انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير الطبريالآيات 129–140

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة آل عمران

الخلاصة من تفسير الطبري · 11 مقطعًا · 3:01:26

  1. 1 الآيات 113–132في هذه الصفحة 16:49
  2. 2 الآيات 133–152في هذه الصفحة 17:49

التفسير الصوتي لسورة آل عمران كاملًا (11 مقطعًا)

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝١٢٩

يعني بذلك تعالى ذكره: ليس لك يا محمد من الأمر شيء، ولله جميع ما بين أقطار السموات والأرض من مشرق الشمس إلى مغربها دونك ودونهم، يحكم فـيهم بما شاء، ويقضي فيهم ما أحبّ، فـيتوب علـى من أحبّ من خلقه العاصين أمره ونهيه، ثم يغفر له ويعاقب من شاء منهم علـى جرمه، فينتقم منه، وهو الغفور الذي يستر ذنوب من أحبّ أن يستر علـيه ذنوبه من خـلقه بفضله علـيهم بـالعفو والصفح، والرحيـم بهم فـي تركه عقوبتهم عاجلاً علـى عظيـم ما يأتون من الـمآثم. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }: أي يغفر الذنوب، ويرحم العبـاد علـى ما فـيهم.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوا۟ ٱلرِّبَوٰٓا۟ أَضْعَٰفًا مُّضَٰعَفَةً وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۝١٣٠

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بـالله ورسوله، لا تأكلوا الربـا فـي إسلامكم، بعد إذ هداكم له، كما كنتـم تأكلونه فـي جاهلـيتكم. وكان أكلهم ذلك فـي جاهلـيتهم أن الرجل منهم كان يكون له علـى الرجل مال إلـى أجل، فإذا حلّ الأجل طلبه من صاحبه، فـيقول له الذي علـيه الـمال: أخر عنـي دينك، وأزيدك علـى مالك! فـيفعلان ذلك، فذلك هو الربـا أضعافـاً مضاعفة، فنهاهم الله عزّ وجلّ فـي إسلامهم عنه. كما:

حدثنا مـحمد بن سنان، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: كانت ثقـيف تَداين فـي بنـي الـمغيرة فـي الـجاهلـية، فإذا حلّ الأجل، قالوا: نزيدكم وتؤخرون! فنزلت: {لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرّبَا أَضْعَـٰفاً مُّضَـٰعَفَةً }.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرّبَا أَضْعَـٰفاً مُّضَـٰعَفَةً }: أي لا تأكلوا فـي الإسلام إذ هداكم له، ما كنتـم تأكلون إذ أنتـم علـى غيره مـما لا يحلّ لكم فـي دينكم.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عزّ وجلّ: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرّبَا أَضْعَـٰفاً مُّضَـٰعَفَةً } قال: ربـا الـجاهلـية.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال سمعت ابن زيد يقول فـي قوله: {لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرّبَا أَضْعَـٰفاً مُّضَـٰعَفَةً } قال: كان أبـي يقول: إنـما كان الربـا فـي الـجاهلـية فـي التضعيف وفـي السنّ، يكون للرجل فضل دين، فـيأتـيه إذا حلّ الأجل، فـيقول له: تقضينـي أو تزيدنـي؟ فإن كان عنده شيء يقضيه قضى، وإلا حوّله إلـى السنّ التـي فوق ذلك، إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون فـي السنة الثانـية، ثم حقة، ثم جذعة ثم ربـاعياً، ثم هكذا إلـى فوق. وفـي العين يأتـيه، فإن لـم يكن عنده أضعفه فـي العام القابل، فإن لـم يكن عنده أضعفه أيضاً، فتكون مائة فـيجعلها إلـى قابل مائتـين، فإن لـم يكن عنده جعلها أربعمائة، يضعفها له كل سنة، أو يقضيه. قال: فهذا قوله: {لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرّبَا أَضْعَـٰفاً مُّضَـٰعَفَةً }.

وأما قوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } فإنه يعنـي: واتقوا الله أيها الـمؤمنون فـي أمر الربـا فلا تأكلوه، وفـي غيره مـما أمركم به، أو نهاكم عنه، وأطيعوه فـيه لعلكم تفلـحون، يقول: لتنـجحوا فتنـجوا من عقابه، وتدركوا ما رغبكم فـيه من ثوابه، والـخـلود فـي جنانه. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }: أي فأطيعوا الله لعلكم أن تنـجوا مـما حذّركم من عذابه، وتدركوا ما رغبكم فـيه من ثوابه.

وَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِىٓ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ ۝١٣١

يقول تعالـى ذكره للـمؤمنـين: واتقوا أيها الـمؤمنون النار أن تصلوها بأكلكم الربـا بعد نهيـي إياكم عنه التـي أعددتها لـمن كفر بـي، فتدخـلوا مداخـلهم بعد إيـمانكم بـي بخلافكم أمري، وترككم طاعتـي. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ } التـي جعلت داراً لـمن كفر بـي.

وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ۝١٣٢

يعني بذلك جلّ ثناؤه: وأطيعوا الله أيها المؤمنون فيما نهاكم عنه من أكل الربا وغيره من الأشياء، وفيما أمركم به الرسول. يقول: وأطيعوا الرسول أيضاً كذلك لعلكم ترحمون، يقول: لترحموا فلا تعذّبوا.

وقد قـيـل: إن ذلك معاتبة من الله عزّ وجلّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خالفوا أمره يوم أُحد، فأخـلوا بمراكزهم التي أمروا بالثبات عليها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة عن ابن إسحاق: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } معاتبة للذين عصوا رسوله حين أمرهم بـالذي أمرهم به فـي ذلك الـيوم وفـي غيره، يعنـي فـي يوم أُحد.

وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ۝١٣٣

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {وَسَارِعُواْ } وبـادروا وسابقوا إلـى مغفرة من ربكم، يعنـي: إلـى ما يستر علـيكم ذنوبكم من رحمته، وما يغطيها علـيكم من عفوه عن عقوبتكم علـيها {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } يعنى سارعوا أيضاً إلـى جنة عرضها السموات والأرض، ذكر أن معنى ذلك: وجنة عرضها كعرض السموات السبع، والأرضين السبع، إذا ضمّ بعضها إلـى بعض. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } قال: قال ابن عبـاس: تقرن السموات السبع والأرضون السبع، كما تقرن الثـياب بعضها إلـى بعض، فذاك عرض الـجنة.

وإنـما قـيـل: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } فوصف عرضها بـالسموات والأرضين، والـمعنى ما وصفنا من وصف عرضها بعرض السموات والأرض، تشبـيهاً به فـي السعة والعظم، كما قـيـل:

{ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وٰحِدَةٍ }[لقمان: 28] يعنـي إلا كبعث نفس واحدة، وكما قال الشاعر:

كأنَّ عَذِيرَهُمْ بجَنُوبِ سِلَّـى نَعامٌ قَاقَ فَـي بَلَدٍ قِـفـارِ

أي عذير نعام، وكما قال الآخر:

حَسِبْتُ بُغامَ رَاحِلَتـي عَناقاً وَما هِيَ وَيْبَ غَيْرِكَ بـالْعَناقِ

يريد صوت عناق. وقد ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل فقـيـل له: هذه الـجنة عرضها السموات والأرض، فأين النار؟ فقال: هَذَا النَّهارُ إذَا جَاءَ، أيْنَ اللَّـيْـلُ؟

ذكر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي مسلـم بن خالد، عن ابن خثـيـم، عن سعيد بن أبـي راشد، عن يعلـى بن مرة، قال: لقـيت التنوخيّ رسول هرقل إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص شيخاً كبـيراً قد أقعد، قال: قدمت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب هرقل، فناول الصحيفة رجلاً عن يساره، قال: قلت من صاحبكم الذي يقرأ؟ قالوا: معاوية، فإذا هو: إنك كتبت تدعونـي إلـى جنة عرضها السموات والأرض أعدّت للـمتقـين، فأين النار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

سُبْحانَ اللَّهِ، فأيْنَ اللَّـيْـلُ إذَا جاءَ النَّهارُ؟

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفـيان، عن قـيس بن مسلـم، عن طارق بن شهاب: أن ناساً من الـيهود سألوا عمر بن الـخطاب عن جنة عرضها السموات والأرض، أين النار؟ قال: «أرأيتـم إذا جاء اللـيـل أين يكون النهار؟» فقالوا: اللهمّ نزعْتَ مثله من التوراة.

حدثنـي مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قـيس بن مسلـم، عن طارق بن شهاب: أن عمر أتاه ثلاثة نفر من أهل نـجران، فسألوه وعنده أصحابه، فقالوا: أرأيت قوله: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } فأين النار؟ فأحجم الناس، فقال عمر: «أرأيتـم إذا جاء اللـيـل، أين يكون النهار؟ وإذا جاء النهار، أين يكون اللـيـل؟» فقالوا: نزعت مثلها من التوراة.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: أخبرنا شعبة، عن إبراهيـم بن مهاجر، عن طارق بن شهاب، عن عمر، بنـحوه فـي الثلاثة الرهط الذين أتوا عمر، فسألوه عن جنة عرضها كعرض السموات والأرض، بـمثل حديث قـيس بن مسلـم.

حدثنا مـجاهد بن موسى، قال: ثنا جعفر بن عون، أخبرنا الأعمش، عن قـيس بن مسلـم، عن طارق بن شهاب، قال: جاء رجل من الـيهود إلـى عمر، فقال: تقولون: جنة عرضها السموات والأرض أين تكون النار؟ فقال له عمر: أرأيت النهار إذا جاء، أين يكون اللـيـل؟ أرأيت اللـيـل إذا جاء، أين يكون النهار؟ فقال: إنه لـمثلها فـي التوراة، فقال له صاحبه: لـم أخبرته؟ فقال له صاحبه: دعه إنه بكلٍّ موقنٌ.

حدثنـي أحمد بن حازم، قال: أخبرنا أبو نعيـم، قال: ثنا جعفر بن برقان، قال: ثنا يزيد بن الأصم أن رجلاً من أهل الكتاب أتـى ابن عبـاس، فقال: تقولون جنة عرضها السموات والأرض، فأين النار؟ فقال ابن عبـاس: أرأيت اللـيـل إذا جاء، أين يكون النهار؟ وإذا جاء النهار، أين يكون اللـيـل؟

وأما قوله: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } فإنه يعنـي: إن الـجنة التـي عرضها كعرض السموات والأرضين السبع أعدها الله للـمتقـين، الذين اتقوا الله، فأطاعوه فـيـما أمرهم ونهاهم، فلـم يتعدّوا حدوده، ولـم يقصروا فـي واجب حقه علـيهم فـيضيعوه. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: {وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَاتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ }: أي ذلك لـمن أطاعنـي وأطاع رسولـي.

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝١٣٤

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاء وَٱلضَّرَّاءِ } أُعدت الـجنة التـي عرضها السموات والأرض للـمتقـين، وهم الـمنفقون أموالهم فـي سبـيـل الله، إما فـي صرفه علـى مـحتاج، وإما فـي تقوية مضعف علـى النهوض للـجهاد فـي سبـيـل الله.

وأما قوله: {فِى السَّرَّاء } فإنه يعنـي: فـي حال السرور بكثرة الـمال، ورخاء العيش والسرّاء: مصدر من قولهم سرّنـي هذا الأمر مسرّة وسروراً؛ والضراء: مصدر من قولهم: قد ضرّ فلان فهو يضرّ إذا أصابه الضرّ، وذلك إذا أصابه الضيق والـجهد فـي عيشه.

حدثنا مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاء وَٱلضَّرَّاء } يقول: فـي العسر والـيسر.

فأخبر جلّ ثناؤه أن الـجنة التـي وصف صفتها لـمن اتّقاه وأنفق ماله فـي حال الرخاء والسعة وفـي حال الضيق والشدة فـي سبـيـله.

وقوله: {وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ } يعني: والجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه، يقال منه: كظم فلان غيظه: إذا تـجرّعه فحفظ نفسه من أن تـمضي ما هي قادرة على إمضائه بـاستـمكانها مـمن غاظها وانتصارها مـمن ظلـمها. وأصل ذلك من كظم القربة، يقال منه: كظمتُ القربة: إذا ملأتها ماء، وفلان كظيم ومكظوم إذا كان مـمتلئاً غمّاً وحزناً، ومنه قول الله عزّ وجلّ، {وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ } يعني ممتلىء من الحزن، ومنه قيل لمجاري المياه الكظائم لامتلائها بالماء، ومن قيل: أخذت بكظمه يعني بمجاري نفسه. والغيظ: مصدر من قول القائل: غاظني فلان فهو يغيظنـي غيظاً، وذلك إذا أحفظه وأغضبه.

وأما قوله: {وَٱلْعَـٰفِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ } فإنه يعنـي: والصافحين عن الناس عقوبة ذنوبهم إلـيهم، وهم علـى الانتقام منهم قادرون، فتاركوها لهم.

وأما قوله {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } فإنه يعنـي: فإن الله يحبّ من عمل بهذه الأمور التـي وصف أنه أعدّ للعاملـين بها الـجنة التـي عرضها السموات والأرض. والعاملون بها هم الـمـحسنون، وإحسانهم هو عملهم بها. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاء وَٱلضَّرَّاء }... الآية: {وَٱلْعَـٰفِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } أي وذلك الإحسان، وأنا أحبّ من عمل به.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاء وَٱلضَّرَّاء وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَـٰفِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ }: قوم أنفقوا فـي العسر والـيسر، والـجهد والرخاء، فمن استطاع أن يغلب الشرّ بـالـخير فلـيفعل، ولا قوّة إلا بـالله، فنعمت والله يا ابن آدم الـجرعة تـجترعها من صبر وأنت مغيظ وأنت مظلوم.

حدثنـي موسى بن عبد الرحمن، قال: ثنا مـحمد بن بشر، قال: ثنا مـحرز أبو رجاء، عن الـحسن، قال: يقال يوم القـيامة: لـيقم من كان له علـى الله أجر! فما يقوم إلا إنسان عفـا. ثم قرأ هذه الآية: {وَٱلْعَـٰفِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ }.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا داود بن قـيس، عن زيد بن أسلـم، عن رجل من أهل الشام يقال له عبد الـجلـيـل، عن عمّ له، عن أبـي هريرة فـي قوله: {وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ } أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال:

مَنْ كَظَمَ غَيْظا وَهُوَ يَقْدِرُ علـى إنْفَـاذِهِ مَلأَهُ اللَّهُ أمْناً وإيـماناً

حدثنـي مـحمد بن سعد قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ }... إلـى الآية: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ }، فـالكاظمين الغيظ كقوله:

{ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ }[الشورى: 37]؛ يغضبون فـي الأمر لو وقعوا به كان حراماً فـيغفرون ويعفون، يـلتـمسون بذلك وجه الله؛ {وَٱلْعَـٰفِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ } كقوله: { وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ }[النور: 22]... إلـى: { أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ }[النور: 22] يقول: لا تقسموا علـى أن لا تعطوهم من النفقة شيئا واعفوا واصفحوا.

وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا۟ فَٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا۟ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۝١٣٥

يعني بقوله جلّ ثناؤه: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً }: أن الجنة التي وصف صفتها أعدت للمتقين، المنفقين في السرّاء والضرّاء، والذين إذا فعلوا فاحشة وجميع هذه النعوت من صفة المتقين الذين قال تعالـى ذكره:

{ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ }[آل عمران: 133]. كما:

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا جعفر بن سلـيـمان، عن ثابت البنانـي، قال: سمعت الـحسن قرأ هذه الآية:

{ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاء وَٱلضَّرَّاء وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَـٰفِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ }[آل عمران: 134]، ثم قرأ: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ }... إلـى {أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ } فقال: إن هذين النعتـين لنعت رجل واحد.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مـجاهد: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ } قال: هذان ذنبـان: الفـاحشة ذنب، وظلـموا أنفسهم ذنب.

وأما الفـاحشة فهي صفة لـمتروك، ومعنى الكلام: والذين إذا فعلوا فعلة فـاحشة. ومعنى الفـاحشة: الفعلة القبـيحة الـخارجة عما أذن الله عزّ وجلّ فـيه. وأصل الفحش القبح والـخروج عن الـحدّ والـمقدار فـي كل شيء، ومنه قـيـل للطويـل الـمفرط الطول: إنه لفـاحش الطول، يراد به: قبـيح الطول، خارج عن الـمقدار الـمستـحسن؛ ومنه قـيـل للكلام القبـيح غير القصد: كلام فـاحش، وقـيـل للـمتكلـم به: أفحش فـي كلامه: إذا نطق بفحش. وقـيـل: إن الفـاحشة فـي هذا الـموضع معنّـي بها الزنا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا العبـاس بن عبد العظيـم، قال: ثنا حبـان، قال: ثنا حماد، عن ثابت، عن جابر: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً } قال: زنى القوم وربّ الكعبة.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً } أما الفـاحشة: فـالزنا.

وقوله: {أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ } يعنـي به: فعلوا بأنفسهم غير الذي كان ينبغي لهم أن يفعلوا بها. والذي فعلوا من ذلك ركوبهم من معصية الله ما أوجبوا لها به عقوبته. كما

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم، قوله: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ } قال: الظلـم من الفـاحشة، والفـاحشة من الظلـم.

وقوله: {ذَكَرُواْ ٱللَّهَ } يعنـي بذلك ذكروا وعيد الله علـى ما أتوا من معصيتهم إياه. {فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ } يقول: فسألوا ربهم أن يستر علـيهم ذنوبهم بصفحه لهم عن العقوبة علـيها. {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ } يقول: وهل يغفر الذنوب: أي يعفو عن راكبها فـيسترها علـيه إلا الله؟ {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ } يقول: ولـم يقـيـموا علـى ذنوبهم التـي أتوها، ومعصيتهم التـي ركبوها {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } يقول: لـم يقـيـموا علـى ذنوبهم عامدين للـمقام علـيها، وهم يعلـمون أن الله قد تقدّم بـالنهي عنها، وأوعد علـيها العقوبة، من ركبها. وذكر أن هذه الآية أنزلت خصوصاً بتـخفـيفها ويسرها أُمَّتَنا مـما كانت بنو إسرائيـل مـمتـحنة به من عظيـم البلاء فـي ذنوبها.

حدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبـي ربـاح: أنهم قالوا: يا نبـي الله، بنو إسرائيـل أكرم علـى الله منا، كانوا إذا أذنب أحدهم أصبحت كفـارة ذنبه مكتوبة فـي عتبة بـابه: اجدع أذنك، أجدع أنفك، افعل! فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت:

{ وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوٰتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ }[آل عمران: 133]... إلـى قوله: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ }، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرٍ مِنَ ذَلِكَ؟ فقرأ هؤلاء الآيات.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي عمر ابن أبـي خـلـيفة العبديّ، قال: ثنا علـيّ بن زيد بن جدعان، قال: قال ابن مسعود: كانت بنو إسرائيـل إذا أذنبوا، أصبح مكتوباً علـى بـابه الذنب وكفـارته، فأعطينا خيراً من ذلك هذه الآية.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيـى بن واضح، قال: ثنا جعفر بن سلـيـمان، عن ثابت البنانـي، قال: لـما نزلت:

{ وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ }[النساء: 110] بكى إبلـيس فزعاً من هذه الآية.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا جعفر بن سلـيـمان، عن ثابت البنانـي، قال: بلغنـي أن إبلـيس حين نزلت هذه الآية: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ } بكى.

حدثنا مـحمد بن المثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت عثمان مولى آل أبي عقيل الثقفي، قال: سمعت عليّ بن ربيعة، يحدث عن رجل من فزارة يقال له أسماء أو ابن أسماء، عن عليّ، قال: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، نفعنـي الله بما شاء أن ينفعني، فحدثني أبو بكر ـ وصدق أبو بكر ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:

ما مِنْ عَبْدٍ قال شعبة: وأحسبه قال مُسْلِـمٍ يُذْنِبُ ذَنْبا ثم يَتَوضَّأُ ثم يُصَّلِّـي ركْعَتَـيْنِ، ثم يَسْتَغْفِرُ الله لِذَلِكَ الذَّنْبِ... وقال شعبة: وقرأ إحدى هاتـين الآيتـين: { مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ }[النساء: 123] {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ }.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، وحدثنا الفضل بن إسحاق، قال: ثنا وكيع، عن مسعر وسفـيان، عن عثمان بن الـمغيرة الثقـفي، عن علـيّ بن ربـيعة الوالبي، عن أسماء بن الـحكم الفزاري، عن علـيّ بن أبـي طالب قال: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً نفعنـي الله بـما شاء منه، وإذا حدثنـي عنه غيره، استـحلفته، فإذا حلف لـي صدقته؛ وحدثنـي أبو بكر وصدق أبو بكر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ما مِنْ رَجُلٍ يَذْنِبُ ذَنْبا ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يُصَلِّـي»، قال أحدهما: «رَكْعَتَـيْنِ» وقال الآخر: «ثُمَّ يُصَلِّـي وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهُ إلاَّ غَفَرَ لَهُ»

حدثنا الزبـير بن بكار، قال: ثنـي سعد بن أبـي سعيد الـمقبري، عن أخيه، عن جده عن علـيّ بن أبـي طالب أنه قال: ما حدثنـي أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سألته أن يقسم لـي بـالله لهو سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أبـا بكر، فإنه كان لا يكذب. قال علـيّ رضي الله عنه: فحدثنـي أبو بكر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

ما مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبا ثُمَّ يَقُومُ عِنْدَ ذِكْرِ ذَنْبِهِ فَـيَتَوَضَّأُ ثُمَّ يُصَلِّـي رَكْعَتَـيْنِ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْ ذَنْبِهِ ذَلِكَ إلاَّ غَفَرهُ اللَّهُ لَهُ

وأما قوله {ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ } فإنه كما بـينا تأويـله؛ وبنـحو ذلك كان أهل التأويـل يقولون.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، ثنا ابن إسحاق: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً }: أي إن أتوا فـاحشة {أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ } بـمعصية ذكروا نهي الله عنها، وما حرّم الله عنها، فـاستغفروا لها، وعرفوا أنه لا يغفر الذنوب إلا هو.

وأما قوله: {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ } فإن اسم الله مرفوع، ولا جحد قبله، وإنـما يرفع ما بعده إلا بـاتبـاعه ما قبله إذا كان نكرة ومعه جحد، كقول القائل: ما فـي الدار أحد إلا أخوك؛ فأما إذا قـيـل: قام القوم إلا أبـاك، فإن وجه الكلام فـي الأب النصب. و «مَنْ» بصلته فـي قوله: {وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ } معرفة فإن ذلك إنـما جاء رفعاً، لأن معنى الكلام: وهل يغفر الذنوب أحد، أو ما يغفر الذنوب أحد إلا الله، فرفع ما بعد إلا من الله علـى تأويـل الكلام، لا علـى لفظه.

وأما قوله: {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي تأويـل الإصرار ومعنى الكلـمة؛ فقال بعضهم: معنى ذلك: لـم يثبتوا علـى ما أتوا من الذنوب، ولـم يقـيـموا علـيه، ولكنهم تابوا واستغفروا، كما وصفهم الله به. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فإياكم والإصرار، فإنـما هلك الـمصرّون الـماضون قُدُماً، لا ينهاهم مخافة الله عن حرام حرَّمه الله علـيهم، ولا يتوبون من ذنب أصابوه، حتـى أتاهم الـموت وهم علـى ذلك.

حدثنا الـحسن بن يحيـى قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } قال: قُدُماً قُدُماً فـي معاصي الله، لا ينهاهم مخافة الله حتـى جاءهم أمر الله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {لا يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }: أي لـم يقـيـموا علـى معصيتـي، كفعل من أشرك بـي فـيـما عملوا به من كفر بـي.

وقال آخرون: معنى ذلك: لـم يواقعوا الذنب إذا هموا به. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الـحسن فـي قوله: {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ } قال: إتـيان العبد ذنبـاً إصراراً حتـى يتوب.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عزّ وجلّ: {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ } قالوا: لـم يواقعوا.

وقال آخرون: معنى الإصرار: السكوت علـى الذنب، وترك الاستغفـار. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }: أما يصرّوا: فـيسكتوا ولا يستغفروا.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب عندنا قول من قال: الإصرار الإقامة علـى الذنب عامداً، أو ترك التوبة منه. ولا معنى لقول من قال: الإصرار علـى الذنب: هو مواقعته؛ لأن الله عزّ وجلّ مدح بترك الإصرار علـى الذنب مواقع الذنب، فقال: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}؛ ولو كان الـمواقع الذنب مصراً بـمواقعته إياه، لـم يكن للاستغفـار وجه مفهوم، لأن الاستغفـار من الذنب إنـما هو التوبة منه والندم، ولا يعرف للاستغفـار من ذنب لـم يواقعه صاحبه وجه. وقد رُوي عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

ما أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وإنْ عادَ فِـي الـيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً

حدثنـي بذلك الـحسين بن يزيد السبـيعي، قال: ثنا عبد الـحميد الـحمانـي، عن عثمان بن واقد، عن أبـي نصيرة، عن مولـى لأبـي بكر، عن أبـي بكر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلو كان مواقع الذنب مصرّا، لـم يكن لقوله

ما أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وإنْ عادَ فِـي الـيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً معنى، لأن مواقعة الذنب، إذا كانت هي الإصرار، فلا يزيـل الاسم الذي لزمه معنى غيره، كما لا يزيـل عن الزانـي اسم زان، وعن القاتل اسم قاتل توبته منه، ولا معنى غيرها، وقد أبـان هذا الـخبر أن الـمستغفر من ذنبه غير مصرّ علـيه، فمعلوم بذلك أن الإصرار غير الـموقعة، وأنه الـمقام علـيه علـى ما قلنا قبل.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قولهم: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فقال بعضهم: معناه: وهم يعلـمون أنهم قد أذنبوا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: أما {وَهُمْ يَعْلَمُونَ }: فـيعلـمون أنهم قد أذنبوا، ثم أقاموا فلـم يستغفروا.

وقال آخرون: معنى ذلك: وهم يعلـمون أن الذي أتوا معصية الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } قال: يعلـمون ما حرمت علـيهم من عبـادة غيري.

قال أبو جعفر: وقد تقدم بـياننا أولـى ذلك بـالصواب.

أُو۟لَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَٰمِلِينَ ۝١٣٦

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: أولئك الذين ذكر أنه أعدّ لهم الـجنة التـي عرضها السموات والأرض من الـمتقـين، ووصفهم به، ثم قال: هؤلاء الذين هذه صفتهم {جَزَآؤُهُمْ } يعنـي ثوابهم من أعمالهم التـي وصفهم تعالـى ذكره أنهم عملوها، {مَّغْفِرَةٌ مّن رَّبِّهِمْ } يقول: عفو لهم من الله عن عقوبتهم علـى ما سلف من ذنوبهم، ولهم علـى ما أطاعوا الله فـيه من أعمالهم بـالـحسن منها جنات، وهي البساتـين {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } يقول: تـجري خلال أشجارها الأنهار، وفـي أسافلها جزاء لهم علـى صالـح أعمالهم، {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } يعنـي دائمي الـمقام فـي هذه الـجنات التـي وصفها، {وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ } يعنـي ونعم جزاء العاملـين لله الـجنات التـي وصفها كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {أُوْلَـئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ }: أي ثواب الـمطيعين.

قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ۝١٣٧

يعنـي بقوله تعالـى ذكره: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } مضت وسلفت مني فيمن كان قبلكم يا معشر أصحاب محمد وأهل الإيـمان به، من نحو قوم عاد وثمود، وقوم هود، وقوم لوط وغيرهم من سُلاف الأمـم قبلكم سنن، يعني ثلات سير بها فـيهم وفيمن كذبوا به من أنبـيائهم الذين أرسلوا إلـيهم، بإمهالـي أهل التكذيب بهم، واستدراجي إياهم، حتـى بلغ الكتاب فـيهم أجله الذي أجلته لإدالة أنبـيائهم وأهل الإيـمان بهم علـيهم، ثم أحللت بهم عقوبتـي، ونزلت بساحتهم نقمتـي، فتركتهم لـمن بعدهم أمثالاً وعبراً. {فَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذّبِينَ } يقول: فسيروا أيها الظانون أن إدالتـي من أدلت من أهل الشرك يوم أُحد علـى مـحمد وأصحابه لغير استدراج منـي لـمن أشرك بـي، وكفر برسلـي، وخالف أمري فـي ديار الأمـم الذين كانوا قبلكم، مـمن كان علـى مثل الذي علـيه هؤلاء الـمكذّبون برسولـي، والـجاحدون وحدانـيتـي، فـانظروا كيف كان عاقبة تكذيبهم أنبـيائي، وما الذي آل إلـيه عن خلافهم أمري، وإنكارهم وحدانـيتـي، فتعلـموا عند ذلك أن إدالتـي من أدلت من الـمشركين علـى نبـي مـحمد وأصحابه بأحد، إنـما هي استدراج وإمهال، لـيبلغ الكتاب أجله الذي أجلت لهم، ثم إما أن يئول حالهم إلـى مثل ما آل إلـيه حال الأمـم الذين سلفوا قبلهم من تعجيـل العقوبة علـيهم، أو ينـيبوا إلـى طاعتـي واتبـاع رسولـي.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر، قال: ثنا عبـاد، عن الـحسن فـي قوله: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذّبِينَ } فقال: ألـم تسيروا فـي الأرض، فتنظروا كيف عذّب الله قوم نوح، وقوم لوط، وقوم صالـح، والأمـم التـي عذب الله عزّ وجلّ؟

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } يقول: فـي الكفـار والـمؤمنـين، والـخير والشر.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } فـي الـمؤمنـين والكفـار.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: استقبل ذكر الـمصيبة التـي نزلت بهم ـ يعنـي بـالـمسلـمين يوم أحد ـ والبلاء الذي أصابهم، والتـمـحيص لـما كان فـيهم، واتـخاذه الشهداء منهم، فقال تعزية لهم، وتعريفاً لهم فـيـما صنعوا وما هو صانع بهم: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذّبِينَ } أي قد مضت منـي وقائع نقمة فـي أهل التكذيب لرسلـي والشرك بـي: عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين، فسيروا فـي الأرض تروا مُثلات قد مضت فـيهم، ولـمن كان علـى مثل ما هم علـيه من ذلك منـي، وإن أمكنت لهم: أي لئلا يظنوا أن نقمتـي انقطعت عن عدوّهم وعدّوي للدولة التـي أدلتها علـيكم بها؛ لأبتلـيكم بذلك، لأعلـم ما عندكم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذّبِينَ } يقول: متعهم فـي الدنـيا قلـيلاً، ثم صيرهم إلـى النار.

وأما السنن، فإنها جمع سُنّة، والسنّة، هي الـمثال الـمتبع، والإمام الـموتـمّ به، يقال منه: سنّ فلان فـينا سنة حسنة، وسنّ سنة سيئة: إذا عمل عملاً اتبع علـيه من خير وشرّ، ومنه قول لبـيد ابن ربـيعة:

مِنْ مَعْشَرٍ سَنَّتْ لَهُمْ آبـاؤُهُمْ ولِكُلّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمامُها

وقول سلـيـمان بن قَتَّة:

وإنَّ الأُلَـى بـالطَّفّ منْ آلِ هاشمٍ تَآسَوْا فَسَنُّوا للْكِرَامِ التَّآسيا

وقال ابن زيد فـي ذلك ما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } قال: أمثال.

هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ۝١٣٨

اختلف أهل التأويـل فـي الـمعن الذي أشير إلـيه بهذا، فقال بعضهم: عَنَى بقوله هذا: القرآن. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، قال: ثنا: عبـاد، عن الـحسن فـي قوله: {هَـٰذَا بَيَانٌ لّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لّلْمُتَّقِينَ } قال: هذا القرآن.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة. قوله: {هَـٰذَا بَيَانٌ لّلنَّاسِ } وهو هذا القرآن جعله الله بياناً للناس عامة، وهدى وموعظة للمتقين خصوصاً.

حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال فـي قوله: {هَـٰذَا بَيَانٌ لّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لّلْمُتَّقِينَ } خاصة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن ابن جريج فـي قوله: {هَـٰذَا بَيَانٌ لّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لّلْمُتَّقِينَ } خاصة.

وقال آخرون: إنـما أشير بقوله هذا إلـى قوله:

{ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذّبِينَ }[آل عمران: 137] ثم قال: هذا الذي عرفتكم يا معشر أصحاب مـحمد بـيان للناس. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق بذلك.

وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب، قول من قال: قوله هذا إشارة إلـى ما تقدّم هذه الآية من تذكير الله جلّ ثناؤه الـمؤمنـين، وتعريفهم حدوده، وحضهم علـى لزوم طاعته، والصبر علـى جهاد أعدائه وأعدائهم، لأن قوله هذا إشارة إلـى حاضر، إما مرئي، وإما مسموع، وهو فـي هذا الـموضع إلـى حاضر مسموع من الآيات الـمتقدمة. فمعنى الكلام: هذا الذي أوضحت لكم وعرّفتكموه، بـيان للناس؛ يعنـي بـالبـيان: الشرح والتفسير. كما

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ } أي هذا تفسير للناس إن قبلوه.

حدثنا أحمد بن حازم والـمثنى، قالا: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا سفـيان، عن بـيان، عن الشعبـي: {هَـٰذَا بَيَانٌ لّلنَّاسِ } قال: من العَمَى.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن الشعبـي، مثله.

وأما قوله: {وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ } فإنه يعنـي بـالهدى: الدلالة علـى سبـيـل الـحقّ ومنهج الدين، وبـالـموعظة: التذكرة للصواب والرشاد. كما:

حدثنا أحمد بن حازم والـمثنى، قالا: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا سفـيان، عن بـيان، عن الشعبـي: {وَهُدًى } قال: من الضلالة، {وَمَوْعِظَةٌ } من الـجهل.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن بـيان، عن الشعبـي مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {لِّلْمُتَّقِينَ }: أي لـمن أطاعنـي وعرف أمري.

وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝١٣٩

وهذا من الله تعالى ذكره تعزية لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما أصابهم من الجراح والقتل بأُحد، قال: ولا تهنوا ولا تـحزنوا يا أصحاب محمد، يعني ولا تضعفوا بالذي نالكم من عدوّكم بأُحد من القتل والقروح، عن جهاد عدوكم وحربهم، من قول القائل: وهن فلان في هذا الأمر فهو يهن وهناً: {وَلاَ تَحْزَنُواْ }: ولا تأسوا فتجزعوا علـى ما أصابكم من الـمصيبة يومئذ، فإنكم أنتم الأعلون، يعنـي الظاهرون عليهم، ولكم العقبى فـي الظفر والنصرة عليهم، يقول: إن كنتـم مؤمنـين، يقول: إن كنتم مصدّقـي فـي نبـيـي مـحمد صلى الله عليه وسلم فيما يعدكم، وفـيـما ينبئكم من الـخبر عما يئول إلـيه أمركم وأمرهم. كما:

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، قال: كثر في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم القتل والـجراح، حتى خلص إلـى كل امرىء منهم الـيأس، فأنزل الله عزّ وجلّ القرآن، فآسى فـيه المؤمنـين بأحسن ما آسى به قوماً من المسلـمين كانوا قبلهم من الأمـم الماضية فقال: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } إلـى قوله:

{ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ } [آل عمران: 154].

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }: يعزّي أصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم كما تسمعون، ويحثهم علـى قتال عدوّهم، وينهاهم عن العجز والوهن فـي طلب عدوّهم فـي سبـيـل الله.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، قال: ثنا عبـاد، عن الـحسن، فـي قوله: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } قال: يأمر محمداً يقول: ولا تهنوا أن تمضوا في سبيل الله.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عزّ وجلّ: {وَلاَ تَهِنُواْ }: ولا تضعفوا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، فـي قوله: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا } يقول: ولا تضعفوا.

حدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {وَلاَ تَهِنُواْ } قال ابن جريج: ولا تضعفوا فـي أمر عدوكم، {وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ } قال: انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي الشعب، فقالوا: ما فعل فلان؟ ما فعل فلان؟ فنعى بعضهم بعضاً، وتـحدثوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، فكانوا فـي همّ وحزن. فبـينـما هم كذلك، إذ علا خالد بن الولـيد الـجبل بخيـل الـمشركين فوقهم وهم أسفل فـي الشعب؛ فلـما رأوا النبـي صلى الله عليه وسلم فرحوا، وقال النبـي صلى الله عليه وسلم:

اللَّهُمَّ لا قُوَّةَ لَنا إلاَّ بِكَ، ولَـيْسَ يَعْبُدُكَ بِهَذِهِ البَلْدَةِ غَيْر هَؤلاءِ النَّفَرِ. قال: وثاب نفر من الـمسلـمين رماة، فصعدوا، فرموا خيـل الـمشركين حتـى هزمهم الله، وعلا الـمسلـمون الـجبل؛ فذلك قوله: {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَلاَ تَهِنُواْ } أي لا تضعفوا، {وَلاَ تَحْزَنُواْ } ولا تأسوا علـى ما أصابكم، {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ } أي لكم تكون العاقبة والظهور، {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }: إن كنتـم صدقتـم نبـيـي بـما جاءكم به عنـي.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قال: أقبل خالد بن الولـيد يريد أن يعلو علـيهم الـجبل، فقال النبـي صلى الله عليه وسلم:

اللَّهُمَّ لا يَعْلُونَ عَلَـيْنَا‍! فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }.

إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُۥ وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٤٠

اختلف القراء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل الـحجاز والـمدينة والبصرة: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ } كلاهما بفتـح القاف، بـمعنى: إن يـمسسكم القتل والـجراح يا معشر أصحاب مـحمد، فقد مسّ القوم من أعدائكم من الـمشركين قرح قتل وجراح مثله. وقرأ عامة قراء الكوفة: «إنْ يَـمسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ».

وأولـى القراءتـين بـالصواب، قراءة من قرأ: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ } بفتـح القاف فـي الـحرفـين لإجماع أهل التأويـل علـى أن معناه القتل والـجراح، فذلك يدلّ علـى أن القراءة هي الفتـح. وكان بعض أهل العربـية يزعم أن القَرْح والقُرْح لغتان بـمعنى واحد، والـمعروف عند أهل العلـم بكلام العرب ما قلنا. ذكر من قال: إن القرح الـجراح والقتل:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ } قال: جراح وقتل.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، عن عبـاد، عن الـحسن، فـي قوله: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ } قال: إن يقتلوا منكم يوم أُحد، فقد قتلتـم منهم يوم بدر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ }. والقرح: الـجراحة، وذاكم يوم أُحد، فشا فـي أصحاب نبـي الله صلى الله عليه وسلم يومئذ القتل والـجراحة، فأخبرهم الله عزّ وجلّ أن القوم قد أصابهم من ذلك مثل الذي أصابكم، وأن الذي أصابكم عقوبة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ } قال: ذلك يوم أُحد، فشا فـي الـمسلـمين الـجراح، وفشا فـيهم القتل، فذلك قوله: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ } يقول: إن كان أصابكم قرح فقد أصاب عدوكم مثله، يعزّي أصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم ويحثهم علـى القتال.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ } والقرح: هي الـجراحات.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ } أي جراح، {فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ }: أي جراح مثلها.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا الـحكم بن أبـان، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: نام الـمسلـمون وبهم الكلوم ـ يعنـي يوم أُحد ـ قال عكرمة: وفـيهم أنزلت: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ } وفـيهم أنزلت:

{ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ }[النساء: 104].

وأما تأويـل قوله: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ } فإنه: إن يصبكم. كما:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنا عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {إِن يَمْسَسْكُمْ }: إن يصبكم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَتِلْكَ ٱلأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ }.

يعنـي تعالـى ذكره (بقوله): {وَتِلْكَ ٱلاْيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ } أيام بدر وأُحد، ويعنـي بقوله: {نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ }: نـجعلها دولاً بـين الناس مصرفة، ويعنـي بـالناس: الـمسلـمين والـمشركين. وذلك أن الله عزّ وجلّ أدال الـمسلـمين من الـمشركين ببدر، فقتلوا منهم سبعين، وأسروا سبعين، وأدال الـمشركين من الـمسلـمين بـأُحد، فقتلوا منهم سبعين سوى من جرحوا منهم، يقال منه: أدال الله فلاناً من فلان فهو يديـله منه إدالة إذا ظفر به فـانتصر منه مـما كان نال منه الـمدال منه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، عن عبـاد، عن الـحسن: {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ } قال: جعل الله الأيام دولاً، أدال الكفـار يوم أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ }: إنه والله لولا الدول ما أوذي الـمؤمنون، ولكن قد يدال للكافر من الـمؤمن، ويبتلـى الـمؤمن بـالكافر لـيعلـم الله من يطيعه مـمن يعصيه ويعلـم الصادق من الكاذب.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قوله: {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ } فأظهر الله عزّ وجلّ نبـيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه علـى الـمشركين يوم بدر، وأظهر علـيهم عدوّهم يوم أُحد. وقد يدال الكافر من الـمؤمن، ويبتلـى الـمؤمن بـالكافر، لـيعلـم الله من يطيعه مـمن يعصيه ويعلـم الصادق من الكاذب، وأما من ابتلـي منهم من الـمسلـمين يوم أُحد، فكان عقوبة بـمعصيتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ }: يوماً لكم، ويوماً علـيكم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: قال ابن عبـاس: {نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ } قال: أدال الـمشركين علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم يوم أُحد.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنا أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ } فإنه كان يوم أُحد بـيوم بدر، قتل الـمؤمنون يوم أُحد، اتـخذ الله منهم شهداء، وغلب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر الـمشركين، فجعل له الدولة علـيهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا الـحكم بن أبـان، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: لـما كان قتال أُحد، وأصاب الـمسلـمين ما أصاب، صعد النبـيّ صلى الله عليه وسلم الـجبل، فجاء أبو سفـيان، فقال: يا مـحمد، يا مـحمد، ألا تـخرج، ألا تـخرج؟ الـحرب سجال، يوم لنا، ويوم لكم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أَجِيبُوه!» فقالوا: لا سواء لا سواء، قتلانا فـي الـجنة، وقتلاكم فـي النار. فقال أبو سفـيان: لنا عزّى، ولا عزّى لكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قُولُوا: اللَّهُ مَوْلانا وَلا مَوْلَـى لَكُمْ. فقال أبو سفـيان: اعل هبل! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم،قُولُوا: اللَّهُ أعلَـى وأجَلُّ. فقال أبو سفـيان: موعدكم وموعدنا بدر الصغرى. قال عكرمة: وفـيهم أنزلت: {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ }.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: ثنا ابن المبارك. عن ابن جريج. عن ابن عباس، في قوله: {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ }: فإنه أدال على النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم أحد.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ }: أي نصرفها للناس بالبلاء والتـمـحيص.

حدثنـي إبراهيـم بن عبد الله، أخبرنا عبد الله بن عبد الوهاب الـحجبـي، قال: ثنا حماد بن زيد، عن ابن عون، عن مـحمد فـي قول الله: {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ } قال: يعنـي الأمراء.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ }.

يعنـي بذلك تعالـى ذكره: ولـيعلـم الله الذين آمنوا ويتـخذ منكم شهداء نداولها بـين الناس. ولو لـم يكن فـي الكلام واو لكان قوله: «لـيعلـم» متصلاً بـما قبله، وكان: وتلك الأيام نداولها بـين الناس لـيعلـم الله الذين آمنوا. ولكن لـما دخـلت الواو فـيه آذنت بأن الكلام متصل بـما قبلها، وأن بعدها خبراً مطلوبـاً للام التـي فـي قوله: «ولـيعلـم»، متعلقة به.

فإن قال قائل: وكيف قـيـل: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } معرفة، وأنت لا تستـجيز فـي الكلام: قد سألت فعلـمت عبد الله، وأنت تريد: علـمت شخصه، إلا أن تريد: علـمت صفته وما هو؟ قـيـل: إن ذلك إنـما جاز مع الذين، لأن فـي «الذين» تأويـل «مَنْ» و«أيّ»، وكذلك جائز مثله فـي الألف واللام، كما قال تعالـى ذكره: {فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ } لأن فـي الألف واللام من تأويـل «أيّ»، و«من» مثل الذي فـي «الذي». ولو جعل مع الاسم الـمعرفة اسم فـيه دلالة علـى «أيّ» جاز، كما يقال: سألت لأعلـم عبد الله من عمرو، ويراد بذلك: لأعرف هذا من هذا.

فتأويـل الكلام: ولـيعلـم الله الذين آمنوا منكم أيها القوم من الذين نافقوا منكم، نداول بـين الناس، فـاستغنى بقوله: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِّنكُمْ } عن ذكر قوله: {مِنَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ } لدلالة الكلام علـيه، إذ كان فـي قوله: {ٱلَّذِينَ آمَنُوا } تأويـل «أيّ» علـى ما وصفنا. فكأنه قـيـل: ولـيعلـم الله أيكم الـمؤمن، كما قال جل ثناؤه:

{ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ }[الكهف: 12] غير أن الألف واللام والذي ومِن، إذا وضعت مع العلـم موضع أيّ نصبت بوقوع العلـم علـيه، كما قـيـل: ولـيعلـمنّ الكاذبـين، فأما «أيّ» فإنها ترفع.

وأما قوله: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } فإنه يعنـي: ولـيعلـم الله الذين آمنوا، ولـيتـخذ منكم شهداء: أي لـيكرم منكم بـالشهادة من أراد أن يكرمه بها. والشهداء جمع شهيد؛ كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } أي لـيـميز بـين الـمؤمنـين والـمنافقـين، ولـيكرم من أكرم من أهل الإيـمان بـالشهادة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك قراءة علـى ابن جريج فـي قوله: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } قال: فإن الـمسلـمين كانوا يسألون ربهم: ربنا أرنا يوماً كيوم بدر، نقاتل فـيه الـمشركين، ونُبْلـيكَ فـيه خيراً، ونلتـمس فـيه الشهادة! فلقوا الـمشركين يوم أُحد، فـاتـخذ منهم شهداء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } فكرّم الله أولـياءه بـالشهادة بأيدي عدوّهم، ثم تصير حواصل الأمور وعواقبها لأهل طاعة الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } قال: قال ابن عبـاس: كانوا يسألون الشهادة، فلقوا الـمشركين يوم أُحد، فـاتـخذ منهم شهداء.

حدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } كان الـمسلـمون يسألون ربهم أن يريهم يوماً كيوم بدر، يبلون فـيه خيراً، ويرزقون فـيه الشهادة، ويرزقون الـجنة والـحياة والرزق. فلقـي الـمسلـمون يوم أُحد فـاتـخذ الله منهم شهداء، وهم الذين ذكرهم الله عزّ وجلّ، فقال: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ }... الآية.

وأما قوله: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ } فإنه يعنـي به: الذين ظلـموا أنفسهم بـمعصيتهم ربهم. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ }: أي الـمنافقـين الذي يظهرون بألسنتهم الطاعة، وقلوبهم مصرّة علـى الـمعصية.

الخميس، 22 أكتوبر 2026 11 جمادى الأولى 1448 هـ