انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير الطبريالآيات 47–52

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة آل عمران

الخلاصة من تفسير الطبري · 11 مقطعًا · 3:01:26

  1. 1 الآيات 33–51في هذه الصفحة 16:36
  2. 2 الآيات 52–74في هذه الصفحة 17:02

التفسير الصوتي لسورة آل عمران كاملًا (11 مقطعًا)

قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ۝٤٧

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: قالت مريـم ـ إذ قالت لها الـملائكة: إن الله يبشرك بكلـمة منه ـ: {ربّ أنى يكون لـي ولد}: من أي وجه يكون لـي ولد؟ أمن قِبَل زوج أتزوّجه وبعل أنكحه؟ أو تبتدىء فـي خـلقه من غير بعل ولا فحل، ومن غير أن يـمسنـي بشر؟ فقال الله لها: {كَذٰلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ } يعنـي: هكذا يخـلق الله منك ولداً لك من غير أن يـمسك بشر، فـيجعله آية للناس وعبرة، فإنه يخـلق ما يشاء، ويصنع ما يريد، فـيعطي الولد من شاء من غير فحل ومن فحل، ويحرم ذلك من يشاء من النساء وإن كانت ذات بعل، لأنه لا يتعذّر علـيه خـلق شيء أراد خـلقه، إنـما هو أن يأمر إذا أراد شيئاً ما أراد، فـيقول له كن فـيكون ما شاء مـما يشاء، وكيف شاء. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {قَالَتْ رَبّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ قَالَ كَذٰلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ }: يصنع ما أراد ويخـلق ما يشاء من بشر أو غير بشر: أي إذا قضى أمراً فإنـما يقول له كن فـيكون، مـما يشاء، وكيف يشاء، فـيكون ما أراد.

وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ ۝٤٨

اختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الـحجاز والـمدينة وبعض قراء الكوفـيـين: {وَيُعَلّمُهُ } بـالـياء ردًّا علـى قوله: {كَذٰلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيُعَلّمُهُ ٱلْكِتَـٰبَ } فألـحقوا الـخبر فـي قوله: {وَيُعَلّمُهُ }، بنظير الـخبر فـي قوله: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ }، وقوله: {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفـيـين وبعض البصريـين: «وَنُعَلِّـمُهُ» بـالنون عطفـاً به علـى قوله: {نُوحِيهِ إِلَيْكَ } كأنه قال: ذلك من أنبـاء الغيب نوحيه إلـيك، ونعلـمه الكتاب. وقالوا: ما بعد «نوحيه» فـي صلته، إلـى قوله: «كن فـيكون»، ثم عطف بقوله: «ونعلـمه علـيه».

والصواب من القول فـي ذلك عندنا، أنهما قراءتان مختلفتان غير مختلفتـي الـمعانـي، فبأيتهما قرأ القارىء فهو مصيب الصواب فـي ذلك لاتفـاق معنى القراءتـين فـي أنه خبر عن الله بأنه يعلـم عيسى الكتاب، وما ذكر أنه يعلـمه، وهذا ابتداء خبر من الله عزّ وجلّ لـمريـم ما هو فـاعل بـالولد الذي بشرها به من الكرامة، ورفعة الـمنزلة والفضيـلة، فقال: كذلك الله يخـلق منك ولداً، من غير فحل ولا بعل، فـيعلّـمه الكتاب، وهو الـخط الذي يخطه بـيده، والـحكمة: وهي السنة التـي نوحيها إلـيه فـي غير كتاب، والتوراة: وهي التوراة التـي أنزلت علـى موسى، كانت فـيهم من عهد موسى، والإنـجيـل: إنـجيـل عيسى، ولـم يكن قبله، ولكن الله أخبر مريـم قبل خـلق عيسى أنه موحيه إلـيه، وإنـما أخبرها بذلك، فسماه لها، لأنها قد كانت علـمت فـيـما نزل من الكتب أن الله بـاعث نبـياً يوحى إلـيه كتابـاً اسمه الإنـجيـل، فأخبرها الله عزّ وجلّ أن ذلك النبـيّ صلى الله عليه وسلم الذي سمعت بصفته الذي وعد أنبـياءه من قبل أنه منزل علـيه الكتاب الذي يسمى إنـجيلاً، هو الولد الذي وهبه لها، وبشرها به.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك، قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: «وَنُعَلِّـمُهُ الكِتابَ» قال: بـيده.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: «وَنُعَلِّـمُهُ الكِتابَ والـحِكْمَةَ» قال: الـحكمة: السنة.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر؛ عن أبـيه، عن قتادة، فـي قوله: «وَنُعَلِّـمُهُ الكِتابَ وَالـحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْـجِيـلَ» قال: الـحكمة: السنة، {وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ } قال: كان عيسى يقرأ التوراة والإنـجيـل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: «وَنُعَلِّـمُهُ الكِتابَ وَالـحِكْمَةَ» قال: الـحكمة: السنة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير، قال: أخبرها ـ يعنـي: أخبر الله مريـم ما يريد به ـ فقال: «وَنُعَلِّـمُهُ الكِتابَ وَالـحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ» التـي كانت فـيهم من عهد موسى {وَٱلإِنجِيلَ } كتابـا آخر أحدثه إلـيه، لـم يكن عندهم علـمه إلا ذكره أنه كائن من الأنبـياء قبله.

وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُم بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝٤٩

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {وَرَسُولاً }: ونـجعله رسولاً إلـى بنـي إسرائيـل، فترك ذكر «ونـجعله»، لدلالة الكلام علـيه، كما قال الشاعر:

ورأيتِ زَوْجَكِ فـي الوَغَى مُتَقَلِّداً سَيْفـاً وَرُمْـحا

وقوله: {أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ } بـمعنى: ونـجعله رسولاً إلـى بنـي إسرائيـل بأنه نبـيّ وبشير ونذير؛ وحجتـي عن صدقـي علـى ذلك، أنـي قد جئتكم بآية من ربكم، يعنـي بعلامة من ربكم تـحقق قولـي وتصدّق خبري، أنـي رسول من ربكم إلـيكم. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَّبّكُمْ } أي تـحقق بها نبوّتـي، وأنـي رسول منه إلـيكم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ ٱلطّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ ٱللَّهِ }.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: ورسولاً إلـى بنـي إسرائيـل أنـي قد جئتكم بآية من ربكم. ثم بـين عن الآية ما هي، فقال: {أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ }. فتأويـل الكلام: ورسولاً إلـى بنـي إسرائيـل بأنـي قد جئتكم بآية من ربكم بأن أخـلق لكم من الطين كهيئة الطير. والطير جمع طائر.

واختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعض أهل الـحجاز: «كهيئة الطائر فأنفخ فـيه فـيكون طائراً»، علـى التوحيد. وقرأه آخرون: {كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا } علـى الـجماع كلـيهما.

وأعجب القراءات إلـيّ فـي ذلك قراءة من قرأ: {كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا }، علـى الـجماع فـيهما جميعاً، لأن ذلك كان من صفة عيسى أنه يفعل ذلك بإذن الله، وأنه موفق لـخط الـمصحف، واتبـاع خط الـمصحف مع صحة الـمعنى، واستفـاضة القراءة به أعجب إلـيّ من خلاف الـمصحف.

وكان خـلق عيسى: ما كان يخـلق من الطير. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنا ابن إسحاق: أن عيسى صلوات الله علـيه، جلس يوماً مع غلـمان من الكتاب، فأخذ طيناً، ثم قال: أجعل لكم من هذا الطين طائراً؟ قالوا: وتستطيع ذلك؟ قال: نعم بإذن ربـي! ثم هيأه حتـى إذا جعله فـي هيئة الطائر نفخ فـيه، ثم قال: كن طائراً بإذن الله فخرج يطير بـين كفـيه، فخرج الغلـمان بذلك من أمره فذكروه لـمعلـمهم، فأفشوه فـي الناس. وترعرع. فهمّت به بنو إسرائيـل، فلـما خافت أمه علـيه حملته علـى حُمَيِّر لها ثم خرجت به هاربة.

وذكر أنه لـما أراد أن يخـلق الطير من الطين سألهم: أيّ الطير أشدّ خـلقاً؟ فقـيـل له الـخفـاش. كما:

حدثنا القاسم قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قوله: {أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ ٱلطّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ } قال: أيّ الطير أشدّ خـلقاً؟ قالوا: الـخفـاش إنـما هو لـحم، قال ففعل.

فإن قال قائل: وكيف قـيـل: {فَأَنفُخُ فِيهِ } وقد قـيـل: {أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ ٱلطّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ }؟ قـيـل: لأن معنى الكلام: فأنفخ فـي الطير. ولو كان ذلك: فأنفخ فـيها، كان صحيحاً جائزاً، كما قال فـي الـمائدة: «فأنْفُخُ فِـيها» يريد: فأنفخ فـي الهيئة، وقد ذكر أن ذلك فـي إحدى القراءتـين: «فأنفخها»، بغير «فـي»، وقد تفعل العرب مثل ذلك فتقول: ربّ لـيـلة قد بتها وبتّ فـيها، قال الشاعر:

ما شُقَّ جَيْبٌ ولا قَامَتْكَ نائحةٌ ولا بكَتْكَ جِيادٌ عندَ أسْلابِ

بـمعنى: ولا قامت علـيك. وكما قال الآخر:

إحْدَى بَنِـي عَيِّذِ اللَّهِ اسْتَـمَرَّ بِهَا حُلْوُ العُصَارَةِ حتـى يُنْفَخَ الصُّورُ

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَأُبْرِىء ٱلأكْمَهَ وٱلأبْرَصَ }.

يعنـي بقوله: {وَأُبْرِىء }: وأشفـي، يقال منه: أبرأ الله الـمريض: إذا شفـاه منه، فهو يبرئه إبراءً، وبرأ الـمريض فهو يبرأ برءاً، وقد يقال أيضاً: برىء الـمريض فهو يبرأ، لغتان معروفتان.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى الأكمه، فقال بعضهم: هو الذي لا يبصر بـاللـيـل، ويبصر بـالنهار. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {وَأُبْرِىء ٱلأكْمَهَ } قال: الأكمه: الذي يبصر بـالنهار، ولا يبصر بـاللـيـل، فهو يَتَكَمَّهُ.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

وقال آخرون: هو الأعمى الذي ولدته أمه كذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كنا نـحدّث أن الأكمه الذي ولد وهو أعمى مضموم العينـين.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن قتادة، فـي قوله: {وَأُبْرِىء ٱلأكْمَهَ وٱلأبْرَصَ } قال: كنا نـحدّث أن الأكمه الذي ولد وهو أعمى مضموم العينـين.

حدثت عن الـمنـجاب، قال: ثنا بشر، عن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس قال: الأكمه: الذي يولد وهو أعمى.

وقال آخرون: بل هو الأعمى. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَأُبْرِىء ٱلأكْمَهَ }: هو الأعمى.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاح، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: الأعمى.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {وَأُبْرِىء ٱلأكْمَهَ } قال: الأكمه: الأعمى.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، عن عبـاد بن منصور، عن الـحسن فـي قوله: {وَأُبْرِىء ٱلأكْمَهَ } قال: الأعمى.

وقال آخرون: هو الأعمش. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا حفص بن عمر، عن الـحكم بن أبـان، عن عكرمة فـي قوله: {وَأُبْرِىء ٱلأكْمَهَ } قال: الأعمش.

والـمعروف عند العرب من معنى الكَمَهِ: العمى، يقال منه: كَمِهَتْ عينه، فهي تَكْمَهُ كمَهَا، وأكمهتها أنا: إذا أعميتها، كما قال سويد بن أبـي كاهل:

كمِهَتْ عَيْناهُ حتـى ابْـيَضَّتا فَهُوَ يَـلْـحَى نَفْسَهُ لـما نَزَعْ

ومنه قول رؤبة:

هَرَّجْتُ فـارْتَدَّ ارْتدادَ الأكْمَهِ فـي غائلاتِ الـحائِرِ الـمُتَهْتَهِ

وإنـما أخبر الله عزّ وجلّ عن عيسى صلوات الله علـيه، أنه يقول ذلك لبنـي إسرائيـل، احتـجاجاً منه بهذه العِبر والآيات علـيهم فـي نبوّته، وذلك أن الكَمَه والبَرَص لا علاج لهما، فـيقدر علـى إبرائه ذو طبّ بعلاج، فكان ذلك من أدلته علـى صدق قـيـله، إنه لله رسول، لأنه من الـمعجزات مع سائر الآيات التـي أعطاه الله إياها دلالة علـى نبوّته. فأما ما قال عكرمة، من أن الكمه: العمش، وما قاله مـجاهد: من أنه سوء البصر بـاللـيـل، فلا معنى لهما، لأن الله لا يحتـجّ علـى خـلقه بحجة تكون لهم السبـيـل إلـى معارضته فـيها، ولو كان مـما احتـجّ به عيسى علـى بنـي إسرائيـل فـي نبوّته أنه يبرىء الأعمش، أو الذي يبصر بـالنهار ولا يبصر بـاللـيـل لقدروا علـى معارضته بأن يقولوا: وما فـي هذا لك من الـحجة، وفـينا خـلق مـما يعالـج ذلك ولـيسوا لله أنبـياء ولا رسلاً، ففـي ذلك دلالة بـينة علـى صحة ما قلنا من أن الأكمه: هو الأعمى الذي لا يبصر شيئاً لا لـيلاً ولا نهاراً، وهو بـما قال قتادة: من أنه الـمولود كذلك أشبه، لأن علاج مثل ذلك لا يدّعيه أحد من البشر، إلا من أعطاه الله مثل الذي أعطى عيسى، وكذلك علاج الأبرص.

القول فـي تأويـل قوله تعالى: { وأُحْيِى المَوْتَى بإذْنِ اللَّهِ وأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ}. وكان إحياء عيسى الـموتـى بدعاء الله، يدعو لهم، فـيستـجيب له. كما:

حدثنـي مـحمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم، قال: ثنـي عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول: لـما صار عيسى ابن اثنتـي عشرة سنة، أوحى الله إلـى أمه وهي بأرض مصر، وكانت هربت من قومها حين ولدته إلـى أرض مصر أن اطلعي به إلـى الشام، ففعلت الذي أمرت به فلـم تزل بـالشام حتـى كان ابن ثلاثـين سنة، وكانت نبوّته ثلاث سنـين، ثم رفعه الله إلـيه. قال: وزعم وهب أنه ربـما اجتـمع علـى عيسى من الـمرضى فـي الـجماعة الواحدة خمسون ألفـاً، من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لـم يطق منهم ذلك أتاه عيسى يـمشي إلـيه، وإنـما كان يداويهم بـالدعاء إلـى الله.

وأما قوله: {وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ } فإنه يعنـي: وأخبركم بـما تأكلونه مـما لـم أعاينه وأشاهده معكم فـي وقت أكْلِكُمُوهُ. {وَمَا تَدَّخِرُونَ }. يعنـي بذلك: وما ترفعونه فتـخبئونه ولا تأكلونه، يعلـمهم أن من حجته أيضاً علـى نبوّته ـ مع الـمعجزات التـي أعلـمهم أنه يأتـي بها حجة علـى نبوّته وصدقه فـي خبره، أن الله أرسله إلـيهم: من خـلق الطير من الطين، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الـموتـى بإذن الله، التـي لا يطيقها أحد من البشر، إلا من أعطاه الله ذلك، علـماً له علـى صدقه، وآية له علـى حقـيقة قوله من أنبـيائه ورسله، ومن أحبّ من خـلقه ـ إنبـاءَه عن الغيب الذي لا سبـيـل لأحد من البشر الذين سبـيـلهم سبـيـله علـيه.

فإن قال قائل: وما كان فـي قوله لهم: {وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ } من الـحجة له علـى صدقه، وقد رأينا الـمتنـجمة والـمتكهنة تـخبر بذلك كثـيراً فتصيب؟ قـيـل: إن الـمتنـجم والـمتكهن معلوم منهما عند من يخبره بذلك أنهما ينبئان به عن استـخراج له ببعض الأسبـاب الـمؤدية إلـى علـمه، ولـم يكن ذلك كذلك من عيسى صلوات الله علـيه، ومن سائر أنبـياء الله ورسله، وإنـما كان عيسى يخبر به عن غير استـخراج ولا طلب لـمعرفته بـاحتـيال، ولكن ابتداءً بـاعلام الله إياه من غير أصل تقدّم ذلك؛ احتذاه، أو بنى علـيه أو فزع إلـيه، كما يفزع الـمتنـجم إلـى حسابه، والـمتكهن إلـى رئيّه، فذلك هو الفصل بـين علـم الأنبـياء بـالغيوب وإخبـارهم عنها، وبـين علـم سائر الـمتكذبة علـى الله، أو الـمدّعية علـم ذلك. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: لـما بلغ عيسى تسع سنـين أو عشراً أو نـحو ذلك، أدخـلته أمه الكتاب فـيـما يزعمون، فكان عند رجل من الـمكتبـين يعلـمه كما يعلـم الغلـمان، فلا يذهب يعلـمه شيئاً مـما يعلـمه الغلـمان إلا بدره إلـى علـمه قبل أن يعلـمه إياه، فـيقول: ألا تعجبون لابن هذه الأرملة، ما أذهب أعلـمه شيئاً إلا وجدته أعلـم به منـي.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: لـما كبر عيسى أسلـمته أمه يتعلـم التوراة، فكان يـلعب مع الغلـمان، غلـمان القرية التـي كان فـيها، فـيحدّث الغلـمان بـما يصنع آبـاؤهم.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا إسماعيـل بن سالـم، عن سعيد بن جبـير فـي قوله: {وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ } قال: كان عيسى ابن مريـم إذ كان فـي الكُتّاب يخبرهم بـما يأكلون فـي بـيوتهم وما يدّخرون.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا إسماعيـل بن سالـم، قال: سمعت سعيد بن جبـير يقول: {وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ } قال: إن عيسى ابن مريـم كان يقول للغلام فـي الكتاب: يا فلان إن أهلك قد خبأوا لك كذا وكذا من الطعام فتطعمنـي منه؟

فهكذا فعل الأنبـياء وحججها إنـما تأتـي بـما أتت به من الـحجيج بـما قد يوصل إلـيه من ذلك الوجه بحيـلة إلا من قبل الله.

وبنـحو ما قلنا فـي تأويـل قوله: {وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ } قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ } قال: بـما أكلتـم البـارحة، وما خبأتـم منه؛ عيسى بن مريـم يقوله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عطاء بن أبـي ربـاح يعنـي قوله: {وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ } قال: الطعام والشيء يدّخرونه فـي بـيوتهم غيبـاً علـمه الله إياه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله: {وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ } قال: ما تأكلون: ما أكلتـم البـارحة من طعام، وما خبأتـم منه.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: كان ـ يعنـي عيسى ابن مريـم ـ يحدّث الغلـمان وهو معهم فـي الكتاب بـما يصنع آبـاؤهم، وبـما يرفعون لهم، وبـما يأكلون ويقول للغلام: انطلق فقد رفع لك أهلك كذا وكذا، وهم يأكلون كذا وكذا، فـينطلق الصبـيّ فـيبكي علـى أهله حتـى يعطوه ذلك الشيء، فـيقولون له: من أخبرك بهذا؟ فـيقول: عيسى، فذلك قول الله عزّ وجلّ: {وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ } فحبسوا صبـيانهم عنه، وقالوا: لا تلعبوا مع هذا الساحر، فجمعوهم فـي بـيت، فجاء عيسى يطلبهم، فقالوا: لـيس هم ههنا، فقال: ما فـي هذا البـيت؟ فقالوا: خنازير، قال عيسى: كذلك يكونون! ففتـحوا عنهم فإذا هم خنازير، فذلك قوله: {عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودُ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ }.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، عن عبـاد، عن الـحسن فـي قوله: {وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ } قال: ما تـخبئون مخافة الذي يـمسك أن لا يخـلفه شيء.

وقال آخرون: إنـما عنى بقوله: {وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ }: ما تأكلون من الـمائدة التـي تنزل علـيكم، وما تدخرون منها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ } فكان القوم لـما سألوا الـمائدة، فكانت جرابـاً ينزل علـيه أينـما كانوا ثمراً من ثمار الـجنة، فأمر القوم أن لا يخونوا فـيه، ولا يخبئوا، ولا يدّخروا لغد، بلاء ابتلاهم الله به، فكانوا إذا فعلوا من ذلك شيئاً أنبأهم به عيسى ابن مريـم، فقال: {وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ }.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ } قال: أنبئكم بـما تأكلون من الـمائدة، وما تدّخرون منها. قال: فكان أخذ علـيهم فـي الـمائدة حين نزلت أن يأكلوا ولا يدخروا، فـادّخروا وخانوا، فجعلوا خنازير حين ادّخروا وخانوا، فذلك قوله: {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنّى أُعَذّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذّبُهُ أَحَداً مّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ }. قال ابن يحيـى: قال عبد الرزاق: قال معمر، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن عمار بن ياسر ذلك.

وأصل يدّخرون من الفعل يَفْتَعِلون، من قول القائل: ذخرت الشيء بـالذال، فأنا أذخره، ثم قـيـل: يدّخر كما قـيـل: يدّكر، من ذكرت الشيء، يراد به يذتـخر، فلـما اجتـمعت الذال والتاء وهما متقاربتا الـمخرج، ثقل إظهارهما علـى اللسان، فأدغمت إحداهما فـي الأخرى وصيرتا دالاً مشددة صيروها عدلاً بـين الذال والتاء، ومن العرب من يغلب الذال علـى التاء فـيدغم التاء فـي الذال، فـيقول: وما تذَّخرون وهو مذَّخر لك، وهو مذَّكر، واللغة التـي بها القراءة الأولـى، وذلك إدغام الذال فـي التاء، وإبدالهما دالاً مشددة لا يجوز القراءة بغيرها لتظاهر النقل من القراء بها، وهو اللغة الـجُودَى، كما قال زهير:

إِنَّ الكَرِيمَ الذي يُعْطيكَ نائلَهُ عَفْواً وَيُظْلَـمُ أحْياناً فَيَظَّلِمُ

يروى بالظاء، يريد: فـيفتعل من الظلـم، ويروى بالطاء أيضاً.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }.

يعنـي بذلك جل ثناؤه: إن فـي خـلقـي من الطين الطير بإذن الله، وفـي إبرائي الأكمه والأبرص، وإحيائي الـموتـى، وإنبـائي إياكم بـما تأكلون، وما تدخرون فـي بـيوتكم، ابتداء من غير حساب وتنـجيـم، ولا كهانة وعرافة، لعبرة لكم، ومتفكراً تتفكرون فـي ذلك، فتعتبرون به أنـي مـحقّ فـي قولـي لكم: إنـي رسول من ربكم إلـيكم، وتعلـمون به أنـي فـيـما أدعوكم إلـيه من أمر الله ونهيه صادق، إن كنتـم مؤمنـين، يعنـي: إن كنتـم مصدّقـين حجج الله وآياته، مقرّين بتوحيده ونبـيه موسى، والتوراة التـي جاءكم بها.

وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ۝٥٠ إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ ۝٥١

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: وبأنـي قد جئتكم بآية من ربكم، وجئتكم مصدّقاً لـما بـين يديّ من التوراة، ولذلك نصب «مصدّقاً» علـى الـحال من جئتكم. والذي يدلّ علـى أنه نصب علـى قوله وجئتكم دون العطف علـى قوله: «وجيهاً»، قوله: {لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ } ولو كان عطفـاً علـى قوله: «وجيهاً»، لكان الكلام: ومصدّقاً لـما بـين يديه من التوراة، ولـيحلّ لكم بعض الذي حرّم علـيكم. وإنـما قـيـل: {وَمُصَدّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ } لأن عيسى صلوات الله علـيه كان مؤمناً بـالتوراة مقرّاً بها، وأنها من عند الله، وكذلك الأنبـياء كلهم يصدّقون بكل ما كان قبلهم من كتب الله ورسله، وإن اختلف بعض شرائع أحكامهم لـمخالفة الله بـينهم فـي ذلك، مع أن عيسى كان فـيـما بلغنا عاملاً بـالتوراة، لـم يخالف شيئاً من أحكامها إلا ما خفف الله عن أهلها فـي الإنـجيـل مـما كان مشدّداً علـيهم فـيها. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الكريـم، قال: ثنـي عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهب بن منبه يقول: إن عيسى كان علـى شريعة موسى عليه وسلم، وكان يسبت ويستقبل بـيت الـمقدس، فقال لبنـي إسرائيـل: إنـي لـم أدعكم إلـى خلاف حرف مـما فـي التوراة إلا لأحلّ لكم بعض الذي حرّم علـيكم، وأضع عنكم من الآصار.

حدثنـي بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَمُصَدّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } كان الذي جاء به عيسى ألـين مـما جاء به موسى، وكان قد حرّم علـيهم فـيـما جاء به موسى لـحوم الإبل والثروب، وأشياء من الطير والـحيتان.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، فـي قوله: {وَمُصَدّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } قال: كان الذي جاء به عيسى ألـين من الذي جاء به موسى، قال: وكان حرّم علـيهم فـيـما جاء به موسى من التوراة لـحوم الإبل والثروب فأحلها لهم علـى لسان عيسى، وحرّمت علـيهم الشحوم، وأحلت لهم فـيـما جاء به عيسى، وفـي أشياء من السمك، وفـي أشياء من الطير مـما لا صِيصِيَةَ له، وفـي أشياء حرّمها علـيهم، وشدّدها علـيهم، فجاءهم عيسى بـالتـخفـيف منه فـي الإنـجيـل، فكان الذي جاء به عيسى ألـين من الذي جاء به موسى، صلوات الله علـيه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } قال: لـحوم الإبل والشحوم لـما بعث عيسى أحلها لهم، وبعث إلـى الـيهود فـاختلفوا وتفرّقوا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {وَمُصَدّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ } أي لـما سبقنـي منها، {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } أي أخبركم أنه كان حراماً علـيكم، فتركتـموه، ثم أحله لكم تـخفـيفـاً عنكم، فتصيبون يسره وتـخرجون من تِبَـاعته.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، عن عبـاد، عن الـحسن: {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } قال: كان حرّم علـيهم أشياء، فجاءهم عيسى لـيحلّ لهم الذي حرّم علـيهم، يبتغي بذلك شكرهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ }.

يعنـي بذلك: وجئتكم بحجة وعبرة من ربكم، تعلـمون بها حقـيقة ما أقول لكم. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيج، عن مـجاهد: {وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مّن رَّبِّكُمْ } قال: ما بـيّن لهم عيسى من الأشياء كلها، وما أعطاه ربه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ }: ما بـين لهم عيسى من الأشياء كلها.

ويعنـي بقوله: {مِّن رَّبِّكُمْ }: من عند ربكم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ }.

يعنـي بذلك: وجئتكم بآية من ربكم، تعلـمون بها يقـيناً صدقـي فـيـما أقول، فـاتقوا الله يا معشر بنـي إسرائيـل فـيـما أمركم به، ونهاكم عنه فـي كتابه الذي أنزله علـى موسى فأوفوا بعهده الذي عاهدتـموه فـيه، وأطيعون فـيـما دعوتكم إلـيه من تصديقـي فـيـما أرسلنـي به إلـيكم، ربـي وربكم فـاعبدوه، فإنه بذلك أرسلنـي إلـيكم، وبإحلال بعض ما كان مـحرّما علـيكم فـي كتابكم، وذلك هو الطريق القويـم، والهدى الـمتـين الذي لا اعوجاج فـيه. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ } تبرياً من الذي يقولون فـيه، يعنـي ما يقول فـيه النصارى واحتـجاجاً لربه علـيهم، فـاعبدوه، و{هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ } أي الذي هذا قد حملتكم علـيه وجئتكم به.

واختلفت القراء فـي قراءة قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ } فقرأته عامة قرّاء الأمصار: {إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ } بكسر ألف «إنّ» علـى ابتداء الـخبر، وقرأه بعضهم: «أنَّ اللَّهَ رَبِّـي وَرَبُّكُمْ» بفتـح ألف «أن» بتأويـل: وجئتكم بآية من ربكم أن الله ربـي وربكم، علـى ردّ أن علـى الآية، والإبدال منها.

والصواب من القراءة عندنا ما علـيه قراء الأمصار، وذلك كسر ألف «إن» علـى الابتداء، لإجماع الـحجة من القراء علـى صحة ذلك، وما اجتـمعت علـيه فحجة، وما انفرد به الـمنفرد عنها فرأي، ولا يعترض بـالرأي علـى الـحجة. وهذه الآية، وإن كان ظاهرها خبراً، ففـيه الـحجة البـالغة من الله لرسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم علـى الوفد الذين حاجوه من أهل نـجران بإخبـار الله عزّ وجلّ، عن أن عيسى كان بريئاً مـما نسبه إلـيه من نسبه، إلى غير الذي وصف به نفسه، من أنه لله عبد كسائر عبـيده من أهل الأرض إلا ما كان الله جل ثناؤه خصه به من النبوّة والـحجج التـي آتاه دلـيلاً علـى صدقه، كما آتـى سائر الـمرسلـين غيره من الأعلام والأدلة علـى صدقهم، والـحجة علـى نبوّتهم.

فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ۝٥٢

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ } فلـما وجد عيسى منهم الكفر. والإحساس: هو الوجود، ومنه قول الله عزّ وجلّ: {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مّنْ أَحَدٍ }. فأما الـحسّ بغير ألف، فهو الإفناء والقتل، ومنه قوله: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } والـحسّ أيضاً: العطف والرقة. ومنه قول الكميت:

هَلْ مَنْ بَكَى الدَّارَ رَاجٍ أنْ تَحِسَّ لَهُ أوْ يُبْكِيَ الدّارَ ماءُ العَبْرَة الـخَضِلُ

يعنـي بقوله: أن تـحسّ له: أن ترق له.

فتأويـل الكلام: فلـما وجد عيسى من بنـي إسرائيـل الذين أرسله الله إلـيهم جحوداً لنبوّته، وتكذيبـاً لقوله، وصدّاً عما دعاهم إلـيه من أمر الله، قال: {مَنْ أَنصَارِى إِلَى ٱللَّهِ } يعنـي بذلك: قال عيسى: من أعوانـي علـى الـمكذّبـين بحجة الله، والـمُوَلِّـين عن دينه، والـجاحدين نبوّة نبـيه إلـى الله عزّ وجلّ، ويعنـي بقوله {إِلَى ٱللَّهِ }: مع الله، وإنـما حسن أن يقال إلـى الله، بـمعنى: مع الله، لأن من شأن العرب إذا ضموا الشيء إلـى غيره، ثم أرادوا الـخبر عنهما بضمّ أحدهما مع الآخر إذا ضمّ إلـيه جعلوا مكان مع إلـى أحياناً، وأحياناً تـخبر عنهما بـمع، فتقول الذود إلـى الذود إبل، بـمعنى: إذا ضمـمت الذود إلـى الذود صارت إبلاً، فأما إذا كان الشيء مع الشيء لـم يقولوه بإلـى ولـم يجعلوا مكان مع إلـى غير جائز أن يقال: قدم فلان وإلـيه مال، بـمعنى: ومعه مال.

وبـمثل ما قلنا فـي تأويـل قوله: {مَنْ أَنصَارِى إِلَى ٱللَّهِ } قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي قوله: {مَنْ أَنصَارِى إِلَى ٱللَّهِ } يقول: مع الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {مَنْ أَنصَارِى إِلَى ٱللَّهِ } يقول: مع الله.

وأما سبب استنصار عيسى علـيه السلام من استنصر من الـحواريـين، فإن بـين أهل العلـم فـيه اختلافـا، فقال بعضهم: كان سبب ذلك ما:

حدثنـي به موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: لـما بعث الله عيسى، فأمره بـالدعوة، نفته بنو إسرائيـل وأخرجوه، فخرج هو وأمه يسيحون فـي الأرض، فنزل فـي قرية علـى رجل، فضافهم وأحسن إلـيهم، وكان لتلك الـمدينة ملك جبـار معتد، فجاء ذلك الرجل يوما وقد وقع علـيه همّ وحزن، فدخـل منزله ومريـم عند امرأته، فقالت مريـم لها: ما شأن زوجك أراه حزيناً؟ قالت: لا تسألـي، قالت: أخبرينـي لعلّ الله يفرّج كربته، قالت: فإن لنا ملكاً يجعل علـى كل رجل منا يوماً يطعمه هو وجنوده، ويسقـيهم من الـخمر، فإن لـم يفعل عاقبه، وإنه قد بلغت نوبته الـيوم الذي يريد أن نصنع له فـيه، ولـيس لذلك عندنا سعة، قالت: فقولـي له: لا يهتـمّ، فإنـي آمر ابنـي فـيدعو له، فـيكفـى ذلك، قالت مريـم لعيسى فـي ذلك، قال عيسى: يا أمه إنـي إن فعلت كان فـي ذلك شرّ، قالت: فلا تبـال، فإنه قد أحسن إلـينا وأكرمنا، قال عيسى: فقولي له: إذا اقترب ذلك فـاملأ قدورك وخوابـيك ماء ثم أعلـمنـي، قال: فلـما ملأهنّ أعلـمه، فدعا الله، فتـحوّل ما فـي القدور لـحماً ومرقاً وخبزاً، وما فـي الـخوابـي خمراً لـم ير الناس مثله قط وإياه طعاماً؛ فلـما جاء الـملك أكل، فلـما شرب الـخمر سأل من أين هذه الـخمر؟ قال له: هي من أرض كذا وكذا، قال الـملك: فإن خمري أوتـي بها من تلك الأرض فلـيس هي مثل هذه، قال: هي من أرض أخرى؛ فلـما خـلط علـى الـملك اشتدّ علـيه، قال: فأنا أخبرك عندي غلام لا يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه، وإنه دعا الله، فجعل الـماء خمراً، قال الـملك، وكان له ابن يريد أن يستـخـلفه، فمات قبل ذلك بأيام، وكان أحبّ الـخـلق إلـيه، فقال: إن رجلاً دعا الله حتـى جعل الـماء خمراً، لـيستـجابنّ له حتـى يحيـي ابنـي، فدعا عيسى فكلـمه، فسأله أن يدعو الله فـيحيـي ابنه، فقال عيسى: لا تفعل، فإنه إن عاش كان شرًّا، فقال الـملك: لا أبـالـي، ألـيس أراه، فلا أبـالـي ما كان، فقال عيسى علـيه السلام: فإن أحيـيته تتركونـي أنا وأمي نذهب أينـما شئنا، قال الـملك: نعم، فدعا الله، فعاش الغلام؛ فلـما رآه أهل مـملكته قد عاش، تنادوا بـالسلاح، وقالوا: أكلنا هذا حتـى إذا دنا موته يريد أن يستـخـلف ابنه فـيأكلنا كما أكلنا أبوه، فـاقتتلوا، وذهب عيسى وأمه، وصحبهما يهودي، وكان مع الـيهودي رغيفـان، ومع عيسى رغيف، فقال له عيسى: شاركنـي، فقال الـيهودي: نعم، فلـما رأى أنه لـيس مع عيسى إلا رغيب ندم؛ فلـما نام جعل الـيهودي يريد أن يأكل الرغيف، فلـما أكل لقمة قال له عيسى: ما تصنع؟ فـيقول: لا شيء، فـيطرحها، حتـى فرغ من الرغيف كله؛ فلـما أصبحا قال له عيسى: هلـم طعامك، فجاء برغيف، فقال له عيسى: أين الرغيف الآخر؟ قال: ما كان معي إلا واحد، فسكت عنه عيسى، فـانطلقوا، فمرّوا براعي غنـم، فنادى عيسى، يا صاحب الغنـم أجزرنا شاة من غنـمك، قال: نعم، أرسل صاحبك يأخذها، فأرسل عيسى الـيهودي، فجاء بـالشاة، فذبحوها وشووها، ثم قال للـيهودي: كل ولا تكسرنّ عظماً! فأكلا، فلـما شبعوا قذف عيسى العظام فـي الـجلد، ثم ضربها بعصاه وقال: قومي بإذن الله، فقامت الشاة تثغو، فقال: يا صاحب الغنـم خذ شاتك، فقال له الراعي: من أنت؟ قال: أنا عيسى ابن مريـم، قال: أنت الساحر، وفرّ منه. قال عيسى للـيهودي: بـالذي أحيا هذه الشاة بعد ما أكلناها كم كان معك رغيفـاً؟ فحلف ما كان معه إلا رغيف واحد، فمرّوا بصاحب بقر، فنادى عيسى، فقال: يا صاحب البقر أجزرنا من بقرك هذه عجلاً! قال: ابعث صاحبك يأخذه، قال: انطلق يا يهودي فجىء به، فـانطلق فجاء به، فذبحه وشواه، وصاحب البقر ينظر، فقال له عيسى: كل ولا تكسرنّ عظماً. فلـما فرغوا قذف العظام فـي الـجلد، ثم ضربه بعصاه، وقال: قم بإذن الله! فقام وله خوار، قال: خذ عجلك، قال: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى، قال: أنت السحّار. ثم فرّ منه، قال الـيهودي: يا عيسى أحيـيته بعد ما أكلناه، قال عيسى: فبـالذي أحيا الشاة بعد ما أكلناها، والعجل بعد ما أكلناه، كم كان معك رغيفـاً؟ فحلف بـالله ما كان معه إلا رغيف واحد؛ فـانطلقا حتـى نزلا قرية، فنزل الـيهودي أعلاها، وعيسى فـي أسفلها، وأخذ الـيهودي عصا مثل عصا عيسى، وقال: أنا الآن أحيـي الـموتـى، وكان ملك تلك الـمدينة مريضاً شديد الـمرض، فـانطلق الـيهودي ينادي: من يبتغي طبـيبـاً؟ حتـى أتـى ملك تلك القرية، فأخبر بوجعه، فقال: أدخـلونـي علـيه فأنا أبرئه، وإن رأيتـموه قد مات فأنا أحيـيه، فقـيـل له: إن وجع الـملك قد أعيا الأطبـاء قبلك، لـيس من طبـيب يداويه، ولا يُفـيءُ دواؤه شيئاً إلا أمر به فصلب، قال: أدخـلونـي علـيه فإنـي سأبرئه، فأدخـل علـيه، فأخذ برجل الـملك فضربه بعصاه حتـى مات، فجعل يضربه بعصاه وهو ميت، ويقول: قم بإذن الله، فأخذ لـيصلب، فبلغ عيسى، فأقبل إلـيه وقد رفع علـى الـخشبة، فقال: أرأيتـم إن أحيـيت لكم صاحبكم أتتركون لـي صاحبـي؟ قالوا: نعم، فأحيا الله الـملك لعيسى، فقام وأنزل الـيهودي، فقال: يا عيسى أنت أعظم الناس علـيّ منة، والله لا أفـارقك أبداً، قال عيسى ـ فـيـما حدثنا به مـحمد بن الـحسين بن موسى، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل قال أسبـاط، عن السدي ـ للـيهودي: أنشدك بـالذي أحيا الشاة والعجل بعد ما أكلناهما، وأحيا هذا بعد ما مات، وأنزلك من الـجذع بعد ما رفعت علـيه لتصلب كم كان معك رغيفـاً، قال: فحلف بهذا كله ما كان معه إلا رغيف واحد، قال: لا بأس، فـانطلقا حتـى مرّا علـى كنز قد حفرته السبـاع والدوابّ، فقال الـيهودي يا عيسى: لـمن هذا الـمال، قال عيسى: دعه، فإن له أهلاً يهلكون علـيه، فجعلت نفس الـيهودي تطلع إلـى الـمال، ويكره أن يعصي عيسى، فـانطلق مع عيسى ومرّ بـالـمال أربعة نفر؛ فلـما رأوه، اجتـمعوا علـيه، فقال اثنان لصاحبـيهما: انطلقا فـابتاعا لنا طعاماً وشرابـاً ودوابّ نـحمل علـيها هذا الـمال، فـانطلق الرجلان فـابتاعا دوابّ وطعاماً وشرابـاً، وقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن نـجعل لصاحبـينا فـي طعامهما سماً، فإذا أكلا ماتا، فكان الـمال بـينـي وبـينك، فقال الآخر نعم، ففعلا، وقال الآخران: إذا ما أتـيانا بـالطعام، فلـيقم كل واحد إلـى صاحبه فـيقتله، فـيكون الطعام والدوابّ بـينـي وبـينك، فلـما جاءا بطعامهما قاما فقتلاهما، ثم قعدا علـى الطعام، فأكلا منه فماتا، وأُعلـم ذلك لعيسى، فقال للـيهودي: أخرجه حتـى نقتسمه، فأخرجه فقسمه عيسى بـين ثلاثة، فقال الـيهودي: يا عيسى اتق الله ولا تظلـمنـي، فإنـما هو أنا وأنت، ما هذه الثلاثة؟ قال له عيسى هذا لـي، وهذا لك، وهذا الثلث لصاحب الرغيف، قال الـيهودي: فإن أخبرتك بصاحب الرغيف تعطينـي هذا الـمال؟ فقال عيسى: نعم، قال أنا هو، قال: عيسى: خذ حظي وحظك وحظّ صاحب الرغيف، فهو حظك من الدنـيا والآخرة؛ فلـما حمله مشى به شيئاً، فخسف به، وانطلق عيسى ابن مريـم، فمرّ بـالـحواريـين وهم يصطادون السمك، فقال: ما تصنعون؟ فقالوا: نصطاد السمك، فقال: أفلا تـمشون حتـى نصطاد الناس؟ قالوا: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى ابن مريـم، فآمنوا به، وانطلقوا معه، فذلك قول الله عزّ وجلّ: {مَنْ أَنصَارِى إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }.

حدثنا مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي من عبـاد بن منصور، عن الـحسن فـي قوله: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِى إِلَى ٱللَّهِ }... الآية، قال: استنصر فنصره الـحواريون وظهر علـيهم.

وقال آخرون: كان سبب استنصار عيسى من استنصر، لأن من استنصر الـحواريـين علـيه كانوا أرادوا قتله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ } قال: كفروا وأرادوا قتله، فذلك حين استنصر قومه، قال: {مَنْ أَنصَارِى إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ }.

والأنصار: جمع نصير، كما الأشراف جمع شريف، والأشهاد جمع شهيد. وأما الـحواريون، فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي السبب الذي من أجله سموا حواريـين، فقال بعضهم: سموا بذلك لبـياض ثـيابهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عبـيد الـمـحاربـي، قال: مـما روى أبـي، قال: ثنا قـيس بن الربـيع، عن ميسرة، عن الـمنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبـير، قال: إنـما سموا الـحواريـين ببـياض ثـيابهم.

وقال آخرون: سموا بذلك لأنهم كانوا قصارين يبـيضون الثـياب. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن أبـي أرطاة، قال: الـحواريون: الغسالون، الذين يحوّرون الثـياب يغسلونها.

وقال آخرون: هم خاصة الأنبـياء وصفوتهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن روح بن القاسم، أن قتادة ذكر رجلاً من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: كان من الـحواريـين، فقـيـل له: من الـحواريون؟ قال: الذين تصلـح لهم الـخلافة.

حدثت عن الـمنـجاب، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا بشر، عن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك فـي قوله: {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ } قال: أصفـياء الأنبـياء.

وأشبه الأقوال التـي ذكرنا فـي معنى الـحواريـين قول من قال: سموا بذلك لبـياض ثـيابهم، ولأنهم كانوا غسالـين، وذلك أن الـحور عند العرب: شدة البـياض، ولذلك سمي الـحُوَّارَى من الطعام حُوَّارَى لشدة بـياضه، ومنه قـيـل للرجل الشديد البـياض مقلة العينـين أحور، وللـمرأة حوراء، وقد يجوز أن يكون حواريو عيسى كانوا سموا بـالذي ذكرنا من تبـيـيضهم الثـياب، وأنهم كانوا قصارين، فعرفوا بصحبة عيسى واختـياره إياهم لنفسه أصحابـا وأنصارا، فجرى ذلك الاسم لهم واستعمل، حتـى صار كل خاصة للرجل من أصحابه وأنصاره حواريه؛ ولذلك قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

لِكُلّ نَبِـيّ حَوَارِيّ، وَحَوَارِيَّ الزُّبَـيْرُ يعنـي خاصته. وقد تسمي العرب النساء اللواتـي مساكنهن القرى والأمصار حواريات، وإنـما سمين بذلك لغلبة البـياض علـيهن، ومن ذلك قول أبـي جَلْدَةَ الـيشكُرِي:

فَقُلْ للْـحَوَارِيَّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنا وَلاَ تَبْكِنَا إِلاَّ الكِلابُ النَوَابِحُ

ويعنـي بقوله: {قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ } قال: هؤلاء الذين صفتهم ما ذكرنا من تبـيـيضهم الثـياب: آمنا بـالله، صدّقنا بـالله، واشهد أنت يا عيسى بأننا مسلـمون. وهذا خبر من الله عزّ وجلّ أن الإسلام دينه الذي ابتعث به عيسى والأنبـياء قبله، لا النصرانـية ولا الـيهودية، وتبرئة من الله لعيسى مـمن انتـحل النصرانـية ودان بها، كما برأ إبراهيـم من سائر الأديان غير الإسلام، وذلك احتـجاج من الله تعالـى ذكره لنبـيه صلى الله عليه وسلم علـى وفد نـجران. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ } والعدوان، {قَالَ مَنْ أَنصَارِى إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ ءامَنَّا بِٱللَّهِ } وهذا قولهم الذي أصابوا به الفضل من ربهم، واشهد بأنا مسلـمون، لا كما يقول هؤلاء الذين يحاجونك فـيه، يعنـي وفد نصارى نـجران.

الخميس، 22 أكتوبر 2026 11 جمادى الأولى 1448 هـ