انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة هود

التحرير والتنويرالآيات 58–81

تفسير سورة هود آية آية، من التحرير والتنوير.

وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَٰهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ۝٥٨

استعمال الماضي في قوله: {جاء أمرنا} بمعنى اقتراب المجيء لأن الإنجاء كان قبل حلول العذاب.

والأمر أطلق على أثر الأمر، وهو ما أمر الله به أمرَ تكوين، أي لمّا اقترب مجيء أثر أمرنا، وهو العذاب، أي الريح العظيم.

ومتعلّق {نجّينا} الأول محذوف، أي من العذاب الدال عليه قوله: {ولما جاء أمرنا}. وكيفيّة إنجاء هود ـ عليه السّلام ـ ومن معه تقدّم ذكرها في تفسير سورة الأعراف.

والباء في {برحمة منّا} للسببيّة، فكانت رحمة الله بهم سبباً في نجاتهم. والمراد بالرحمة فضل الله عليهم لأنّه لو لم يرحمهم لشملهم الاستئصال فكان نقمة للكافرين وبَلوى للمؤمنين.

وجملة {ونجّيناهم من عذاب غليظ} معطوفة على جملة {ولمّا جاء أمرنا}. والتّقدير وأيضاً نجّيناهم من عذاب شديد وهو الإنجاء من عذاب الآخرة وهو العذاب الغليظ. ففي هذا منّة ثانية على إنجاء ثان، أي نجّيناهم من عذاب الدّنيا برحمة منّا ونجّيناهم من عذاب غليظ في الآخرة، ولذلك عطف فعل {نجّيناهم} على {نجّينا}، وهذان الإنجاءان يقابلان جمع العذابين لعاد في قوله:

{ وأُتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة }[هود: 60]. وقد ذكر هنا متعلّق الإنجاء وحذف السبب عكس ما في الجملة الأولى لظهور أنّ الإنجاء من عذاب الآخرة كان بسبب الإيمان وطاعة الله كما دلّ عليه مقابلته بقوله: { وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله }[هود: 59].

والغليظ حقيقته: الخشن ضدّ الرقيق، وهو مستعار للشّديد. واستعمل الماضي في {ونجّيناهم} في معنى المستقبل لتحقق الوعد بوقوعه.

وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا۟ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا۟ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ۝٥٩ وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَلَآ إِنَّ عَادًا كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ۝٦٠

الإشارة بـ{تِلك} حاضر في الذّهن بسبب ما أجري عليه من الحديث حتى صار كأنّه حاضر في الحسّ والمشاهدة. كقوله تعالى:

{ تلك القرى نقصّ عليك من أنبائها }[الأعراف: 101] وكقوله: { أولئك على هدىً من ربّهم }[البقرة: 5]، وهو أيضاً مثله في أنّ الإتيان به عقب الأخبار الماضية عن المشار إليهم للتنبيه على أنّهم جديرون بما يأتي بعد اسم الإشارة من الخبر لأجل تلك الأوصاف المتقدّمة.

وتأنيث اسم الإشارة بتأويل الأمّة.

و{عاد} بيان من اسم الإشارة.

وجملة {جحدوا} خبر عن اسم الإشارة. وهو وما بعده تمهيد للمعطوف وهو {وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة} لزيادة تسجيل التّمهيد بالأجرام السّابقة، وهو الذي اقتضاه اسم الإشارة كما تقدّم، لأنّ جميع ذلك من أسباب جمع العذابين لهم.

والجحد: الإنكار الشّديد، مثل إنكار الواقعات والمشاهدات. وهذا يدلّ على أنّ هوداً أتاهم بآيات فأنكروا دلالتها. وعدي {جَحدوا} بالباء مع أنّه متعدّ بنفسه لتأكيد التّعدية، أو لتضمينه معنى كفروا فيكون بمنزلة ما لو قيل: جحدوا آيات ربّهم وكفروا بها، كقوله:

{ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم }[النمل: 14].

وجمع الرسل في قوله: {وعصَوا رُسلَه} وإنّما عَصَوْا رَسولاً واحداً، وهو هود ـ عليه السّلام ـ لأنّ المراد ذكر إجرامهم فناسب أن يناط الجرم بعصيان جنس الرسل لأن تكذيبهم هوداً لم يكن خاصاً بشخصه لأنهم قالوا له:

{ وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك }[هود: 53]، فكل رسول جاء بأمر ترك عبادة الأصنام فهم مكذبون به. ومثله قوله تعالى: { كذّبت عادٌ المرسلين }[الشعراء: 123].

ومعنى اتباع الآمر: طاعة ما يأمرهم به، فالاتّباع تمثيل للعمل بما يملى على المتبع، لأنّ الآمر يشبه الهادي للسائر في الطريق، والممتثلَ يشبه المتبع للسائر.

والجبار: المتكبّر. والعنيد: مبالغة في المعاندة. يقال: عند ـ مثلث النون ـ إذا طغى، ومن كان خلقه التجبّر، والعنود لا يأمر بخير ولا يدعو إلاّ إلى باطل، فدلّ اتّباعهم أمر الجبابرة المعاندين على أنّهم أطاعوا دعاة الكفر والضلال والظلم.

و{كل} من صيغ العموم، فإنْ أريد كلّ جبار عنيد من قومهم فالعموم حقيقي، وإنْ أريد جنس الجبابرة فـ{كلّ} مستعملة في الكثرة كقول النابغة:

بها كلّ ذَيّال وخنساءَ ترعوي

ومنه قوله تعالى: { يأتوك رجالاً وعلى كلّ ضامرٍ }في سورة [الحج: 27].

وإتْباع اللعنة إيّاهم مستعار لإصابتها إيّاهم إصابة عاجلة دون تأخير كما يتبع الماشي بمن يلحقه. وممّا يزيد هذه الاستعارة حسناً ما فيها من المشاركة ومن مماثلة العقاب للجرم لأنّهم اتّبعوا الملعونين فأتبعوا باللّعنة.

وبني فعل {أتبعوا} للمجهول إذْ لاَ غرض في بيان الفاعل، ولم يسند الفعل إلى اللعنة مع استيفائه ذلك على وجه المجاز ليدل على أنّ إتْبَاعها لهم كان بأمر فاعل للإشعار بأنّها تبعتهم عقاباً من الله لا مجرّد مصادفة.

واللّعنة: الطرد بإهانة وتحقير.

وقرن الدنيا باسم الإشارة لقصد تهوين أمرها بالنّسبة إلى لعنة الآخرة، كما في قول قيس بن الخطيم:

متى يأت هذا الموت لا يلف حاجة لنفسي إلاّ قدْ قضيت قضاءها

أومأ إلى أنّه لا يكترث بالموت ولا يهابه.

وجملة {ألاَ إنّ عاداً كفروا ربّهم} مستأنفة ابتدائية افتتحت بحرف التنبيه لِتهويل الخبر ومؤكدة بحرف {إنّ} لإفادة التعليل بجملة {وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة} تعريضاً بالمشركين ليعتبروا بما أصاب عاداً.

وعدّيَ {كفروا ربّهم} بدون حرف الجر لتضمينه معنى عَصَوْا في مقابلة {واتّبعوا أمر كلّ جبّارٍ عنيدٍ}، أو لأنّ المراد تقدير مضاف، أي نعمة ربّهم لأنّ مادّة الكفر لا تتعدّى إلى الذات وإنما تتعدى إلى أمر معنوي.

وجملة {ألا بعداً لعاد} ابتدائية لإنشاء ذمّ لهم. وتقدّم الكلام على {بعْداً} عند قوله في قصّة نوح ـ عليه السّلام ـ

{ وقيل بعداً للقوم الظالمين }[هود: 44].

و{قوم هود} بيان لـ(عاد) أو وصف لـ(عاد) باعتبار ما في لفظ {قوم} من معنى الوصفية. وفائدة ذكره الإيماء إلى أنّ له أثراً في الذمّ بإعراضهم عن طاعة رسولهم، فيكون تعريضاً بالمشركين من العرب، وليس ذكره للاحتراز عن عاد أخرى وهم إرَم كما جوّزه صاحب «الكشاف» لأنّه لا يعرف في العرببِ عاد غير قوم هود وهم إرم، قال تعالى:

{ ألم تر كيف فعل ربك بِعادٍ إرَم ذات العماد }[الفجر: 6، 7]

وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَٰلِحًا قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌ مُّجِيبٌ ۝٦١

قوله تعالى: {وإلى ثمود أخاهم صالحاً} إلى قوله {غيره} الكلام فيه كالذي في قوله:

{ وإلى عَاد أخاهم هودا }[هود: 50] إلخ.

وذكر ثمود وصالح ـ عليه السّلام ـ تقدّم في سورة الأعراف.

وثمود: اسم جدّ سميت به القبيلة، فلذلك منع من الصرف بتأويل القبيلة.

وجملة {هو أنشأكم من الأرض} في موضع التّعليل للأمر بعبادة الله ونفي إلهية غيره، وكأنهم كانوا مثل مشركي قريش لا يدّعون لأصنامهم خلقاً ولا رزقاً، فلذلك كانت الحجّة عليهم ناهضة واضحة.

والإنشاء: الإيجاد والإحداث، وتقدّم في قوله تعالى:

{ وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين } في [الأنعام: 6].

وجَعل الخبرين عن الضمير فعلين دون: هو منشئكم ومستعمركم لإفادة القَصر، أي لم ينشئكم من الأرض إلاّ هو، ولم يستعمركم فيها غيره.

والإنشاء من الأرض خلق آدم من الأرض لأنّ إنشاءه إنشاء لنسله، وإنّما ذكر تعلّق خلقهم بالأرض لأنّهم كانوا أهل غرس وزرع، كما قال في سورة [الشعراء:146 ـ 148]

{ أتتْركون فيما هٰهنا آمنين في جنّاتٍ وعيونٍ وزروعٍ ونخلٍ طلعها هضيمٌ } ولأنّهم كانوا ينحتون من جبال الأرض بيوتاً ويبنون في الأرض قصوراً، كما قال في الآية الأخرى: { وبوّأكم في الأرض تتّخذون من سهولها قصُوراً وتنحتون الجبال بيوتاً }[الأعراف: 74]، فكانت لهم منافع من الأرض تناسب نعمة إنشائهم من الأرض فلأجل منافعهم في الأرض قيّدت نعمة الخلق بأنّها من الأرض التي أنشئوا منها، ولذلك عطف عليه {واستعمركم فيها}.

والاستعمار: الإعمار، أي جعلكم عامرينها، فالسّين والتاء للمبالغة كالتي في استبقَى واستفاق. ومعنى الإعمار أنهم جَعلوا الأرض عامرة بالبناء والغرس والزرع لأنّ ذلك يعدّ تعميراً للأرض حتى سمي الحرث عِمارة لأنّ المقصود منه عَمر الأرض.

وفرع على التذكير بهذه النعم أمرهم باستغفاره والتّوبة إليه، أي طلب مغفرة أجرامهم، والإقلاع عمّا لا يرضاه من الشرك والفساد. ومن تفنّن الأسلوب أن جعلت هذه النعم علّة لأمرهم بعبادة الله وحده بطريق جملة التّعليل، وجعلت علّة أيضاً للأمر بالاستغفار والتّوبة بطريق التّفريع.

وعطف الأمر بالتّوبة بحرف التّراخي للوجه المتقدّم في قوله:

{ ويا قوم استغفروا ربّكم ثم توبوا إليه }[هود: 51] في الآية المتقدمة.

وجملة {إنّ ربّي قريب مجيب} استئناف بيانيّ كأنهم استعظموا أن يكون جرمهم ممّا يقبل الاستغفار عنه، فأجيبوا بأنّ الله قريب مجيب، وبذلك ظهر أنّ الجملة ليست بتعليل. وحرف {إنّ} فيها للتّأكيد تنزيلاً لهم في تعظيم جرمهم منزلة من يشكّ في قبول استغفاره.

والقرب: هنا مستعار للرأفة والإكرام، لأنّ البعد يستعار للجفاء والإعراض. قال جبير بن الأضبط:

تباعد عنّي مطحل إذ دعوتهأمين فزاد الله ما بيننا بعداً

فكذلك يستعار ضدّه لضدّه، وتقدّم في قوله: { فإنّي قريبٌ أجيب دعوة الداعِ } في سورة [البقرة:186]. والمجيب هنَا: مجيب الدّعاء، وهو الاستغفار. وإجابة الدّعاء: إعطاء السائل مسؤوله.

قَالُوا۟ يَٰصَٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَٰذَآ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ۝٦٢

هذا جوابهم عن دعوته البليغة الوجيزة المَلأى إرشاداً وهدياً. وهو جواب مُلىء بالضلال والمكابرة وضعف الحجة.

وافتتاح الكلام بالنّداء لقصد التوبيخ أو الملام والتّنبيه، كما تقدّم في قوله:

{ قالوا يا هود ما جئتنا ببيّنة }[هود: 53]. وقرينة التّوبيخ هنا أظهر، وهي قولهم: {قد كنت فينا مرجوا قبل هذا} فإنّه تعريض بخيبة رجائهم فيه فهو تعنيف.

و{قد} لتأكيد الخبر.

وحذف متعلّق {مرجواً} لدلالة فعل الرجاء على أنّه ترقب الخير، أي مرجواً للخير، أي والآن وقع اليأس من خيرك. وهذا يفهم منه أنّهم يَعدّون ما دعاهم إليه شرّاً، وإنما خاطبوه بمثل هذا لأنّه بعث فيهم وهو شاب (كذا قال البغوي في تفسير سورة الأعراف) أي كنت مرجواً لخصال السيادة وحماية العشيرة ونصرة آلهتهم.

والإشارة في {قبل هذا} إلى الكلام الذي خاطبهم به حين بعثه الله إليهم.

وجملة {أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا} بيان لجملة {قد كنت فينا مرجواً} باعتبار دلالتها على التعنيف، واشتمالها على اسم الإشارة الذي تبيّنه أيضاً جملة {أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا}.

والاستفهام: إنكار وتوبيخ.

وعبّروا عن أصنامهم بالموصول لِمَا في الصّلة من الدّلالة على استحقاق تلك الأصنام أن يعبدوها في زعمهم اقتداءً بآبائهم لأنّهم أسوة لهم، وذلك ممّا يزيد الإنكار اتّجاهاً في اعتقادهم.

وجملة {وإنّنا لفي شك} معطوفة على جملة {يا صالح قد كنت فينا مرجواً}، فبعد أن ذكروا يأسهم من صلاح حاله ذكروا أنّهم يشكون في صدق أنه مرسل إليهم وزادوا ذلك تأكيداً بحرف التأكيد. ومن محاسن النّكت هنا إثبات نون (إنّ) مع نون ضمير الجمع لأنّ ذلك زيادة إظهار لحرف التوْكيد والإظهار ضرب من التحقيق بخلاف ما في سورة إبراهيم (9) من قول الأمم لرسلهم:

{ وإنّا لفي شكّ ممّا تدعوننا } لأنّ الحكاية فيها عن أمم مختلفة في درجات التّكذيب، ولأنّ ما في هاته الآية خطاب لواحد، فكان {تدعونا} بنون واحدة هي نون المتكلم ومَعهُ غيره فلم يقع في الجملة أكثر من ثلاث نونات بخلاف ما في سورة إبراهيم لأنّ الحكاية هنالك عن جمع من الرسل في (تدعُوننا) فلو جاء (إنّنا) لاجتمع أربع نونات.

والمريب: اسم فاعل من أراب إذا أوقع في الريب، يقال: رابه وأرابه بمعنى، ووصف الشك بذلك تأكيد كقولهم: جدّ جدّه.

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُۥ فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍ ۝٦٣

جواب عن كلامهم فلذلك لم تعطف جملة {قال} وهو الشّأن في حكاية المحاورات كما تقدّم غير مرة.

وابتداء الجواب بالنّداء لقصد التّنبيه إلى ما سيقوله اهتماماً بشأنه.

وخاطبهم بوصف القوميّة له للغرض الذي تقدّم في قصة نوح.

والكلام في قوله: {أرأيتم إن كنت على بيّنة من ربّي وآتاني منه رحمة} كالكلام على نظيرها في قصة نوح.

وإنّما يتّجه هنا أن يسأل عن موجب تقديم {منه} على {رحمة} هنا، وتأخير

{ من عنده }[هود: 28] عن { رحمة }[هود: 28] في قصة نوح السابقة.

فالجواب لأنّ ذلك مع ما فيه من التّفنن بعدم التزام طريقة واحدة في إعادة الكلام المتماثل، هو أيضاً أسعد بالبيان في وضوح الدّلالة ودفع اللبس. فلمّا كان مجرور (من) الابتدائية ظرفاً وهو (عند) كان صريحاً في وصف الرّحمة بصفة تدلّ على الاعتناء الربّانيّ بها وبمَن أوتيَهَا. ولمّا كان المجرور هنا ضمير الجلالة كان الأحسن أن يقع عقب فعل {آتاني} ليكون تقييدُ الإيتاء بأنّه من الله مشير إلى إيتاء خاص ذي عناية بالمؤتى إذ لولا ذلك لكان كونه من الله تحصيلاً لما أفيد من إسناد الإيتاء إليه، فتعيّن أن يكون المراد إيتاءً خاصاً، ولو أوقع {منه} عقب {رحمة} لتوهّم السامع أنّ ذلك عوض عن الإضافة، أي عن أن يقال: وآتاني رحمته، كقوله:

{ ولنجعله آيةً للنّاس ورحمةً منا }[مريم: 21] أي ورحمتنا لهم، أي لنعظَهم ونرحَمَهم.

وجملة {فمن ينصرني من الله} جواب الشرط وهو {إن كنت على بيّنة}.

والمعنى إلزام وجدل، أي إن كنتم تنكرون نبوءتي وتوبّخونني على دعوتكم فأنا مؤمن بأنّي على بيّنة من ربّي، أفترون أنّي أعدل عن يقيني إلى شكّكم، وكيف تتوقّعون منّي ذلك وأنتم تعلمون أنّ يقيني بذلك يجعلني خائفاً من عذاب الله إن عصيته ولا أحد ينصرني.

والكلام على قوله: {مَنْ ينصرني من الله إن عصيته} كالكلام على قوله:

{ من ينصرني من الله إن طردتهم }[هود: 30] في قصة نوح.

وفُرع على الاستفهام الإنكاري جملة: {فما تزيدونني غيرَ تخسير} أي إذ كان ذلك فما دعاؤكم إيّاي إلا سعي في خسراني.

والمراد بالزيادة حدوث حال لم يكن موجوداً لأنّ ذلك زيادة في أحوال الإنسان، أي فما يحدث لي إن اتّبعتُكم وعصيتُ الله إلاّ الخسرانُ، كقوله تعالى حكاية عن نوح ـ عليه السّلام ـ:

{ فلم يزدهم دعائي إلاّ فِرارا }[نوح: 6]، أي كنت أدعوهم وهم يسمعون فلمّا كرّرت دعوتهم زادوا على ما كانوا عليه ففرُّوا، وليس المعنى أنّهم كانوا يفرّون فزادوا في الفرار لأنّه لو كان كذلك لقيل هنالك: فلم يزدهم دعائي إلاّ من فرار، ولقيل هنا: فما تزيدونني إلاّ من تخسير.

والتّخسير، مصدر خسر، إذا جعله خاسراً.

وَيَٰقَوْمِ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىٓ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ۝٦٤ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا۟ فِى دَارِكُمْ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ۝٦٥

هذا جواب عن قولهم:

{ وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب }[هود: 62] فأتاهم بمعجزة تزيل الشك.

وإعادة {ويا قوم} لمثل الغرض المتقدّم في قوله في قصة نوح

{ ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم }[هود: 30].

والإشارة بهذه إلى الناقة حين شاهدوا انفلاق الصّخرة عنها.

وإضافة النّاقة إلى اسم الجلالة لأنّها خُلقت بقدرة الله الخارقة للعادة.

و{آية} و{لكم} حالان من ناقة، وتقدّم نظير هذه الحال في سورة الأعراف. وستجيء قصة في إعرابها عند قوله تعالى:

{ وهذا بعلي شيخاً } في هذه السورة: [72].

وأوصاهم بتجنب الاعتداء عليها لتوقّعه أنّهم يتَصَدّون لها من تصلبهم في عنادهم. وقد تقدّم عقرها في سورة الأعراف.

والتمتع: الانتفاع بالمتاع. وقد تقدّم عند قوله تعالى:

{ ومتاعٌ إلى حينٍ } في سورة [الأعراف: 24].

والدّار: البلد، وتقدّم في قوله تعالى:

{ فأصبحوا في دارهم جاثمين } في سورة [الأعراف: 78]، وذلك التأجيل استقصاءٌ لهم في الدعوة إلى الحقّ.

والمكذوب: الذي يُخبر به الكاذب. يقال: كذَب الخبرَ، إذا اختلقه.

فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَٰلِحًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْعَزِيزُ ۝٦٦ وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَٰرِهِمْ جَٰثِمِينَ ۝٦٧ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَا۟ كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ ۝٦٨

تقدّم الكلام على نظائر بعض هذه الآية في قصّة هود في سورة الأعراف.

ومتعلّق {نجينا} محذوف.

وعطف {ومن خِزي يومئذٍ} على متعلّق {نجّينا} المحذوف، أي نجّينا صالحاً ـ عليه السّلام ـ ومَن معه من عذاب الاستئصال ومن الخزي المكيّف به العذاب فإنّ العذاب يكون على كيفيات بعضها أخزى من بعض. فالمقصود من العطف عطف منّة على منّة لا عطف إنجاء على إنجاء، ولذلك عطف المتعلّق ولم يعطف الفعل، كما عطف في قصة عاد

{ نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منّا ونجّيناهم من عذاب غليظ }[هود: 58] لأنّ ذلك إنجاء من عذاب مغاير للمعطوف عليه.

وتنوين {يومئذٍ} تنوين عوض عن المضاف إليه. والتقدير: يوم إذ جاء أمرنا.

والخزي: الذّلّ، وهو ذلّ العذاب، وتقدّم الكلام عليه قريباً.

وجملة {إنّ ربّك هو القوي العزيز} معترضة.

وقد أكد الخبر بثلاث مؤكدات للاهتمام به. وعبّر عن ثمود بالّذين ظلموا للإيماء بالموصول إلى علّة ترتب الحكم، أي لظلمهم وهو ظلم الشّرك. وفيه تعريض بمشركي أهل مكّة بالتّحذير من أن يصيبهم مثل ما أصاب أولئك لأنّهم ظالمون أيضاً.

والصيحة: الصّاعقة أصابتهم.

ومعنى {كأنْ لم يغنوا فيها} كأن لم يقيموا.

وتقدّم شعيب في الأعراف.

وقرأ الجمهور «ألا إنّ ثموداً» ـ بالتنوين ـ على اعتبار ثمود اسم جَدّ الأمة. وقرأه حمزة، وحفص عن عاصم، ويعقوب، بدون تنوين على اعتباره اسماً للأمّة أو القبيلة. وهما طريقتان مشهورتان للعرب في أسماء القبائل المسمّاة بأسماء الأجداد الأعلين.

وتقدّم الكلام على {بُعداً} في قصة نوح

{ وقيل بعداً للقوم الظالمين }[هود: 44]

وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قَالُوا۟ سَلَٰمًا قَالَ سَلَٰمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ۝٦٩ فَلَمَّا رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا۟ لَا تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ ۝٧٠ وَٱمْرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَٰهَا بِإِسْحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَٰقَ يَعْقُوبَ ۝٧١ قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِى شَيْخًا إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ ۝٧٢ قَالُوٓا۟ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ إِنَّهُۥ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ ۝٧٣

عطف قصة على قصة.

وتأكيد الخبر بحرف (قد) للاهتمام به كما تقدّم في قوله:

{ ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه }[هود: 25].

والغرض من هذه القصّة هو: الموعظة بمصير قوم لوط إذْ عصوا رسول ربّهم فحلّ بهم العذاب ولم تغن عنهم مجادلة إبراهيم. وقدّمت قصة إبراهيم لذلك وللتنويه بمقامه عند ربّه على وجه الإدماج، ولذلك غيّر أسلوب الحكاية في القصص الّتي قبلها والتي بعدها نحو

{ وإلى عاد }[هود: 50] إلخ.

والرّسل: الملائكة. قال تعالى:

{ جاعل الملائكة رسلاً }[فاطر: 1].

والبشرى: اسم. للتبشير والبشارة. وتقدّم عند قوله تعالى:

{ وبشّر الذين آمنوا وعَمِلوا الصالحات } في أوّل سورة [البقرة: 25]. هذه البشرى هي التي في قوله: فبشّرناها بإسحاق} لأنّ بشارة زوجه بابنٍ بشارة له أيضاً.

والباء في {بالبشرى} للمصاحبة لأنّهم جاءوا لأجل البشرى فهي مصاحبة لهم كمصاحبة الرسالة للمرسل بها.

وجملة {قالوا سلاماً} في موضع البيان ل-{البشرى}، لأنّ قولهم ذلك مبدأ البشرى، وإنّ ما اعترض بينها حكاية أحوال، وقد انتهى إليها في قوله: {فبشّرناها بإسحاق إلى قوله إنّه حميد مجيد}.

والسّلام: التحيّة. وتقدّم في قوله:

{ وإذا جاءك الّذين يؤمنون بآياتنا فقل سلامٌ عليكم } في سورة [الأنعام: 54].

و{سلاماً} مفعول مطلق وقع بَدَلاً من الفعل. والتّقدير: سلّمنا سلاماً.

و{سلام} المرفوع مصدر مرفوع على الخبر لمبتدأ محذوف، تقديره: أمري سلام، أي لكم، مثل

{ فصبرٌ جميلٌ }[يوسف: 18]. ورفع المصدر أبلغ من نصبه، لأنّ الرّفع فيه تناسي معنى الفعل فهو أدلّ على الدّوام والثّبات. ولذلك خالف بينهما للدّلالة على أنّ إبراهيم - عليه السّلام - ردّ السّلام بعبارة أحسن من عبارة الرسل زيادة في الإكرام.

قال ابن عطيّة: حيّاً الخليل بأحسن ممّا حُيّيَ به، أي نظراً إلى الأدب الإلهي الذي عَلّمَهُ لَنَا في القرآن بقوله:

{ وإذا حيّيتم بتحيةٍ فَحَيّوا بأحسن منها أو رُدُّوها }[النساء: 86]، فَحكيَ ذلك بأوجز لفظ في العربية أداءً لمعنى كلام إبراهيم - عليه السّلام - في الكلدانيّة.

وقرأ الجمهور {قال سَلامٌ} - بفتح السّين وبِألِف بعد اللاّم -. وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف: {قال سِلْم} - بكسر السّين وبدون ألِف بعد اللاّم - وهو اسم المسالمة. وسمّيت به التحية كما سمّيت بمرادفِه (سَلام) فهو من باب اتّحاد وزن فَعال وفِعْل في بعض الصفات مثل: حرام وحِرم، وحلال وحلّ.

والفاء في قوله: {فما لبث} للدّلالة على التعقيب إسراعاً في إكرام الضّيف، وتعجيل القرى سنّة عربيّة: ظنهم إبراهيم - عليه السّلام - ناساً فبادر إلى قراهم.

واللّبث في المكان يقتضي الانتقال عنه، أيْ فما أبطأ. و{أن جاء} يجوز أن يكون فاعل {لَبِثَ}، أي فما لبث مجيئه بعجل حنيذ، أي فما أبطأ مَجيئه مصاحباً له، أي بل عجّل. ويجوز جعل فاعل {لبث} ضمير إبراهيم - عليه السّلام - فيقدّر جارّ لـ{جاء}. والتّقدير: فما لبث بأن جاء به. وانتفاء اللبث مبالغة في العجل.

والحنيذ: المشوي، وهو المحنوذ. والشيُّ أسْرَع من الطبخ، فهو أعون على تعجيل إحضار الطعام للضيف.

و{لا تصل إليه} أشد في عدم الأخذ من (لا تتناوله).

ويقال: نكر الشيء إذا أنكره أي كرهه.

وإنّما نكرهم لأنّه حسب أنّ إمساكهم عن الأكل لأجل التبرّؤ من طعامه، وإنّما يكون ذلك في عادة النّاس في ذلك الزّمان إذا كان النّازل بالبيت يضمر شرّاً لمضيّفه، لأنّ أكل طعام القرى كالعهد على السّلامة من الأذى، لأنّ الجزاء على الإحسان بالإحسان مركوز في الفطرة، فإذا انكفّ أحد عن تناول الإحسان فذلك لأنّه لا يريد المسالمة ولا يرضى أن يكون كفوراً للإحسان.

ولذلك عقب قوله {نكرهم} بـ {أوجس منهم خيفة}، أي أحسّ في نفسه خيفة منهم وأضمر ذلك. ومصدره الإيجاس. وذلك أنّه خشي أن يكونوا مضمرين شرّاً له، أي حسبهم قطّاعاً، وكانوا ثلاثة وكان إبراهيم - عليه السّلام - وحده.

وجملة {قالوا لا تخف} مفصولة عمّا قبلها، لأنّها أشبهت الجواب، لأنّه لمّا أوجس منهم خيفة ظهر أثرها على ملامحه، فكان ظهور أثرها بمنزلة قوله إنّي خفت منكم، ولذلك أجابوا ما في نفسه بقولهم: {لا تَخف}، فحكي ذلك عنهم بالطّريقة الّتي تحكى بها المحاورات، أو هو جواب كلام مقدّر دلّ عليه قوله: {وأوجس منهم خيفة}، أي وقال لهم: إنّي خفت منكم، كما حكي في سورة [الحجر: 52]

{ قال إنّا منكم وَجِلون }. ومن شأن النّاس إذا امتنع أحد من قبول طعامهم أن يقولوا له: لعلّك غادر أو عَدوّ، وقد كانوا يقولون للوافد: أحَرْبٌ أم سِلْمٌ.

وقولهم: {إنّا أرسلنا إلى قوم لوط} مكاشفة منهم إيّاه بأنّهم ملائكة. والجملة استئناف مبينة لسبب مجيئهم.

والحكمةُ من ذلك كرامة إبراهيم - عليه السّلام - وصدورهم عن علم منه.

وحذف متعلّق {أرسلنا} أي بأي شيء، إيجازاً لظهوره من هذه القصّة وغيرها.

وعبّر عن الأقوام المراد عذابهم بطريق الإضافة {قوم لوط} إذ لم يكن لأولئك الأقوام اسم يجمعهم ولا يرجعون إلى نسب بل كانوا خليطاً من فصائل عرفوا بأسماء قراهم، وأشهرها سدوم كما تقدّم في الأعراف.

وجملة {وامرأته قائمة فضحكت} في موضع الحال من ضمير {أوجس}، لأنّ امرأة إبراهيم - عليه السّلام - كانت حاضرة تقدّم الطّعام إليهم، فإن عادتهم كعادة العرب من بعدهم أنّ ربة المنزل تكون خادمة القوم. وفي الحديث

والعروس خادمهم. وقال مرّة بن محكان التميمي:

يا ربّة البيت قومي غير صاغرةضُمّي إليك رجال القوم والغربا

وقد اختصرت القصة هنا اختصاراً بديعاً لوقوعها في خلال الحوار بين الرسل وإبراهيم - عليهم السّلام -، وحكاية ذلك الحوار اقتضت إتمامه بحكاية قولهم: {لا تخف إنّا أرسلنا إلى قوم لوط}. وأمّا البشرى فقد حصلت قبل أن يخبروه بأنّهم أرسلوا إلى قوم لوط كما في آية سورة [الذاريات: 28] { فأوجس منهم خيفةً قالوا لا تخَف وبشّروه بغلامٍ عليمٍ }}. فلمّا اقتضى ترتيب المحاورة تقديم جملة {قالوا لا تخف} حكيت قصة البشرى وما تبعها من المحاورة بطريقة الحال، لأنّ الحال تصلح للقبْليّة وللمقارنَة وللبعدية، وهي الحال المقدّرة.

وإنّما ضحكت امرأة إبراهيم - عليه السّلام - من تبشير الملائكة إبراهيم - عليه السّلام - بغلام، وكان ضحكها ضحك تعجّب واستبعاد. وقد وقع في التّوراة في الإصحاح الثامن عشر من سفر التكوين «وقالوا له: أين سارة امرأتك؟ فقال: ها هي في الخيمة. فقالوا: يكون لسارة امرأتك ابن، وكانت سارة سامعة في باب الخيمة فضحكت سارة في باطنها قائلة: أفبالحقيقة ألِدُ وأنا قد شِخت؟ فقال الربّ: لماذا ضحكتْ سارة؟ فأنكرت سارة قائلة لم أضحك، لأنّها خافت، قال: لا بل ضحكت».

وتفريع {فبشّرناها بإسحاق} على جملة {ضحكت} باعتبار المعطوف وهو {ومن وراء إسحاق يعقوب} لأنّها ما ضحكت إلاّ بعد أن بشّرها الملائكة بابن، فلمّا تعجبت من ذلك بشّروها بابن الابن زيادة في البشرى. والتّعجيب بأن يولد لها ابن ويعيش وتعيش هي حتّى يولد لابنها ابن. وذلك أدخل في العجب لأن شأن أبناء الشيوخ أن يكونوا مهزولين لا يعيشون غالباً إلاّ معلولين، ولا يولد لهم في الأكثر ولأن شأن الشيوخ الذين يولد لهم أن لا يدركوا يفع أولادهم بله أولاد أولادهم.

ولما بشّروها بذلك صرحت بتعجبها الذي كتمته بالضحك، فقالت: {يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إنّ هذا لشيءٌ عجيب}، فجملة {قالت} جواب للبشارة.

و(يعقوب) مبتدأ {ومن وراء إسحاق} خبر، والجملة على هذا في محلّ الحال. وهذه قراءة الجمهور. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص {يعقوبَ} بفتحة وهو حينئذٍ عطف على {إسحاق}. وفصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف وخطبه سهل وإن استعظمه ظاهرية النحاة كأبي حيان بقياس حرف العطف النائب هنا مناب الجار على الجار نفسه، وهو قياس ضعيف إذ كون لفظ بمعنى لفظ لا يقتضي إعطاءه جميع أحكامه كما في «مغني اللبيب».

والنداء في {يا ويلتا} استعارة تبعية بتنزيل الويلة منزلة من يعقل حتّى تنادى، كأنها تقول: يا ويلتي احضر هنا فهذا موضعك.

والويلة: الحادثة الفظيعة والفضيحة. ولعلّها المرة من الويل. وتستعمل في مقام التعجب، يقال: يا ويلتي.

واتّفق القرّاء على قراءة {يا ويلتا} - بفتحة مشبعة في آخره بألف -. والألف التي في آخر {يا ويلتا} هنا يجوز كونها عوضاً عن ياء المتكلم في النداء. والأظهر أنها ألف الاستغاثة الواقعة خلَفاً عن لام الاستغاثة. وأصله: يا لَويلة. وأكثر ما تجيء هذه الألف في التعجّب بلفظ عجب، نحو: يا عجباً، وباسم شيء متعجب منه، نحو: يا عشبا.

وكتب في المصحف بإمالة ولم يقرأ بالإمالة، قال الزجاج: كتب بصورة الياء على أصل ياء المتكلم.

والاستفهام في {أألد وأنا عجوز} مستعمل في التعجب. وجملة {أنا عجوز} في موضع الحال، وهي مناط التعجب.

والبعل: الزوج. وسيأتي بيانه عند تفسير قوله تعالى:

{ ولا يبدين زينتهن إلاّ لبعولتهن } في سورة [النّور: 31]، فانظره.

وزادت تقرير التعجب بجملة {إنّ هذا لشيء عجيب} وهي جملة مؤكدة لصيغة التعجب فلذلك فصلت عن التي قبلها لكمال الاتّصال، وكأنّها كانت متردّدة في أنهم ملائكة فلم تطمئنّ لتحقيق بشراهم.

وجملة {هذا بعلي} مركبة من مبتدأ وخبر لأنّ المعنى هذا المشار إليه هو بعلي، أي كيف يكون له ولد وهو كما ترى. وانتصب {شيخاً} على الحال من اسم الإشارة مبينة للمقصود من الإشارة.

وقرأ ابن مسعود {وهذا بعلي شيخ} - برفع شيخ - على أن (بعلي) بيان من (هذا) و(شيخ) خبر المبتدأ. ومعنى القراءتين واحد.

وقد جرت على هذه القراءة النادرة لطيفة وهي: ما أخبرنا شيخنا الأستاذ الجليل سالم بوحاجب أنّ أبا العبّاس المبرّد دُعي عند بعض الأعيان في بغداد إلى مأدبة، فلمّا فرغوا من الطّعام غنّت من وراء الستار جارية لرب المنزل ببيتين:

وقالوا لها هذا حبيبك معرضٌفقالت: ألاَ إعراضه أهون الخطبفما هي إلاّ نظرة وابتسامةفتصطكّ رجلاه ويسقط للجنب

فطرب كل من بالمجلس إلاّ أبا العبّاس المبرد فلم يتحرك، فقال له رب المنزل: ما لك لم يطربك هذا؟.

فقالت الجارية: مَعذُور يحسبني لحنت في أن قلت: معرضٌ - بالرفع - ولم يعلم أنّ عبد الله بن مسعود قرأ «وهذا بعلي شيخٌ» فطرب المبرد لهذا الجواب.

وجواب الملائكة إياها بجملة {أتعجبين من أمر الله} إنكار لتعجبها لأنه تعجّبٌ مراد منه الاستبعاد. و{أمر الله} هو أمر التكوين، أي أتعجبين من قدرة الله على خرق العادات. وجوابهم جار على ثقتهم بأن خبرهم حق منبىء عن أمر الله.

وجملة {رحمت الله وبركاته عليكم} تعليل لإنكار تعجبها، لأن الإنكار في قوة النفي، فصار المعنى: لا عجب من أمر الله لأنّ إعطاءك الولد رحمة من الله وبركة، فلا عجب في تعلّق قدرة الله بها وأنتم أهل لتلك الرحمة والبركة فلا عجب في وقوعها عندكم.

ووجه تعليل نفي العجب بهذا أن التعجب إمّا أن يكون من صدور هذا من عند الله وإما أن يكون في تخصيص الله به إبراهيم - عليه السّلام - وامرأته فكان قولهم {رحمت الله وبركاته عليكم} مفيداً تعليل انتفاء العجبين.

وتعريف {البيت} تعريف حضور، وهو البيت الحاضر بينهم الذي جرى فيه هذا التحاور، أي بيت إبراهيم - عليه السّلام -. والمعنى أهل هذا البيت.

والمقصود من النداء التنويه بهم ويجوز كونه اختصاصاً لزيادة بيان المرَاد من ضمير الخطاب.

وجملة {إنّه حميد مجيد} تعليل لتوجه رحمته وبركاته إليهم بأنّ الله يحمد من يطيعه، وبأنّه مَجِيدٌ، أي عظيم الشأن لاَ حَدّ لِنِعَمِه فلا يعظم عليه أن يعطيها ولداً، وفي اختيار وصف الحميد من بين الأسماء الحسنى كناية عن رضى الله تعالى على إبراهيم - عليه السّلام - وأهله.

فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ ۝٧٤ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٌ مُّنِيبٌ ۝٧٥ يَٰٓإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَآ إِنَّهُۥ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ ءَاتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ۝٧٦

التعريف في {الرّوع} وفي {البشرى} تعريف العهد الذكري، وهما المذكوران آنفاً، فالرّوع: مرادف الخيفة.

وقوله: {يجادلنا} هو جواب {لمّا} صيغ بصيغة المضارع لاستحضار الحالة العجيبة كقوله:

{ ويَصنع الفلك }[هود: 38]. والمجادلة: المحاورة. وقد تقدّمت في قوله: { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } في سورة [النساء: 107].

وقوله: {في قوم لوط} على تقدير مضاف، أي في عقاب قوم لوط. وهذا من تعليق الحكم باسم الذّات، والمراد حال من أحوالها يعيّنه المقام، كقوله:

{ حرمْت عليكم الميتة }[المائدة: 3] أي أكلها.

والمجادلة هنا: دعاء ومناجاة سأل بها إبراهيم ـ عليه السّلام ـ ربّه العفو عن قوم لوط خشية إهلاك المؤمنين منهم.

وقد تكون المجادلة مع الملائكة. وعدّيت إلى ضمير الجلالة لأنّ المقصود من جدال الملائكة التعرّض إلى أمر الله بصرف العذاب عن قوم لوط.

والـ{حليم} الموصوف بالحلم وهو صفة تقتضي الصفح واحتمال الأذى.

والـ{أوّاه} أصله الذي يكثر التأوُّه، وهو قول: أوّه. وأوّه: اسم فعل نائب مناب أتوجع، وهو هنا كناية عن شدة اهتمامه بهموم الناس.

والـ{منيب} من أناب إذا رجع، وهو مشتق من النوب وهو النزول. والمراد التّوبة من التقصير، أي محاسب نفسه على ما يَحذر منه.

وحقيقة الإنابة: الرجوع إلى الشيء بعد مفارقته وتركه.

وجملة {يا إبراهيم أعرض عن هذا} مقول محذوف دل عليه المقام وهو من بديع الإيجاز، وهو وحي من الله إلى إبراهيم ـ عليه السّلام ـ، أو جواب الملائكة إبراهيم ـ عليه السّلام ـ. فإذا كان من كلام الله فقوله: {أمر ربك} إظهار في مقام الإضمار لإدخال الرّوع في ضمير السامع.

و{أمر الله} قضاؤه، أي أمر تكوينه.

وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ۝٧٧

قد علم أن الملائكة ذاهبون إلى قوم لوط من قوله:

{ إنّا أُرسلنا إلى قوم لوط }[هود: 70]. فالتقدير: ففارقوا إبراهيم وذهبوا إلى لوط ـ عليهما السّلام ـ فلما جاءوا لوطاً، فحذف ما دل عليه المقام إيجازاً قرآنياً بديعاً.

وقد جاءوا لوطاً كما جاءوا إبراهيم ـ عليهما السّلام ـ في صورة البشر، فظنهم ناساً وخشي أن يعتدي عليهم قومه بعادتهم الشنيعة، فلذلك سيء بهم.

ومعنى {ضاق بهم ذرعاً} ضاق ذرعه بسببهم، أي بسبب مجيئهم فحوّل الإسناد إلى المضاف إليه وجعل المسند إليه تمييزاً لأن إسناد الضيق إلى صاحب الذرع أنسب بالمعنى المجازي، وهو أشبه بتجريد الاستعارة التمثيلية.

والذرع: مدُّ الذراع فإذا أسند إلى الآدمِيّ فهو تقدير المسافة. وإذا أسند إلى البعير فهو مَدّ ذراعيه في السير على قدر سعة خطوتِه، فيجوز أن يكون: ضاق ذرعاً تمثيلاً بحال الإنسان الذي يريد مَدّ ذراعه فلا يستطيع مَدّهَا كما يريد فيكون ذَرعه أضيق من معتاده. ويجوز أن يكون تمثيلاً بحال البعير المثقل بالحمل أكثر من طاقته فلا يستطيع مَدّ ذراعيه كما اعتاده. وأيّاً ما كان فهو استعارة تمثيلية لحال مَنْ لم يجد حيلة في أمر يريدُ علمه؟ بحال الذي لم يستطع مدّ ذراعه كما يشاء.

وقوله: {هذا يوم عصيب} قاله في نفسه كما يناجي المرء نفسه إذا اشتد عليه أمر.

والعصيب: الشديد فيما لا يرضي. يقال: يوم عصيب إذا حدث فيه أمر عظيم من أحوال الناس أو أحوال الجوّ كشدة البرد وشدة الحرّ. وهو بزنة فعيل بمعنى فاعل ولا يُعرف له فعل مجرد وإنما يقال: اعْصوصب الشرُّ؛ اشتدّ. قالوا: هو مشتق من قولك: عصبتُ الشيء إذا شددته. وأصل هذه المادة يفيد الشدّ والضغط، يقال: عصب الشيء إذا لَواه، ومنه العِصابة. ويقال: عصبتْهم السنون إذا أجَاعتهم. ولم أقف على فعل مجرّد لوصف اليوم بعصيب. وأراد: أنه سيكون عصيباً لِمَا يَعلم من عادة قومه السيئة وهو مقتض أنهم جاءوه نهاراً.

ومن بديع ترتيب هذه الجمل أنها جاءت على ترتيب حصولها في الوجود، فإن أول ما يسبق إلى نفس الكاره للأمر أن يُساء به ويتطلب المخلص منه، فإذا عَلم أنه لا مخلص منه ضاق به ذرعاً، ثم يصدر تعبيراً عن المعاني وترتيباً عنه كلاماً يُريح به نفسه.

وتصلح هذه الآية لأن تكون مثالاً لإنشاء المنشىء إنشاءه على حسب ترتيب الحصول في نفس الأمر، هذا أصل الإنشاء ما لم تكن في الكلام دواعي التقديم والتأخير ودواعي الحذف والزيادة.

وَجَآءَهُۥ قَوْمُهُۥ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ قَالَ يَٰقَوْمِ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِىٓ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ۝٧٨

أي جاءه بعضُ قومه. وإنما أسند المجيء إلى القوم لأن مثل ذلك المجيء دأبهم وقد تمالؤوا على مثله، فإذا جاء بعضهم فسيعقبه مجيء بعض آخر في وقت آخر. وهذا من إسناد الفعل إلى القبيلة إذا فعله بعضها، كقول الحارث بن وعلة الجرمي:

قومي همُ قتلوا أمَيْمة أخيفإذا رميتُ يصيبني سهمي

و{يُهرعون} ـ بضم الياء وفتح الراء على صيغة المبني للمفعول ـ فسّروه بالمشي الشبيه بمشي المدفوع، وهو بين الخبب والجَمْز، فهو لا يكون إلا مبنيّاً للمفعول لأن أصله مشي الأسير الذي يُسرَع به. وهذا البناء يقتضي أن الهَرْع هو دفع الماشي حين مشيه؛ إلاّ أن ذلك تنوسِيَ، وبقي أهرع بمعنى سار سيراً كسير المدفوع، ولذلك قال جمع من أهل اللغة: إنّه من الأفعال التي التزموا فيها صيغة المفعول لأنها في الأصل مسندة إلى فاعلٍ غير معلوم. وفسّره في «الصحاح» و«القاموس» بأنه الارتعاد من غضب أو خوف، وعلى الوجهين فجملة {يهرعون} حال.

وقد طوى القرآن ذكر الغرض الذي جاؤوا لأجله مع الإشارة إليه بقوله: {ومن قبل كانوا يعملون السيّئات} فقد صارت لهم دأباً لا يسعون إلاّ لأجله.

وجملة {قال يا قوم} إلخ مستأنفة بيانياً ناشئاً عن جملة {وجاءه قومه}، إذ قد علم السامع غرضهم من مجيئهم، فهو بحيث يسأل عمّا تلقّاهم به.

وبادرهم لوط ـ عليه السّلام ـ بقوله: {يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم}. وافتتاح الكلام بالنّداء وبأنّهم قومه ترقيق لنفوسهم عليه، لأنّه يعلم تصلبهم في عادتهم الفظيعة كما دلّ عليه قولهم:

{ لقد علمتَ ما لنا في بناتك من حق }[هود: 79]، كما سيأتي.

والإشارة بـ{هؤلاء} إلى {بناتي}. و{بناتي} بدل من اسم الإشارة، والإشارة مستعملة في العَرض، والتقديرُ: فخذوهن.

وجملة {هنّ أطهر لكم} تعليل للعرض. ومعنى {هنّ أطهر} أنهنّ حلال لكم يَحُلْنَ بينكم وبين الفاحشة، فاسم التفضيل مسلوب المفاضلة قصد به قوّة الطهارة.

و{هؤلاء} إشارة إلى جمع، إذ بُيّنَ بقوله: {بناتي}.

وقد رُويَ أنه لم يكن له إلاّ ابنتان، فالظّاهر أن إطلاق البنات هنا من قبيل التشبيه البليغ، أي هؤلاء نساؤهن كبناتي. وأراد نساءً من قومه بعدد القوم الذين جاءوا يُهرعون إليه. وهذا معنى ما فسر به مجاهد، وابن جبير، وقتادة، وهو المناسب لجعلهنّ لقومه إذ قال: {هنّ أطهر لكم}، فإن قومه الذين حضروا عنده كثيرون، فيكون المعنى: هؤلاء النساء فتَزَوّجوهنّ. وهذا أحسن المحامل.

وقيل: أراد بنات صلبه، وهو رواية عن قتادة. وإذ كان المشهور أنّ لوطاً ـ عليه السّلام ـ له ابنتان صار الجمع مستعملاً في الاثنين بناء على أن الاثنين تعامل معاملة الجمع في الكلام كقوله تعالى:

{ فقد صَغَت قلوبكما }[التحريم: 4].

وقيل: كان له ثلاث بنات.

وتعترض هذا المَحمل عقبتان:

الأولى: أنّ القوم كانوا عدداً كثيراً فكيف تكفيهم بنتان أو ثلاث؟.

الثانية: أن قوله: {هؤلاء بناتي} عرض عليهم كما علمت آنفاً، فكيف كانت صفة هذه التخلية بين القوم وبين البنات وهم عدد كثير، فإن كان تزويجاً لم يكفين القوم وإن كان غير تزويج فما هو؟.

والجواب عن الأول: أنه يجوز أن يكون عدد القوم الذين جاؤوه بقدر عدد بناته أو أن يكون مع بناته حتى من قومه. وعن الثاني: أنه يجوز أن يكون تصرف لوط ـ عليه السّلام ـ في بناته بوصف الأبوة، ويجوز أن يكون تصرفاً بوصف النبوءة بالوحي للمصلحة أن يكون من شرع لوط ـ عليه السّلام ـ إباحة تمليك الأب بناته إذا شاء، فإن كان أولئك الرهط شركاء في ملك بناته كان استمتاع كل واحد بكل واحدة منهنّ حلالاً في شريعته على نحو ما كان البغاء من بقايا الجاهلية في صدر الإسلام قبل أن ينسخ.

وأما لحاق النسب في أولاد من تحمل منهنّ فيجوز أن يكون الولد لاحقاً بالذي تُليطه أمه به من الرجال الذين دخلوا عليها، كما كان الأمر في البغايا في صدر الإسلام، ويجوز أن لا يلحق الأولاد بآباء فيكونوا لاحقين بأمّهاتهم مثل ابن الزنى وولد اللّعان، ويكون هذا التحليل مباحاً ارتكاباً لأخف الضررين، وهو ممّا يشرع شرعاً مؤقتاً مثل ما شرع نكاح المتعة في أوّل الإسلام على القول بأنه محرّماً وهو قول الجمهور.

وقد اشتغل المفسرون عن تحرير هذا بمسألة تزويج المؤمنات بالكفّار وهو فضول.

وفرع على قوله: {هنّ أطهر لكم} أن أمرهم بتقوى الله لأنّهم إذا امتثلوا ما عرض لهم من النساء فاتّقوا الله.

وقرأ الجمهور {ولا تخزون} بحذف ياء المتكلم تخفيفاً. وأثبتها أبو عمرو.

والخزي: الإهانة والمذلة. وتقدم آنفاً. وأراد مذلته.

و{في} للظرفية المجازيّة. جعل الضيف كالظرف، أي لا تجعلوني مخزياً عند ضيفي إذ يلحقهم أذى في ضيافتي، لأنّ الضيافة جوار عند ربّ المنزل، فإذا لحقت الضيف إهانة كانت عاراً على ربّ المنزل.

والضيف: الضائف، أي النازل في منزل أحد نزولاً غير دائم، لأجل مرور في سفر أو إجابة دعوة.

وأصل ضيف مصدر فعل ضاف يضيف، ولذلك يطلق على الواحد وأكثر، وعلى المذكر والمؤنث بلفظ واحد، وقد يعامل معاملة غير المصدر فيجمع كما قال عمرو بن كلثوم:

نزلتم منزل الأضياف منّا

وقد ظن لوط ـ عليه السّلام ـ الملائكة رجالاً مارّين ببيته فنزلوا عنده للاستراحة والطعام والمبيت.

والاستفهام في {أليس منكم رجل رشيد} إنكار وتوبيخ لأنّ إهانة الضيف مسبّة لا يفعلها إلاّ أهل السفاهة.

وقوله: {منكم} بمعنى بعضكم أنكر عليهم تمالؤهم على الباطل وانعدام رجل رشيد من بينهم، وهذا إغراء لهم على التعقل ليظهر فيهم من يتفطّن إلى فساد ما هم فيه فينهاهم، فإنّ ظهور الرشيد في الفئة الضالة يفتح باب الرشاد لهم. وبالعكس تمالؤُهم على الباطل يزيدهم ضراوة به.

قَالُوا۟ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ۝٧٩ قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ ۝٨٠

فصلت جملة {قالوا} عن التي قبلها لوقوعها موقع المحاورة مع لوط ـ عليه السّلام ـ.

و{لقد علمت} تأكيد لكونه يعلم. فأكد بتنزيله منزلةَ من ينكر أنه يعلم لأن حالة في عرضه بناته عليهم كحال من لا يعلم خُلقهم، وكذلك التوكيد في {وإنك لتعلَم ما نريد}، وكلا الخبرين مستعمل في لازم فائدة الخبر، أي نحن نعلم أنك قد علمت ما لنا رغبة في بناتك وإنك تعلم مرادنا.

ومثله قوله حكاية عن قوم إبراهيم

{ لقد علمت ما هؤلاء ينطقون }[الأنبياء: 65].

و{ما} الأولى نافية معلّقة لفعل العلم عن العمل، و{ما} الثانية موصولة.

والحق: ما يحقّ، أي يجب لأحد أو عليه، فيقال: له حق في كذا، إذا كان مستحقاً له، ويقال: ما له حق في كذا، بمعنى لا يستحقه، فالظاهر أنه أطلق هنا كنايةً عن عدم التعلّق بالشيء وعن التجافي عنه. وهو إطلاق لم أر مثله، وقد تحيّر المفسرون في تقريره. والمعنى: ما لنا في بناتك رغبة.

وجوابه بِـ {لَوْ أنّ لي بكم قوة} جواب يائس من ارعوائهم.

و{لو} مستعملة في التمنّي، وهذا أقصى ما أمكنه في تغيير هذا المنكر.

والباء في {بكم} للاستعلاء، أي عليكم. يقال: ما لي به قوة وما لي به طاقة. ومنه قوله تعالى:

{ قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت }[البقرة: 249].

ويقولون: مَا لي بهذا الأمر يَدان، أي قدرة أو حيلة عليه.

والمعنى: ليت لي قوة أدفعكم بها، ويريد بذلك قوة أنصار لأنّه كان غريباً بينهم.

ومعنى {أو آوى إلى ركن شديد} أو أعتصم بما فيه مَنعة، أي بمكان أو ذي سلطان يمنعني منكم.

والركن: الشق من الجبل المتّصل بالأرض.

قَالُوا۟ يَٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ۝٨١

هذا كلام الملائكة للوط ـ عليه السّلام ـ كاشفوه بأنّهم ملائكة مرسلون من الله تعالى. وإذ قد كانوا في صورة البشر وكانوا حاضري المجادلة حكى كلامهم بمثل ما تحكى به المحاورات فجاء قولهم بدون حرف العطف على نحو ما حكي قول: لوط ـ عليه السّلام ـ وقول قومه. وهذا الكلام الذي كلّموا به لوطاً ـ عليه السّلام ـ وحي أوحاه الله إلى لوط ـ عليه السّلام ـ بواسطة الملائكة، فإنه لمّا بلغ بِلُوط توقعُ أذى ضيفه مبلغَ الجزع ونفاد الحيلة جاءه نصر الله على سنّة الله تعالى مع رسله

{ حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا }[يوسف: 110].

وابتدأ الملائكة خطابهم لوطاً ـ عليه السّلام ـ بالتعريف بأنفسهم لتعجيل الطمأنينة إلى نفسه لأنّه إذا علم أنهم ملائكة علم أنهم ما نزلوا إلاّ لإظهار الحق. قال تعالى:

{ ما ننزّل الملائكةُ إلاّ بالحق وما كانوا إذاً منْظرين }[الحجر: 8]. ثم ألحقوا هذا التعريف بالبشارة بقولهم: {لن يصلوا إليك}. وجيء بحرف تأكيد النفي للدّلالة على أنهم خاطبوه بما يزيل الشك من نفسه. وقد صرف الله الكفّار عن لوط ـ عليه السّلام ـ فرجعوا من حيث أتوا، ولو أزال عن الملائكة التشكّل بالأجساد البشرية فأخفاهم عن عيون الكفّار لحسبوا أنّ لوطاً ـ عليه السّلام ـ أخفاهم فكانوا يؤذون لوطاً ـ عليه السّلام ـ. ولذلك قال له الملائكة {لن يصلوا إليك} ولم يقولوا لن ينالوا، لأنّ ذلك معلوم فإنهم لمّا أعلموا لوطاً ـ عليه السّلام ـ بأنهم ملائكة ما كان يشك في أن الكفّار لا ينالونهم، ولكنّه يخشى سورتهم أن يتّهموه بأنه أخفاهم.

ووقع في التوراة أن الله أعمى أبصار المراودين لوطاً ـ عليه السّلام ـ عن ضيفه حتى قالوا: إنّ ضيف لوط سَحرة فانصرفوا. وذلك ظاهر قوله تعالى: في سورة [القمر: 37]

{ ولقد رَاودوه عن ضيفه فطمسْنا أعينهم }}.

وجملة {لن يصلوا إليك} مبيّنة لإجمال جملة {إنّا رسُل ربّك}، فلذلك فصلت فلم تعطف لأنها بمنزلة عطف البيان.

وتفريع الأمر بالسُرى على جملة {لن يصلوا إليك} لما في حرف {لَن} من ضمان سلامته في المستقبل كلّه. فلمّا رأى ابتداء سلامته منهم بانصرافهم حسن أن يبين له وجه سلامته في المستقبل منهم باستئصالهم وبنجاته، فذلك موقع فاء التفريع.

و(أسْر) أمر بالسُرى ـ بضم السين والقصر ـ. وهو اسم مصدر للسير في الليل إلى الصباح. وفعله: سَرى يقال بدون همزة في أوّله ويقال: أسرى بالهمزة.

قرأه نافع، وابن كثير، وأبو جعفر ـ بهمزة وصل ـ على أنه أمر من سَرى. وقرأه الباقون بهمزة قطع على أنه من أسرى.

وقد جمعوه في الأمر مع أهله لأنه إذا سرى بهم فقد سرى بنفسه إذ لو بعث أهله وبقي هو لَمَا صحّ أن يقال: أسْر بهم للفرق بين أذهبت زيداً وبين ذهبت به.

والقِطْع ـ بكسر القاف ـ: الجزء من الليل.

وجملة {ولا يلتفت منكم أحد} معترضة بين المستثنى والمستثنى منه. والالتفات المنهي عنه هو الالتفات إلى المكان المأمور بمغادرته كَمَا دَلّت عليه القرينة.

وسبب النهي عن الالتفات التقصي في تحقيق معنى الهجرة غضباً لحرمات الله بحيث يقطع التعلق بالوطن ولو تعلّق الرؤية. وكان تعيين الليل للخروج كَيْلاَ يُلاَقِي ممانعة من قومه أو من زوجه فيشقُّ عليه دفاعهم.

و{إلاّ امرأتَك} استثناء من {أهلك}، وهو منصوب في قراءة الجمهور اعتباراً بأنه مستثنى من {أهلك} وذلك كلام موجب، والمعنى: لا تسْر بها، أريد أن لا يعلمها بخروجه لأنها كانت مخلصة لقومها فتخبرهم عن زوجها. وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو ـ برفع ـ {امرأتك} على أنه استثناء من {أحد} الواقع في سياق النهي، وهو في معنى النفي. قيل: إنّ امرأته خرجت معهم ثم التفتت إلى المدينة فحنّت إلى قومها فرجعت إليهم. والمعنى أنه نهاهم عن الالتفات فامتثلوا ولم تمتثل امرأتُه للنهي فالتفتت، وعلى هذا الوجه فالاستثناء من كلام مقدّر دلّ عليه النهي. والتقدير: فلا يلتفتون إلاّ امرأتك تلتفتُ.

وجملة {إنّه مصيبها ما أصابهم} استئناف بياني ناشىء عن الاستثناء من الكلام المقدّر.

وفي قوله: {ما أصابهم} استعمال فعل المضي في معنى الحال، ومقتضى الظاهر أن يقال: ما يصيبهم، فاستعمال فعل المضي لتقريب زمن الماضي من الحال نحو قوله تعالى:

{ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم }[المائدة: 6] الآية، أو في معنى الاستقبال تنبيهاً على تحقق وقوعه نحو قوله تعالى: { أتى أمر الله }[النحل: 1].

وجملة {إنّ موعدهم الصبح} مستأنفة ابتدائية قُطعت عن التي قبلها اهتماماً وتهويلاً.

والموعد: وقت الوعد. والوعد أعمّ من الوعيد فيطلق على تعيين الشرّ في المستقبل. والمراد بالموعد هنا موعد العذاب الذي علمه لوط ـ عليه السّلام ـ إما بوحي سابق، وإما بقرينة الحال، وإما بإخبار من الملائكة في ذلك المقام طَوته الآية هنا إيجازاً، وبهذه الاعتبارات صحّ تعريف الوعد بالإضافة إلى ضميرهم.

وجملة {أليس الصبح بقريب} استئناف بيانيّ صدر من الملائكة جواباً عن سؤال بجيش في نفسه من استبطاء نزول العذاب.

والاستفهام تقريريّ، ولذلك يقع في مثله التقرير على النفي إرخاء للعنان مع المخاطب المقرّر ليعرف خطأه. وإنّما قالوا ذلك في أوّل الليل.

الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ