انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير الطبريالآيات 194–200

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة آل عمران

الخلاصة من تفسير الطبري · 11 مقطعًا · 3:01:26

  1. 1 الآيات 186–200في هذه الصفحة 15:47

التفسير الصوتي لسورة آل عمران كاملًا (11 مقطعًا)

رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ۝١٩٤

إن قال لنا قائل: وما وجه مسألة هؤلاء القوم ربهم أن يؤتـيهم ما وعدهم، وقد علـموا أن الله منـجز وعده، وغير جائز أن يكون منه إخلاف موعد؟ قـيـل: اختلف فـي ذلك أهل البحث، فقال بعضهم: ذلك قول خرج مخرج الـمسألة، ومعناه الـخبر، قالوا: وإنـما تأويـل الكلام: ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيـمان أن آمنوا بربكم فآمنا، ربنا فـاغفر لنا ذنوبنا، وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار، لتؤتـينا ما وعدتنا علـى رسلك، ولا تـخزنا يوم القـيامة، قالوا: ولـيس ذلك علـى أنهم قالوا: إن توفـيتنا مع الأبرار فـانـجز لنا ما وعدتنا لأنهم قد علـموا أن الله لا يخـلف الـميعاد، وأن ما وعد علـى ألسنة رسله لـيس يعطيه بـالدعاء، ولكنه تفضل بإيتائه، ثم ينـجزه.

وقال آخرون: بل ذلك قول من قائله علـى معنى الـمسألة والدعاء لله، بأن يجعلهم مـمن آتاهم ما وعدهم من الكرامة علـى ألسن رسله، لا أنهم كانوا قد استـحقوا منزلة الكرامة عند الله فـي أنفسهم، ثم سألوه أن يؤتـيهم ما وعدهم بعد علـمهم بـاستـحقاقهم عند أنفسهم، فـيكون ذلك منهم مسألة لربهم أن لا يخـلف وعده، قالوا: ولو كان القوم إنـما سألوا ربهم أن يؤتـيهم ما وعد الأبرار، لكانوا قد زكوا أنفسهم، وشهدوا لها أنها مـمن قد استوجب كرامة الله وثوابه، قالوا: ولـيس ذلك صفة أهل الفضل من الـمؤمنـين.

وقال آخرون: بل قالوا هذا القول علـى وجه الـمسألة، والرغبة منهم إلـى الله أن يؤتـيهم ما وعدهم من النصر علـى أعدائهم من أهل الكفر، والظفر بهم، وإعلاء كلـمة الـحق علـى البـاطل، فـيعجل ذلك لهم، قالوا: ومـحال أن يكون القوم مع وصف الله إياهم بـما وصفهم به كانوا علـى غير يقـين من أن الله لا يخـلف الـميعاد، فـيرغبوا إلـى الله جل ثناؤه فـي ذلك، ولكنهم كانوا وعدوا النصر، ولـم يوقت لهم فـي تعجيـل ذلك لهم، لـما فـي تعجله من سرور الظفر وراحة الـجسد.

والذي هو أولـى الأقوال بـالصواب فـي ذلك عندي: أن هذه الصفة، صفة من هاجر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من وطنه وداره، مفـارقاً لأهل الشرك بـالله إلـى الله ورسوله، وغيرهم من تبـاع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين رغبوا إلـى الله فـي تعجيـل نصرتهم علـى أعداء الله وأعدائهم، فقالوا: ربنا آتنا ما وعدتنا من نصرتك علـيهم عاجلاً، فإنك لا تـخـلف الـميعاد، ولكن لا صبر لنا علـى أناتك وحلـمك عنهم، فعجل حربهم، ولنا الظفر علـيهم. يدل علـى صحة ذلك آخر الآية الأخرى، وهو قوله:

{ فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَـٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ }[آل عمران: 195]... الآيات بعدها. ولـيس ذلك مـما ذهب إلـيه الذين حكيت قولهم فـي شيء، وذلك أنه غير موجود فـي كلام العرب أن يقال: افعل بنا يا رب كذا وكذا، بـمعنى: افعل بنا لكذا الذي ولو جاز ذلك، لـجاز أن يقول القائل لآخر: أقبل إلـيّ وكلـمنـي، بـمعنى: أقبل إلـيّ لتكلـمنـي، وذلك غير موجود فـي الكلام، ولا معروف جوازه، وكذلك أيضاً غير معروف فـي الكلام: آتنا ما وعدتنا، بـمعنى: اجعلنا مـمن آتـيته ذلك وإن كان كلّ من أعطى شيئاً سنـياً فقد صير نظيراً لـمن كان مثله فـي الـمعنى الذي أعطيه، ولكن لـيس الظاهر من معنى الكلام ذلك، وإن كان قد يؤول معناه إلـيه.

فتأويـل الكلام إذًا: ربنا أعطنا ما وعدتنا علـى ألسن رسلك أنك تعلـى كلـمتك كلـمة الـحق، بتأيـيدنا علـى من كفر بك وحادّك وعبد غيرك، وعجِّل لنا ذلك، فإنا قد علـمنا أنك لا تـخـلف ميعادك، ولا تـخزنا يوم القـيامة، فتفضحنا بذنوبنا التـي سلكت منا، ولكن كفّرها عنا واغفرها لنا. وقد:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ } قال: يستنـجز موعود الله علـى رسله.

فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَأُخْرِجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِمْ وَأُوذُوا۟ فِى سَبِيلِى وَقَٰتَلُوا۟ وَقُتِلُوا۟ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ ۝١٩٥

يعنـي تعالـى ذكره: فأجاب هؤلاء الداعين بـما وصف الله عنهم أنهم دعوا به ربهم، بأنـي لا أضيع عمل عامل منكم عمل خيراً ذكراً كان العامل أو أنثى، وذكر أنه قـيـل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بـال الرجال يذكرون ولا تذكر النساء فـي الهجرة؟ فأنزل الله تبـارك وتعالـى فـي ذلك هذه الآية.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح عن مـجاهد، قال: قالت أم سلـمة: يا رسول الله، تذكر الرجال فـي الهجرة ولا نذكر؟ فنزلت: {أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ }... الآية.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيـينة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت رجلاً من ولد أم سلـمة زوج النبـي صلى الله عليه وسلم، يقول: قالت أم سلـمة: يا رسول الله لا أسمع الله يذكر النساء فـي الهجرة بشيء! فأنزل الله تبـارك وتعالـى: {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ }.

حدثنا الربـيع بن سلـيـمان، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا سفـيان، عن عمرو بن دينار، عن رجل من ولد أم سلـمة، عن أم سلـمة أنها قالت: يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء فـي الهجرة بشيء! فأنزل الله تعالـى: {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ }.

وقـيـل: فـاستـجاب لهم، بـمعنى: فأجابهم، كما قال الشاعر:

وَدَاعٍ دَعا يا مَنْ يُجِيبُ إلـى النَّدَى فَلَـمْ يَسْتَـجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُـجِيبُ

بـمعنى: فلـم يجبه عند ذاك مـجيب.

وأدخـلت «من» فـي قوله: {مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ } علـى الترجمة والتفسير عن قوله «منكم»، بـمعنى: لا أضيع عمل عامل منكم من الذكور والإناث ولـيست «من» هذه بـالتـي يجوز إسقاطها وحذفها من الكلام فـي الـجحد، لأنها دخـلت بـمعنى لا يصلـح الكلام إلا به. وزعم بعض نـحويـي البصرة أنها دخـلت فـي هذا الـموضع، كما تدخـل فـي قولهم: «قد كان من حديث» قال: «ومن» ههنا أحسن، لأن النهي قد دخـل فـي قوله: لا أضيع. وأنكر ذلك بعض نـحويـي الكوفة وقال: لا تدخـل «من» وتـخرج إلا فـي موضع الـجحد؛ وقال: قوله: {لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ } لـم يدركه الـجحد، لأنك لا تقول: لا أضرب غلام رجل فـي الدار ولا فـي البـيت فـيدخـل، ولا لأنه لـم ينله الـجحد، ولكن «مِنْ» مفسرة.

وأما قوله: {بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ } فإنه يعنـي: بعضكم أيها الـمؤمنون الذين يذكرون الله قـياماً وقعوداً وعلـى جنوبهم، مِنْ بعض، فـي النصرة والـمسألة والدين، وحكم جميعكم فـيـما أنا بكم فـاعل علـى حكم أحدكم فـي أنـي لا أضيع عمل ذكر منكم ولا أنثى.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى وَقَـٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لاكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَـٰتِهِمْ وَلاَدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ ثَوَاباً مّن عِندِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ }.

يعنـي بقوله جل ثناؤه: فـالذين هاجروا قومهم من أهل الكفر وعشيرتهم فـي الله، إلـى إخوانهم من أهل الإيـمان بـالله، والتصديق برسوله، وأخرجوا من ديارهم، وهم الـمهاجرون الذين أخرجهم مشركو قريش من ديارهم بـمكة، وأوذوا فـي سبـيـلـي، يعنـي: وأوذوا فـي طاعتهم ربهم، وعبـادتهم إياه، مخـلصين له الدين، وذلك هو سبـيـل الله التـي آذى فـيها الـمشركون من أهل مكة الـمؤمنـين برسول الله صلى الله عليه وسلم من أهلها؛ وقتلوا، يعنـي: وقتلوا فـي سبـيـل الله وقاتلوا فـيها، لأكفرن عنهم سيئاتهم، يعنـي: لأمـحونها عنهم، ولأتفضلن علـيهم بعفوي ورحمتـي، ولأغفرنها لهم، ولأدخـلنهم جنات تـجري من تـحتها الأنهار، ثوابها، يعنـي: جزاء لهم علـى ما عملوا وأبلوا فـي الله وفـي سبـيـله؛ من عند الله: يعنـي: من قِبَل الله لهم؛ والله عنده حسن الثواب، يعنـي: أن الله عنده من جزاء أعمالهم جميع صنوفه، وذلك ما لا يبلغه وصف واصف، لأنه مـما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر علـى قلب بشر. كما:

حدثنا عبد الرحمن بن وهب، قال: ثنا عمي عبد الله بن وهب، قال: ثنـي عمرو بن الـحارث: أن أبـا عشانة الـمعافري، حدثه أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول:

إن أول ثلة تدخـل الـجنة لفقراء الـمهاجرين، الذين تتقـى بهم الـمكاره، إذا أمروا سمعوا وأطاعوا وإن كانت لرجل منهم حاجة إلـى السلطان لـم تقض حتـى يـموت وهي فـي صدره، وإن الله يدعو يوم القـيامة الـجنة، فتأتـي بزخرفها وزينتها، فـيقول: أين عبـادي الذين قاتلوا فـي سبـيـلـي وقتلوا، وأوذوا فـي سبـيـلـي، وجاهدوا فـي سبـيـلـي، ادخـلوا الـجنة، فـيدخـلونها بغير عذاب، ولا حساب، وتأتـي الـملائكة فـيسجدون ويقولون: ربنا نـحن نسبح لك اللـيـل والنهار، ونقدّس لك من هؤلاء الذين آثرتهم علـينا، فـيقول الرب جل ثناؤه: هؤلاء عبـادي الذين قاتلوا فـي سبـيـلـي، وأوذوا فـي سبـيـلـي، فتدخـل الـملائكة علـيهم من كل بـاب: { سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ }}» [الرعد: 24].

واختلفت القراء فـي قراءة قوله: {وَقَـٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ } فقرأه بعضهم: «وَقَتَلُوا وَقُتِلُوا» بـالتـخفـيف، بـمعنى أنهم قتلوا من قتلوا من الـمشركين وقرأ ذلك آخرون: «وَقاتَلُوا وَقُتِّلُوا» بتشديد قتِّلوا، بـمعنى: أنهم قاتلوا الـمشركين، وقتلهم الـمشركون بعضاً بعد بعض وقتلاً بعد قتل. وقرأ ذلك عامة قراء الـمدينة وبعض الكوفـيـين: «وَقاتَلُوا وَقَتَلُوا» بـالتـخفـيف، بـمعنى أنهم قاتلوا الـمشركين وقتلوا. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفـيـين: {وَقُتّلُواْ } بـالتـخفـيف {وَقَاتِلُواْ } بـمعنى: أن بعضهم قُتل، وقاتل من بقـي منهم.

والقراءة التـي لا أستـجيز أن أعدوها إحدى هاتـين القراءتـين، وهي: «وَقاتَلُوا وقَتَلُوا» بـالتـخفـيف، أو {وَقُتّلُواْ } بـالتـخفـيف {وَقَاتِلُواْ } لأنها القراءة الـمنقولة نقل وراثة، وما عداهما فشاذ. وبأي هاتـين القراءتـين التـي ذكرت أنـي لا أستـجيز أن أعدوهما قرأ قارىء فمصيب فـي ذلك الصواب من القراءة، لاستفـاضة القراءة بكل واحدة منهما فـي قراء الإسلام مع اتفـاق معنـيـيهما.

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى ٱلْبِلَٰدِ ۝١٩٦ مَتَٰعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ۝١٩٧

يعنـي بذلك جل ثناؤه: ولا يغرنك يا مـحمد تقلب الذين كفروا فـي البلاد، يعنـي: تصرفهم فـي الأرض وضربهم فـيها. كما:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ } يقول: ضربهم فـي البلاد.

فنهى الله تعالـى ذكره نبـيه صلى الله عليه وسلم عن الاغترار بضربهم فـي البِلاد، وإمهال الله إياهم مع شركهم وجحودهم نعمه، وعبـادتهم غيره. وخرج الـخطاب بذلك للنبـي صلى الله عليه وسلم، والـمعنـيّ به غيره من أتبـاعه وأصحابه، كما قد بـينا فـيـما مضى قبل من أمر الله، ولكن كان بأمر الله صادعاً، وإلـى الـحق داعياً.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال قتادة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ } والله ما غروا نبـي الله، ولا وكل إلـيهم شيئاً من أمر الله، حتـى قبضه الله علـى ذلك.

وأما قوله: {مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ } فإنه يعنـي: أن تقلبهم فـي البلاد وتصرفهم فـيها متعة يـمتعون بها قلـيلاً، حتـى يبلغوا آجالهم، فتـخترمهم منـياتهم، ثم مأواهم جهنـم بعد مـماتهم، والـمأوى: الـمصير الذي يأوون إلـيه يوم القـيامة، فـيصيرون فـيه. ويعنـي بقوله: {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } وبئس الفراش والـمضجع جهنـم.

لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ ۝١٩٨

يعنـي بذلك جل ثناؤه: {لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ }: لكن الذين اتقوا الله بطاعته، واتبـاع مرضاته، فـي العمل بـما أمرهم به، واجتناب ما نهاههم عنه. {لَهُمْ جَنَّـٰتٌ } يعنـي: بساتـين، {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلاْنْهَارُ خَـٰالِدِينَ فِيهَا } يقول: بـاقـين فـيها أبداً، {نُزُلاٍ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ } يعنـي: إنزالاً من الله إياهم فـيها أنزلهموها؛ ونصب «نُزُلاً» علـى التفسير، من قوله: لهم جنات تـجري من تـحتها الأنهار، كما يقال: لك عند الله جّنات تـجري من تـحتها الأنهار ثوابـاً، وكما يقال: هو لك صدقة، وهو لك هبة. وقوله: {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } يعنـي: من قبل الله، ومن كرامة الله إياهم، وعطاياه لهم. وقوله: {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأبْرَارِ } يقول: وما عند الله من الـحياة والكرامة، وحسن الـمآب خير للأبرار، مـما يتقلب فـيه الذين كفروا فإن الذي يتقلبون فـيه زائل فـان، وهو قلـيـل من الـمتاع خسيس، وما عند الله خير من كرامته للأبرار، وهم أهل طاعته، بـاق غير فـانٍ ولا زائل.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول فـي قوله: {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأبْرَارِ } قال: لـمن يطيع الله.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن خيثمة عن الأسود، عن عبد الله، قال: ما من نفس برّة ولا فـاجرة إلا والـموت خير لها. ثم قرأ عبد الله: {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأبْرَارِ } وقرأ هذه الآية:

{ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لأنفُسِهِمْ } .[آل عمران: 178]

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن فرج بن فضالة، عن لقمان، عن أبـي الدرداء أنه كان يقول: ما من مؤمن إلا والـموت خير له، وما من كافر إلا والـموت خير له. ومن لـم يصدقنـي، فإن الله يقول: {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأبْرَارِ } ويقول:

{ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } [آل عمران: 178].

وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ۝١٩٩

اختلف أهل التأويـل فـيـمن عنى بهذه الآية، فقال بعضهم: عنى بها أصحمة النـجاشي، وفـيه أنزلت. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عصام بن زياد بن رواد بن الـجراح، قال: ثنا أبـي، قال: ثنا أبو بكر الهذلـي، عن قتادة، عن سعيد بن الـمسيب، عن جابر بن عبد الله: أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال:

اخْرُجُوا فَصَلُّوا علـى أخٍ لَكُم! فصلـى بنا، فكبر أربع تكبـيرات، فقال: هَذَا النَّـجاشِي أصَحمةُ، فقال الـمنافقون: انظروا هذا يصلـي علـى علـج نصرانـي لـم يره قط! فأنزل الله: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ }.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنا أبـي، عن قتادة: أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال:

إنَّ أخاكُمْ النَّـجاشِيَّ قَدْ ماتَ فَصَلُّوا عَلَـيّه! قالوا: يصلي على رجل لـيس بـمسلـم؟ قال: فنزلت: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَـٰشِعِينَ للَّهِ } قال قتادة: فقالوا: فإنه كان لا يصلـي إلـى القبلة. فأنزل الله: {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ }.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ } ذكر لنا أن هذه الآية نزلت فـي النـجاشي وفـي ناس من أصحابه آمنوا بنبـي الله صلى الله عليه وسلم، وصدقوا به. قال: وذكر لنا أن نبـي الله صلى الله عليه وسلم استغفر للنـجاشي، وصلـى علـيه حين بلغه موته، قال لأصحابه:

صَلُّوا علـى أخٍ لَكُمْ قَدْ ماتَ بِغَيْرِ بِلادِكُم! فقال أناس من أهل النفـاق: يصلـي علـى رجل مات لـيس من أهل دينه! فأنزل الله هذه الآية: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَـٰشِعِينَ للَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِـئَايَـٰتِ بٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لَهُمْ أجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلحِسابِ}.

حدثنا الـحسن ن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ } قال: نزلت فـي النـجاشي وأصحابه مـمن آمن بـالنبـي صلى الله عليه وسلم، واسم النـجاشي أصحمة.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: قال عبد الرزاق، وقال ابن عيـينة: اسم النـجاشي بـالعربـية عطية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: لـما صلـى النبـي صلى الله عليه وسلم علـى النـجاشي، طعن فـي ذلك الـمنافقون، فنزلت هذه الآية: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ }... إلا آخر الآية.

وقال آخرون: بل عنى بذلك عبد الله بن سلام ومن معه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: نزلت ـ يعنـي هذه الآية ـ فـي عبد الله بن سلام ومن معه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي ابن زيد فـي قوله: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ }... الآية كلها، قال: هؤلاء يهود.

وقال آخرون: بل عنى بذلك: مسلـمة أهل الكتاب. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ } من الـيهود والنصارى، وهم مسلـمة أهل الكتاب.

وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية ما قاله مـجاهد، وذلك أن الله جلّ ثناؤه عمّ بقوله: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } أهل الكتاب جميعاً، فلـم يخصص منهم النصارى دون الـيهود، ولا الـيهود دون النصارى، وإنـما أخبر أن من أهل الكتاب من يؤمن بـالله، وكلا الفريقـين، أعنـي الـيهود والنصارى، من أهل الكتاب.

فإن قال قائل: فما أنت قائل فـي الـخبر الذي رويت عن جابر وغيره أنها نزلت فـي النـجاشي وأصحابه؟ قـيـل: ذلك خبر فـي إسناده نظر، ولو كان صحيحاً لا شكّ فـيه لـم يكن لـما قلنا فـي معنى الآية بخلاف، وذلك أن جابراً ومن قال بقوله إنـما قالوا: نزلت فـي النـجاشي، وقد تنزل الآية فـي الشيء ثم يعمّ بها كلّ من كان فـي معناه. فـالآية وإن كانت نزلت فـي النـجاشي، فإن الله تبـارك وتعالـى قد جعل الـحكم الذي حكم به للنـجاشي حكماً لـجميع عبـاده الذين هم بصفة النـجاشي فـي اتبـاعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والتصديق بـما جاءهم به من عند الله، بعد الذي كانوا علـيه قبل ذلك من اتبـاع أمر الله فـيـما أمر به عبـاده فـي الكتابـين: التوراة والإنـجيـل. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل الآية: وإن من أهل الكتاب التوراة والإنـجيـل لـمن يؤمن بـالله، فـيقرّ بوحدانـيته، وما أنزل إلـيكم أيها الـمؤمنون، يقول: وما أنزل إلـيكم من كتابه ووحيه، علـى لسان رسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم، وما أنزل إلـيهم، يعنـي: وما أنزل علـى أهل الكتاب من الكتب، وذلك التوراة والإنـجيـل والزبور، خاشعين لله، يعنـي: خاضعين لله بـالطاعة، مستكينـين له بها متذللـين. كما:

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي ابن زيد فـي قوله: {خَـٰشِعِينَ للَّهِ } قال: الـخاشع: الـمتذلل لله الـخائف.

ونصب قوله: {خَـٰشِعِينَ للَّهِ } علـى الـحال من قوله: {لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ } وهو حال مَّـما فـي «يؤمن» من ذكر «من».

{لاَ يَشْتَرُونَ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً } يقول: لا يحرّفون ما أنزل إلـيهم فـي كتبه من نعت مـحمد صلى الله عليه وسلم فـيبدلونه، ولا غير ذلك من أحكامه وحججه فـيه، لعرض من الدنـيا خسيس، يعطونه علـى ذلك التبديـل، وابتغاء الرياسة علـى الـجهال، ولكن ينقادون للـحقّ، فـيعملون بـما أمرهم الله به، فـيـما أنزل إلـيهم من كتبه، وينتهون عما نهاهم عنه فـيها، ويؤثرون أمر الله تعالـى علـى هوى أنفسهم.

القول فـي تأويـل قوله: {أُوْلـئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ }.

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {أُوْلـئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ }: هؤلاء الذين يؤمنون بـالله، وما أنزل إلـيكم، وما أنزل إلـيهم، لهم أجرهم عند ربهم؛ يعنـي: لهم عوض أعمالهم التـي عملوها، وثواب طاعتهم ربهم فـيـما أطاعوه فـيه عند ربهم، يعنـي: مذخور ذلك لهم لديه، حتـى يصيروا إلـيه فـي القـيامة، فـيوفـيهم ذلك {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ } وسرعة حسابه تعالـى ذكره، أنه لا يخفـى علـيه شيء من أعمالهم قبل أن يعملوها، وبعد ما عملوها، فلا حاجة به إلـى إحصاء عدد ذلك، فـيقع فـي الإحصاء إبطاء، فلذلك قال: {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ }.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۝٢٠٠

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: اصبروا علـى دينكم، وصابروا الكفـار ورابطوهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن الـمبـارك بن فضالة، عن الـحسن أنه سمعه يقول فـي قول الله: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ } قال: أمرهم أن يصبروا علـى دينهم، ولا يدعوه لشدّة ولا رخاء، ولا سرّاء ولا ضرّاء، وأمرهم أن يصابروا الكفـار، وأن يرابطوا الـمشركين.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ }: أي اصبروا علـى طاعة الله، وصابروا أهل الضلالة، ورابطوا فـي سبـيـل الله، {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ } يقول: صابروا الـمشركين، ورابطوا فـي سبـيـل الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج: {ٱصْبِرُواْ } علـى الطاعة، {وَصَابِرُواْ } أعداء الله، {وَرَابِطُواْ } فـي سبـيـل الله.

حدثنـي يحيـى بن أبـي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك فـي قوله: {ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ } قال: اصبروا علـى ما أمرتـم به، وصابروا العدوّ ورابطوهم.

وقال آخرون: معنى ذلك: اصبروا علـى دينكم، وصابروا وعدي إياكم علـى طاعتكم لـي، ورابطوا أعداءكم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي أبو صخر، عن مـحمد بن كعب القرظي، أنه كان يقول فـي هذه الآية: {ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ } يقول: اصبروا علـى دينكم، وصابروا الوعد الذي وعدتكم، ورابطوا عدوّي وعدوّكم، حتـى يترك دينه لدينكم.

وقال آخرون: معنى ذلك: اصبروا علـى الـجهاد، وصابروا عدوّكم ورابطوهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلـم فـي قوله: {ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ } قال: اصبروا علـى الـجهاد، وصابروا عدوّكم، ورابطوا علـى عدوّكم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا مطرف بن عبد الله الـمرّي، قال: ثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلـم، قال: كتب أبو عبـيدة بن الـجراح إلـى عمر بن الـخطاب، فذكر له جموعاً من الروم وما يتـخوّف منهم، فكتب إلـيه عمر: أما بعد، فإنه مهما نزل بعبد مؤمن منزلة شدة يجعل الله بعدها فرجاً، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله يقول فـي كتابه: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.

وقال آخرون: معنى: {وَرَابِطُواْ }: أي رابطوا علـى الصلوات: أي انتظروها واحدة بعد واحدة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبـير، قال: ثنـي داود بن صالـح، قال: قال لـي أبو سلـمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي هل تدري فـي أيّ شيء نزلت هذه الآية {ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ }؟ قال: قلت لا. قال: إنه يا ابن أخي لـم يكن فـي زمان النبـيّ صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فـيه، ولكنه انتظار الصلاة خـلف الصلاة.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا ابن فضيـل، عن عبد الله بن سعيد الـمقبري، عن جدّه، عن شرحبـيـل عن علـيّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ألا أدُلُّكُمْ علـى ما يُكَفِّرُ اللَّهُ بِهِ الذُّنُوبَ والـخَطايا؟ إسْبـاغُ الوُضُوءِ علـى الـمَكارِهِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكَ الرّبـاطُ

حدثنا موسى بن سهل الرملي، قال: ثنا يحيـى بن واضح، قال: ثنا محمد بن مهاجر، قال: ثنـي يحيى بن زيد، عن زيد بن أبي أنيسة، عن شرحبيل، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ألا أدُلكُمْ على ما يَمْحُو اللَّهَ بِهِ الخطايا ويُكَفِّرُ بِهِ الذُّنُوبَ؟ قال: قلنا بلى يا رسول الله! قال: إسْباغُ الوضُوءِ فِـي أماكِنِها، وكَثْرَةُ الخَطا إلـى الـمَساجِدِ، وَانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرّبـاطُ

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا خالد بن مخـلد، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبـيه، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ألا أدُلُّكُمْ علـى ما يَحُطُّ اللَّهُ بِهِ الـخَطايا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجاتِ؟ قالوا: بلـى يا رسول الله. قال: إسْبـاغُ الُوضُوءِ عِنْدَ الـمَكارِهِ، وكَثْرَةُ الـخُطا إلـى الـمَساجِدِ، وَانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرّبـاطُ فَذَلِكُمُ الرّبـاطُ»

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا إسماعيـل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبـيه، عن أبـي هريرة، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، بنـحوه.

وأولـى التأويلات بتأويـل الآية، قول من قال فـي ذلك: {يا أيُّها ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ }: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، اصبروا علـى دينكم، وطاعة ربكم، وذلك أن الله لـم يخصص من معانـي الصبر علـى الدين والطاعة شيئاً فـيجوز إخراجه من ظاهر التنزيـل. فلذلك قلنا إنه عنى بقوله: {ٱصْبِرُواْ } الأمر بـالصبر علـى جميع معانـي طاعة الله فـيـما أمر ونهى، صعبها وشديدها، وسهلها وخفـيفها. {وَصَابِرُواْ } يعنـي: وصابروا أعداءكم من الـمشركين.

وإنـما قلنا ذلك أولـى بـالصواب، لأن الـمعروف من كلام العرب فـي الـمفـاعلة، أن تكون من فريقـين، أو اثنـين فصاعداً، ولا تكون من واحد إلا قلـيلاً فـي أحرف معدودة، وإذ كان ذلك كذلك، فإنـما أمر الـمؤمنون أن يصابروا غيرهم من أعدائهم، حتـى يظفرهم الله بهم، ويعلـي كلـمته، ويخزي أعداءهم، وأن لا يكن عدوّهم أصبر منهم. وكذلك قوله {وَرَابِطُواْ } معناه: ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم من أهل الشرك فـي سبـيـل الله. وأرى أنّ أصل الربـاط: ارتبـاط الـخيـل للعدوّ، كما ارتبط عدوّهم لهم خيـلهم، ثم استعمل ذلك فـي كل مقـيـم فـي ثغر، يدفع عمن وراءه من أراده من أعدائهم بسوء، ويحمي عنهم من بـينه وبـينهم، مـمن بغاهم بشرّ كان ذا خيـل قد ارتبطها، أو ذا رُجْلة لا مركب له.

وإنـما قلنا: معنى {وَرَابِطُواْ }: ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم، لأن ذلك هو الـمعنى الـمعروف من معانـي الربـاط. وإنـما توجه الكلام إلـى الأغلب الـمعروف فـي استعمال الناس من معانـيه دون الـخفـيّ، حتـى يأتـي بخلاف ذلك ما يوجب صرفه إلـى الـخفـيّ من معانـيه حجةٌ يجب التسلـيـم لها من كتاب أو خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إجماع من أهل التأويـل.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.

يعنـي بذلك تعالـى ذكره: واتقوا الله أيها الـمؤمنون، واحذروه أن تـخالفوا أمره، أو تتقدّموا نهيه، {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } يقول: لتفلـحوا فتبقوا فـي نعيـم الأبد، وتنـجحوا فـي طلبـاتكم عنده. كما:

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي أبو صخر، عن مـحمد بن كعب القرظي أنه كان يقول فـي قوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }: واتقوا الله فـيـما بـينـي وبـينكم لعلكم تفلـحون غداً إذا لقـيتـمونـي.

السبت، 24 أكتوبر 2026 13 جمادى الأولى 1448 هـ