انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الصافات

تفسير البغويالآيات 124–182

تفسير سورة الصافات آية آية، من تفسير البغوي.

إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَلَا تَتَّقُونَ ۝١٢٤ أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَٰلِقِينَ ۝١٢٥ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝١٢٦ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ۝١٢٧ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ۝١٢٨

{إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ}, أتعبدون، {بَعْلاً}، وهو اسم صنم لهم كانوا يعبدونه، ولذلك سميت مدينتهم بعلبك، قال مجاهد وعكرمة وقتادة: "البعل" الربُّ بلغة أهل اليمن. {وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَـٰلِقِينَ} فلا تعبدونه.

{ٱللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلاَْوَّلِينَ}، قرأ حمزة، والكسائي، وحفص، ويعقوب: {ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ} بنصب الهاء والباءين على البدل، وقرأ الآخرون برفعهن على الاستئناف.

{فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ}، في النار.

{إِلاَّ عِبَادَ ٱللهِ ٱلْمُخْلَصِينَ}، من قومه فإنهم نَجَوْا من العذاب.

وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ۝١٢٩ سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِلْ يَاسِينَ ۝١٣٠ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ۝١٣١ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٣٢ وَإِنَّ لُوطًا لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝١٣٣ إِذْ نَجَّيْنَٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ أَجْمَعِينَ ۝١٣٤ إِلَّا عَجُوزًا فِى ٱلْغَٰبِرِينَ ۝١٣٥ ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلْـَٔاخَرِينَ ۝١٣٦ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ ۝١٣٧ وَبِٱلَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝١٣٨ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝١٣٩

{وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلأَخِرِينَ * سَلَـٰمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ}، قرأ نافع وابن عامر: "آل ياسين" بفتح الهمزة مشبعة، وكسر اللام مقطوعة، لأنها في المصحف مفصولة. [وقرأ الآخرون بكسر الهمزة وسكون اللام موصولة].

فمن قرأ "آل يس"، مقطوعة، قيل: أراد آل محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا القول بعيد لأنه لم يُسبَق له ذكر.

وقيل: أراد آل إلياس.

والقراءة المعروفة بالوصل، واختلفوا فيه، فقد قيل: إلياسين لغة في إلياس، مثل: إسماعيل وإسماعين وميكائيل وميكائين.

وقال الفراء: هو جمع أراد إلياس وأتباعه من المؤمنين، فيكون بمنزلة الأشعرين والأعجمين بالتخفيف، وفي حرف عبد الله بن مسعود: سلامٌ على إدراسين يعني: إدريس وأتباعه، لأنه يقرأ: وإن إدريس لمن المرسلين.

{إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عَجُوزاً فِى ٱلْغَـٰبِرِينَ}، أي: الباقين في العذاب.

{ثُمَّ دَمَّرْنَا ٱلأَخَرِينَ}, والتدمير: الإهلاك.

{وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ}، على آثارهم ومنازلهم، {مُّصْبِحِينَ}، وقت الصباح.

{وَبِٱلَّيْلِ}، يريد: تمرون بالنهار والليل عليهم إذا ذهبتم إلى أسفاركم ورجعتم، {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}، فتعتبرون بهم.

قوله تعالى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}، من جملة رسل الله.

إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ۝١٤٠ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ ۝١٤١ فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ۝١٤٢ فَلَوْلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ ۝١٤٣ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ۝١٤٤ فَنَبَذْنَٰهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ ۝١٤٥

{إِذْ أَبَقَ إِلَى ٱلْفُلكِ ٱلْمَشْحُونِ}، يعني: هرب.

قال ابن عباس رضي الله عنهما، ووهب: كان يونس وعد قومه العذاب، فلما تأخر عنهم العذاب خرج كالمَشُور منهم، فقصد البحر فركب السفينة، فاحتبست السفينة فقال الملاحون: هاهنا عبد آبق من سيده، فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس، فاقترعوا ثلاثاً فوقعت على يونس، فقال يونس: أنا الآبق، وزجّ نفسه في الماء.

ورُوي في القصة: أنه لما وصل إلى البحر كانت معه امرأته وابنان له، فجاء مركب فأراد أن يركب معهم فقدَّم امرأته ليركب بعدها، فحال الموج بينه وبين المركب ومرَّ المركب، ثم جاءت موجة أخرى وأخذت ابنه الأكبر وجاء ذئب فأخذ الابن الأصغر، فبقي فريداً، فجاء مركب آخر فركبه فقعد ناحية من القوم، فلما مرت السفينة في البحر ركدت، فاقترعوا، وقد ذكرنا القصة في سورة يونس.

فذلك قوله عزّ وجلّ: {فَسَـٰهَمَ}، فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة، {فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ }، المقروعين.

{فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ}، ابتلعه، {وَهُوَ مُلِيمٌ}، آتٍ بما يلام عليه.

{فَلَوْلآَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ}، من الذاكرين لله قبل ذلك، وكان كثير الذكر، وقال ابن عباس: من المصلين. وقال وهب: من العابدين. وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملاً صالحاً. وقال الضحاك: شكرَ اللهُ تعالى له طاعتَه القديمة.

وقيل: "فلولا أنه كان من المسبحين" في بطن الحوت. قال سعيد بن جبير: يعني قوله:

{ لآَّ إِلَـٰهَ إِلآَّ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ }[الأنبياء: 87].

{لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}, لصار بطن الحوت له قبراً إلى يوم القيامة. {فَنَبَذْنَـٰهُ}، طرحناه، {بِٱلْعَرَآءِ}، يعني على وجه الأرض، قال السدي: بالساحل، والعراء: الأرض الخالية عن الشجر والنبات. {وَهُوَ سَقِيمٌ}، عليل كالفرخ الممعَّط. وقيل: كان قد بليَ لحمه ورقَّ عظمه ولم يبق له قوة.

واختلفوا في مدة لبثه في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. وقال عطاء: سبعة أيام. وقال الضحاك: عشرين يوماً. وقال السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوماً. وقال الشعبي: التقمه ضحى ولفظه عشية.

وَأَنۢبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ ۝١٤٦ وَأَرْسَلْنَٰهُ إِلَىٰ مِا۟ئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ۝١٤٧

{وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ}، أي: له، وقيل: عنده، {شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ}، يعني: القرع، على قول جميع المفسرين.

وقال الحسن ومقاتل: كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض ليس له ساق ولا يبقى على الشتاء نحو القرع والقثاء والبطيخ فهو يقطين.

قال مقاتل بن حيان: فكان يونس يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها بكرة وعشية حتى اشتد لحمه ونبت شعره وقوي، فنام نومة فاستيقظ وقد يبست الشجرة فحزن حزناً شديداً وأصابه أذى الشمس فجعل يبكي، فبعث الله تعالى إليه جبريل وقال: أتحزن على شجرة ولا تحزن على مائة ألف من أمتك وقد أسلموا وتابوا.

فإن قيل: قال هاهنا: {فَنَبَذْنَاهُ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ}, وقال في موضع آخر:

{ لَّوْلآَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ }[القلم: 49]، فهذا ما يدل على أنه لم ينبذ؟.

قيل: "لولا" هناك يرجع إلى الذم، معناه: لولا نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم، ولكن تداركه بالنعمة فنبذ، وهو غير مذموم.

قوله عزَّ وجلَّ: {وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلْفٍ}، قال قتادة: أُرسِل إلى أهل نينوى من أرض الموصل قبل أن يصيبه ما أصابه، وقوله: "وأرسلناه" أي: وقد أرسلناه، وقيل: كان إرساله بعد خروجه من بطن الحوت إليهم، وقيل: إلى قوم آخرين. {أَوْ يَزِيدُونَ}، قال ابن عباس: معناه ويزيدون "أو" بمعنى الواو كقوله:

{ عُذْراً أَوْ نُذْراً }[المرسلات: 6], وقال مقاتل والكلبي: معناه بل يزيدون. وقال الزجاج: "أو" هاهنا على أصله، ومعناه: أو يزيدون على تقديركم وظنكم، كالرجل يرى قوماً فيقول: هؤلاء ألف أو يزيدون، فالشك على تقدير المخلوقين، والأكثرون على أن معناه: ويزيدون.

واختلفوا في مبلغ تلك الزيادة فقال ابن عباس ومقاتل: كانوا عشرين ألفاً، ورواه أُبيّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الحسن: بضعاً وثلاثين ألفاً. وقال سعيد بن جبير: سبعين ألفاً.

فَـَٔامَنُوا۟ فَمَتَّعْنَٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍ ۝١٤٨ فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ ۝١٤٩ أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ إِنَٰثًا وَهُمْ شَٰهِدُونَ ۝١٥٠ أَلَآ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ۝١٥١ وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ ۝١٥٢ أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَى ٱلْبَنِينَ ۝١٥٣ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ۝١٥٤ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ۝١٥٥ أَمْ لَكُمْ سُلْطَٰنٌ مُّبِينٌ ۝١٥٦

{فَآمَنُواْ}, يعني: الذين أرسل إليهم يونس بعد معاينة العذاب، {فَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍ}، إلى انقضاء آجالهم.

قوله تعالى: {فَٱسْتَفْتِهِمْ}، فاسأل يا محمد أهل مكة وهو سؤال توبيخ، {أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ}، وذلك أن جهينة وبني سلمة وبن عبد الدار زعموا أن الملائكة بنات الله، يقول: جعلوا لله البنات ولأنفسهم البنين.

{أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلَـٰئِكَةَ إِنَـٰثاً}، معناه: أخلقنا الملائكة إناثاً، {وَهُمْ شَـٰهِدُونَ}، حاضرون خَلْقَنا إيّاهم، نظيره قوله:

{ أَشَهِدُواْ خلْقَهُمْ }[الزخرف: 19].

{أَلآَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ}، من كذبهم، {لَيَقُولُونَ وَلَدَ ٱللهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ}.

{أَصْطَفَى}، قرأ أبو جعفر: "لكاذبون اصطفى" موصولاً، على الخبر عن قول المشركين، وعن الوقف يبتدئ: "اصطفى" بكسر الألف، وقراءة العامة بقطع الألف، لأنها ألف استفهام دخلت على ألف الوصل، فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة مقطوعة، مثل: استكبر ونحوها، {أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ}.

{مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}، لله بالبنات ولكم بالبنين.

{أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}، أفلا تتعظون.

{أَمْ لَكُمْ سُلطـٰنٌ مُّبِينٌ}، برهان بيّن على أن لله ولداً.

فَأْتُوا۟ بِكِتَٰبِكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝١٥٧ وَجَعَلُوا۟ بَيْنَهُۥ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ۝١٥٨ سُبْحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ۝١٥٩ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ۝١٦٠ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ۝١٦١ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَٰتِنِينَ ۝١٦٢ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ ۝١٦٣ وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ۝١٦٤

{فَأْتُواْ بِكِتَـٰبِكُمْ}، الذي لكم فيه حجة، {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ}، في قولكم.

{وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً}. قال مجاهد وقتادة: أراد بالجِنّة: الملائكة، سُمّوا جِنّة لاجتنانهم عن الأبصار.

وقال ابن عباس: حي من الملائكة يقال لهم الجن، ومنهم إبليس، قالوا: هم بنات الله.

وقال الكلبي: قالوا - لعنهم الله - بل تزوج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك، وقد كان زعم بعض قريش أن الملائكة بنات الله، تعالى الله، فقال أبو بكر الصديق: فمن أمهاتهم؟ قالوا: سروات الجن.

وقال الحسن: معنى النسب أنهم أشركوا الشياطين في عبادة الله، {وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ}، يعني قائلي هذا القول، {لَمُحْضَرُونَ}، في النار، ثم نزه نفسه عمّا قالوا فقال:

{سُبْحَـٰنَ ٱللهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلاَّ عِبَادَ ٱللهِ ٱلْمُخْلَصِينَ}، هذا استثناء من المحضرين، أي: أنهم لا يحضرون.

قوله عزّ وجلّ: {فَإنَّكُمْ}، يقول لأهل مكة: {وَمَا تَعْبُدُونَ}، من الأصنام.

{مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ}، على ما تعبدون، {بِفَـٰتِنِينَ}، بمضلين أحداً.

{إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ}, إلا من قدَّر الله أنه سيدخل النار، أي: سبق له في علم الله الشقاوة.

قوله عزّ وجلّ: {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}, يقول جبرائيل للنبي صلى الله عليه وسلم وما منا معشر الملائكة إلا له مقام معلوم, أي: ما منا ملك إلا له مقام معلوم في السموات يعبد الله فيه.

قال ابن عباس: ما في السموات موضع شبر إلاَّ وعليه ملك يصلي أو يسبح.

وروينا عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

أطَّت السماءُ، وحقَّ لها أن تئط، والذي نفسي بيده ما فيها موضع أربعة أصابع إلاّ وملك واضع جبهته ساجداً لله».

قال السدي: إلا له مقام معلوم في القربة والمشاهدة.

وقال أبو بكر الوراق: إلاَّ له مقام معلوم يعبد الله عليه، كالخوف والرجاء والمحبة والرضا.

وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ ۝١٦٥ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ ۝١٦٦ وَإِن كَانُوا۟ لَيَقُولُونَ ۝١٦٧ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ ۝١٦٨ لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ۝١٦٩ فَكَفَرُوا۟ بِهِۦ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ۝١٧٠ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ ۝١٧١ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ ۝١٧٢ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَٰلِبُونَ ۝١٧٣

{وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ}، قال قتادة: هم الملائكة صفوا أقدامهم. وقال الكلبي: صفوف الملائكة في السماء للعبادة كصفوف الناس في الأرض.

{وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ}، أي: المصلُّون المنزهون الله عن السوء، يخبر جبريل عليه السلام [النبي صلى الله عليه وسلم] أنهم يعبدون الله بالصلاة والتسبيح، وأنهم ليسوا بمعبودين، كما زعمت الكفار، ثم أعاد الكلام إلى الإِخبار عن المشركين فقال:

{وَإِن كَانُواْ}، وقد كانوا يعني: أهل مكة، {لَيَقُولُونَ}، لام التأكيد.

{لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكراً مِنَ ٱلأَوَّلِينَ}، أي: كتاباً مثل كتاب الأولين.

{لَكُنَّا عِبَادَ ٱللهِ ٱلْمُخْلَصِينَ * فَكَفَرُواْ بِهِ}، أي: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به، {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}، هذا تهديد لهم.

{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ}، وهي قوله:

{ كَتَبَ ٱللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِىۤ }[المجادلة: 21].

{إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ}, أي: حزب الله لهم الغلبة بالحجة والنصرة في العاقبة.

فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ ۝١٧٤ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ۝١٧٥ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ۝١٧٦ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنذَرِينَ ۝١٧٧ وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ ۝١٧٨ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ۝١٧٩ سُبْحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ۝١٨٠ وَسَلَٰمٌ عَلَى ٱلْمُرْسَلِينَ ۝١٨١ وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٨٢

{فتولَّ}، أعرض، {عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ}، قال ابن عباس: يعني الموت. وقال مجاهد: يوم بدر. وقال السدي: حتى نأمُرك بالقتال. وقيل: إلى أن يأتيهم عذاب الله. قال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال.

{وَأَبْصِرْهُمْ}، إذا نزل بهم العذاب، {فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ}، ذلك فقالوا: متى هذا العذاب؟

قال الله عزّ وجلّ: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * فَإِذَا نَزَلَ}، يعني: العذاب، {بِسَاحَتِهِمْ}، قال مقاتل: بحضرتهم. وقيل: بفنائهم. وقال الفراء: العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم، {فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنذَرِينَ}، فبئس صباح الكافرين الذين أُنذروا بالعذاب.

أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، أخبرنا مالك، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى خيبر، أتاها ليلاً، وكان إذا جاء قوماً بليل لم يغز حتى يصبح، قال: فلما أصبح خرجت يهود خيبر بمساحيها ومكاتلها، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: محمد، والله، محمد والخميس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين".

ثم كرر ما ذكرنا تأكيداً لوعيد العذاب فقال:

{وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ * وَأَبْصِرْ}، العذاب إذا نزل بهم، {فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ}. ثم نزه نفسه فقال:

{سُبْحَـٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ}، الغلبة والقوة، {عَمَّا يَصِفُونَ}، من اتخاذ الصاحبة والأولاد.

{وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ}، الذين بلغوا عن الله التوحيد والشرائع.

{وَٱلْحَمْدُ للهِ رَبِّ ٱلْعَالَمينَ}، على هلاك الأعداء ونصرة الأنبياء عليهم السلام.

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان حدثنا إبراهيم بن سهلويه، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا وكيع، عن ثابت بن أبي صفية، عن أصبغ ابن نباتة عن علي قال: "من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه: سبحان ربِّك ربِّ العزَّة عمّا يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين".

السبت، 31 أكتوبر 2026 20 جمادى الأولى 1448 هـ