صنف وضرب، {كَرِيمٍ}، حسن من النبات مما يأكل الناس والأنعام، يقال: نخلة كريمة إذا طاب حملها، وناقة كريمة إذا كثر لبنها. قال الشعبي: الناس من نبات الأرض فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم.

{إِنَّ فِي ذَلِكَ} الذي ذكرت، {لأَيَةً}، دلالة على وجودي وتوحيدي وكمال قدرتي، {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ}، مصدِّقين، أي سبق علمي فيهم أن أكثرهم لا يؤمنون. وقال سيبويه: "كان" ههنا صلة, مجازه: وما أكثرهم مؤمنين.

{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} العزيز بالنقمة من أعدائه، {ٱلرَّحِيمُ}، ذو الرحمة بأوليائه.

قوله عزّ وجلّ: {وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ}، واذكر يا محمد إذ نادى ربك موسى حين رأى الشجرة والنار، {أَنِ ٱئْتَ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ}، يعني الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية، وظلموا بني إسرائيل باستعبادهم وسومهم سوء العذاب.

قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ ۝١١ قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ۝١٢ وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِى فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَٰرُونَ ۝١٣ وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنۢبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ۝١٤ قَالَ كَلَّا فَٱذْهَبَا بِـَٔايَٰتِنَآ إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ ۝١٥ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٦ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ۝١٧

{قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ}، ألا يصرفون عن أنفسهم عقوبة الله بطاعته.

{قَالَ}، يعني موسى، {رَبِّ إِنِّى أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ}.

{وَيَضِيقُ صَدْرِى}، من تكذيبهم إيّاي، {وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِى}، قال: هذا للعقدة التي كانت على لسانه، قرأ يعقوب «ويضيقَ»، «ولا ينطلق» بنصب القافين على معنى وأن يضيق، وقرأ العامة برفعهما رداً على قوله: {إِنِّى أَخَافُ}، {فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَـٰرُونَ}، ليؤازرني ويظاهرني على تبليغ الرسالة.

{وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ}، أي دعوى ذنب، وهو قتله القبطي، {فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ}، أي يقتلونني به.

{قَالَ}، الله تعالى، {كَلاَّ}، أي لن يقتلوك، {فَٱذْهَبَا بِـئايَـٰتِنَآ إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ}، سامعون ما يقولون، ذكر "معكم" بلفظ الجمع، وهما اثنان، أجراهما مجرى الجماعة. وقيل: أراد معكما ومع بني إسرائيل نسمع ما يجيبكم فرعون.

{فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}، ولم يقل: رسولا رب العالمين، لأنه أراد بالرسالة، أنا ذُو رسالة رب العالمين، كما قال كُثَيِّر:

لقد كَذَبَ الوَاشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهُمْ بسرٍَ ولا أَرْسَلْتُهُمْ برسُولِ

أي: بالرسالة، وقال أبو عبيدة: يجوز أن يكون الرسول بمعنى الاثنين والجمع، تقول العرب: هذا رسولي ووكيلي وهذان وهؤلاء رسولي ووكيلي، كما قال الله تعالى:

{ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ } [الكهف: 50]، وقيل: معناه كل واحد منّا رسول رب العالمين.

{أَنْ أَرْسِلْ}، أي: بأن أرسلْ، {مَعَنَا بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ}، أي إلى فلسطين، ولا تستعبدهم، وكان فرعون استعبدهم أربعمائة سنة، وكانوا في ذلك الوقت ستمائة ألف وثلاثين ألفاً، فانطلق موسى إلى مصر وهارون بها فأخبره بذلك.

وفي القصة: أن موسى رجع إلى مصر وعليه جبة صوف وفي يده عصا، والمِكْتَلُ معلَّق في رأس العصا، وفيه زاده، فدخل دار نفسه وأخبر هارون بأن الله أرسلني إلى فرعون وأرسلني إليك حتى تدعوَ فرعون إلى الله، فخرجتْ أمهما وصاحت وقالت: إن فرعون يطلبك ليقتلك فلو ذهبتما إليه قتلكما فلم يمتنع بقولها، وذهبا إلى باب فرعون ليلاً ودقَّا الباب، ففزع البوَّابون وقالوا من بالباب؟

وروي أنه اطلع البواب عليهما فقال من أنتما؟ فقال موسى: أنا رسول رب العالمين، فذهب البواب إلى فرعون وقال: إنّ مجنوناً بالباب يزعم أنه رسول رب العالمين، فترل حتى أصبح، ثم دعاهما.

وروي أنهما انطلقا جميعاً إلى فرعون فلم يؤذن لهما سنة في الدخول عليه، فدخل البواب فقال لفرعون: هاهنا إنسان يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال فرعون: ائذن له لعلنا نضحك منه، فدخلا عليه وأديَّا رسالة الله عزّ وجلّ فعرف فرعونُ موسى؛ لأنه نشأ في بيته.

قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ۝١٨ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝١٩ قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذًا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ۝٢٠

{قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً}، صبياً، {وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ}، وهو ثلاثون سنة.

{وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ}، يعني: قتل القبطي، {وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ}، قال الحسن والسدي: يعني وأنت من الكافرين بإلهك وكنت على ديننا هذا الذي تعيبه.

وقال أكثر المفسرين: معنى قوله "وأنت من الكافرين"، أي: من الجاحدين لنعمتي وحق تربيتي، يقول ربيناك فينا فكافأتنا أن قتلت منّا نفساً، وكفرت بنعمتنا. وهذه رواية العوفي عن ابن عباس، وقال: إن فرعون لم يكن يعلم ما الكفر بالربوبية.

{قَالَ}، موسى، {فَعَلْتُهَآ إِذاً}، أي فعلت ما فعلت حينئذٍ، {وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ}، أي: من الجاهلين أي: لم يأتني من الله شيء. وقيل: من الجاهلين بأن ذلك يؤدي إلى قتله. وقيل: من الضالين عن طريق الصواب من غير تعمد. وقيل: من المخطئين.

فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِى رَبِّى حُكْمًا وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝٢١ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ۝٢٢

{فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ}، إلى مدين، {فَوَهَبَ لِى رَبِّى حُكْماً}، يعني النبوة، وقال مقاتل: يعني العلم والفهم، {وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}.

{وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِى إِسْرَٰءِيلَ}، اختلفوا في تأويلها فحملها بعضهم على الإِقرار وبعضهم على الإِنكار.

فمن قال هو إقرار، قال عدَّها موسى نعمة منه عليه حيث رباه، ولم يقتله كما قتل سائر غلمان بني إسرائيل، ولم يستعبده كما استعبد بني إسرائيل، مجازه: بلى وتلك نعمة لك عليّ أن عبّدت بني إسرائيل، وتركتني فلم تستعبدني.

ومن قال: هو إنكار قال قوله: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ} وهو على طريق الاستفهام، أي: أوَ تلك نعمة؟ حذف ألف الاستفهام، كقوله:

{ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ } [الأنبياء: 34]؟ قال الشاعر:

تَرُوحُ من الحيِّ أو تَبْتَكِرْوماذا يَضُرُّكَ لو تَنْتَظِرْ؟

أي: أتروح من الحي؟

وقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة:

لَمْ أَنْسَ يومَ الرَّحِيْلِ وِقفتَهَاوطَرْفُها في دموعِها غَرِقُ وقولَها والركابُ واقفةٌتَتْركُنِي هكذا وتَنْطَلِقُ؟

أي: أتتركني، يقول تَمُنُّ عليّ أن ربِّيتني، وتنسى جنايتك على بني إسرائيل بالاستعباد والمعاملات القبيحة؟.

أو يريد: كيف تمنّ عليّ بالتربية وقد استعبدت قومي، ومن أهين قومه ذُلّ، فتعبيدك بني إسرائيل قد أحبط إحسانك إليّ.

وقيل: معناه تمنّ علي بالتربية. وقوله: {أَنْ عَبَّدتَّ بَنِى إِسْرَٰءِيلَ} أي: باستعبادك بني إسرائيل وقتلك أولادهم، دُفعت إليك حتى ربيتني وكفلتني ولو لم تستعبدهم وتقتلهم كان لي من أهل من يربيني ولم يُلْقوني في اليمِّ، فأي نعمة لك عليّ؟.

قوله {عَبَّدتَّ}، أي: اتخذتهم عبيداً، يقال عبَّدتُ فلاناً، وأعبدته، وتعبدته، واستعبدته، أي اتخذته عبداً.

قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٢٣ قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ۝٢٤ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُۥٓ أَلَا تَسْتَمِعُونَ ۝٢٥ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝٢٦ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِىٓ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ۝٢٧ قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ۝٢٨ قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ ۝٢٩ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُّبِينٍ ۝٣٠

{قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}, يقول: أي شيء رب العالمين الذي تزعم أنك رسوله إليّ يستوصفه إلهه الذي أرسله إليه بـ"ما" هو سؤال عن جنس الشيء، والله منزّه عن الجنسية، فأجابه موسى عليه السلام يذكر أفعاله التي يعجز الخلق عن الإِتيان بمثلها.

{قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ}، أنه خالقهما. قال أهل المعاني: أي كما توقنون هذه الأشياء التي تعاينونها فأيقنوا أنَّ إله الخلق هو الله عزّ وجلّ، فلما قال موسى ذلك تحير فرعون في جواب موسى.

{قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ}، من أشراف قومه. قال ابن عباس: كانوا خمس مائة رجل عليهم الأسورة، قال لهم فرعون استبعاداً لقول موسى، {أَلاَ تَسْتَمِعُونَ}، وذلك أنهم كانوا يعتقدون أن آلهتهم ملوكهم، فزادهم موسى في البيان.

{ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ}.

{قَالَ}، يعني: فرعون: {إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِىۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ}، يتكلم بكلام لا نعقله ولا نعرف صحته، وكان عندهم أن من لا يعتقد ما يعتقدون ليس بعاقل، فزاد موسى في البيان:

{قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ }.

{قَالَ}، فرعون ـ حين لزمته الحجة وانقطع عن الجواب ـ تكبراً عن الحق:

{لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِى لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ}، أي: المحبوسين، قال الكلبي: كان سجنه أشد من القتل، لأنه كان يأخذ الرجل فيطرحه في مكان وحده فرداً لا يسمع ولا يبصر فيه شيئاً، يهوي به في الأرض.

{قَالَ} له موسى حين توعده بالسجن {أَوَلَوْ جِئْتُكَ}، أي: وإن جئتك، {بِشَىءٍ مُّبِينٍ}، بآية مبينة، ومعنى الآية: أتفعل ذلك وإن أتيتك بحجة بينة؟ وإنما قال ذلك موسى لأن من أخلاق الناس السكون إلى الإِنصاف والإِجابة إلى الحق بعد البيان.

قَالَ فَأْتِ بِهِۦٓ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ۝٣١ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ۝٣٢ وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ ۝٣٣ قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُۥٓ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٌ ۝٣٤ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِۦ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ۝٣٥ قَالُوٓا۟ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَٱبْعَثْ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ۝٣٦ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ۝٣٧ فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ۝٣٨ وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ ۝٣٩ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ ٱلسَّحَرَةَ إِن كَانُوا۟ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ ۝٤٠ فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُوا۟ لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَٰلِبِينَ ۝٤١ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ۝٤٢ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلْقُوا۟ مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ ۝٤٣

{قَالَ} له فرعون، {فَأْتِ بِهِ}، فإنا لن نسجنك حينئذٍ، {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ}.

{فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ}، فقال وهل غيرها، {وَنَزَعَ}، موسى، {يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّـٰظِرِينَ}.

{قَالَ} فرعون {لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ عَلِيمٌ}.

{يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ }.

{قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَٱبْعَثْ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَـٰشِرِينَ}.

{يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ }.

{فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَـٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ}، وهو يوم الزينة. وروي عن ابن عباس قال: وافق ذلك اليوم يوم السبت، في أول يوم من السنة، وهو يوم النيروز.

{وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ } لتنظروا إلى ما يفعل الفريقان ولمن تكون الغلبة.

{لَعَلَّنَا} لكي, {نَتَّبِعُ ٱلسَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ ٱلْغَـٰلِبِينَ} لموسى، وقيل: إنما قالوا ذلك على طريق الاستهزاء، وأرادوا بالسحرة موسى وهارون وقومهما.

{فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَـٰلِبِينَ }.

{قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ}.

{قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ }.

فَأَلْقَوْا۟ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا۟ بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَٰلِبُونَ ۝٤٤ فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ۝٤٥ فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ ۝٤٦ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٤٧ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ۝٤٨ قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُۥ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَٰفٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ۝٤٩ قَالُوا۟ لَا ضَيْرَ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ۝٥٠ إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَٰيَٰنَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝٥١ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِىٓ إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ۝٥٢

{فَأَلْقَوْاْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَـٰلِبُونَ }.

{فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ }.

{فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَـٰجِدِينَ }.

{قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }.

{رَبِّ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ }.

{قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ}.

{قَالُواْ لاَ ضَيْرَ}, لا ضرر {إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ}.

{إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَـٰيَـٰنَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. من أهل زماننا.

{وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِىۤ إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ}, يتبعكم فرعون وقومه ليحولوا بينكم وبين الخروج من مصر.

وروي عن ابن جريج قال: أوحى الله تعالى إلى موسى: أن اجمع بني إسرائيل كل أربعة أهل أبيات في بيت، ثم اذبحوا أولاد الضأن، فاضربوا بدمائها على أبوابكم، فإني سآمر الملائكة فلا يدخلوا بيتاً من بابه دم، وسآمرها فتقتل أبكار آل فرعون من أنفسهم وأموالهم، ثم اخبزوا خبزاً فطيراً فإنه أسرع لكم ثم أَسْرِ بعبادي حتى تنتهي إلى البحر، فيأتيك أمري ففعل ذلك، فلما أصبحوا قال فرعون: هذا عمل موسى وقومه، قتلوا أبكارنا من أنفسنا، وأخذوا أموالنا. فأرسل في أثره ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسور مع كل ملك ألف، وخرج فرعون في الكرسي العظيم.

فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ۝٥٣ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ۝٥٤ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ ۝٥٥ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَٰذِرُونَ ۝٥٦ فَأَخْرَجْنَٰهُم مِّن جَنَّٰتٍ وَعُيُونٍ ۝٥٧ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ۝٥٨

{فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَـٰشِرِينَ}، يحشرون الناس يعني: الشُّرَطَ ليجمعوا السحرة. وقيل: حتى يجمعوا له الجيش، وذكر بعضهم: أنه كان له ألف مدينة واثنا عشرة ألف قرية. وقال لهم:

{إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ لَشِرْذِمَةٌ}، عصابة {قَلِيلُونَ}، والشرذمة القطعة من الناس غير الكثير، وجمعها شراذم. وقال أهل التفسير: كانت الشرذمة الذين قلَّلهم فرعون ستمائة ألف. وعن ابن مسعود قال: كانوا ستمائة وسبعين ألفاً ولا يحصى عدد أصحاب فرعون.

{وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ } يقال، غاظه وأغاظه وغيظه إذا أغضبه، والغيظ والغضب واحد، يقول: أغضبونا بمخالفتهم ديننا وقتلهم أبكارنا وذهابهم بأموالنا التي استعاروها، وخروجهم من أرضنا بغير إذن منّا.

{وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَـٰذِرُونَ }، قرأ أهل الحجاز والبصرة «حذرون» و«فرهين» بغير ألف وقرأ الآخرون «حاذرون» و«فارهين» بالأف فيهما، وهما لغتان.

وقال أهل التفسير: حاذرون، أي: مُؤْدُون ومقوون، أي: ذو أداة وقوة مستعدون شاكون في السلاح، ومعنى "حذرون" أي خائفون شرهم. وقال الزجاج: "الحاذر" المستعد، و"الحَذٍر": المتيقظ. وقال الفرَّاء: "الحاذر": الذي يحذرك الآن، و "الحذر" المخوف. وكذلك لا تلقاه إلاّ حذراً. والحَذَر: اجتناب الشيء خوفاً منه.

{فَأَخْرَجْنَـٰهُمْ مِّن جَنَّـٰتٍ}، وفي القصة: البساتين كانت ممتدة على حافتي النيل، {وَعُيُونٍ}، أنهار جارية.

{وَكُنُوزٍ}، يعني الأموال الظاهرة من الذهب والفضة. قال مجاهد: سماها كنوزاً لأنه لم يعط حق الله منها، وما لم يعط حق الله منه فهو كنز، وإن كان ظاهراً، قيل: كان لفرعون ثمانمائة ألف غلام، كل غلام على فرس عتيق، في عنق كل فرس طوق من ذهب، {وَمَقَامٍ كَرِيمٍ}، أي مجلس حسن. قال المفسرون: أراد مجالس الأمراء والرؤساء التي كانت تحفها الأتباع. وقال مجاهد، وسعيد بن جبير: هي المنابر. وذكر بعضهم: أنه كان إذا قعد على سريره وضع بين يديه ثلاثمائة كرسي من ذهب يجلس عليها الأشراف عليهم الأقبية من الديباج مَخُوصة بالذهب.

كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَٰهَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ۝٥٩ فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ ۝٦٠ فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ۝٦١ قَالَ كَلَّآ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ ۝٦٢ فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ ۝٦٣

{كَذَلِكَ}, كما وصفنا، {وَأَوْرَثْنَـٰهَا}، بهلاكهم، {بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ}، وذلك أن الله تعالى ردّ بني إسرائيل إلى مصر بعدما أغرق فرعون وقومه، فأعطاهم جميع ما كان لفرعون وقومه من الأموال والمساكن.

{فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ }، أي: لحقوهم في وقت إشراق الشمس، وهو إضاءتها، أي أدرك قومُ فرعون موسى وأصحابَهُ وقت شروق الشمس.

{فَلَمَّا تَرَآءَا ٱلْجَمْعَانِ}، أي: تقابلا بحيث يرى كل فريق صاحبه، وكسر حمزة الراء من "تراءى" وفتحها الآخرون. {قَالَ أَصْحَـٰبُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}، يعني سيدركنا قوم فرعون ولا طاقة لنا بهم.

{قَالَ}، موسى ثقة بوعد الله إيّاه: {كَلاَّ}، لن يدركونا، {إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ}، يدلني على طريق النجاة.

{فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ}، أي: فضربه "فانفلق" فانشقَّ، {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ}، قطعة من الماء، {كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ}، كالجبل الضخم، قال ابن جريج وغيره: لما انتهى موسى إلى البحر هاجت الريح والبحر يرمي بموج مثل الجبال، فقال يوشع: يا مكلم الله أين أُمرتََ فقد غشينا فرعون والبحرُ أمامنا؟ قال موسى: هاهنا فخاض يوشع الماء وجاز البحر، ما يواري حافر دابته الماءُ. وقال الذي يكتم إيمانه: يا مكلم الله أين أُمرتَ؟ قال: هاهنا فكبح فرسه بلجامه حتى طار الزَّبَدُ من شدقيه، ثم أقحمه البحر، فارتسب في الماء، وذهب القوم يصنعون مثل ذلك، فلم يقدروا، فجعل موسى لا يدري كيف يصنع، فأوحى الله إليه: أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق فإذا الرجل واقف على فرسه لم يبتلَّ سَرْجه ولا لِبْدُه.

وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلْـَٔاخَرِينَ ۝٦٤ وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ أَجْمَعِينَ ۝٦٥ ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلْـَٔاخَرِينَ ۝٦٦ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ۝٦٧ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ۝٦٨ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَٰهِيمَ ۝٦٩ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦ مَا تَعْبُدُونَ ۝٧٠ قَالُوا۟ نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَٰكِفِينَ ۝٧١ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ۝٧٢ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ۝٧٣

{وَأَزْلَفْنَا}، يعني: وقَرَّبْنَا {ثَمَّ ٱلأَخَرِينَ}، يعني: قوم فرعون، يقول: قدمناهم إلى البحر، وقربناهم إلى الهلاك، وقال أبو عبيدة: "وأزلفنا": جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة أي: ليلة الجَمْع. وفي القصة أن جبريل كان بين بني إسرائيل وقوم فرعون وكان يسوق بني إسرائيل، ويقول ما رأينا أحسن سياقه من هذا الرجل، وكان يَزَعُ قوم فرعون، وكانوا يقولون: ما رأينا أحسن زعةً من هذا.

{وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ }.

{ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلأَخَرِينَ}، فرعون وقومه. وقال سعيد بن جبير: كان البحر ساكناً قبل ذلك، فلما ضربه موسى بالعصا اضطرب فجعل يميد ويجزر.

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ}، أي: من أهل مصر، قيل: لم يكن آمن من أهل مصر إلا آسية امرأة فرعون وحزبيل المؤمن، ومريم بنت مأمويا التي دلت على عظام يوسف عليه السلام

{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}، العزيز في الانتقام من أعدائه، الرحيم بالمؤمنين حين أنجاهم.

قوله: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَٰهِيمَ}.

{إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ}، أيَّ شيءٍ تعبدون؟.

{قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَـٰكِفِينَ}, أي: نقيم على عبادتها. قال بعض أهل العلم: إنما قال: {فَنَظَلُّ} لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار، دون الليل، يقال: ظل يفعل كذا إذا فعل بالنهار.

{قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ}، أي: هل يسمعون دعاءكم، {إِذْ تَدْعُونَ}، قال ابن عباس يسمعون لكم.

{أَوْ يَنفَعُونَكُمْ} قيل بالرزق، {أَوْ يَضُرُّونَ}، إن تركتم عبادتها.

قَالُوا۟ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ ۝٧٤ قَالَ أَفَرَءَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ ۝٧٥ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمُ ٱلْأَقْدَمُونَ ۝٧٦ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّىٓ إِلَّا رَبَّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٧٧ ٱلَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ ۝٧٨ وَٱلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ ۝٧٩

{قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}، معناه: إنها لا تسمع قولاً، ولا تجلب نفعاً، ولا تدفع ضراً، لكن اقتدينا بآبائنا. فيه إبطال التقليد في الدين.

{قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ ٱلأَقْدَمُونَ}, الأولون.

{فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِىۤ}، أي: أعداء لي، ووحَّده على معنى أن كلَّ معبودٍ لكم عدو لي. فإن قيل: كيف وصف الأصنام بالعداوة وهي جمادات؟

قيل: معناه فإنهم عدوٌ لي لو عبدتهم يوم القيامة، كما قال تعالى:

{ { سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } } [مريم: 82].

وقال الفرَّاء: هو من المقلوب، أراد: فإني عدوٌ لهم لأن من عاديته فقد عاداك.

وقيل: "فإنهم عدو لي" على معنى إني لا أتولاَّهم ولا أطلب من جهتهم نفعاً، كما لا يُتَوَلَّى العدو، ولا يُطْلب من جهته النفع.

قوله: {إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}، اختلفوا في هذا الاستثناء، قيل: هو استثناء منقطع، كأنه قال: فإنهم عدو لي لكن رب العالمين وليي.

وقيل: إنهم كانوا يعبدون الأصنام مع الله، فقال إبراهيم: كل من تعبدون أعدائي إلاّ ربَّ العالمين.

وقيل: إنهم غير معبود لي إلاّ ربَّ العالمين، فإني أعبده. وقال الحسين بن الفضل: معناه إلا من عَبَد ربَّ العالمين. ثم وصف معبوده فقال:

{ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ}, أي: يرشدني إلى طريق النجاة.

{وَٱلَّذِى هُوَ يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ}، أي: يرزقني ويغذني بالطعام والشراب، فهو رازقي ومِنْ عنده رزقي.

وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ۝٨٠ وَٱلَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ ۝٨١ وَٱلَّذِىٓ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيٓـَٔتِى يَوْمَ ٱلدِّينِ ۝٨٢ رَبِّ هَبْ لِى حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّٰلِحِينَ ۝٨٣ وَٱجْعَل لِّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ۝٨٤ وَٱجْعَلْنِى مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ ۝٨٥

{وَإِذَا مَرِضْتُ}، أضاف المرض إلى نفسه وإن كان المرض والشفاء كله من الله، استعمالاً لحسن الأدب كما قال الخَضِرْ:

{ { فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا } } [الكهف: 79]، وقال: { { فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا } } [الكهف: 82]. {فَهُوَ يَشْفِينِ}، أي: يبرئني من المرض.

{وَٱلَّذِى يُمِيتُنِى ثُمَّ يُحْيِينِ }، أدخل "ثم" هاهنا للتراخي، أي: يميتني في الدنيا ويحييني في الآخرة.

{ وَٱلَّذِىۤ أَطْمَعُ}، أي: أرجو، {أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ ٱلدِّينِ}، أي: خطاياي يوم الحساب. قال مجاهد: هو قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ}، وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا}، وقوله لسارة: "هذه أختي"، وزاد الحسن وقوله للكواكب: {هَـٰذَا رَبِّى}.

وأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص بن غياث، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت:

قلت يا رسول الله: ابنُ جدعان, كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المساكين، فهل ذاك نافعه؟ قال "لا ينفعه إنه لم يقل يوماً, ربِّ اغفرْ لي خطيئتي يوم الدين" ".

وهذا كله احتجاج من إبراهيم على قومه، وإخبار أنه لا يصلح للإلهية من لا يفعل هذه الأفعال. {رَبِّ هَبْ لِى حُكْماً}، قال ابن عباس: معرفة حدود الله وأحكامه. وقال مقاتل: الفهم والعلم. وقال الكلبي: النبوة، {وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ}، بمن قبلي من النبيين في المنزلة والدرجة.

{وَٱجْعَل لِّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى ٱلأَخِرِينَ }، أي: ثناء حسناً، وذكراً جميلاً، وقبولاً عاماً في الأمم التي تجيء بعدي، فأعطاه الله ذلك، فجعل كل أهل الأديان يتولَّونه ويثنون عليه. قال القتيبي: وضع اللسان موضع القول على الاستعارة لأن القول يكون به.

{وَٱجْعَلْنِى مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ}، أي: ممن تعطيه جنة النعيم.

وَٱغْفِرْ لِأَبِىٓ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ۝٨٦ وَلَا تُخْزِنِى يَوْمَ يُبْعَثُونَ ۝٨٧ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝٨٨ إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ۝٨٩ وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ۝٩٠ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ۝٩١ وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ ۝٩٢ مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ ۝٩٣ فَكُبْكِبُوا۟ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُۥنَ ۝٩٤ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ۝٩٥ قَالُوا۟ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ۝٩٦

{وَٱغْفِرْ لأَبِىۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ}، قال هذا قبل أن يتبين له أنه عدو الله، كما سبق ذكره في سورة التوبة.

{وَلاَ تُخْزِنِى}، لا تفضحني، {يَوْمَ يُبْعَثُونَ}.

{يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }, أي: خالص من الشرك والشك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد، هذا قول أكثر المفسرين. قال سعيد بن المسيب: القلب السليم هو الصحيح، وهو قلب المؤمن لأن قلب الكافر والمنافق مريض. قال الله تعالى:

{ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } [البقرة: 10], قال أبو عثمان النيسابوري: هو القلب الخالي من البدعة المطمئن على السنة.

{وَأُزْلِفَتِ} قربت {ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ وَبُرِّزَتِ}, أظهرت، {ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ}، للكافرين.

{وَقِيلَ لَهُمْ}، يوم القيامة، {أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ}، يمنعونكم من العذاب، {أَوْ يَنتَصِرُونَ } لأنفسهم.

{فَكُبْكِبُواْ فِيهَا}، قال ابن عباس: جمعوا. وقال مجاهد: دُهْوِرُوا. وقال مقاتل: قذفوا. وقال الزجاج: طرح بعضهم على بعض. وقال القتيبي: أُلقوا على رؤوسهم. {هُمْ وَٱلْغَاوُونَ}، يعني الشياطين، قاله قتادة: ومقاتل. والكلبي: كفرة الجن.

{وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ }، وهم أتباعه ومن أطاعه من الجن والإنس. ويقال: ذريته.

{قَالُوۤاْ} أي: قال الغاوون للشياطين والمعبودين، {وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ}، مع المعبودين ويجادل بعضهم بعضاً.

تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٩٧ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٩٨ وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلَّا ٱلْمُجْرِمُونَ ۝٩٩ فَمَا لَنَا مِن شَٰفِعِينَ ۝١٠٠ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ۝١٠١ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٠٢ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ۝١٠٣ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ۝١٠٤ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝١٠٥

{تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ }.

{إِذْ نُسَوِّيكُمْ} نعدلكم، {بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}، فنعبدكم.

{وَمَآ أَضَلَّنَآ}، أي: ما دعانا إلى الضلال، {إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ}. قال مقاتل: يعني الشياطين. وقال الكلبي: إلا أوَّلونا الذين اقتدينا بهم. وقال أبو العالية وعكرمة: يعني إبليس، وابن آدم الأول، وهو قابيل، لأنه أول من سنّ القتل، وأنواع المعاصي.

{فَمَا لَنَا مِن شَـٰفِعِينَ} أي: من يشفع لنا من الملائكة والنبيين والمؤمنين.

{وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ}، أي: قريب يشفع لنا بقوله الكفار حين تشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، والصديق هو الصادق في المودة بشرط الدين.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا محمد بن الحسن اليقطيني، أخبرنا أحمد بن عبد الله يزيد العقيلي، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا من سمع أبا الزبير يقول: أشهد لسمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

إنَّ الرجل ليقول في الجنة ما فعل صديقي فلان، وصديقه في الجحيم، فيقول الله تعالى: أخرجوا له صديقه إلى الجنة، فيقول من بقي: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ». قال الحسن: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعة يوم القيامة.

{فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} أي: رجعة إلى الدنيا، {فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}.

{إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ}.

{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} العزيز الذي لا يغالب، فالله عزيزٌ وهو في وصف عزته رحيم.

قوله عزّ وجلّ: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ}، قيل للحسن البصري: يا أبا سعيد أرأيت قوله: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ} و{كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ} و{كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ}، وإنما أرسل إليهم رسول واحد؟ قال: إن الآخر جاء بما جاء به الأول، فإذا كذبوا واحداً فقد كذبوا الرسل أجمعين.

إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ۝١٠٦ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ۝١٠٧ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ۝١٠٨ وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٠٩ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ۝١١٠ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلْأَرْذَلُونَ ۝١١١ قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝١١٢ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّى لَوْ تَشْعُرُونَ ۝١١٣ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١١٤ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ۝١١٥ قَالُوا۟ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ ۝١١٦

{إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ}, في النسب لا في الدين. {نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ}.

{إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ}، على الوحي.

{فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ}، بطاعته وعبادته، {وَأَطِيعُونِ}، فيما آمركم به من الإِيمان والتوحيد.

{وَمَآ أَسْـئلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ}، ثوابي، {إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}.

{فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ}.

{قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ}، قرأ يعقوب: «وأتباعك الأرذلون» السفلة. وعن ابن عباس قال: الصاغة. وقال عكرمة: الحاكة والأساكفة.

{قَالَ}، نوح، {وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، أي: ما أعلم أعمالهم وصنائعهم، وليس علي من دناءة مكاسبهم وأحوالهم شيء إنما كلفت أن أدعوهم إلى الله، ولي منهم ظاهرُ أمرهم.

{إِنْ حِسَابُهُمْ} ما حسابهم، {إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّى لَوْ تَشْعُرُونَ}، لو تعلمون ذلك ما عبتموهم بصنائعهم. قال الزجَّاج: الصناعات لا تضر في الديانات. وقيل: معناه: أي: لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويوفقهم ويخذلكم.

{وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}.

{قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ}، عما تقول: {لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُرْجُومِينَ}، قال مقاتل والكلبي: من المقتولين بالحجارة.

وقال الضحاك: من المشتومين.

قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ ۝١١٧ فَٱفْتَحْ بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِى وَمَن مَّعِىَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١١٨ فَأَنجَيْنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ۝١١٩ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ ٱلْبَاقِينَ ۝١٢٠ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ۝١٢١ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ۝١٢٢ كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝١٢٣ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ ۝١٢٤ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ۝١٢٥ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ۝١٢٦ وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٢٧ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةً تَعْبَثُونَ ۝١٢٨

{قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ * فَٱفْتَحْ}، فاحكم، {بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً}، حكماً، {وَنَجِّنِى وَمَن مَّعِى مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}.

{فَأَنجَيْنَـٰهُ وَمَن مَّعَهُ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ}، الموقر المملوء من الناس والطير والحيوانات كلها.

{ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ ٱلْبَاقِينَ}، أي: أغرقنا بعد إنجاء نوح، وأهله: من بقي من قومه.

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ }.

{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}.

قوله عزّ وجلّ: {كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ}.

{إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ}، يعني في النسب لا في الدين، {أَلاَ تَتَّقُونَ}.

{إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ}، على الرسالة، قال الكلبي: أمين فيكم قبل الرسالة، فكيف تتهموني اليوم؟.

{فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ}.

{وَمَآ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}.

{أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ}، قال الوالبي عن ابن عباس: بكل شرف. وقال الضحاك ومقاتل والكلبي: بكل طريق، وهو رواية العوفي عن ابن عباس، وعن مجاهد قال: هو الفجُّ بين الجبلين. وعنه أيضاً: أنه المنظرة. {ءَايَةً}، أي: علامة، {تَعْبَثُونَ}، بمن مرّ بالطريق، والمعنى: أنهم كانوا يبنون المواضع المرتفعة ليشرفوا على المارة والسابلة فيسخروا منهم ويعبثوا بهم. وعن سعيد بن جبير ومجاهد: هذا في بروج الحمام أنكر عليهم هود اتخاذها بدليل قوله: {تَعْبَثُونَ}، أي: تلعبون، وهم كانوا يلعبون بالحمام. وقال أبو عبيدة: الرِّيع المكان المرتفع.

وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ۝١٢٩ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ۝١٣٠ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ۝١٣١ وَٱتَّقُوا۟ ٱلَّذِىٓ أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ ۝١٣٢ أَمَدَّكُم بِأَنْعَٰمٍ وَبَنِينَ ۝١٣٣ وَجَنَّٰتٍ وَعُيُونٍ ۝١٣٤ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ۝١٣٥ قَالُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ ٱلْوَٰعِظِينَ ۝١٣٦ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا خُلُقُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝١٣٧

{وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ}، قال ابن عباس: أبنية. وقال مجاهد: قصوراً مشيدة. وعن الكلبي: أنها الحصون. وقال قتادة: مآخذ الماء يعني الحِيَاض، واحدتها مصنعة، {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ}، أي: كأنكم تبقون فيها خالدين، والمعنى: أنهم كانوا يستوثقون المصانع كأنهم لا يموتون.

{وَإِذَا بَطَشْتُمْ}، أخذتم وسطوتم، {بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ}، قتلاً بالسيف وضرباً بالسوط، و"الجبَّار": الذي يقتل ويضرب على الغضب.

{فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ}.

{وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِىۤ أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ}، أي: أعطاكم من الخير ما تعلمون، ثم ذكر ما أعطاهم فقال:

{أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَـٰمٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ}، أي: بساتين وأنهار.

{إِنِّىۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ}، قال ابن عباس: إن عصيتموني، {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.

{قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ}، أي: مُسْتَوٍ عندنا، {أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَٰعِظِينَ}، الوعظ كلام يلين القلب بذكر الوعد والوعيد. قال الكلبي: نهيتنا أم لم تكن من النَّاهين لنا.

{إِنَّ هَـٰذَا}، ما هذا، {إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ}، قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب: {خَلق} بفتح الخاء وسكون اللام، أي: اختلاق الأولين وكذبهم، دليل هذه القراءة قوله تعالى:

{ وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً } [العنكبوت: 17], وقرأ الآخرون {خُلُق} بضم الخاء واللام، أي: عادة الأولين من قبلنا، وأمرهم أنهم يعيشون ما عاشوا ثم يموتون ولا بعث ولا حساب.

وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ۝١٣٨ فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَٰهُمْ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ۝١٣٩ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ۝١٤٠ كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝١٤١ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَٰلِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ۝١٤٢ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ۝١٤٣ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ۝١٤٤ وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٤٥ أَتُتْرَكُونَ فِى مَا هَٰهُنَآ ءَامِنِينَ ۝١٤٦ فِى جَنَّٰتٍ وَعُيُونٍ ۝١٤٧ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ۝١٤٨

{وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ }.

{فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَـٰهُمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ }.

{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}. قوله عزّ وجلّ: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَـٰلِحٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * أَتُتْرَكُونَ فِى مَا هَاهُنَآ}، أي: في الدنيا {ءَامِنِينَ}, من العذاب.

{فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا}، ثمرها، يريد ما يطلع منها من الثمر، {هَضِيمٌ}، قال ابن عباس: لطيف، ومنه: هضيم الكشح، إذا كان لطيفاً. وروى عطية عنه: يانع نضيج. وقال عكرمة: هو اللَّيِّن. وقال الحسن: الرخو. وقال مجاهد: متهشم متفتت إذا مُسَّ، وذلك أنه ما دام رطباً فهو هضيم، فإذا يبس فهو هشيم. وقال الضحاك ومقاتل: قد ركب بعضه بعضاً حتى هضم بعضه بعضاً، أي: كسره. وقال أهل اللغة: هو المنضمُّ بعضه إلى بعض في وعائه قبل أن يظهر. وقال الأزهري: الهضيم هو الداخل بعضه في بعضه من النضج والنعومة. وقيل: هضيم أي: هاضم يهضم الطعام. وكل هذا للطافته.

وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا فَٰرِهِينَ ۝١٤٩ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ۝١٥٠ وَلَا تُطِيعُوٓا۟ أَمْرَ ٱلْمُسْرِفِينَ ۝١٥١ ٱلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ۝١٥٢ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ ۝١٥٣ مَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِـَٔايَةٍ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ۝١٥٤ قَالَ هَٰذِهِۦ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ۝١٥٥

{وَتَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً فَـٰرِهِينَ}، وقرىء: {فَرِهِيْنَ}، قيل: معناهما واحد. وقيل: فارهين أي: حاذقين بنحتها، من قولهم فره الرجل فراهة فهو فاره، ومن قرأ {فرهين} قال ابن عباس: أَشِرين بَطِرِيْن. وقال عكرمة: ناعمين. وقال مجاهد: شرهين. وقال قتادة: معجبين بصنيعكم. قال السدي: متجبرين. وقال أبو عبيدة: مرحين. وقال الأخفش فرحين. والعرب تعاقب بين الهاء والحاء مثل: مدحته ومدهته. وقال الضحاك: كَيِّسِيْنَ.

{فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلاَ تُطِيعُوۤاْ أَمْرَ ٱلْمُسْرِفِينَ}، قال ابن عباس: المشركين. وقال مقاتل: هم التسعة الذين عقروا الناقة.

{ٱلَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِى ٱلأَرْضِ}، بالمعاصي، {وَلاَ يُصْلِحُونَ}، لا يطيعون الله فيما أمرهم به.

{قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ}، قال مجاهد وقتادة: من المسحورين المخدوعين، أي: ممن سُحِر مرة بعد مرة. وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أي: من المخلوقين المعللين بالطعام والشراب، يقال: سحره، أي: علله بالطعام والشراب، يريد إنك تأكل الطعام والشراب ولست بمَلَك، بل:

{مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ}، على صحة ما تقول، {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ}، أنك رسول الله إلينا.

{قَالَ هَـٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ}، حظ ونصيب من الماء، {وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ}.

وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ۝١٥٦ فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا۟ نَٰدِمِينَ ۝١٥٧ فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ۝١٥٨ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ۝١٥٩ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝١٦٠ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ ۝١٦١ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ۝١٦٢ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ۝١٦٣ وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٦٤ أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٦٥ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ ۝١٦٦ قَالُوا۟ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ ۝١٦٧ قَالَ إِنِّى لِعَمَلِكُم مِّنَ ٱلْقَالِينَ ۝١٦٨ رَبِّ نَجِّنِى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ ۝١٦٩ فَنَجَّيْنَٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ أَجْمَعِينَ ۝١٧٠ إِلَّا عَجُوزًا فِى ٱلْغَٰبِرِينَ ۝١٧١

{وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ}, بعقرٍ, {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.

{فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَـٰدِمِينَ}, على عقرها حين رأوا العذاب.

{فَأَخَذَهُمُ ٱلْعَذَابُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ}.

{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}.

قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ}, قال مقاتل: يعني جماع الرجال. {مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ}, يعني من بني آدم.

{وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَٰجِكُمْ}, قال مجاهد: تركتم أقبال النساء إلى أدبار الرجال، {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ}، معتدون، مجاوزون الحلال إلى الحرام.

{قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ}، من قريتنا.

{قَالَ إِنِّى لِعَمَلِكُمْ مِّنَ ٱلْقَالِينَ}، المبغضين، ثم دعا فقال:

{رَبِّ نَّجِنِى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ}، من العمل الخبيث.

قال الله تعالى: {فَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزاً فِى ٱلْغَـٰبِرِينَ}، وهي امرأة لوط، بقِيَتْ في العذاب والهلاك.

ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلْـَٔاخَرِينَ ۝١٧٢ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ ۝١٧٣ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ۝١٧٤ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ۝١٧٥ كَذَّبَ أَصْحَٰبُ لْـَٔيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝١٧٦ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ ۝١٧٧ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ۝١٧٨ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ۝١٧٩ وَمَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٨٠ أَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا۟ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ ۝١٨١ وَزِنُوا۟ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ۝١٨٢ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ۝١٨٣ وَٱتَّقُوا۟ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلْأَوَّلِينَ ۝١٨٤

{ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلأَخَرِينَ}، أي: أهلكناهم.

{وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ ٱلْمُنذَرِينَ}، قال وهب بن منبه: الكبريت والنار.

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ }.

{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}.

قوله عزّ وجلّ: {كَذَّبَ أَصْحَـٰبُ الأَيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ}، وهم قوم شعيب عليه السلام، قرأ العراقيون: «الآيكة» ههنا وفي "صۤ" بالهمزة وسكون اللام وكسر التاء، وقرأ الآخرون: «ليكة» بفتح اللام والتاء غير مهموز، جعلوها اسم البلد، وهو لا ينصرف، ولم يختلفوا في سورة "الحجر" و"ق" أنهما مهموزان مكسوران، والأيكة: الغيضة من الشجر الملتفّ.

{إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ}، ولم يقل أخوهم؛ لأنه لم يكن من أصحاب الأيكة في النسب، فلما ذكر مدين قال أخاهم شعيباً لأنه كان منهم، وكان الله تعالى بعثه إلى قومه أهل مدين وإلى أصحاب الأيكة، {أَلاَ تَتَّقُونَ}.

{إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}, وإنما كانت دعوة هؤلاء الأنبياء كلهم فيما حكى الله عنهم على صيغة واحدة لاتفاقهم على الأمر بالتقوى والطاعة والإِخلاص في العبادة والامتناع من أخذ الأجر على الدعوة وتبليغ الرسالة.

{أَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُخْسِرِينَ }, الناقصين لحقوق الناس بالكيل والوزن.

{وَزِنُواْ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ * وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ * وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلْجِبِلَّةَ}، الخليقة، {ٱلأَوَّلِينَ}، يعني: الأمم المتقدمين، والجبلة: الخَلُْق، يقال: جُبل أي: خُلق.

قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ ۝١٨٥ وَمَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ ۝١٨٦ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ۝١٨٧ قَالَ رَبِّىٓ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ۝١٨٨ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ إِنَّهُۥ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ۝١٨٩ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ۝١٩٠ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ۝١٩١ وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٩٢ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ ۝١٩٣ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ ۝١٩٤ بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ ۝١٩٥

{قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ * وَمَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ * فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ * قَالَ رَبِّىۤ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ}. أي: من نقصان الكيل والوزن، وهو مجازيكم بأعمالكم، وليس العذاب إليّ وما عليّ إلا الدعوة.

{فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ}، وذلك أنه أخذهم حرّ شديد، فكانوا يدخلون الأسراب فإذا دخلوها وجدوها أشد حراً فخرجوا، فأظلَّتهم سحابة، وهي الظلة، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا، ذكرناه في سورة هود. {إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}.

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ }.

{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}.

قوله عزّ وجلّ: {وَإِنَّهُ}, يعني القرآن. {لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ}، قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو، وحفص: «نزل» خفيف، "الروحُ الأمينُ" برفع الحاء والنون، أي: نزل جبريل بالقرآن. وقرأ الآخرون بتشديد الزاي وفتح الحاء والنون أي: نزّل الله به جبريل، لقوله عزّ وجلّ: {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}.

{عَلَىٰ قَلْبِكَ}، يا محمد حتى وعيته، {لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ}، المخوّفين.

{بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ } قال ابن عباس: لسان قريش ليفهموا ما فيه.

وَإِنَّهُۥ لَفِى زُبُرِ ٱلْأَوَّلِينَ ۝١٩٦ أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ ءَايَةً أَن يَعْلَمَهُۥ عُلَمَٰٓؤُا۟ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ۝١٩٧ وَلَوْ نَزَّلْنَٰهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلْأَعْجَمِينَ ۝١٩٨ فَقَرَأَهُۥ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ مُؤْمِنِينَ ۝١٩٩ كَذَٰلِكَ سَلَكْنَٰهُ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ۝٢٠٠

{وَإِنَّهُ}، أي: ذْكِرُ إنزال القرآن، قاله أكثر المفسرين. وقال مقاتل: ذِكْرُ محمد صلى الله عليه وسلم ونعته، {لَفِى زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ}.

{أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ ءَايَةً}، قرأ ابن عامر: «تكن» بالتاء "آيةٌ" بالرفع، جعل الآية اسماً وخبره: {أَن يَعْلَمَهُ}، وقرأ الآخرون بالياء، {ءَايَةً} نصب، جعلوا الآية خبر يكن، معناه: أوَلم يكن لهؤلاء المنّكرين علم بني إسرائيل آية، أي علامة ودلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن العلماء الذين كانوا من بني إسرائيل، كانوا يخبرون بوجود ذكره في كتبهم، وهم: عبد الله بن سلام وأصحابه. قال ابن عباس: بعث أهل مكة إلى اليهود وهم بالمدينة فسألوهم عن محمد صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن هذا لزمانه وإنا نجد في التوراة نعتَه وصفته، فكان ذلك آية على صدقه.

قوله تعالى: {أَن يَعْلَمَهُ}، يعني يعلم محمداً صلى الله عليه وسلم، {عُلَمَاءُ بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ}، قال عطية: كانوا خمسة عبد الله بن سلام، وابن يامين، وثعلبة، وأسد، وأسيد.

{وَلَوْ نَزَّلْنَـٰهُ}، يعني القرآن، {عَلَىٰ بَعْضِ ٱلأَعْجَمِينَ}، جمع الأعجمي، وهو الذي لا يفصح ولا يحسن العربية وإن كان عربياً في النسب، والعجمي: منسوب إلى العجم، وإن كان فصيحاً. ومعنى الآية: ولو نزلناه على رجل ليس بعربي اللسان.

{فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم}، بغير لغة العرب، {مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ}، وقالوا: ما نفقه قولك، نظيره قوله عزّ وجلّ:

{ { وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَاناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُ } } [فصلت: 44]، وقيل: معناه ولو نزلناه على رجل ليس من العرب لما آمنوا به أنفةً من اتّباعه.

{كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ}، قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد: أدخلناه الشرك والتكذيب {فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ}.

الأربعاء، 4 نوفمبر 2026 24 جمادى الأولى 1448 هـ