انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يوسف

تفسير البغويالآيات 77–111

تفسير سورة يوسف آية آية، من تفسير البغوي.

قَالُوٓا۟ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُۥ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِۦ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ۝٧٧

{قَالُوۤاْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ}، يريدون أخاً له من أمه، يعني: يوسف.

واختلفوا في السرقة التي وصفوا بها يوسف عليه السلام، فقال سعيد بن جبير وقتادة: كان لجده، أبي أمه، صنم يعبده، فأخذه سرّاً أو كسره وألقاه في الطريق لئلا يعبد.

وقال مجاهد: إن يوسف جاءه سائل يوماً، فأخذ بيضة من البيت فناولها السائل.

وقال سفيان بن عيينة: أخذ دجاجة من الطير التي كانت في بيت يعقوب فأعطاها سائلاً.

وقال وهب: كان يخبأ الطعام من المائدة للفقراء.

وذكر محمد بن إسحاق: أن يوسف كان عند عمته ابنة إسحاق، بعد موت أمه راحيل، فحضنته عمته وأحبته حباً. شديداً، فلما ترعرع وقعت محبة يعقوب عليه، فأتاها وقال: يا أختاه سلمي إليّ يوسف، فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة، قالت: لا والله، فقال: والله ما أنا بتاركه، فقالت: دعه عندي أياماً أنظر إليه لعلّ ذلك يسليني عنه، ففعل ذلك، فعمدت عمته إلى منطقة لإِسحاق كانوا يتوارثونها بالكبر، فكانت عندها لأنها كانت أكبر ولد إسحاق، فحزمت المنطقة على يوسف تحت ثيابه وهو صغير، ثم قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق اكشفوا أهل البيت فكشفوا فوجدوها مع يوسف، فقالت: والله إنه لَسَلَمٌ لي، فقال يعقوب: إن كان فعل ذلك فهو سَلَمٌ لك، فأمسكتهُ حتى ماتت، فذلك الذي قال إخوة يوسف: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ}.

{فَأَسَرَّهَا}، أضمرها {يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ}، وإنما أتت الكناية لأنه عنى بها الكلمة، وهي قوله: {قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً}، ذكرها سراً في نفسه ولم يصرح بها، يريد أنتم شر مكاناً أي منزلة عند الله ممن رميتموه بالسرقة في صنيعكم بيوسف، لأنه لم يكن من يوسف سرقة حقيقية، وخيانتُكم حقيقةٌ، {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ}، تقولون.

قَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٧٨ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذًا لَّظَٰلِمُونَ ۝٧٩

{قَالُواْ يَٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً}. وفي القصة أنهم غضبوا غضباً شديداً لهذه الحالة، وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا، وكان روبيل إذا غضب لم يقم لغضبه شيء، وإذا صاح ألقت كل امرأة حامل سمعت صوته ولدها، وكان مع هذا إذا مسَّه أحد من ولد يعقوب سكن غضبه.

وقيل: كان هذا صفة شمعون من ولد يعقوب.

ورُوي أنه قال لإِخوته: كم عدد الأسواق بمصر؟ فقالوا: عشرة، فقال: اكفوني أنتم الأسواق وأنا أكفيكم الملك، أو اكفوني أنتم الملك وأنا أكفيكم الأسواق، فدخلوا على يوسف فقال روبيل: لتردن علينا أخانا أو لأصيحن صيحة لا تبقي بمصر امرأة حامل إلاّ ألقت ولدها وقامت كل شعرة في جسد روبيل فخرجت من ثيابه، فقال يوسف لابنٍ له صغير: قم إلى جنب روبيل فمسه. ورُوي: خذ بيده فاتني به، فذهب الغلام فمسّه فسكن غضبه. فقال روبيل: إن هاهنا لبَزْراً من بَزْر يعقوب، فقال يوسف: مَنْ يعقوب؟

ورُوي أنه غضب ثانياً فقام إليه يوسف فركضه برجله وأخذ بتلابيبه، فوقع على الأرض وقال: أنتم يا معشر العبرانيين تظنون أن لا أحدَ أشدّ منكم؟

فلما صار أمرهم إلى هذا ورأوا أن لا سبيل لهم إلى تخليصه خضعوا وذلوا، وقالوا: يا أيها العزيز إن له أباً شيخاً كبيراً يحبه، {فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ}، بدلاً منه، {إِنَّا نَرَٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}، في أفعالك. وقيل: من المحسنين إلينا في توفية الكيل وحسن الضيافة ورد البضاعة. وقيل: يعنون: إن فعلت ذلك كنت من المحسنين.

{قَالَ} يوسف: {مَعَاذَ ٱللَّهِ} أعوذ بالله، {أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَـٰعَنَا عِندَهُ}، ولم يقل إلا من سرق تحرزاً من الكذب، {إِنَّـآ إِذاً لَّظَـٰلِمُونَ}، إن أخذنا بريئاً بمجرم.

فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ ۝٨٠

{فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ}، أي: أيسوا من يوسف أن يجيبهم إلى ما سألوه. وقال أبو عبيدة: استيأسوا استيقنوا أن الأخ لا يُرد إليهم. {خَلَصُواْ نَجِيّاً}، أي: خلا بعضهم ببعض يتناجون ويتشاورون لا يخالطهم غيرهم.

والنجيُّ يصلح للجماعة كما قال هاهنا ويصلح للواحد كقوله:

{ { وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } } [مريم:52]، وإنما جاز للواحد والجمع لأنه مصدر جعل نعتاً كالعدل والزور، ومثله النجوى يكون اسماً ومصدراً، قال الله تعالى: { { وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ } } [الاسراء:47]، أي: متناجون. وقال: { { مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ } } [المجادلة:7]، وقال في المصدر: { إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ }[المجادلة:10].

{قَالَ كَبِيرُهُمْ}، يعني: في العقل والعلم لا في السن.

قال ابن عباس والكلبي: هو يهوذا وهو أعقلهم.

وقال مجاهد: هو شمعون، وكانت له الرئاسة على إخوته.

وقال قتادة والسدي والضحاك: هو روبيل، وكان أكبرهم في السن، وهو الذي نهى الإِخوة عن قتل يوسف.

{أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً}، عهداً. {مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ}، قصّرتم {فِى يُوسُفَ}.

واختلفوا في محل {ما}؛ قيل: هو نصب بإيقاع العلم عليه، يعني: ألم تعلموا من قبل تفريطكم في يوسف.

[وقيل: وهو في محل رفع على الابتداء وتم الكلام عند قوله: {مِّنَ ٱللَّهِ} ثم قال {وَمِن قَبْلُ} هذا تفريطكم في يوسف].

وقيل: {ما} صلة، أي: ومن قبل هذا فرطتم في يوسف.

{فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ}، التي أنا بها وهي أرض مصر، {حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىۤ أَبِىۤ}، بالخروج منها ويدعوني، {أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى}، بردِّ أخي إليّ، أو بخروجي وترك أخي.

وقيل: أو يحكم الله لي بالسيف فأقاتلهم وأسترد أخي.

{وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ}، أعدل مَنْ فَصَلَ بين الناس.

ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَٰفِظِينَ ۝٨١

{ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ}، يقول الأخ المحتبس بمصر لإِخوته ارجعوا إلى أبيكم، {فَقُولُواْ يَٰأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ}، بنيامين، {سَرَقَ}.

قرأ ابن عباس والضحاك سُرِّق بضم السين وكسر الراء وتشديدها، يعني: نُسب إلى السرقة، كما يقال خوّنته أي نسبته إلى الخيانة.

{وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} يعني: ما قلنا هذا إلاّ بما علمنا فإنّا رأينا إخراج الصواع من متاعه.

وقيل: معناه: وما شهدنا، أي: ما كانت منا شهادة في عمرنا على شيء إلا بما علمنا، وليست هذه شهادة منا إنما هو خبر عن صنيع ابنك بزعمهم.

وقيل: قال لهم يعقوب عليهم السلام: ما يدري هذا الرجل أن السارق يُؤخذ بسرقته إلاّ بقولكم، فقالوا: ما شهدنا عند يوسف بأن السارق يسترقُّ إلاّ بما علمنا، وكان الحكم ذلك عند الأنبياء؛ يعقوب وبنيه.

{وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَـٰفِظِينَ}، قال مجاهد وقتادة: ما كنا نعلم أن ابنك سيسرق ويصير أمرنا إلى هذا وإنما قلنا ما ذهبنا إليه، وإنما قلنا ونحفظ اخانا مما لنا إلى حفظه منه سبيل.

وعن ابن عباس: ما كنا لليله ونهاره ومجيئه وذهابه حافظين.

وقال عكرمة: وما كنا للغيب حافظين فلعلها دُسَّتْ بالليل في رحله.

وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيرَ ٱلَّتِىٓ أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ۝٨٢ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ۝٨٣ وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ۝٨٤

{وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا}، أي: أهلَ القرية وهي مصر. قال ابن عباس: هي قرية من قرى مصر كانوا ارتحلوا منها إلى مصر. {وَٱلْعِيرَ ٱلَّتِىۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا}، أي: القافلة التي كنا فيها. وكان صَحِبَهم قوم من كنعان من جيران يعقوب.

قال ابن إسحاق: عرف الأخ المحتبس بمصر أن إخوته أهل تهمة عند أبيهم لِما كانوا يصنعوا في أمر يوسف، فأمرهم أن يقولوا هذا لأبيهم.

{وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ}.

فإن قيل: كيف استجاز يوسف أن يعمل مثل هذا بأبيه ولم يخبره بمكانه، وحبس أخاه مع علمه بشدة وجد أبيه عليه، وفيه معنى العقوق وقطيعة الرحم وقلة الشفقة؟.

قيل: قد أكثر الناس فيه، والصحيح أنه عمل ذلك بأمر الله سبحانه وتعالى، أمره بذلك، ليزيد في بلاء يعقوب فيضاعف له الأجر ويلحقه في الدرجة بآبائه الماضين.

وقيل: إنه لم يظهر نفسه لإِخوته لأنه لم يأمن أن يدبروا في أمره تدبيراً فيكتموه عن أبيه، والأول أصح.

{قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ}، زيّنت، {أَنفُسُكُمْ أَمْراً}، وفيه اختصار معناه: فرجعوا إلى أبيهم وذكروا لأبيهم ما قال كبيرهم، فقال يعقوب: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً}، أي: حمل أخيكم إلى مصر لطلب نفع عاجل.

{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعاً}، يعني: يوسف، وبنيامين، وأخاهم المقيم بمصر.

{إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ}، بحزني ووجدي على فقدهم، {ٱلْحَكِيمُ}، في تدبير خلقه.

قوله تعالى: {وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ}، وذلك أن يعقوب عليه السلام لمّا بلغه خبر بنيامين تتامَّ حزنه وبلغ جهده، وتهيج حزنه على يوسف فأعرض عنهم، {وَقَالَ يَٰأَسَفَىٰ}، يا حزناه، {عَلَىٰ يُوسُفَ}، والأسفُ أشدُّ الحزن، {وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ}، يعني: عُمي بصره. قال مقاتل: لم يبصر بهما ست سنين، {فَهُوَ كَظِيمٌ}، أي: مكظوم مملوء من الحزن ممسك عليه لا يبثه. قال قتادة: تردد حزنه في جوفه ولم يقل إلاّ خيراً. وقال الحسن: كان بين خروج يوسف من حجر أبيه إلى يوم التقى معه ثمانون عاماً لا تجف عينا يعقوب وما على وجه الأرض يومئذ أكرم على الله من يعقوب.

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ تَفْتَؤُا۟ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَٰلِكِينَ ۝٨٥ قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۝٨٦

{قَالُواْ}، يعني: أولاد يعقوب، {تَالله تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ}، أي: لا تزال تذكر يوسف، و {لا} تفتر من حبه، لا محذوفة من قوله: {تَفْتَؤُ}، يقال: ما فتىء يفعل كذا أي: ما زال؛ كقول امرىء القيس:

فَقُلْتُ يَمِيْنُ اللَّهِ أَبْرَحُ قائِمَاً وَلَوْ قَطَّعُوا رَأْسِي لَدَيْكَ وأَوْصَالِي

أي: لا أبرح.

{حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً}، قال ابن عباس: دفناً.

قال مجاهد: الحرض ما دون الموت، يعني: قريباً من الموت.

وقال ابن إسحاق: فاسداً لا عقل لك.

والحرض: الذي فسد جسمه وعقله. وقيل: ذائباً من الهم.

ومعنى الآية: حتى تكون دَنِفَ الجسم مخبول العقل.

وأصل الحرض: الفساد في الجسم والعقل من الحزن والهرم، أو العشق، يقال: رجل حَرَضٌ وامرأة حَرَضٌ، ورجلان وامرأتان حَرَضٌ، ورجال ونساء كذلك، يستوي فيه الواحد والإِثنان والجمع والمذكر والمؤنث، لأنه مصدر وُضع موضع الاسم. {أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَـٰلِكِينَ}، أي: من الميتين.

{قَالَ} يعقوب عليه السلام عند ذلك لما رأى غِلظتُهم {إِنَّمَآ أَشْكُواْ بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ}، والبَثُّ: أشدُّ الحزن، سمي بذلك لأن صاحبه لا يصبر عليه حتى يبثه أي يظهره، قال الحسن: بَثِّي أي: حاجتي.

ويرُوى أنه دخل على يعقوب جارٌ له وقال: يايعقوب مالي أراك قد تهشمت وفنيت ولم تبلغ من السن ما بلغ أبوك؟ قال: هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من همّ يوسف، فأوحى الله إليه: يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي؟ فقال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرْها لي، فقال: قد غفرتها لك، فكان بعد ذلك إذا سئل قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله.

ورُوي أنه قيل له: يايعقوب ما الذي أذهب بصرك وقوّس ظهرك؟.

قال: أذهب بصري بكائي على يوسف، وقوّس ظهري حزني على أخيه؟

فأوحى الله إليه: أتشكوني؟ فوعزتي وجلالي لا أكشف ما بك حتى تدعوني.

فعند ذلك قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، فأوحى الله إليه: وعزتي وجلالي لو كانا ميتين لأخرجتهما لك، وإنّما وجدت عليكم لأنكم ذبحتم شاة فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه منها شيء، وإن أحب خلقي إليّ الأنبياء، ثم المساكين فاصنع طعاماً وادع إليه المساكين.

فصنع طعاماً ثم قال: من كان صائماً فليفطر الليلة عند آل يعقوب.

ورُوي أنه كان بعد ذلك إذا تغدى أمر من ينادي: من أراد الغداء فليأت يعقوب، وإذا أفطر أمر من ينادي: من أراد أن يفطر فليأت يعقوب: فكان يتغدى ويتعشى مع المساكين.

وعن وهب بن منبه قال: أوحى الله تعالى إلى يعقوب: أتدري لِمَ عاقبتك وحبست عنك يوسف ثمانين سنة؟ قال: لا يا إلهي، قال: لأنك قد شويت عناقاً وقترت على جارك، وأكلت ولم تطعمه.

ورُوي: أن سبب ابتلاء يعقوب أنه ذبح عجلاً بين يدي أمه وهي تخور.

وقال وهب والسدي وغيرهما: أتى جبريل يوسف عليه السلام في السجن فقال: هل تعرفني أيها الصديق؟

قال: أرى صورة طاهرة وريحاً طيبة.

قال: إني رسول رب العالمين وأنا الروح الأمين.

قال: فما أدخلك مدخل المذنبين وأنت أطيب الطيبين ورأس المقربين وأمين رب العالمين؟

قال: ألم تعلم يايوسف أن الله تعالى يطهر البيوت بطهر النبيين، وأن الأرض التي يدخلونها هي أطهر الأراضين، وأن الله تعالى قد طهر بك السجن وما حوله يا طهر الطاهرين وابن الصالحين المخلصين.

قال: كيف لي باسم الصديقين وتعدّني من المخلصين الطاهرين، وقد أدخلت مدخل المذنبين وسمّيت باسم الفاسقين؟

قال جبريل: لأنه لم يفتتن قلبك ولم تطع سيدتك في معصية ربِّك لذلك سماك الله في الصديقين، وعدّك من المخلصين، وألحقك بآبائك الصالحين.

قال يوسف: هل لك علم بيعقوب أيها الروح الأمين؟

قال: نعم، وهبه الله الصبر الجميل وابتلاه بالحزن عليك فهو كظيم.

قال: فكم قدّر حزنه؟

قال: حزن سبعين ثكلى.

قال: فماذا له من الأجر ياجبريل؟

قال: أجر مائة شهيد.

قال: أفتراني لاقيه؟

قال: نعم، فطابت نفسه، وقال: ما أبالي بما لقيت إن رأيته.

قوله تعالى: {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، يعني: أعلم من حياة يوسف مالا تعلمون.

رُوِي أن ملك الموت زار يعقوب فقال له: أيها الملك الطيب ريحه، الحسن صورته، هل قبضت روح ولدي في الأرواح؟ قال: لا، فسكن يعقوب وطمع في رؤيته، وقال: وأعلم أن رؤيا يوسف صادقة وإني وأنتم سنسجد له.

وقال السدي: لما أخبره ولده بسيرة الملك أحسّت نفس يعقوب وطمع وقال لعله يوسف، فقال: يا بَنيَّ اذهبُوا فتحسَّسُوا من يوسف وأخيه.

ورُوي عن عبدالله بن يزيد بن أبي فروة: أن يعقوب عليه السلام كتب كتاباً إلى يوسف عليه السلام حين حبس بنيامين: من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى ملك مصر أما بعد: فإنا أهل بيت وُكِّلَ بِنَا البلاءُ؛ أمّا جدي إبراهيم فشدّتْ يداه ورجلاه وألقي في النار، فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وأما أبي فشدّتْ يداه ورجلاه ووضع السكين على قفاه، ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخاً بالدم، فقالوا: قد أكله الذئب، فذهبت عيناي من البكاء عليه، ثم كان لي ابن وكان أخاه لأمه، وكنت أتسلّى به، وإنك حبسته وزعمت أنه سرق، وإنّا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقاً، فإن رددته عليَّ وإلاّ دعوتُ عليك دعوةً تدرك السابع من ولدك، فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك البكاء وعيل صبره، فأظهر نفسه على ما نذكره إن شاء الله تعالى

يَٰبَنِىَّ ٱذْهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَٰفِرُونَ ۝٨٧ فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ قَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَٰعَةٍ مُّزْجَىٰةٍ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ ۝٨٨

قوله عزّ وجلّ: {يَٰبَنِىَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ}، تخبّروا واطلبوا الخير، {مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ}، والتحسّسُ بالحاء والجيم لا يبعد أحدهما من الآخر، إلا أن التحسس بالحاء في الخير وبالجيم في الشر، والتحسس هو طلب الشيء بالحاسة. قال ابن عباس: معناه التمسوا {وَلاَ تَيْأَسُواْ}، ولا تقنطوا {مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ}، أي: من رحمة الله، وقيل: من فرج الله. {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ}.

{فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ}، وفيه إضمار تقديره: فخرجوا راجعين إلى مصر حتى وصلوا إليها فدخلوا على يوسف عليه السلام. {قَالُواْ يَٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ}، أي: الشدة والجوع، {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ}، أي: قليلة رديئة كاسدة، لا تنفق في ثمن الطعام إلا بتجوز من البائع فيها، وأصل الإِزجاء: السوق والدفع. وقيل: للبضاعة مزجاة لأنها غير نافقة، وإنما تجوز على دَفْعٍ من آخِذِها.

واختلفوا فيها، فقال ابن عباس: كانت دراهم رديئة زيوفاً.

وقيل: كانت خَلَق الغرائر والحبال.

وقيل: كانت من متاع الأعراب من الصوف والأقط.

وقال الكلبي ومقاتل: كانت الحبة الخضراء.

وقيل: كانت من سويق المُقل.

وقيل: كانت الأدم والنعال.

{فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ}، أي: أعطنا ما كنت تعطينا قَبْلُ بالثمن الجيد الوافي.

{وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ}، أي: تفضل علينا بما بين الثمنين الجيد والرديء ولا تنقصنا. هذا قول أكثر المفسرين.

وقال ابن جريج والضحاك: وتصدق علينا برد أخينا إلينا.

{إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى}، يثيب، {ٱلْمُتَصَدِّقِينَ}.

وقال الضحاك: لم يقولوا إن الله يجزيك؛ لأنهم يعلموا أنه مؤمن.

وسئل سفيان بن عيينة: هل حُرمت الصدقة على أحد من الأنبياء سوى نبينا عليه الصلاة والسلام؟ فقال سفيان: ألم تسمع قوله تعالى: {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ}، يريد أن الصدقة كانت حلالاً لهم.

ورُوي أن الحسن سمع رجلاً يقول: اللهم تصدق علي، فقال: إن الله لا يتصدق وإنما يتصدق من يبغي الثواب، قل: اللهم أعطني أو تفضل عليّ.

قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَٰهِلُونَ ۝٨٩ قَالُوٓا۟ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِى قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٩٠

{قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ}، اختلفوا في السبب الذي حمل يوسف على هذا القول، قال ابن إسحاق: ذكر لي أنهم لما كلموه بهذا الكلام أدركته الرقة فارفضَّ دمعُه، فباح بالذي كان يكتم منهم.

وقال الكلبي: إنما قال ذلك حين حكى لإِخوته أن مالك بن ذعر قال إني وجدت غلاماً في بئر من حاله كيت وكيت، فابتعته بكذا درهماً فقالوا: أيها الملك، نحن بعنا ذلك الغلام، فغاظ يوسف ذلك وأمر بقتلهم فذهبوا بهم ليقتلوهم، فولى يهوذا وهو يقول كان يعقوب يحزن ويبكي لفقد واحد منا حتى كفّ بصره، فكيف إذا أتاه قتل بنيه كلهم؟ ثم قالوا له: إن فعلت ذلك فابعث بأمتعتنا إلى أبينا فإنه بمكان كذا وكذا، فذلك حين رحمهم وبكى، وقال ذلك القول.

وقيل: قاله حين قرأ كتاب أبيه إليه فلم يتمالك البكاء، فقال: هل علمتُم ما فعلتُم بيوسف وأخيه إذْ فرقتُم بينهما، وصنعتُم ما صنعتُم إذ أنتُم جاهلون بما يؤل إليه أمر يوسف؟ وقيل: مذنبون عاصون. وقال الحسن: إذ أنتم شباب ومعكم جهل الشباب.

فإن قيل: كيف قال ما فعلتم بيوسف وأخيه، وما كان منهم إلى أخيه، وهم لم يسعوا في حبسه؟ قيل: قد قالوا له في الصاع ما يزال لنا بلاء، وقيل: ما رأينا منكم يابني راحيل خيراً. وقيل: لما كانا من أم واحدة كانوا يؤذونه من بعد فقد يوسف.

{قَالُواْ أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ}، قرأ ابن كثير وأبو جعفر: {إنَّك} على الخبر، وقرأ الآخرون على الاستفهام.

قال ابن إسحاق: كان يوسف يتكلم من وراء ستر فلم قال يوسف: هل علمتم ما فعلتم، كشف عنهم الغطاء ورفع الحجاب، فعرفوه.

وقال الضحاك عن ابن عباس: لما قال هذا القول تبسّم فرأوا ثناياه كاللؤلؤ المنظوم فشبّهوه بيوسف، فقالوا استفهاماً أئنّك لأنت يوسف؟

وقال عطاء عن ابن عباس: إن أخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج عن رأسه، وكان له في قرنه علامة وكان ليعقوب مثلها ولإِسحاق مثلها ولسارة مثلها شبه الشامة، فعرفوه فقالوا: أئنك لأنت يوسف.

وقيل: قالوه على التوهم حتى، {قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَآ أَخِى}، بنيامين، {قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ}، أنعمَ الله علينا بأن جمع بيننا.

{إِنَّهُ مَن يَتَّقِ}، بأداء الفرائض واجتناب المعاصي، {وَيَصْبِرْ}، عمّا حرّم الله عزّ وجلّ عليه. قال ابن عباس: يتقي الزنا ويصبر عن العزوبة. وقال مجاهد: يتقي المعصية ويصبر على السجن، {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ}.

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَٰطِـِٔينَ ۝٩١ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ۝٩٢ ٱذْهَبُوا۟ بِقَمِيصِى هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ۝٩٣

{قَالُواْ}، معتذرين، {تَٱللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا}، أي: اختارك الله وفضّلك علينا، {وَإِن كُنَّا لَخَـٰطِئِينَ}، أي: وما كنا في صنيعنا بك إلا مخطئين مذنبين. يقال: خَطِىءَ خِطْأ إذا تعمد، وأخطأ إذا كان غير متعمد.

{قَالَ}، يوسف وكان حليماً: {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ}، لا تعيير عليكم اليوم، ولا أذكر لكم ذنبكم بعد اليوم، {يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَٰحِمِينَ}.

فلما عرّفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيه، فقال: ما فعل أبي بعدي؟ قالوا: ذهبت عيناه فأعطاهم قميصه، وقال:

{ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيراً}، أي: يعد مبصراً. وقيل: يأتيني بصيراً لأنه كان قد دعاه.

قال الحسن: لم يعلم أنه يعود بصيراً إلاّ بعد أن أعلمه الله عز وجل.

قال الضحاك: كان ذلك القميص من نسج الجنة.

وعن مجاهد قال: أمره جبريل أن يرسل إليه قميصه، وكان ذلك القميص قميص إبراهيم عليه السلام، وذلك أنه جرد من ثيابه وألقي في النار عرياناً، فأتاه جبريل بقميص من حرير الجنة، فألبسه إيّاه فكان ذلك القميص عند إبراهيم عليه السلام، فلما مات ورثه إسحاق، فلما مات ورثه يعقوب، فلما شب يوسف جعل يعقوب ذلك القميص في قصبة، وسدَّ رأسها، وعلقها في عنقه، لما كان يخاف عليه من العين، فكان لا يفارقه. فلما ألقي في البئر عرياناً جاءه جبريل عليه السلام وعلى يوسف ذلك التعويذ فأخرج القميص منه وألبسه إيّاه، ففي هذا الوقت جاء جبريل عليه السلام إلى يوسف عليه السلام وقال: أرسل ذلك القميص، فإن فيه ريح الجنة لا يقع على سقيم ولا مبتلى إلاّ عُوفي، فدفع يوسف ذلك القميص إلى أخوته وقال: ألقوه على وجه أبي يأتِ بصيراً، {وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ}.

وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّى لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَآ أَن تُفَنِّدُونِ ۝٩٤

{وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ}، أي: خرجت من عريش مصر متوجهة إلى كنعان {قَالَ أَبُوهُمْ}، أي: قال يعقوب لولد ولده، {إِنِّى لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ}.

روي أن ريح الصبا استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل أن يأتيه البشير.

قال مجاهد: أصاب يعقوب ريح يوسف من مسيرة ثلاثة أيام. وحكي عن ابن عباس: من مسيرة ثمان ليال.

وقال الحسن: كان بينهما ثمانون فرسخاً.

وقيل: هبت ريح فصفقت القميص فاحتملت ريح القميص إلى يعقوب فوجد ريح الجنة فعلم أن ليس في الأرض من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص، فلذلك قال إني لأجد ريح يوسف.

{لَوْلآ أَن تُفَنِّدُونِ}، تسفِّهوني، وعن ابن عباس: تُجَهِّلُوني. وقال الضحاك: تهرِّمون فتقولون شيخ. كبير قد خرف وذهب عقله. وقيل: تضعِّفوني. وقال أبو عبيدة: تضلّلوني. وأصل الفَنَدِ: الفساد.

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ ۝٩٥ فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَىٰهُ عَلَىٰ وَجْهِهِۦ فَٱرْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۝٩٦ قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَٰطِـِٔينَ ۝٩٧ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّىٓ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ۝٩٨

{قَالُواْ}، يعني: أولاد أولاده، {تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَـٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ}، أي: خطئك القديم من ذكر يوسف لا تنساه، والضلال هو الذهاب عن طريق الصواب، فإن عندهم أن يوسف قد مات ويرون يعقوب قد لهج بذكره.

{فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ}، وهو المبشر عن يوسف، قال ابن مسعود: جاء البشير بين يدي العير. قال ابن عباس: هو يهوذا.

قال السدي: قال يهوذا: أنا ذهبت بالقميص ملطخاً بالدم إلى يعقوب فأخبرته أن يوسف أكله الذئب، فأنا أذهب إليه اليوم بالقميص فأخبره أن ولده حي فأفرحه كما أحزنته.

قال ابن عباس: حمله يهوذا وخرج حافياً حاسراً يعدو ومعه سبعة أرغفة لم يستوفِ أكلها حتى أتى أباه، وكانت المسافة ثمانين فرسخاً.

وقيل: البشير مالك بن ذعر.

{أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ}، يعني: ألقى البشيرُ قميصَ يوسف على وجه يعقوب، {فَٱرْتَدَّ بَصِيراً}. فعاد بصيراً بعدما كان أعمى وعادت إليه قوته بعد الضعف، وشبابه بعد الهرم وسروره بعد الحزن.

{قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّىۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، من حياة يوسف وأن الله يجمع بيننا.

ورُوي أنه قال للبشير: كيف تركت يوسف؟ قال: إنه ملك مصر، فقال يعقوب: ما أصنع بالملك على أي دين تركتَه؟ قال: على دين الإِسلام، قال: الآن تمت النعمة.

{قَالُواْ يَٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَـٰطِئِينَ}، مذنبين.

{قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّىۤ}، قال أكثر المفسرين: أخَّر الدعاء إلى السِّحَر، وهو الوقت الذي يقول الله تعالى:

"هل من داعٍ فأستجيب له" فلما انتهى يعقوب إلى الموعد قام إلى الصلاة في بالسحر، فلما فرغ منها رفع يديه إلى الله عزّ وجلّ وقال: اللهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه واغفرْ لأولادي ما أتوا إلى أخيهم يوسف، فأوحى الله تعالى إليه إني قد غفرتُ لك ولهم أجمعين.

وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: سوف أستغفرُ لكم ربي يعني ليلة الجمعة.

قال وهب: كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة.

وقال طاووس: أخر الدعاء إلى السَّحر من ليلة الجمعة فوافق ليلة عاشوراء.

وعن الشعبي قال: سوف أستغفرُ لكم ربي، قال: أسأل يوسف إن عفا عنكم استغفرْ لكم ربي، {إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}.

روي أن يوسف كان قد بعث مع البشير إلى يعقوب مائتي راحلة وجهازاً كثيراً ليأتوا بيعقوب وأهله وأولاده، فتهيأ يعقوب للخروج إلى مصر، فخرجوا وهم اثنان وسبعون من بين رجل وامرأة. وقال مسروق: كانوا ثلاثة وتسعين، فلما دنا من مصر كلم يوسف الملك الذي فوقه فخرج يوسف والملك في أربعة آلاف من الجنود وركب أهل مصر معهما يتلقون يعقوب، وكان يعقوب يمشي وهو يتوكأ على يهوذا فنظر إلى الخيل والناس فقال: يايهوذا هذا فرعون مصر، قال: لا هذا ابنك، فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه ذهب يوسف يبدأه بالسلام، فقال جبريل: لا حتى يبدأ يعقوب بالسلام، فقال يعقوب: السلام عليك يا مذهب الأحزان.

ورُوي أنهما نزلا وتعانقا.

وقال الثوري: لما التقى يعقوب ويوسف عليهما السلام عانق كل واحد منهما صاحبه وبكيا، فقال يوسف: يا أبت بكيتَ حتى ذهب بصرك ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟ قال: بلى يابني ولكن خشيتُ أن تسلب دينك فيحال بيني وبينك.

فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ٱدْخُلُوا۟ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ ۝٩٩ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّوا۟ لَهُۥ سُجَّدًا وَقَالَ يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِىٓ إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلْبَدْوِ مِنۢ بَعْدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيْطَٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىٓ إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ۝١٠٠

فلذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰ إِلَيْهِ}، أي: ضم إليه، {أَبَوَيْهِ}، قال أكثر المفسرين: هو أبوه وخالته ليّا، وكانت أمه راحيل قد ماتت في نفاس بنيامين.

قال الحسن: هو أبوه وأمه، وكانت حيَّة.

وفي بعض التفاسير: أن الله عزّ وجلّ أحيا أمه حتى جاءت مع يعقوب إلى مصر.

{وَقَالَ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ}، فإن قيل: فقد قال فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه، فكيف قال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين بعدما أخبر أنهم دخلوها؟ وما وجه هذا الاستثناء وقد حصل الدخول؟

قيل: إن يوسف إنما قال لهم هذا القول حين تلقاهم قبل دخولهم مصر. وفي الآية تقديم وتأخير، والاستثناء يرجع إلى الاستغفار وهو من قول يعقوب لبنيه سوف أستغفر لكم ربي إن شاء الله.

وقيل: الاستثناء يرجع إلى الأمن من الجواز لأنهم كانْوا لا يدخلون مصر قبله إلاّ بجواز من ملوكهم، يقول: آمنين من الجواز إن شاء الله تعالى، كما قال:

{ { لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ } } [الفتح:27].

وقيل: {إنْ} هاهنا بمعنى إذْ، يريد: إذْ شاء الله؛ كقوله تعالى:

{ { وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } } [آل عمران:139]. أي: إذْ كنتم مؤمنين.

{وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ}، أي: على السرير، أجلسهما. والرفع: هو النقل إلى العلو. {وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً}، يعني: يعقوب وخالته وإخوته.

وكانت تحيةَ الناس يومئذ السجود، ولم يُرِدْ بالسجود وضعَ الجباه على الأرض، وإنما هو الانحناء والتواضع.

وقيل: وضعوا الجباه على الأرض وكان ذلك على طريق التحية والتعظيم، لا على طريق العبادة. وكان ذلك جائزاً في الأمم السالفة فنسخ في هذه الشريعة.

ورُوي عن ابن عباس أنه قال: معناه خرُّوا لله عزّ وجلّ سُجّداً بين يدي يوسف. والأول أصح.

{وَقَالَ}، يوسف عند ذلك: {يَٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُءْيَـٰىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقّاً}، وهو قوله: {إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ}.

{وَقَدْ أَحْسَنَ بَىۤ}، ربي، أي: أنعم عليّ، {إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسِّجْنِ}، ولم يقل من الجُبِّ مع كونه أشد بلاء من السجن، استعمالاً للكرم، لكيلا يخجل إخوته بعدما قال لهم: {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ}، ولأن نعمة الله عليه في إخراجه من السجن أعظم، لأنه بعد الخروج من الجب صار إلى العبودية والرق، وبعد الخروج من السجن صار إلى الملك، ولأن وقوعه في البئر كان لحسد إخوته، وفي السجن كان مكافأة من الله تعالى لزلة كانت منه.

{وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ ٱلْبَدْوِ}، والبدو بسيط من الأرض يسكنه أهل المواشي بماشيتِهم، وكانوا أهل بادية ومواشي، يقال: بدَا يبدُو إذا صار إلى البادية. {مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ} أفسد، {ٱلشَّيْطَـٰنُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِىۤ}، بالحسد.

{إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ}، أي: ذُو لُطف، {لِّمَا يَشَآءُ}، وقيل: معناه بمن يشاء.

وحقيقة اللطيف: الذي يوصل الإِحسان إلى غيره بالرفق، {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ}.

قال أهل التاريخ: أقام يعقوب بمصر عند يوسف أربعاً وعشرين سنة في أغبط حال وأهنأ عيش، ثم مات بمصر فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه يوسف أن يحمل جسده حتى يدفنه عند أبيه إسحاق، ففعل يوسف ذلك، ومضى به حتى دفنه بالشام، ثم انصرف إلى مصر.

وقال سعيد بن جبير: نُقل يعقوبُ عليه السلام في تابوت من ساج إلى بيت المقدس، فوافق ذلك اليوم الذي مات فيه العيص فَدُفِنَا في قبر واحد. وكانا وُلِدَا في بطن واحد، وكان عمرهما مائة وسبعاً وأربعين سنة.

فلما جمع الله تعالى ليوسف شمله علم أنّ نعيم الدنيا لا يدوم سأل الله تعالى حُسنَ العاقبة، فقال:

{رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ}

رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّۦ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّٰلِحِينَ ۝١٠١

{رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ}، يعني: ملك مصر، والمُلْك: اتساع المقدور لمن له السياسة والتدبير. {وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ}، يعني: تعبير الرّؤيا. {فَاطِرَ}، أي: يافاطر، {ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: خالقهما {أَنتَ وَلِيِّي}، أي: مُعيني ومتولي أمري، {فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلأَخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِماً}، يقول: اقبضني إليك مسلماً، {وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ}، يريد بآبائي النبيين.

قال قتادة: لم يسأل نبيّ من الأنبياء الموت إلاّ يوسف.

وفي القصة: لما جمع الله شمله وأوصل إليه أبويه وأهله اشتاق إلى ربِّه عزّ وجلّ فقال هذه المقالة.

قال الحسن: عاش بعد هذا سنين كثيرة. وقال غيره: لما قال هذا القول لم يمضِ عليه أسبوع حتى توفي.

واختلفوا في مدة غيبة يوسف عن أبيه، فقال الكلبي: اثنتان وعشرون سنه.

وقيل: أربعون سنة.

وقال الحسن: ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، وغاب عن أبيه ثمانين سنة، وعاش بعد لقاء يعقوب ثلاثاً وعشرين سنة، ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة.

وفي التوراة مات وهو ابن مائة وعشر سنين، وولد ليوسف من امرأة العزيز ثلاثة أولاد: أفرائيم وميشا ورحمة امرأة أيوب المبتلى عليه السلام

وقيل: عاش يوسف بعد أبيه ستين سنة. وقيل: أكثر. واختلفتِ الأقاويل فيه.

وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة، فدفنوه في النيل في صندوق من رخام، وذلك أنه لما مات تشاح الناس فيه فطلب أهل كل محلة أن يدفن في محلتهم رجاء بركته، حتى همُّوا بالقتال، فرأوا أن يدفنوه في النيل حيث يتفرق الماء بمصر ليجري الماء علي وتصل بركته إلى جميعهم.

وقال عكرمة: دفن في الجانب الأيمن من النيل، فأخصب ذلك الجانب وأجدب الجانب الآخر، فنقل إلى الجانب الأيسر فأخصب ذلك الجانب وأجدب الجانب الآخر، فدفنوه في وسطه. وقَدّرُوا ذلك بسلسلة فأخصب الجانبان جميعاً إلى أن أخرجه موسى فدفنه بقرب آبائه بالشام.

ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوٓا۟ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ۝١٠٢ وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ۝١٠٣

{ذَلِكَ}، الذي ذكرتُ، {مِنْ أَنبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ}، أي: وما كنت يامحمد عند أولاد يعقوب، {إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ}، أي: عَزَمُوا على إلقاء يوسف في الجب، {وَهُمْ يَمْكُرُونَ}، بيوسف.

{وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ}، يامحمد، {وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}، على إيمانهم.

ورُوي أن اليهود وقريشاً سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف، فلما أخبرهم على موافقة التوراة لم يسلموا، فحزن النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له: إنهم لا يؤمنون ولو حَرَصْتَ على إيمانهم.

وَمَا تَسْـَٔلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَٰلَمِينَ ۝١٠٤ وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ۝١٠٥ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ۝١٠٦

{وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ}، أي: على تبليغ الرسالة والدعاء إلى الله تعالى، {مِنْ أَجْرٍ}، جُعْلٍ وجزاءٍ، {إِنْ هُوَ}، ما هو يعني القرآن، {إِلاَّ ذِكْرٌ}، عِظةٌ وتذكير، {لِّلْعَـٰلَمِينَ}.

{وَكَأَيِّن}، وكم، {مِّنْ ءَايَةٍ}، عِبْرةٍ ودَلاَلةٍ، {فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}، لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها.

{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ}، فكان من إيمانهم إذا سُئِلُوا: من خلق السمواتِ والأرض؟ قالوا: الله، وإذا قيل لهم: من ينزّل القطرَ؟ قالوا: الله، ثم مع ذلك يعبدون الأصنام ويشركون.

وعن ابن عباس أنه قال: إنها نزلت في تلبية المشركين من العرب كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك.

وقال عطاء: هذا في الدعاء، وذلك أن الكفار نسوا ربَّهم في الرخاء، فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء، كما قال الله تعالى:

{ { وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ } } [ يونس:22] وقال تعالى: { { فَإِذَا رَكِبُواْ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } } [العنكبوت:65]، وغير ذلك من الآيات.

أَفَأَمِنُوٓا۟ أَن تَأْتِيَهُمْ غَٰشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ۝١٠٧ قُلْ هَٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى وَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۝١٠٨

{أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ}، أي: عقوبة مجللة. قال مجاهد: عذاب يغشاهم، نظيره قوله تعالى:

{ { يَوْمَ يَغْشَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ } } الآية [العنكبوت: 55]. قال قتادة: وقيعة. وقال الضحاك: يعني الصواعق والقوارع. {أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً}، فجأة، {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}، بقيامها. قال ابن عباس: تهيّج الصيحة بالناس وهم في أسواقهم.

{قُلْ}، يامحمد: {هَـٰذِهِ}، الدعوة التي أدعُو إليها والطريقة التي أنا عليها، {سَبِيلِىۤ}، سُنّتي ومنهاجي. وقال مقاتل: ديني، نظيره قوله:

{ { ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ } } [النحل: 125]، أي: إلى دينه. {أَدْعُواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ}، على يقين. والبصيرة: هي المعرفة التي تُميِّزُ بها بين الحق والباطل، {أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى}، أي: ومن آمن بي وصدقني أيضاً يدعو إلى الله، هذا قول الكلبي وابن زيد، قالوا: حقٍّ على من اتبعه أن يدعوَ إلى ما دعا إليه، ويذكّر بالقرآن.

وقيل: تمّ الكلام عند قوله: {أَدْعُواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ}، ثم استأنف: {عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى}، يقول: إني على بصيرة من ربي وكل من اتبعني.

قال ابن عباس: يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وكانوا على أحسن طريقة وأقصد هداية، معدن العلم، وكنز الإِيمان، وجند الرحمن.

قال عبدالله بن مسعود: من كان مُسْتَنّاً فليستنّ بمن قد مات، فإن الحيَّ لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا خير هذه الأمة، وأبرَّها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلّفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه، فاعرفُوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.

قوله تعالى: {وَسُبْحَانَ ٱللَّهِ}، أي: وقلْ سبحانَ الله تنزيهاً له عمّا أشركوا به. {وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}.

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰٓ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝١٠٩

{وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ}، يامحمد، {إِلاَّ رِجَالاً} لا ملائكة، {نُّوحِىۤ إِلَيْهِم}، قرأ حفص: {نُوحي} بالنون وكسر الحاء وقرأ الآخرون بالياء وفتح الحاء.

{مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ}، يعني: من أهل الأمصار دون أهل البوادي، لأن أهل الأمصار أعقل وأفضل وأعلم وأحلم.

وقال الحسن: لم يبعث الله نبياً من بدوٍ، ولا من الجن، ولا من النساء.

وقيل: علم إنما لم يبعث من أهل البادية لغلظهم وجفائهم.

{أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ}، يعني: هؤلاء المشركين المكذبين، {فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ}، آخر أمر، {ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}، يعني: الأمم المكذبة فيعتبروا.

{وَلَدَارُ ٱلأَخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَواْ}، يقول جلّ ذكرُه: هذا فعلنا بأهل ولايتنا وطاعتنا؛ أن ننجيهم عند نزول العذاب، وما في الدار الآخرة خيرٌ لهم، فترك ما ذكرنا اكتفاءٌ، لدلالة الكلام عليه.

قوله تعالى: {وَلَدَارُ ٱلأَخِرَةِ}، قيل: معناه ولدار الحال الآخرة.

وقيل: هو إضافة الشيء إلى نفسه؛ كقوله:

{ { إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ } } [الواقعة:95] وكقولهم: يوم الخميس، وربيع الآخر. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}، فتؤمنُون.

حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ ۝١١٠

{حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا}، اختلف القُرّاء في قوله: {كُذِّبُوا}:

فقرأ أهل الكوفة وأبو جعفر: {كُذِبُوا} بالتخفيف وكانت عائشة تنكر هذه القراءة.

وقرأ الآخرون بالتشديد.

فمن شدّد قال: معناه حتى استيأس الرسلُ من إيمان قومهم.

رُوي عن مجاهد أنه قرأ: وقد كَذبوا، بفتح الكاف والذال مخففة، ولها تأويلان: أحدهما، معناه: أن القوم المشركين ظنوا أن الرسل قد كُذِبُوا. والثاني: معناه: أن الرسل ظنوا ـ أي: علموا ـ أن قومهم قد افتروا على الله بكفرهم من إيمان قومهم.

وظنّوا: أيْ أيقنوا ـ يعني الرسل ـ أن الأمم قد كذَّبوهم تكذيباً لا يُرجى بَعْدُ إيمانهم.

والظنّ بمعنى اليقين: وهذا معنى قول قتادة.

وقال بعضهم: معناه حتى إذا استيأسَ الرسلُ ممن كذَّبهم من قومهم أن يُصدِّقوهم، وظنوا أن من آمن بهم من قومهم قد كذبوهم، وارتدوا عن دينهم، لشدة المحنة والبلاء عليهم واستبطاءَ النصر. ومن قرأ بالتخفيف قال: معناه: حتى إذا استيأس الرسلُ من إيمان قومهم وظنّوا أي: ظنّ قومُهم أن الرسل قد كذبتهم في وعيد العذاب.

ورُوي عن ابن عباس: أن معناه ضعف قلوب الرسل، يعني: وظنت الرسل أنهم قد كذبوا فيما وعدوا من النصر، وكانوا بشراً فضعفوا ويئسوا وظنوا أنهم أُخلِفُوا، ثم تلا:

{ { حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ } } [البقرة:214] أي: جاء الرسل نصرُنا.

{فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ}، قرأ العامة بنونين، أي: نحن ننجي من نشاء. وقرأ ابن عامر وحمزة وعاصم ويعقوب بنون واحدة مضمومة وتشديد الجيم وفتح الياء على ما لم يسم فاعله، لأنها مكتوبة في المصحف بنون واحدة، فيكون محل {مَنْ} رفعاً، على هذه القراءة. وعلى القراءة الأُولى يكون نصباً، فَنُجِّيَ مَنْ نشاءُ عن نزول العذاب، وهم المؤمنون المطيعون.

{وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا}، عذابُنا، {عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ} يعني: المشركين.

لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝١١١

{لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ}، أي: في خبر يوسف وإخوته، {عِبْرَةٌ} عِظَة، {لأُوْلِى ٱلأَلْبَابِ مَا كَانَ}، يعني: القرآن، {حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ}، أي: يُختلق، {وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى}، أي: ولكنْ كان تصديقَ الذي، {بَيْنَ يَدَيْهِ}، من التوراة والإِنجيل، {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ}، مما يحتاج العباد إليه من الحلال والحرام والأمر والنهي، {وَهُدىً وَرَحْمَةً}، بياناً ونعمةً، {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.

الخميس، 29 أكتوبر 2026 18 جمادى الأولى 1448 هـ