انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الذاريات

تفسير البغويالآيات 1–60

تفسير سورة الذاريات آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرْوًا ۝١ فَٱلْحَٰمِلَٰتِ وِقْرًا ۝٢ فَٱلْجَٰرِيَٰتِ يُسْرًا ۝٣ فَٱلْمُقَسِّمَٰتِ أَمْرًا ۝٤ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ ۝٥ وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَٰقِعٌ ۝٦ وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ ۝٧ إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ ۝٨ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ۝٩ قُتِلَ ٱلْخَرَّٰصُونَ ۝١٠ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى غَمْرَةٍ سَاهُونَ ۝١١ يَسْـَٔلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلدِّينِ ۝١٢ يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ ۝١٣ ذُوقُوا۟ فِتْنَتَكُمْ هَٰذَا ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تَسْتَعْجِلُونَ ۝١٤

{وَٱلذَّٰرِيَـٰتِ ذَرْواً}، يعني: الرياح التي تذرو التراب ذرواً، يقال: ذَرَت الريحُ الترابَ وأذرت.

{فَٱلْحَـٰمِلَـٰتِ وِقْراً}، يعني: السحاب تحمل ثقلاً من الماء.

{فَٱلْجَـٰرِيَـٰتِ يُسْراً}، هي السفن تجري في الماء جرياً سهلاً.

{فَٱلْمُقَسِّمَـٰتِ أَمْراً}، هي الملائكة يقسمون الأمور بين الخلق على ما أمروا به، أقسم بهذه الأشياء لما فيها من الدلالة على صنعه وقدرته.

ثم ذكر المقسَمَ عليه فقال: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ}، من الثواب والعقاب، {لَصَـٰدِقٌ}.

{وَإِنَّ ٱلدِّينَ}، الحساب والجزاء، {لَوَاقِعٌ}، لكائن. ثم ابتدأ قَسَماً آخر فقال:

{وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ}، قال ابن عباس وقتادة وعكرمة: ذات الخلق الحسن المستوي، يقال للنسَّاج إذا نسج الثوب فأجاد: ما أحسن حبكه! قال سعيد بن جبير: ذات الزينة. قال الحسن: حبكت بالنجوم. قال مجاهد: هي المتقنة البنيان. وقال مقاتل والكلبي والضحاك: ذات الطرائق كحبك الماء إذا ضربته الريح، وحبك الرمل والشعر الجعد، ولكنها لا ترى لبعدها من الناس، وهي جمع حباك وحبيكة، وجواب القسم قوله:

{إِنَّكُمْ}، أي: يا أهل مكة، {لَفِى قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ}، في القرآن وفي محمد صلى الله عليه وسلم، تقولون في القرآن: سحر وكهانة وأساطير الأولين، وفي محمد صلى الله عليه وسلم: ساحر وشاعر ومجنون. وقيل: "لفي قول مختلف" أي: مُصدّق ومُكذّب.

{يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ}، يصرف عن الإِيمان به من صرف حتى يكذبه، يعني: من حرمه الله الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن. وقيل "عن" بمعنى: من أجل، أي يصرف من أجل هذا القول المختلف أو بسببه عن الإِيمان من صرف. وذلك أنهم كانوا يتلقون الرجل إذا أراد الإِيمان فيقولون: إنه ساحر وكاهن ومجنون، فيصرفونه عن الإِيمان، وهذا معنى قول مجاهد.

{قُتِلَ ٱلْخَرَٰصُونَ}، لُعِن الكذابون، يقال: تخرَّص على فلان الباطل، وهم المقتسمون الذين اقتسموا عِقَاب مكة، واقتسموا القول في النبي صلى الله عليه وسلم ليصرفوا الناس عن دين الإِسلام. وقال مجاهد: هم الكهنة.

{ٱلَّذِينَ هُمْ فِى غَمْرَةٍ}، غفلة وعمىً وجهالة {سَـٰهُونَ} لاَهُون غافلون عن أمر الآخرة، والسهو: الغفلة عن الشيء، وهو ذهاب القلب عنه.

{يَسْـئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلدِّينِ}، يقولون: يا محمد متى يوم الجزاء، يعني: يوم القيامة تكذيباً واستهزاءً.

قال الله عزّ وجلّ: {يَوْمَ هُمْ}، أي يكون هذا الجزاء في يوم هم {عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ}، أي: يعذَّبون ويحرقون بها كما يفتن الذهب بالنار. وقيل: "على" بمعنى الباء أي بالنار، وتقول لهم خزنة النار:

{ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ}، عذابكم، {هَـٰذَا ٱلَّذِى كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ}، في الدنيا تكذيباً به.

إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّٰتٍ وَعُيُونٍ ۝١٥ ءَاخِذِينَ مَآ ءَاتَىٰهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ ۝١٦ كَانُوا۟ قَلِيلًا مِّنَ ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ۝١٧ وَبِٱلْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ۝١٨

{إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ * ءَاخِذِينَ مَآ ءَاتَـٰهُمْ}, أعطاهم، {رَبُّهُمْ}، من الخير والكرامة، {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ}، قبل دخولهم الجنة، {مُحْسِنِينَ}، في الدنيا.

{كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ}، والهجوع النوم بالليل دون النهار، "وما" صلة، والمعنى: كانوا يهجعون قليلاً من الليل، أي يصلون أكثر الليل.

وقيل: معناه كان الليل الذي ينامون فيه كله قليلاً، وهذا معنى قول سعيد بن جبير عن ابن عباس، يعني: كانوا قلّ ليلة تمر بهم إلاّ صلوا فيها شيئاً، إمّا من أولها أو من أوسطها. قال أنس ابن مالك: كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء. وقال محمد بن علي: كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة. قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: قلّ ليلة أتتْ عليهم هجعوها كلها. قال مجاهد: كانوا لا ينامون كل الليل.

ووقف بعضهم على قوله: "قليلاً" أي: كانوا من الناس قليلاً ثم ابتدأ: {مِّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ}، وجعله جحداً أي: لا ينامون بالليل البتة، بل يقومون للصلاة والعبادة، وهو قول الضحاك ومقاتل.

{وَبِٱلأَسْحَـٰرِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، قال الحسن: لا ينامون من الليل إلا أقله، وربما نشطوا فمدوا إلى السحر، ثم أخذوا بالأسحار في الاستغفار. وقال الكلبي ومجاهد ومقاتل: وبالأسحار يصلون، وذلك أن صلاتهم بالأسحار لطلب المغفرة.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد الحسن بن أحمد بن محمد المَخلديُّ، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السَّراج، حدثنا قتيبة، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهل ابن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل فيقول: أنا المَلِك، أنا الملك، مَنِ الذي يدعوني فأستجيبَ له؟ مَنِ الذي يسألني فأعطيَه؟ من الذي يستغفرني فأغفرَ له".

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا سليمان بن أبي مسلم عن طاووس سمع ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد، قال:

اللهم لك الحمد أنتَ قيّمُ السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنتَ نورُ السموات والأرضِ، ولك الحمد أنتَ ملك السمواتِ والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنتَ الحقّ ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق والنار حق، والنبيّون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق، والساعة حق، اللهمّ لك أسلمتُ وبك آمنتُ وعليك توكلتُ، وإليك أنَبْتُ وبك خاصمتُ وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمتُ وما أخرتُ وما أسررتُ وما أعلنت، أنت المقدّم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت ولا إله غيرك. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا صدقة، أخبرنا الوليد عن الأوزاعي، حدثني عمير بن هانئ، حدثني جنادة بن أبي أمية، حدثني عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:من تعارَّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم، ثم قال: اللهم اغفرْ لي، أو دعا استُجيب له، فإن توضأ وصلّى قُبِلَتْ صلاتُه».

وَفِىٓ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ ۝١٩

قوله عزّ وجلّ: {وَفِىۤ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ}، السائل: الذي يسأل الناس، والمحروم: الذي ليس له في الغنائم سهم، ولا يجري عليه من الفيء شيء، هذا قول ابن عباس وسعيد بن المسيب، قالا: المحروم الذي ليس له في الإِسلام سهم، ومعناه في اللغة: الذي مُنع الخير والعطاء.

وقال قتادة والزهري: "المحروم" المتعفف الذي لا يسأل.

وقال زيد بن أسلم: هو المصاب ثمره أو زرعه أو نسل ماشيته. وهو قول محمد بن كعب القرظي، قال: المحروم صاحب الجائحة، ثم قرأ:

{ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ }[الواقعة:66 -67].

وَفِى ٱلْأَرْضِ ءَايَٰتٌ لِّلْمُوقِنِينَ ۝٢٠ وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ۝٢١ وَفِى ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ۝٢٢ فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ إِنَّهُۥ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ۝٢٣

{وَفِىۤ ٱلأَرْضِ ءَايَاتٌ}، عِبَر، {لِّلْمُوقِنِينَ}، إذا سَارُوا فيها من الجبال والبحار والأشجار والثمار وأنواع النبات. {وَفِىۤ أَنفُسِكُمْ}، آياتٌ، إذْ كانت نطفةً ثم علقةً ثم مضغةً ثم عظماً إلى أن نفخ فيها الروح.

قال عطاء عن ابن عباس: يريد اختلاف الألسنة والصور والألوان والطبائع.

وقال ابن الزبير: يريد سبيل الغائط والبول يأكل ويشرب من مدخل واحد ويخرج من سبيلين.

{أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}، [قال مقاتل]: أفلا تبصرون كيف خلقكم فتعرفوا قدرته على البعث.

{وَفِى ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ}، قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل: يعني المطر الذي هو سبب الأرزاق، {وَمَا تُوعَدُونَ}، قال عطاء: من الثواب والعقاب. وقال مجاهد: من الخير والشر. وقال الضحاك: وما توعدون من الجنة والنار، ثم أقسم بنفسه فقال:

{فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ}، أي: ما ذكرت من أمر الرزق لحقٌّ، {مِّثْلَ}، قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: "مِثْلُ" برفع اللام بدلاً من "الحق"، وقرأ الآخرون بالنصب أي كمثل، {مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ}، فتقولون: لا إله إلا الله. وقيل: شبّه تحقيق ما أخبر عنه بتحقيق نطق الآدمي، كما تقول: إنه لحق كما أنت هاهنا، وإنه لحق كما أنك تتكلم، والمعنى: إنه في صدقه ووجوه كالذي تعرفه ضرورة: وقال بعض الحكماء: يعني: كما أن كل إنسان ينطق بلسان نفسه لا يمكنه أن ينطق بلسان غيره فكذلك كل إنسان يأكل رزق نفسه الذي قسم له، ولا يقدر أن يأكل رزق غيره.

هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ ۝٢٤ إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَقَالُوا۟ سَلَٰمًا قَالَ سَلَٰمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ۝٢٥ فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ۝٢٦ فَقَرَّبَهُۥٓ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ۝٢٧ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا۟ لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٍ ۝٢٨ فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُۥ فِى صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ۝٢٩ قَالُوا۟ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ ۝٣٠ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ ۝٣١ قَالُوٓا۟ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ ۝٣٢ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ ۝٣٣ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ۝٣٤ فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝٣٥ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ۝٣٦ وَتَرَكْنَا فِيهَآ ءَايَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ۝٣٧

قوله عزّ وجلّ: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَٰهِيمَ}، ذكرنا عددهم في سورة هود، {ٱلْمُكْرَمِينَ}، [قيل: سماهم مكرمين] لأنهم كانوا ملائكة كراماً عند الله، وقد قال الله تعالى في وصفهم:

{ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ }[الأنبياء:26]، وقيل: لأنهم كانوا ضيف إبراهيم وكان إبراهيم أكرم الخليقة، وضيف الكرام مكرمون.

وقيل: لأن إبراهيم عليه السلام أكرمهم بتعجيل قِراهم، والقيام بنفسه عليهم بطلاقة الوجه.

وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: خدمته إياهم بنفسه.

وروي عن ابن عباس: سماهم مكرمين لأنهم جاؤوا غير مدعوين. وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

"من كان يُؤمنُ بالله واليوم الآخر فليكرمْ ضيفَه".

{إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَـٰماً قَالَ سَلَـٰمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ}، أي: غرباء لا نعرفكم، قال ابن عباس: قال في نفسه هؤلاء قوم لا نعرفهم. وقيل: إنما أنكر أمرهم لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان. وقال أبو العالية: أنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض.

{فَرَاغَ}، فعدل ومال، {إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ}، مشوي.

{فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ}، ليأكلوا فلم يأكلوا، {قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَـٰمٍ عَلَيمٍ * فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِى صَرَّةٍ}، أي: صيحة، قيل: لم يكن ذلك إقبالاً من مكان إلى مكان، وإنما هو كقول القائل: أقبل يشتمني، بمعنى أخذ في شتمي، أي أخذت تُوَلْوِلُ كما قال الله تعالى:

{ قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰ }[هود:72]، {فَصَكَّتْ وَجْهَهَا}، قال ابن عباس: لطمت وجهها. وقال الآخرون: جمعت أصابعها فضربت جبينها تعجباً، كعادة النساء إذا أنكرن شيئاً، وأصل الصّكِّ: ضرب الشيء بالشيء العريض.

{وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ}، مجازه: أتلدُ عجوز عقيم؟ وكانت سارة لم تلد قبل ذلك. {قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ}، أي كما قلنا لك قال ربك إنك ستلدين غلاماً، {إِنَّهُ هُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ}.

{قَالَ}، يعني: إبراهيم، {فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ * قَالُوۤاْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ}، يعني: قوم لوط.

{لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ * مُّسَوَّمَةً}، معلّمة، {عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ}، قال ابن عباس: للمشركين، والشرك أسرف الذنوب وأعظمها.

{فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا}، أي: في قرى قوم لوط، {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، وذلك قوله:

{ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ }[هود:81].

{فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ}، أي غير أهل بيت، {مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}، يعني لوطاً وابنتيه، وصفهم الله تعالى بالإِيمان والإِسلام جميعاً لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم.

{وَتَرَكْنَا فِيهَآ}، أي في مدينة قوم لوط، {ءَايَةً}، عبرة، {لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ}، أي: علامة للخائفين تدلهم على أن الله تعالى أهلكهم فيخافون مثل عذابهم.

وَفِى مُوسَىٰٓ إِذْ أَرْسَلْنَٰهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَٰنٍ مُّبِينٍ ۝٣٨ فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِۦ وَقَالَ سَٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ۝٣٩ فَأَخَذْنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذْنَٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ ۝٤٠ وَفِى عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ ۝٤١ مَا تَذَرُ مِن شَىْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ ۝٤٢ وَفِى ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا۟ حَتَّىٰ حِينٍ ۝٤٣ فَعَتَوْا۟ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ ۝٤٤ فَمَا ٱسْتَطَٰعُوا۟ مِن قِيَامٍ وَمَا كَانُوا۟ مُنتَصِرِينَ ۝٤٥

{وَفِى مُوسَىٰ}، أي: وتركنا في إرسال موسى آية وعبرة. وقيل: هو معطوف على قوله: {وَفِى ٱلأَرْضِ ءَايَـٰتٌ لِّلْمُوقِنِينَ}، وفي موسى، {إِذْ أَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ}، بحجة ظاهرة.

{فَتَوَلَّىٰ}، فأعرض وأدبر عن الإِيمان، {بِرُكْنِهِ}، أي بجمعه وجنوده الذين كان يتقوى بهم، كالركن الذي يقوى به البنيان، نظيره:

{ أَوْ آوِىۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ }[هود:80]، {وَقَالَ سَـٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ}، قال أبو عبيدة: "أو"، بمعنى الواو.

{فَأَخَذْنَـٰهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَـٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ}، أغرقناهم فيه، {وَهُوَ مُلِيمٌ}، أي: آت بما يلام عليه من دعوى الربوبية وتكذيب الرسول.

{وَفِى عَادٍ}، أي: في إهلاك عاد أيضاً آية، {إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ}، وهي التي لا خير فيها ولا بركة ولا تلقح شجراً ولا تحمل مطراً.

{مَا تَذَرُ مِن شَىْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ}، من أنفسهم وأنعامهم وأموالهم، {إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَـٱلرَّمِيمِ}، كالشيء الهالك البالي، وهو نبات الأرض إذا يبسَ ودِيسَ. قال مجاهد: كالتبن اليابس. قال قتادة: كرميم الشجر. قال أبو العالية: كالتراب المدقوق. وقيل: أصله من العظم البالي.

{وَفِى ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٍ}, يعني وقت فناء آجالهم, وذلك أنهم لما عقروا الناقة قيل لهم: تمتعوا ثلاثة أيام.

{فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ}، بعد مضي الأيام الثلاثة، وهي الموت في قول ابن عباس، قال مقاتل: يعني العذاب، و{ٱلصَّاعِقَةُ}: كل عذاب مهلك، وقرأ الكسائي: "الصعقة"، وهي الصوت الذي يكون من الصاعقة، {وَهُمْ يَنظُرُونَ}، يرون ذلك عياناً.

{فَمَا ٱسْتَطَـٰعُواْ مِن قِيَامٍ}، فما قاموا بعد نزول العذاب بهم ولا قدروا على نهوض. قال قتادة: لم ينهضوا من تلك الصرعة، {وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ}، ممتنعين منّا. قال قتادة: ما كانت عندهم قوة يمتنعون بها من الله.

وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا فَٰسِقِينَ ۝٤٦ وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَٰهَا بِأَيْي۟دٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ۝٤٧ وَٱلْأَرْضَ فَرَشْنَٰهَا فَنِعْمَ ٱلْمَٰهِدُونَ ۝٤٨ وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۝٤٩ فَفِرُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ إِنِّى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ۝٥٠ وَلَا تَجْعَلُوا۟ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ إِنِّى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ۝٥١ كَذَٰلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا۟ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ۝٥٢ أَتَوَاصَوْا۟ بِهِۦ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ۝٥٣ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ ۝٥٤ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝٥٥ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ۝٥٦

{وَقَوْمَ نُوحٍ}، قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: "وقومِ"، بجر الميم، أي: وفي قوم نوح، وقرأ الآخرون بنصبها بالحمل على المعنى، وهو أن قوله: {فَأَخَذْنَـٰهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَـٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ}، معناه: أغرقناهم وأغرقنا قوم نوح. {مِّن قَبْلُ}، أي: من قبل هؤلاء، وهم عاد وثمود وقوم فرعون. {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ}.

{وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَـٰهَا بِأَيْيْدٍ}، بقوة وقدرة، {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قادرون. وعنه أيضاً: لموسعون الرزق على خلقنا. وقيل: ذو سعة. وقال الضحاك: أغنياء، دليله قوله عزّ وجلّ:

{ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ }[البقرة:236]، قال الحسن: مطيقون.

{وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَـٰهَا}، بسطناها ومهدناها لكم، {فَنِعْمَ ٱلْمَـٰهِدُونَ}، الباسطون نحن: قال ابن عباس: نعم ما وطّأتُ لعبادي.

{وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ}، صنفين ونوعين مختلفين كالسماء والأرض. والشمس والقمر، والليل والنهار، والبر والبحر، والسهل والجبل، والشتاء والصيف، والجن والإِنس، والذكر والأنثى، والنور والظلمة، والإِيمان والكفر، والسعادة والشقاوة، والحق والباطل، والحلو والمرّ. {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، فتعملون أن خالق الأزواج فرد.

{فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللهِ}، فاهربوا من عذاب الله إلى ثوابه، بالإيمان والطاعة. قال ابن عباس: فروا منه إليه واعملوا بطاعته. وقال سهل بن عبد الله: فروا مما سوى الله إلى الله. {إِنِّى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللهِ إِلَـٰهاً ءَاخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}.

{كَذَلِكَ}، أي: كما كذبك قومك وقالوا ساحر أو مجنون كذلك، {مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم}، من قبل كفار مكة، {مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَـٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ}.

قال الله تعالى: {أَتَوَاصَوْاْ بِهِ}، أي: أوصى أولُهم آخرَهم وبعضُهم بعضاً بالتكذيب وتواطؤا عليه؟ والألف فيه للتوبيخ، {بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَـٰغُونَ}، قال ابن عباس: حملهم الطغيان فيما أعطيتهم ووسّعتُ عليهم على تكذيبك، {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} فأعرض عنهم، {فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ}، لا لوم عليك فقد أديتَ الرسالة وما قصرت فيما أُمرت به.

قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتدّ ذلك على أصحابه، وظنوا أن الوحي قد انقطع، وأن العذاب قد حضر إذْ أُمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتولى عنهم. فأنزل الله تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، فطابت أنفسهم.

قال مقاتل: معناه عِظْ بالقرآن كفار مكة، فإن الذكرى تنفع من [سبق] في علم الله أن يؤمن منهم. وقال الكلبي: عِظْ بالقرآن من آمن من قومك فإن الذكرى تنفعهم.

{وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}، قال الكلبي والضحاك وسفيان: هذا خاص لأهل طاعته من الفريقين، يدل عليه قراءة ابن عباس: {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ} من المؤمنين {إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}، ثم قال في أخرى:

{ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ }[الأعراف:179].

وقال بعضهم: وماخلقت السعداء من الجن والإِنس إلا لعبادتي والأشقياء منهم إلا لمعصيتي، وهذا معنى قول زيد بن أسلم، قال: هو على ما جُبِلُوا عليه من الشقاوة والسعادة.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إلاّ ليعبدون". أي إلاَّ لآمُرَهم أن يعبدوني وأدعوهم إلى عبادتي، يؤيده قوله عزّ وجلّ:

{ وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَٰحِداً }[التوبة:31].

وقال مجاهد: إلاّ ليعرفوني. وهذا أحسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده، دليله: قوله تعالى:

{ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللهُ }[الزخرف:87].

وقيل: معناه إلا ليخضعوا إليَّ ويتذللوا، ومعنى العبادة في اللغة: التذلل والانقياد، فكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله، ومتذلل لمشيئته لا يملك أحد لنفسه خروجاً عمّا خُلق عليه.

وقيل: "إلا ليعبدوني" إلاَّ ليوحدوني، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء، وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء، بيانه قوله عزّ وجلّ:

{ فَإِذَا رَكِبُواْ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ }[العنكبوت:65].

مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ۝٥٧ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ ۝٥٨ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَٰبِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ ۝٥٩ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن يَوْمِهِمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ ۝٦٠

{مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ}، أي: أن يرزقوا أحداً من خلقي ولا أن يرزقوا أنفسهم، {وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ}، أي: أن يطعموا أحداً من خلقي، وإنما أسند الإِطعام إلى نفسه، لأن الخلق عيال الله ومن أطعم عيال أحد فقد أطعمه. كما جاء في الحديث: يقول الله تعالى:

استطعمتُك فلم تُطعمني، أي: لم تطعم عبدي، ثم بيّن أن الرازق هو لا غيره فقال:

{إِنَّ ٱللهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ}، يعني: لجميع خلقه، {ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ}، وهو القوى المتقدر المبالغ في القوة والقدرة.

{فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ}، كفروا من أهل مكة، {ذَنُوباً}، نصيباً من العذاب، {مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَـٰبِهِمْ}، مثل نصيب أصحابهم الذين هلكوا من قوم نوح وعاد وثمود، وأصل "الذَّنُوب" في اللغة: الدلو العظيمة المملوءة ماء، ثم استعمل في الحظ والنصيب، {فَلاَ يَسْتَعْجِلونِ}، بالعذاب يعني أنهم أُخِّروا إلى يوم القيامة.

يدل عليه قوله عزّ وجلّ: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ}، يعني: يوم القيامة، وقيل: يوم بدر.

الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026 23 جمادى الأولى 1448 هـ