انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يوسف

تفسير البغويالآيات 33–76

تفسير سورة يوسف آية آية، من تفسير البغوي.

قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَٰهِلِينَ ۝٣٣ فَٱسْتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ۝٣٤ ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا رَأَوُا۟ ٱلْـَٔايَٰتِ لَيَسْجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٍ ۝٣٥

{قَالَ رَبِّ}، أي: يارب، {ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىۤ إِلَيْهِ}، قيل: كان الدعاء منها خاصة، ولكنه أضاف إليهن خروجاً من التصريح إلى التعريض.

وقيل: إنهن جميعاً دعونه إلى أنفسهن.

قرأ يعقوب وحده: السَّجْنُ بفتح السين. وقرأ العامة بكسرها.

وقيل: لو لم يقل: السجن أحب إليّ لم يُبْتَلَ بالسجن، والأَوْلى بالمرء أن يسأل الله العافية.

قوله تعالى: {وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ}، أَمِلْ إليهن وأتابعهن، يقال: صبا فلان إلى كذا يصبوا صبواً وصُبوّاً وصُبوةً إذا مال واشتاق إليه.

{وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ}، فيه دليل على أن المؤمن إذا ارتكب ذنباً يرتكبه عن جهالة.

{فَٱسْتَجَابَ لَهُ} أجاب له. {رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}، لدعائه العليم بمكرهن.

{ثُمَّ بَدَا لَهُمْ}، أي: للعزيز وأصحابه في الرأي، وذلك أنهم أرادوا أن يقتصروا من أمر يوسف على الأمر بالإِعراض. ثم بدا لهم أن يحبسوه. {مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلأَيَـٰتِ}، الدالة على براءة يوسف من قَدِّ القميص، وكلام الطفل، وقطع النساء أيديهن وذهاب عقولهن، {لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ}، إلى مدّة ويرون فيه رأيهم.

وقال عطاء: إلى أن تنقطع مقالة الناس.

قال عكرمة: سبع سنين.

وقال الكلبي: خمس سنين.

قال السدي: وذلك أن المرأة قالت لزوجها: إن هذا العبد العبراني قد فضحني في الناس، يخبرهم أني راودتُه عن نفسه، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر إلى الناس، وإما أن تحبسه، فحبسهُ، وذُكر أن الله تعالى جعل ذلك الحبس تطهيراً ليوسف عليه السلام من همّه بالمرأة.

قال ابن عباس: عثر يوسف ثلاث عثرات حين همّ بها فسجن، وحين قال "اذكرني عند ربك" فلبث في السجن بضع سنين، وحين قال للإِخوة "إنكم لسارقون"، فقالوا: "إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل".

وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ ٱلْـَٔاخَرُ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٣٦

قوله تعالى: {وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ}، وهما غلامان كانا للريان بن الوليد بن مروان العمليق ملك مصر الأكبر، أحدهما: خبَّازه وصاحب طعامه، والآخر: ساقيه وصاحب شرابه. غضب الملك عليهما فحبسهما.

وكان السبب فيه: أن جماعة من أهل مصر أرادوا المكر بالملك واغتياله، فضمنوا لهذين مالاً، ليسمَّا الملك في طعامه وشرابه فأجاباهم ثم إن الساقي نكل عنه، وقبل الخباز الرشوة فسّم الطعام، فلما أحضر الطعام والشراب.

قال الساقي: لا تأكل أيها الملك فإن الطعام مسموم، وقال الخباز: لا تشرب فإن الشراب مسموم.

فقال الملك للساقي: اشرب فشربه فلم يضره، وقال للخباز: كل من طعامك، فأبى فجرب ذلك الطعام على دابة فأكلته فهلكت، فأمر الملك بحبسهما.

وكان يوسف حين دخل السجن جعل ينشر علمه ويقول: إني أعبر الأحلام، فقال أحد الفتيين لصاحبه: هلمّ فلنجرب هذا العبد، فَتَرَاءَيا له فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئاً، قال ابن مسعود: ما رأيا شيئاً وإنّما تحالَما ليجرِّبَا يوسف.

وقال قوم: بل كانا رأيا حقيقة، فرآهما يوسف وهما مهمومان فسألهما عن شأنهما، فذكرا أنهما صاحبا الملك، وحبسهما، وقد رأيا رؤيا غمتهما. فقال يوسف: قُصّا عليّ ما رأيتُما، فقصَّا عليه.

{قَالَ أَحَدُهُمَآ}، وهو صاحب الشراب، {إِنِّىۤ أَرَانِىۤ أَعْصِرُ خَمْراً}، أي: عنباً، سمي العنب خمراً باسم ما يؤول إليه، كما يقال: فلان يطبخ الآجر أي يطبخ اللبِنَ للآجر. وقيل: الخمر العنب بلغة عمان، وذلك أنه قال إني رأيتُ كأني في بستان، فإذا بأصل حبلة عليها ثلاثة عناقيد من عنب فجنيتها وكان كأس الملك بيدي فعصرتها فيه وسقيت الملك فشربه.

{وَقَالَ ٱلأَخَرُ}، وهو الخباز: {إِنِّىۤ أَرَانِىۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ}، وذلك أنه قال: إني رأيت كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وألوان الأطعمة وسباع الطير تنهش منه. {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ}، أخبرنا بتفسيره وتعبيره وما يؤل إليه أمر هذه الرؤيا.

{إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}، أي: العالمِين بعبارة الرؤيا، والإِحسان بمعنى العلم.

ورُوي أن الضحاك بن مزاحم سئل عن قوله: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}، ما كان إحسانه؟ قال: كان إذا مرض إنسان في السجن عاده وقام عليه، وإذا ضاق عليه المجلس وسع له، وإذا احتاج جمع له شيئاً، وكان مع هذا يجتهد في العبادة، ويقوم الليل كله للصلاة.

وقيل: إنه لما دخل السجن وجد فيه قوماً قد اشتد بلاؤهم وانقطع رجاؤهم وطال حزنهم، فجعل يُسلّيهم ويقول: أبشروا واصبروا تؤجروا، فيقولون: بارك الله فيك، يافتى ما أحسن وجهك وخلقك وحديثك، لقد بورك لنا في جواركَ فمن أنت يافتى؟ قال: أنا يوسف بن صفي الله يعقوب بن ذبيح الله إسحاق بن خليل الله إبراهيم، فقال له عامل السجن: يافتى والله لو استطعت لخلَّيْت سبيلك، ولكن سأحسن جوارك فتمكن في أيّ البيوت من السجن شئت.

ويُروي أن الفتيين لمّا رأيا يوسف قالا له: لقد أحببناك حين رأيناك، فقال لهما يوسف: أنشدكما بالله أن لا تحباني، فوالله ما أحبني أحد قط إلاّ دخل عليّ من حبه بلاء، لقد أحبتني عمتي فدخل عليّ بلاء، ثم أحبني أبي فألقيت في الجب، وأحبتني امرأة العزيز فحبست، فلما قصّا عليه الرؤيا كره يوسف أن يعبّر لهما ما سألاه لِمَا علم في ذلك من المكروه على أحدهما، فأعرض عن سؤالهما وأخذ في غيره من إظهار المعجزة والدعاء إلى التوحيد.

قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِۦ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّىٓ إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَٰفِرُونَ ۝٣٧

{قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ}، قيل: أراد به في النوم يقول لا يأتيكما طعام ترزقانه في نومكما، {إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ}، في اليقظة.

وقيل: أراد به في اليقظة، يقول: لا يأتيكما طعام من منازلكما ترزقانه، تُطعمانه وتأكلانه إلاّ نبأتكما بتأويله بقدره ولونه والوقت الذي يصل فيه إليكما.

{قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا}، قبل أن يصل إليكُما، وأيّ طعام أكلتم وكم أكلتم ومتى أكلتم، فهذا مثل معجزة عيسى عليه السلام حيث قال:

{ { وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ } } [آل عمران:49] فقالا: هذا فعل العرّافين والكَهَنَةِ، فمن أين لك هذا العلم؟ فقال: ما أنا بكاهن وإنّما {ذَٰلِكُمَا}، العلم، {مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّىۤ إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلأَخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ}، وتكرار {هُمْ} على التأكيد.

وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ۝٣٨ يَٰصَٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ۝٣٩

{وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىۤ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ}، أظهر أنه من ولد الأنبياء {مَا كَانَ لَنَآ}، ما ينبغي لنا، {أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍ}، معناه: أن الله قد عصمنا من الشرك، {ذَٰلِكَ}، التوحيد والعلم، {مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ}، بما بين لهم من الهدى، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ}، ثم دعاهما إلى الإِسلام فقال:

{يَٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ}، جعلهما صاحبي السجن لكونهما فيه، كما يقال لسكان الجنة: أصحاب الجنة، ولسكان النار: أصحاب النار، {أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ}، أي: آلهة شتّى، هذا من ذهب، وهذا من فضة، وهذا من حديد، وهذا أعلى، وهذا أوسط، وهذا أدنى، متباينون لا تضر ولا تنفع، {خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ}، الذي لا ثاني له. القهار: الغالب على الكل. ثم بين عجز الأصنام فقال:

{مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ}.

مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَٰنٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝٤٠ يَٰصَٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًا وَأَمَّا ٱلْـَٔاخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ۝٤١ وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ۝٤٢

{مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ}، أي: من دون الله، وإنما ذُكر بلفظ الجمع وقد ابتدأ الخطاب للاثنين لأنه أراد جميعَ أهل السجن، وكلَّ من هو على مثل حالهما من [أهل] الشرك، {إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ}، آلهةً وأرباباً خالية عن المعنى لا حقيقة لتلك الأسماء، {أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ}، حجة وبرهان، {إِنِ ٱلْحُكْمُ}، ما القضاء والأمر والنهي، {إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ}، المستقيم، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}، ثم فسَّر رؤياهما فقال:

{يَٰصَاحِبَىِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا}، وهو صاحب الشراب، {فَيَسْقِى رَبَّهُ}، يعني الملك {خَمْراً}، والعناقيد الثلاثة أيام يبقى في السجن ثم يدعوه الملك بعد الثلاثة أيام، ويرده إلى منزلته التي كان عليها، {وَأَمَّا ٱلأَخَرُ}، يعني: صاحب الطعام فيدعوه الملك بعد ثلاثة أيام، والسلال الثلاث: الثلاثة أيام يبقى في السجن، ثم يخرجه، {فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ}.

قال ابن مسعود: لمّا سَمِعَا قولَ يوسفَ قالا: ما رأينا شيئاً إنّما كنّا نلعب، قال يوسف: {قُضِىَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ}، أي: فُرغ من الأمر الذي عنه تسألان، ووجب حكم الله عليكما بالذي أخبرتُكما به، رأيتُما أو لم تَرَيا.

{وَقَالَ}، يعني: يوسف عند ذلك {لِلَّذِى ظَنَّ}، أي: علم {أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا}، وهو الساقي، {ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ}، يعني: سيدك الملك، وقل له: إن في السجن غلاماً محبوساً ظلماً طال حبسه: {فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِ}، قيل: أنسى الشيطان الساقي ذكر يوسف للملك، تقديره: فأنساه الشيطان ذكره لربه.

وقال ابن عباس وعليه الأكثرون: أنسى الشيطانُ يوسفَ ذكرَ ربِّه حين ابتغى الفرج، من غيره واستعان بمخلوق، وتلك غفلة عرضت ليوسف من الشيطان.

{فَلَبِثَ}، فمكث، {فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ}، واختلفوا في معنى البضع، فقال مجاهد: ما بين الثلاث إلى السبع.

وقال قتادة: ما بين الثلاث إلى التسع.

وقال ابن عباس: ما دون العشرة.

وأكثر المفسرين على أن البضع في هذه الآية سبع سنين، وكان قد لبث قبله خمس سنين فجملته اثنتا عشرة سنة.

وقال وهب: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، وتُرك يوسف في السجن سبع سنين، وعذب بختنصر فحول في السباع سبع سنين.

قال مالك بن دينار: لما قال يوسف للساقي اذكرني عند ربك، قيل له: يايوسف اتخذتَ من دوني وكيلاً لأطيلنَّ حبسَك، فبكى يوسف، وقال: يارب أنسي قلبي كثرةُ البلوى فقلتُ كلمةً ولن أعود.

وقال الحسن: دخل جبريل على يوسف في السجن، فلما رآه يوسف عرفه فقال له: يا أخا المنذرين مالي أراك بين الخاطئين؟ فقال له جبريل: ياطاهر الطاهرين يقرأ عليك السلام ربُّ العالمين، ويقول لك: أما استحييت مني أن استشفعتَ بالآدميين، فوعزتي لألبثنّك في السجن بضع سنين، قال يوسف: وهو في ذلك عنّي راض؟ قال: نعم، قال: إذاً لا أبالي.

وقال كعب: قال جبريل ليوسف إن الله تعالى يقول من خلقك؟ قال: الله، قال: فمن حببَّكَ إلى أبيك؟ قال: الله، قال: فمن نجّاك من كرب البئر؟ قال: الله، قال: فمن علّمك تأويلَ الرؤيا؟ قال: الله، قال: فمن صرف عنك السوء والفحشاء؟ قال: الله، قال: فكيف استشفعت بآدمي مثلك؟

فلما انقضت سبع سنين - قال الكلبي: فهذه السبع سوى الخمسة التي كانت قبل ذلك ـ ودَنَا فَرَجُ يوسف، فرأى ملك مصر الأكبر رؤياً عجيبة هالته، وذلك أنه رأى سبع بقرات سمان، خرجت من البحر، ثم خرج عقبهن سبع بقرات عجاف في غاية الهزال، فابتلعت العجافُ السِّمانَ فدخلن في بطونهن، ولم يُرَ منهن شيء، ولم يتبين على العجاف منها شيء، ثم رأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حَبُّها، وسبعاً أخرى يابسات قد استحصدت، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها ولم يبق من خضرتها شيء، فجمع السحرة والكهنة والحازة والمعبرين وقص عليهم رؤياه.

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّىٓ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ أَفْتُونِى فِى رُءْيَٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ ۝٤٣ قَالُوٓا۟ أَضْغَٰثُ أَحْلَٰمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلْأَحْلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ ۝٤٤ وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِۦ فَأَرْسِلُونِ ۝٤٥ يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍ لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ۝٤٦

فذلك قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّىۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَـٰتٍ}، فقال لهم، {يَٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِى فِى رُءْيَـٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءَيَا تَعْبُرُونَ}.

{قَالُوۤاْ أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍ} أخلاط أحلام مشتبهة، أهاويلَ، واحدها ضَغْث، وأصله الحزمة من أنواع الحشيش، والأحلام جمع الحُلَم، وهو الرؤيا، والفعل منه حلمت أحلم، بفتح اللام في الماضي وضمها في الغابر، حُلُماً وحُلْماً، مثقّلاً ومخففاً. {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلَـٰمِ بِعَـٰلِمِينَ}.

{وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا}، من القتل، {مِنْهُمَا}، من الفتيين وهو الساقي، {وَٱدَّكَرَ}، أي: تذكر قول يوسف اذكرني عندَ ربِّك، {بَعْدَ أُمَّةٍ}، أي: بعد حين وهو سبع سنين. {أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ}، وذلك أن الغلام جثا بين يدي الملك، وقال: إن في السجن رجلاً يعبر الرؤيا، {فَأَرْسِلُونِ} وفيه اختصار تقديره: فأرسلني أيها الملك إليه، فأرسله فأتى السجن قال ابن عباس: ولم يكن السجن في المدينة.

فقال: {يُوسُفُ}، يعني: يايوسف، {أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ}، والصديق الكثير الصدق، {أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَـٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَـٰبِسَـٰتٍ}، فإن الملك رأى هذه الرؤيا، {لَّعَلِّىۤ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ}، أهل مصر، {لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ}، تأويل الرؤيا. وقيل: لعلّهم يعلمون منزلتك في العلم.

فقال لهم يوسف معبراً ومعلماً: أمّا البقرات السمان والسنبلات الخضر: فسبع سنين مخاصيب، والبقرات العجاف والسنبلات اليابسات، فالسنون المجدبة، فذلك قوله تعالى إخباراً عن يوسف.

قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ ۝٤٧ ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ ۝٤٨ ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ۝٤٩ وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ۝٥٠

{قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً}، هذا خبر بمعنى الأمر، يعني: ازرعُوا سبعَ سنين على عادتكم في الزراعة.

والدأب: العادة. وقيل: بجدٍّ واجتهاد.

وقرأ عاصم برواية حفص: {دَأَباً}، بفتح الهمزة، وهما لغتان، يقال: دأبت في الأمر أدأب دَأَباً ودَأْباً إذا اجتهدت. {فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنبُلِهِ}، أمرهم بترك الحنطة في السنبلة لتكون أبقى على الزمان ولا تفسد، {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ}، أي: مما تدرسون قليلاً للأكل، أمرهم بحفظ الأكثر والأكل بقدر الحاجة.

{ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ}، سمى السنين المجدبة شداداً لشدّتِها على الناس، {يَأْكُلْنَ}، أي: يفنين ويُهلكن، {مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ}، أي: يؤكل فيهن ما أعددتم لهن من الطعام، أضاف الأكل إلى السنين على طريق التوسع {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ} تُحْرِزُونَ وتدخرون للبذر.

{ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ}، أي: يمطرون، من الغيث: وهو المطر. وقيل: ينقذون من قول العرب اشتغثت فلاناً فأغاثني، {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ}، قرأ حمزة والكسائي: {تعصرون}، بالتاء لأن الكلام كله على الخطاب، وقرأ الآخرون بالياء رداً إلى الناس، ومعناه: يعصرون العنب خمراً والزيتون زيتاً والسمسم دهناً. وأراد به كثرة النعيم والخير. وقال أبو عبيدة: يعصرون أي ينجون من الكروب والجدب، والعَصَر والعُصْرة: المنجاة والملجأ.

{وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِ}، وذلك أن الساقي لما رجع إلى الملك وأخبره بما أفتاه يوسف من تأويل رؤياه، وعرف الملك أن الذي قاله كائن، قال: ائتوني به.

{فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ}، وقال له: أجبِ الملك، أبى أن يخرج مع الرسول حتى تظهر براءته ثم، {قَالَ}، للرسول: {ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ}، يعني: سيدك الملك، {فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ}، ولم يصرح بذكر امرأة العزيز أدباً واحتراماً.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

لو لبثتُ في السجن طولَ ما لبثَ يوسفُ لأجبتُ الداعي «.

{إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ}، أي: إن الله بصنيعهن عالم، وإنما أراد يوسف بذكرهن بعد طول المدة حتى لا ينظر إليه الملك بعين التهمة، ويصير إليه بعدَ زوال الشك عن أمره، فرجع الرسول إلى الملك من عند يوسف برسالته، فدعا الملك النسوةَ وامرأة العزيز.

قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ قُلْنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْـَٰٔنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ۝٥١ ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَآئِنِينَ ۝٥٢

{قَالَ}، لهن، {مَا خَطْبُكُنَّ}، ما شأنكن وأمركن، {إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ}، خاطبهن والمراد امرأة العزيز، وقيل: إن امرأة العزيز راودته عن نفسه وسائر النسوة أَمَرْنَهُ بطاعتها فلذلك خاطبهن.

{َقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ} معاذَ الله، {مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ}، خيانة.

{قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ} ظهر وتبين. وقيل: إن النّسوة أقبلن على امرأة العزيز فقررنها فأقرت، وقيل: خافت أن يشهدن عليها فأقرت. {أَنَاْ رَٰوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ}، في قوله: هي راودتني عن نفسي، فلما سمع ذلك يوسف قال:

{ذَٰلِكَ} أي: ذلك الذي فعلت من ردّي رسول الملك إليه، {لِيَعْلَمَ}، العزيز، {أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ}، في زوجته، {بِٱلْغَيْبِ}، أي: في حال غيبته، {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَـٰئِنِينَ}، قوله ذلك ليعلم من كلام يوسف اتصل بقول امرأة العزيز: أنا راودته عن نفسه، من غير تميز، لمعرفة السامعين.

وقيل: فيه تقديم وتأخير: معناه: ارجع إلى ربِّك فاسأله ما بال النسوة الّلاتي قطّعنَ أيدِيَهنَّ إنّ ربّي بكيدهنّ عليمٌ، ذلك ليعلم أني لم أخنْه بالغيب.

قيل: لما قال يوسف هذه المقالة، قال له جبريل: ولا حين هممت بها؟ فقال يوسف عند ذلك: وما أبرىء نفسي.

وقال السدي: إنما قالت له امرأة العزيز: ولا حين حللت سراويلك يايوسف؟ فقال يوسف:

{وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِىۤ}.

وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٥٣ وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦٓ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ۝٥٤

{وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِىۤ}، من الخطأ والزلل فأزكيها، {إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ}، بالمعصية {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّىۤ}، أي: إلا من رحم ربي فعصمه، {ما} بمعنى من ـ كقوله تعالى:

{ { فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ } } [النساء:3] أي: مَنْ طاب لكم - وهم الملائكة، عصمهم الله عزّ وجلّ فلم يركِّبْ فيهم الشهوة.

وقيل: «إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّىۤ» إشارة إلى حالة العصمة عند رؤية البرهان.

{إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، فلما تبين للملك عذر يوسف عليه السلام وعرف أمانته وعلمه:

{وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى}، أي: أجعله خالصاً لنفسي، {فَلَمَّا كَلَّمَهُ}، فيه اختصار تقديره: فجاء الرسول يوسف فقال له: أجب الملك الآن.

رُوي أنه قام ودعا لأهل السجن فقال: اللهم عطَّف عليهم قلوب الأخيار، ولا تعمِّ عليهم الأخبار، فهم أعلم الناس بالأخبار في كل بلد، فلما خرج من السجن كتب على باب السجن: هذا قبر الأحياء، وبيت الأحزان، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء. ثم اغتسل وتنظف من درن السجن ولبس ثياباً حساناً وقصد الملك.

قال وهب: فلما وقف بباب الملك قال: حسبي ربي من دنياي، وحسبي ربي من خلقه، عزّ جارُه، وجلّ ثناؤُه، ولا إله غيره. ثم دخل الدار فلما دخل على الملك قال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بك من شره وشر غيره. فلما نظر إليه الملك سلّم عليه يوسف بالعربية فقال: له الملك: ما هذا اللسان؟ قال: لسان عمي إسماعيل، ثم دعا له بالعبرانية فقال الملك: ما هذا اللسان؟ قال: هذا لسان آبائي، ولم يعرف الملك هذين اللسانين.

قال وهب: وكان الملك يتكلم بسبعين لساناً فكلما تكلم بلسان أجابه يوسف بذلك اللسان وزاد عليه بلسان العربية والعبرانية، فأعجب الملك ما رأى منه مع حداثة سنه، وكان يوسف يومئذ ابن ثلاثين سنة، فأجلسه و، {قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ}، المكانة في الجاه، {أَمِينٌ}، أي: صادق.

ورُوي أنّ الملك قال له إني أحب أن أسمع رؤياي منك شفاهاً.

فقال له يوسف: نعم أيها الملك، رأيتَ سبع بقرات سمان شهب غرٍّ حِسَانٍ، كشفَ لك عنهنَّ النيلُ، فطلعنَ عليك من شاطئه تشخب أخلافهن لبناً، فبينما أنت تنظر إليهن ويعجبك حُسنهنّ إذْ نضبَ النيلُ فغار ماؤه وبدا يبسه، فخرج من حمأته سبع بقراتٍ عجافٍ شُعثٍ غُبرٍ مُتقلّصات البطون، ليس لهن ضروع ولا أخلاف، ولهن أنياب وأضراس وأكف كأكف الكلاب، وخراطيم كخراطيم السباع، فافترسن السمان افتراس السَّبُع، فأكلن لحومهن، ومزّقنَ جلودهنّ، وحطمنَ عظامهنّ، وتمششن مخهن، فبينما أنت تنظر وتتعجب إذ سبع سنابل خضر وسبع أخر سود في منبت واحد عروقهن في الثرى والماء فبينما أنت تقول في نفسك أنى هذا؟ خضر مثمرات وهؤلاء سود يابسات، والمنبت واحد وأصولهنّ في الماء إذْ هَبَّتْ ريحٌ فذرت الأوراق من اليابسات السود على الخضر المثمرات فاشتعلت فيهن النار، فاحترقْنَ فصرن سوداً فهذا ما رأيت، ثم انتبهتَ من نومك مذعوراً.

فقال الملك: والله ما شأن هذه الرؤيا - وإن كانت عجيبة - بأعجب مما سمعتُ منك، فما ترى في رؤياي أيها الصديق؟

فقال يوسف عليه السلام: أرى أن تجمع الطعام وتزرع زرعاً كثيراً في هذه السنين المخصبة، وتجعل الطعام في الخزائن بقصبه وسنبله ليكون القصب والسنبل عَلَفاً للدواب، وتأمر الناس فيرفعون من طعامهم الخُمسَ، فيكفيك من الطعام الذي جمعته لأهل مصر وَمَنْ حولها، ويأتيك الخلق من النواحي للميرة فيجتمع عندك من الكنوز مالم يجتمع لأحد قبلك.

فقال الملك: ومن لي بهذا ومن يجمعه ويبيعه ويكفيني الشغل فيه؟.

قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ ۝٥٥

فـ {قَالَ}، يوسف: {ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ}، الخزائن: جمع خزانة، وأراد خزائن الطعام والأموال، والأرض: أرض مصر، أي: خزائن أرضك.

وقال الربيع بن أنس: أي على خراج مصر ودخله.

{إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ}، أي: حفيظ للخزائن عليم بوجوه مصالحها. وقيل: حفيظ عليم: كاتب وحاسب.

وقيل: حفيظ لما استودعتني، عليم بما ولّيتني.

وقيل: حفيظ للحساب عليم بالألسن أعلم لغة كل من يأتيني.

وقال الكلبي: حفيظ بتقديره في السنين الخصبة في الأرض الجدبة عليم بوقت الجوع حين يقع، فقال له الملك: ومن أحق به منك؟! فولاّه ذلك وقال له: إنّك اليوم لدينا مكين، ذو مكانة ومنزلة، أمين على الخزائن.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني أبو عبدالله الحسين ابن محمد الفنجوي، حدثنا مخلد بن جعفر الباقرجي، حدثنا الحسن بن علوية، حدثنا إسماعيل بن عيسى، حدثنا إسحاق بن بشر، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته، ولكنه أخره لذلك سنة فأقام في بيته سنة مع الملك «.

وبإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما انصرمت السنة من اليوم سأل الإِمارة دعاه الملك فتوجه وقلده بسيفه ووضع له سريراً من ذهب مكلّل بالدر والياقوت، وضرب عليه حلة من استبرق، وطول السرير ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرة أذرع، عليه ثلاثون فراشاً وستون مقرمة، ثم أمره أن يخرج، متوَّجاً، ولونه كالثلج، ووجهه كالقمر، يرى الناظر وجهه في صفاء لون وجهه، فانطلق حتى جلس على السرير، ودانت له الملوك، ودخل الملك بيته وفوّض إليه أمر مصر، وعزل قطفير عمّا كان عليه وجعل يوسف مكانه. قاله ابن إسحاق.

وقال ابن زيد: وكان لملك مصر خزائن كثيرة فسلم سّلطانه كله إليه وجعل أمره وقضاءه نافذاً، قالوا: ثم إن قطفير هلك في تلك الليالي فزوج الملكُ يوسفَ راعيلَ امرأة قطفير، فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيراً مما كنت تريدين؟ فقالت: أيها الصديق لا تلمني، فإني كنت امرأة حسناء ناعمة كما ترى في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنتَ كما جعلك الله في حسنك وهيئتك فغلبتني نفسي فوجدها يوسف عذراء فأصابها فولدت له ولدين: أفراثيم بن يوسف، وميشا بن يوسف.

واستوثق ليوسف ملك مصر، أي: اجتمع، فأقام فيهم العدل، وأحبه الرجال والنساء، فذلك قوله تعالى:

{وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ}.

وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٥٦ وَلَأَجْرُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ ۝٥٧

{وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ}، يعني: أرض مصر ملكناه، {يَتَبَوَّأُ مِنْهَا}، أي: ينزل {حَيْثُ يَشَآءُ}، ويصنع فيها ما يشاء.

قرأ ابن كثير: {نشاء} بالنون رداً على قوله: {مَكَّنَّا} وقرأ الآخرون بالياء رداً على قوله {يَتَبَوَّأُ}.

{نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ}، أي: بنعمتنا، {وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ}، قال ابن عباس ووهب: يعني الصابرين.

قال مجاهد وغيره: فلم يزل يوسف عليه السلام يدعو الملك إلى الإِسلام ويتلطف له حتى أسلم الملك وكثير من الناس، فهذا في الدنيا.

{وَلأَجْرُ ٱلأَخِرَةِ}، ثواب الآخرة، {خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}.

فلما اطمأن يوسف في ملكه دبَّر في جمع الطعام بأحسن التدبير، وبنى الحصون والبيوت الكثيرة، وجمع فيها الطعام للسنين المجدبة، وأنفق بالمعروف حتى خلت السنون المخصبة ودخلت السنون المجدبة بهول لم يعهد الناس بمثله.

ورُوي أنه كان قد دبر في طعام الملك وحاشيته كل يوم مرة واحدة نصف النهار، فلما دخلت سنة القحط كان أول من أخذه الجوع هو الملك في نصف الليل فنادى يايوسف الجوعَ الجوعَ!.

فقال يوسف: هذا أوان القحط.

ففي السنة الأولى من سنيِّ الجدب هلك كل شيء أعدُّوه في السنين المخصبة، فجعل أهل مصر يبتاعون من يوسف الطعام، فباعهم أول سنة بالنقود حتى لم يبق بمصر دينار ولا درهم إلا قبضه، وباعهم السنة الثانية بالحلي والجواهر حتى لم يبق في أيدي الناس منها شيء، وباعهم السنة الثالثة بالمواشي والدواب حتى احتوى عليها أجمع، وباعهم السنة الرابعة بالعبيد والإِماء حتى لم يبق في يد أحد عبد ولا أمة، وباعهم السنة الخامسة بالضياع والعقار والدور حتى احتوى عليها، وباعهم السنة السادسة بأولادهم حتى استرقهم، وباعهم السنة السابعة برقابهم حتى استرقهم، ولم يبق بمصر حرّ ولا حرة إلا صار عبداً له.

فقال الناس: ما رأينا يوماً كاليوم ملكاً أجلّ ولا أعظم من هذا.

ثم قال يوسف للملك: كيف رأيت صنع ربي فيما خوَّلني فما ترى في ذلك؟

فقال له الملك: الرأي رأيك والأمر إليك ونحن لك تبع.

قال: فإني أشهد الله وأشهدك أني قد أعتقت أهل مصر عن آخرهم، ورددْتُ عليهم أملاكهم.

ورُوي أن يوسف كان لايشبع من طعام في تلك الأيام، فقيل له: أتجوع وبيدك خزائن الأرض؟.

فقال: أخاف إن شبعت أن أنسى الجائع، وأمر يوسف عليه السلام طباخي الملك أن يجعلوا غداءه نصف النهار، وأراد بذلك أن يذوق الملك طعم الجوع فلا ينسى الجائعين، فمن ثم جعل الملوك غذاءهم نصف النهار.

قال: وقصد الناسُ مصرَ من كل أوبٍ يمتارون الطعام فجعل يوسف لا يمكن أحداً منهم ـ وإن كان عظيماً ـ من أكثر من حمل بعير تقسيطاً بين الناس، وتزاحم الناس عليه فأصاب أرض كنعان وبلاد الشام ما أصاب الناس في سائر البلاد من القحط والشدة، ونزل بيعقوب ما نزل بالناس، فأرسل بنيه إلى مصر للميرة، وأمسك بنيامين أخا يوسف لأمه، فذلك قوله تعالى:

{وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ}.

وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ ۝٥٨

{وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ} وكانوا عشرة، وكان منزلهم بالعرنات من أرض فلسطين، بغور الشام، وكانوا أهل بادية وإبل وشاة، فدعاهم يعقوب عليه السلام وقال: يابني بلغني أن بمصر ملكاً صالحاً يبيع الطعام، فتجهزوا لِتَشْتَرُوا منه الطعام، فأرسلهم فقدمُوا مصرَ، {فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ}، على يوسف، {فَعَرَفَهُمْ}، يوسف عليه السلام

قال ابن عباس ومجاهد: عرفهم بأول ما نظر إليهم.

وقال الحسن: لم يعرفهم حتى تعرفوا إليه.

{وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ}، أي: لم يعرفوه. قال ابن عباس: وكان بين أن قذفوه في البئر وبين أن دخلوا عليه أربعون سنة، فلذلك أنكروه.

وقال عطاء: إنما لم يعرفوه لأنه كان على سرير الملك وعلى رأسه تاج الملك.

وقيل: لأنه كان بِزَيِّ ملوك مصر، عليه ثياب من حرير وفي عنقه طوق من ذهب، فلما نظر إليهم يوسف وكلموه بالعبرانية، قال لهم: أخبروني من أنتم وما أمركم فإني أنكرت شأنكم؟ قالوا نحن قوم من أرض الشام رعاة، أصابنا الجهد فجئنا نمتار.

فقال: لعلكم جئتم تنظرون عورة بلادي.

قالوا: لا والله ما نحن بجواسيس، إنّما نحن إخوة بنو أب واحد، وهو شيخ صديق يقال له يعقوب نبي من أنبياء الله.

فقال: وكم أنتم؟ قالوا: كنا اثني عشر، فذهب أخ لنا معنا إلى البرية، فهلك فيها، وكان أحبنا إلى أبينا.

قال: فكم أنتم هاهنا؟

قالوا: عشرة.

قال: وأين الآخر؟

قالوا: عند أبينا، لأنه أخو الذي هلك لأمه، فأبونا يتسلّى به.

فقال: فمن يعلم أن الذي تقولون حق؟

قالوا: أيها الملك إنا ببلاد لا يعرفنا فيها أحد من أهلها.

فقال يوسف: فاتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين، وأنا أرضى بذلك.

قالوا: فإن أبانا يحزن على فراقه وسنراود عنه أباه.

قال: فَدَعُوا بعضكم عندي رهينة حتى تأتوني بأخيكم، فاقترعوا بينهم، فأصابت القرعة شمعون، وكان أحسنهم رأياً في يوسف، فخلّفوه عنده.

وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِى بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّىٓ أُوفِى ٱلْكَيْلَ وَأَنَا۠ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ ۝٥٩ فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِۦ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا تَقْرَبُونِ ۝٦٠ قَالُوا۟ سَنُرَٰوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَٰعِلُونَ ۝٦١ وَقَالَ لِفِتْيَٰنِهِ ٱجْعَلُوا۟ بِضَٰعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ۝٦٢

فذلك قوله عزَّ وجلّ: {وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ}، أي: حمَّل لكل واحد بعيراً بعدتهم، {قَالَ ٱئْتُونِى بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ}، يعني: بنيامين، {أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّىۤ أُوفِى ٱلْكَيْلَ}. أي: أُتمه ولا أبخس الناس شيئاً، فأزيدكم حمل بعير لأجل أخيكم، وأكرم منزلتكم وأحسن إليكم، {وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ}، قال مجاهد: أي خير المضيفين. وكان قد أحسن ضيافتهم.

{فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى}، أي: ليس لكم عندي طعام أكيله لكم {وَلاَ تَقْرَبُونِ}، أي: لا تقربوا داري وبلادي بعد ذلك وهو جزم على النهي.

{قَالُواْ سَنُرَٰوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ}، أي: نطلبه ونسأله أن يرسله معنا، {وَإِنَّا لَفَـٰعِلُونَ}، ما أمرتنا به.

{وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ}، قرأ حمزة والكسائي وحفص: {لفتيانه} بالألف والنون، وقرأ الباقون: {لفتيته} بالتاء من غير ألف، يريد لغلمانه، وهما لغتان مثل الصبيان والصبية، {ٱجْعَلُواْ بِضَـٰعَتَهُمْ} ثمن طعامهم وكانت دراهم.

وقال الضحاك عن ابن عباس: كانت النعال والأدم.

وقيل: كانت ثمانية جرب من سويق المقل. والأول أصحْ

{فِى رِحَالِهِمْ}، أوعيتهم، وهي جمع رحل، {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنْقَلَبُوۤاْ}، انصرفوا، {إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.

واختلفوا في السبب الذي فعله يوسف من أجله، قيل: أراد أن يريهم كرمه في رد البضاعة وتقديم الضمان في البرّ والإِحسان، ليكون أدعى لهم إلى العود، لعلّهم يعرفونها، أي: كرامتهم علينا.

وقيل: رأى لؤماً في أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته مع حاجتهم إليه، فردَّه عليهم من حيث لا يعلمون تكرُّماً.

وقال الكلبي: تخوّف أن لا يكون عند أبيه من الورق ما يرجعون به مرة أخرى.

وقيل: فعل ذلك لأنه علم أن ديانتهم تحملهم على ردّ البضاعة نفياً للغلط ولا يستحلون إمساكها.

فَلَمَّا رَجَعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيهِمْ قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ۝٦٣ قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَٰفِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ۝٦٤

{فَلَمَّا رَجِعُواْ إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُواْ يَٰأَبَانَا}، إنا قدمنا على خير رجلٍ، أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلاً من أولاد يعقوب ما أكرمنا كرامته، فقال لهم يعقوب: إذا أتيتم ملك مصر فأقرؤوه مني السلام، وقولوا له: إنّ أبانا يصلي عليك ويدعو لك بما أوليتنا، ثم قال: أين شمعون؟ قالوا: ارتهنه ملك مصر، وأخبروه بالقصة، فقال لهم: ولِمَ أخبرتموه؟ قالوا: إنه أخذنا وقال أنتم جواسيس ـ حيث كلمناه بلسان العبرانية ـ وقصُّوا عليه القصة، وقالوا يا أبانا:

{مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ}، قال الحسن: معناه يمنع منا الكيل إن لم تحمل أخانا معنا.

وقيل: معناه أعطى باسم كل واحد منا حملاً ويمنع منا الكيل لبنيامين، والمراد بالكيل: الطعام، لأنه يكال.

{فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا}، بنيامين، {نَكْتَلْ} قرأ حمزة والكسائي: (يكتل) بالياء، يعني: يكْتَلْ لنفسه كما نحن نكتال، وقرأ الآخرون: (نكتل) بالنون، يعني: نكتل نحن وهو الطعام. وقيل: نكتل له، {وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ}.

{قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ}، يوسف {مِن قَبْلُ}، أي: كيف آمنكم عليه وقد فعلتم بيوسف ما فعلتم؟ {فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَـٰفِظاً}، قرأ حمزة والكسائي وحفص: {حَـٰفِظاً} بالألف على التفسير، كما يقال هو خير رجلاً، وقرأ الآخرون: (حفظاً) بغير ألف على المصدر، يعني: خيركم حفظاً، يقول: حفظه خير من حفظكم، {وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَٰحِمِينَ}.

وَلَمَّا فَتَحُوا۟ مَتَٰعَهُمْ وَجَدُوا۟ بِضَٰعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا مَا نَبْغِى هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ۝٦٥ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُۥ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِى بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ۝٦٦

{وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَـٰعَهُمْ}، الذي حملوه من مصر، {وَجَدُواْ بِضَـٰعَتَهُمْ}، أي: ثمن الطعام، {رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَٰأَبَانَا مَا نَبْغِى}، أي: ماذا نبغي وأي شيء نطلب؟ وذلك أنهم ذكروا ليعقوب عليه السلام إحسان الملك إليهم وحثّوه على إرسال بنيامين معهم، فلما فتحوا المتاع ووجدوا البضاعة، {هَـٰذِهِ بِضَـٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا}، أيُّ شيء نطلب بالكلام فهذا هو العيان من الإِحسان والإِكرام، أوْفَى لنا الكيلَ ورَدَّ علينا الثمن، أرادوا تطييب نفس أبيهم، {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا}، أي: نشتري لهم الطعام فنحمله إليهم. يقال: مار أهله يَمِيْر مَيْراً: إذا حمل إليهم الطعام من بلد إلى بلد آخر. ومثله أمتار يمتار امتياراً. {وَنَحْفَظُ أَخَانَا} بنيامين، أي: مما تخاف عليه. {وَنَزْدَادُ}، على أحملنا، {كَيْلَ بَعِيرٍ}، أي: حمل بعير يكال لنا من أجله، لأنه كان يعطي باسم كل رجل حمل بعير، {ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ}، أي: ما حملنا قليل لا يكفينا وأهلنا. وقيل: معناه ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير لا مؤنة فيه ولا مشقة.

وقال مجاهد: البعير هاهنا هو الحمار. كيل بعير، أي: حمل حمار، وهي لغة، يقال للحمار: بعير. وهم كانوا أصحاب حُمُرٍ والأول أصح أنه البعير المعروف.

{قَالَ} لهم يعقوب، {لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ}، تعطوني {مَوْثِقاً}، ميثاقاً وعهداً، {مِّنَ ٱللَّهِ}، والعهد الموثَّق: المؤكّد بالقسم. وقيل: هو المؤكّد بإشهاد الله على نفسه، {لَتَأْتُنَّنِى بِهِ}، وأدخل اللام فيه لأن معنى الكلام اليمين، {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ}، قال مجاهد: إلاّ أن تهلكوا جميعاً.

وقال قتادة: إلاّ أن تغلبوا حتى لا تطيقوا ذلك.

وفي القصة: أن الأخوة ضاق الأمر عليهم وجهدوا أشد الجهد، فلم يجد يعقوب بداً من إرسال بنيامين معهم.

{فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ}، أعطوه عهودهم، {قَالَ}، يعني: يعقوب {ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ}، شاهد. وقيل: حافظ. قال كعب: لما قال يعقوب فالله خير حافظاً، قال الله عزّ وجلّ: وعزتي لأُرُدَّنَّ عليك كليهما بعدما توكّلتَ عليّ.

وَقَالَ يَٰبَنِىَّ لَا تَدْخُلُوا۟ مِنۢ بَابٍ وَٰحِدٍ وَٱدْخُلُوا۟ مِنْ أَبْوَٰبٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ۝٦٧ وَلَمَّا دَخَلُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَىٰهَا وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَٰهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝٦٨

{وَقَالَ}، لهم يعقوب: لمَا أرادوا الخروج من عنده، {يَٰبَنِىَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ}، وذلك أنه خاف عليهم العين؛ لأنهم كانوا أعطوا جمالاً وقوّةً وامتداد قامةٍ، وكانوا ولد رجل واحد، فأمرهم أن يتفرقوا في دخولهم لئلا يصابوا بالعين، فإن العين حق، وجاء في الأثر:

إنّ العينَ تُدخلُ الرجلَ القبرَ والجملَ القدرَ «.

وعن إبراهيم النخعي: أنه قال ذلك لأنه كان يرجو أن يروا يوسف في التفرق. والأول أصح.

ثم قال: {وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ}، معناه: إن كان الله قضى فيكم قضاء فيصيبكم مجتمعين كنتم أو متفرقين، فإن المقدور كائن والحذر لا ينفع من القدر، {إِنِ ٱلْحُكْمُ}، ما الحكم، {إِلاَّ لِلَّهِ}، هذا تفويض يعقوب أموره إلى الله، {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ}، اعتمدتُ، {وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ}.

{وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم} أي: من الأبواب المتفرقة. وقيل: كانت المدينة مدينة الفرماء ولها أربعة أبواب، فدخلوها من أبوابها، {مَّا كَانَ يُغْنِى}، يدفع {عَنْهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ}، صَدقَ اللَّهُ تعالى يعقوبَ فيما قال، {إِلاَّ حَاجَةً}، مراداً، {فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَآ}، أشفق عليهم إشفاق الآباء على أبنائهم وجرى الأمر عليه، {وَإِنَّهُ}، يعني: يعقوب عليه السلام، {لَذُو عِلْمٍ}، يعني: كان يعمل ما يعمل عن علم لا عن جهل، {لِّمَا عَلَّمْنَاهُ}، أي: لتعليمنا إيّاه. وقيل: إنه لعامل بما علم.

قال سفيان: من لا يعمل بما يعلم لا يكون عالماً. وقيل: وإنه لذو حفظ لِمَا علّمنَاه.

{وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}، ما يعلم يعقوب لأنهم لم يسلكوا طريق إصابة العلم. قال ابن عباس: لا يعلم المشركون ما ألهم الله أولياءه.

وَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّىٓ أَنَا۠ أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٦٩

{وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ}، قالوا: هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به قد جئناك به، فقال: أحسنتم وأصبتم، وستجدون جزاء ذلك عندي، ثم أنزلهم فأكرمهم، ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة، فبقي بنيامين وحيداً، فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيّاً لأجلسَّني معه، فقال يوسف: لقد بقي أخوكم هذا وحيداً، فأجلسه معه على مائدته، فجعل يُواكله فلمّا كان الليل أمر لهم بمثل ذلك وقال: لينم كل أخوين منكم على مثال، فبقي بنيامين وحده، فقال يوسف: هذا ينام معي على فراشي، فنام معه، فجعل يوسف يضمه إليه ويشم ريحه حتى أصبح، وجعل روبين يقول: ما رأينا مثل هذا، فلما أصبح، قال لهم إني أرى هذا الرجل ليس معه ثان فسأضمه إليّ فيكون منزله معي، ثم أنزلهم منزلاً وأجرى عليهم الطعام، وأنزل أخاه لأمه معه، فذلك قوله تعالى:

{ءَاوَىۤ إِلَيْهِ أَخَاهُ}، أي: ضم إليه أخاه فلما خلا به قال: ما اسمك؟ قال: بنيامين، قال: وما بنيامين؟ قال: ابن المثكل، وذلك أنه لما ولد هلكت أمه. قال: وما اسم أمك؟ قال: راحيل بنت لاوى، فقال: فهل لك من ولد؟ قال: نعم عشرة بنين، قال: فهل لك من أخ لأمك، قال: كان لي أخ فهلك، قال يوسف: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك، فقال بنيامين: ومن يجد أخاً مثلك أيها الملك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف عند ذلك وقام إليه وعانقه، وقال له: {قَالَ إِنِّىۤ أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ}، أي: لا تحزن، {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، بشيء فعلوه بنا فيما مضى، فإن الله تعالى قد أحسن إلينا، ولا تعلِّمْهم شيئاً مما أعلمتك، ثم أوفى يوسف لاخوته الكيل، وحمل لهم بعيراً بعيراً، ولبنيامين بعيراً باسمه، ثم أمر بسقاية الملك فجعلت في رحل بنيامين.

قال السدي: جعل السقاية في رحل أخيه، والأخ لا يشعر.

وقال كعب: لما قال له يوسف: إني أنا أخوك، قال بنيامين: أنا لا أفارقك، فقال له يوسف: قد علمت اغتمام والدي بي وإذا حبستك ازداد غمه ولا يمكنني هذا إلا بعد أن أشهرك بأمر فظيع وأنسبك إلى مالا يحمد، قال: لا أبالي، فافعل ما بدا لك، فإني لا أفارقكَ، قال: فإني أدسُّ صاعي في رحلك ثم أنادي عليكم بالسرقة ليهيأ لي ردّك بعد تسريحك، قال: فافعل.

فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَٰرِقُونَ ۝٧٠ قَالُوا۟ وَأَقْبَلُوا۟ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ ۝٧١ قَالُوا۟ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٌ ۝٧٢

فذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ}، وهي المشربة التي كان الملك يشرب منها. قال ابن عباس: كانت من زبرجد.

وقال ابن إسحاق: كانت من فضة. وقيل: من ذهب، وقال عكرمة: كانت مشربة من فضة مرصعة بالجواهر، جعلها يوسف مكيالاً لئلا يكال بغيرها، وكان يشرب منها.

والسقاية والصواع واحد، فجعلت في وعاء طعام بنيامين، ثم ارتحلوا وأمهلهم يوسف حتى انطلقوا وذهبوا منزلاً.

وقيل: حتى خرجوا من العمارة، ثم بعث من خلفهم مَن استوقفهم وحبسهم.

{ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ}، نادى منادٍ، {أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ}، وهي القافلة التي فيها الأحمال. قال مجاهد: كانت العير حميراً. وقال الفراء: كانوا أصحاب إبل. {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}، قفوا. قيل: قالوه من غير أمر يوسف. وقيل: قالوه بأمره، وكان هفوة منه. وقيل: قالوه على تأويل أنهم سرقوا يوسف من أبيه، فلما انتهى إليهم الرسول، قال لهم: ألم نكرم ضيافتكم ونحسن منزلتكم ونوفكم كيلكم ونفعل بكم مالم نفعل بغيركم؟ قالوا: بلى، قالوا: وما ذاك؟ قالوا: سقاية الملك فقدناها، ولا نَتّهِمُ عليها غيركم. فذلك قوله عز وجل:

{قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم}، عطفوا على المؤذن وأصحابه، {مَّاذَا تَفْقِدُونَ}، ما الذي ضلّ عنكم. والفقدان: ضدّ الوجد.

{قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ}، من الطعام، {وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ}، كفيل، يقوله المؤذن.

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ ۝٧٣ قَالُوا۟ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمْ كَٰذِبِينَ ۝٧٤ قَالُوا۟ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٧٥ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشَآءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ ۝٧٦

{قَالُواْ}، يعني: إخوة يوسف، {تَٱللَّهِ} أي: والله، وخصت هذه الكلمة بأن أُبدلت الواو فيها بالتاء في اليمين دون سائر أسماء الله تعالى. {لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلأَرْضِ}، لنسرق في أرض مصر.

فإن قيل: كيف قالوا لقد علمتم؟ ومن أين علموا ذلك؟

قيل: قالوا قد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض، فإنا منذ قطعنا هذا الطريق لم نَرْزَأ أحداً شيئاً فاسألوا عنّا من مررنا به، هل ضررنا أحداً.

وقيل: لأنهم ردوا البضاعة التي جعلت في رحالهم، قالوا: فلو كنا سارقين ما رددناها.

وقيل: قالوا ذلك لأنهم كانوا معروفين بأنهم لا يتناولون ما ليس لهم، وكانوا إذا دخلوا مصر كمّموا أفواه دوابهم كيلا تتناول شيئاً من حروث الناس.

{وَمَا كُنَّا سَـٰرِقِينَ}.

{قَالُواْ}، يعني: المنادي وأصحابه {فَمَا جَزَآؤُهُ}، أي: جزاء السارق، {إِن كُنتُمْ كَـٰذِبِينَ}، في قولكم: "وَمَا كُنَّا سَـٰرِقِينَ".

{قَالُوا}، يعني: إخوة يوسف، {جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ}، أي: فالسارق جزاؤه أن يسلَّم السارق بسرقته إلى المسروق منه فيسترقه سنة، وكان ذلك سُنَّة آل يعقوب في حكم السارق، وكان حكم ملك مصر أن يضرب السارق ويغرم ضعفي قيمة المسروق، فأراد يوسف أن يحبس أخاه عنده، فرد الحكم إليهم ليتمكن من حبسه عنده على حكمهم.

{كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ}، الفاعلين ما ليس لهم فعله من سرقة مال الغير.

فقال الرسول عند ذلك: لابدّ من تفتيش أمتعتكم.

فأخذ في تفتيشها. ورُوي أنه ردّهم إلى يوسف فأمر بتفتيش أوعيتهم بين يديه.

{فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ}، لإِزَالَة التهمة، {قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ}، فكان يفتش أوعيتهم واحداً واحداً. قال قتادة: ذكر لنا أنه كان لا يفتح متاعاً ولا ينظر في وعاء إلاّ استغفر الله تأثماً مما قذفهم به حتى إذا لم يبق إلاّ رحل بنيامين، قال: ما أظن هذا أخذه، فقال إخوته: والله لا نترك حتى تنظر في رحله فإنه أطيب لنفسك ولأنفسنا، فلما فتحوا متاعه استخرجوه منه، فذلك قوله تعالى:

{ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ}، وإنما أنّث الكناية في قوله: "ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا"، والصُّوَاع مذكر، بدليل قوله: "وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ"؛ لأنه ردّ الكناية هاهنا إلى السقاية.

وقيل: الصواع يذكر ويؤنث.

فلما أخرج الصواع من رحل بنيامين نكس إخوته رؤوسهم من الحياء، وأقبلوا على بنيامين وقالوا: ما الذي صنعت فضحتنا وسودت وجوهنا يابني راحيل؟ ما يزال لنا منكم البلاء، متى أخذت هذا الصواع؟ فقال بنيامين: بل بنو راحيل لا يزال لهم منكم بلاء ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البرية، ووضع هذا الصواع في رحليّ الذي وضع البضاعة في رحالكم، فأخذوا بنيامين رقيقاً.

وقيل: إن ذلك الرجل أخذه برقبته وردّه إلى يوسف كما يرد السراق.

{كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ}، والكيد هاهنا جزاء الكيد، يعني: كما فعلوا في الابتداء بيوسف من الكيد فعلنا بهم. وقد قال يعقوب عليه السلام ليوسف: {فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً}، فكدنا ليوسف في أمرهم.

والكيد من الخلق: الحيلة، ومن الله: التدبير بالحق.

وقيل: كدنا ألهمنا. وقيل: دبرنا. وقيل: أردنا.

ومعناه: صنعنا ليوسف حتى ضم أخاه إلى نفسه، وحال بينه وبين إخوته

{مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ} فيضمه إلى نفسه، {فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ}، أي: في حكمه. قال قتادة. وقال ابن عباس: في سلطانه. {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}، يعني: إن يوسف لم يكن يتمكن من حبس أخيه في حكم الملك لولا ما كِدْنَا له بلطفنا حتى وجد السبيل إلى ذلك، وهو ما أجري على ألسنة الإِخوة أن جزاء السارق الاسترقاق، فحصل مراد يوسف بمشيئة الله تعالى:

{نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ}، بالعلم كما رفعنا درجة يوسف على إخوته.

وقرأ يعقوب: {يرفع} و {يشاء} بالياء فيهما، وإضّافة درجات إلى {من} في هذه السورة. والوجه أن الفعل فيهما مسند إلى الله تعالى، وقد تقدم ذكره في قوله: {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}، أي: يرفع الله درجات من يشاء. وقرأ الباقون بالنون فيهما، إلاّ أن الكوفيين قرؤوا: {درجات} بالتنوين، ومَنْ سِواهم بالإِضافة، أي: نرفع به نحن، والرافع أيضاً هو الله تعالى

{وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ}. قال ابن عباس: فوق كل عالم عالم إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى. فالله تعالى فوق كل عالم.

الخميس، 29 أكتوبر 2026 18 جمادى الأولى 1448 هـ