انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير الطبريالآيات 160–167

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة آل عمران

الخلاصة من تفسير الطبري · 11 مقطعًا · 3:01:26

  1. 1 الآيات 153–171في هذه الصفحة 20:01

التفسير الصوتي لسورة آل عمران كاملًا (11 مقطعًا)

إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعْدِهِۦ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ۝١٦٠

يعنـي تعالـى ذكره بذلك: إن ينصركم الله أيها الـمؤمنون بـالله ورسوله، علـى من ناوأكم وعاداكم من أعدائه، والكافرين به، فلا غالب لكم من الناس، يقول: فلن يغلبكم مع نصره إياكم أحد، ولو اجتـمع علـيكم من بـين أقطارها من خـلقه، فلا تهابوا أعداء الله لقلة عددكم، وكثرة عددهم، ما كنتـم علـى أمره، واستقمتـم علـى طاعته وطاعة رسوله، فإن الغلبة لكم والظفر دونهم. {وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ } يعنـي: إن يخذلكم ربكم، بخلافكم أمره، وترككم طاعته وطاعة رسوله، فـيكلكم إلـى أنفسكم، فمن ذا الذي ينصركم من بعده، يقول: فأيسوا من نصرة الناس، فإنكم لا تـجدون أمراً من بعد خذلان الله إياكم أن خذلكم، يقول: فلا تتركوا أمري، وطاعتـي وطاعة رسولـي، فتهلكوا بخذلانـي إياكم. {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } يعنـي: ولكن علـى ربكم أيها الـمؤمنون فتوكلوا دون سائر خـلقه، وبه فـارضوا من جميع من دونه، ولقضائه فـاستسلـموا، وجاهدوا فـيه أعداءه، يكفكم بعونه، ويـمددكم بنصره. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ }: أي إن ينصرك الله فلا غالب لك من الناس، لن يضرّك خذلان من خذلك، وإن يخذلك، فلن ينصرك الناس، فمن الذي ينصركم من بعده: أي لا تترك أمري للناس، وارفُضْ (أمر) الناس لأمري {وَعَلَى ٱللَّهِ } (لا علـى الناس) {فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ }.

وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ۝١٦١

اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته جماعة من قراء الـحجاز والعراق: {وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } بـمعنى: أن يخون أصحابه فـيـما أفـاء الله علـيهم من أموال أعدائهم. واحتـجّ بعض قارئي هذه القراءة، أن هذه الآية نزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـي قطيفة فقدت من مغانـم القوم يوم بدر، فقال بعض من كان مع النبـيّ صلى الله عليه وسلم: لعلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها. ورووا فـي ذلك روايات. فمنها ما:

حدثنا به مـحمد بن عبد الـملك بن أبـي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا خصيف، قال: ثنا مقسم، قال: ثنـي ابن عبـاس، أن هذه الآية: {وَمَا كَانَ لِبَنِى أَنْ يَغُلَّ } نزلت فـي قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، قال: فقال بعض الناس: أخذها! قال: فأكثروا فـي ذلك، فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ }.

حدثنا ابن أبـي الشوارب، قال: ثنا عبد الواحد، قال: ثنا خصيف، قال: سألت سعيد بن جبـير: كيف تقرأ هذه الآية: {وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } أو يُغَلّ؟ قال: لا، بل يَغُلَّ، فقد كان النبـيّ واللّه يُغَلّ ويُقتل.

حدثنـي إسحاق بن إبراهيـم بن حبـيب بن الشهيد، قال: ثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عبـاس: {وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } قال: كان ذلك فـي قطيفة حمراء فقدت فـي غزوة بدر، فقال من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: فلعلّ النبـيّ أخذها، فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } قال سعيد: بل والله إن النبـيّ لَـيُغَل ويُقتل.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا خلاد، عن زهير، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: كانت قطيفة فقدت يوم بدر، فقالوا: أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ }.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مالك بن إسماعيـل، قال: ثنا زهير، قال: ثنا خصيف، عن سعيد بن جبـير وعكرمة، فـي قوله: {وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } قالا: يَغُلّ، قال: قال عكرمة أو غيره، عن ابن عبـاس، قال: كانت قطيفة فقدت يوم بدر، فقالوا: أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأنزل الله هذه الآية: {وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ }.

حدثنا مـجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا قزعة بن سويد البـاهلـي، عن حميد الأعرج، عن سعيد بن جبـير، قال: نزلت هذه الآية: {وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } فـي قطيفة حمراء فقدت يوم بدر من الغنـيـمة.

حدثنا نصر بن علـي الـجهضمي، قال: ثنا معتـمر، عن أبـيه، عن سلـيـمان الأعمش، قال: كان ابن مسعود يقرأ: {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ } فقال ابن عبـاس: بلـى، ويُقتل. قال: فذكر ابن عبـاس أنه إنـما كانت فـي قطيفة، قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، غلَّها يوم بدر، فأنزل الله: {وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ }.

وقال آخرون مـمن قرأ ذلك كذلك بفتـح الـياء وضمّ الغين: إنـما نزلت هذه الآية فـي طلائع كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجههم فـي وجه، ثم غنـم النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فلـم يقسم للطلائع، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية علـى نبـيه صلى الله عليه وسلم، يعلـمه فـيها أن فعله الذي فعله خطأ، وأن الواجب علـيه فـي الـحكم أن يقسم للطلائع مثل ما قسم لغيرهم، ويعرّفه الواجب علـيه من الـحكم فـيـما أفـاء الله علـيه من الغنائم، وأنه لـيس له أن يخصّ بشيء منها أحداً مـمن شهد الوقعة أو مـمن كان ردءاً لهم فـي غزوهم دون أحد. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } يقول: ما كان للنبـيّ أن يقسم لطائفة من الـمسلـمين ويترك طائفة ويجور فـي القسم، ولكن يقسم بـالعدل، ويأخذ فـيه بأمر الله، ويحكم فـيه بـما أنزل الله. يقول: ما كان الله لـيجعل نبـياً يغلّ من أصحابه، فإذا فعل ذلك النبـيّ صلى الله عليه وسلم، استنّوا به.

حدثنا يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، عن جويبر، عن الضحاك، أنه كان يقرأ: {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ } قال: أن يعطي بعضاً، ويترك بعضاً، إذا أصاب مغنـماً.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سلـمة بن نبـيط، عن الضحاك، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طلائع، فغنـم النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فلـم يقسم للطلائع، فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ }.

حدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، عن الضحاك: {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ } يقول: ما كان لنبـيّ أن يقسم لطائفة من أصحابه، ويترك طائفة، ولكن يعدل، ويأخذ فـي ذلك بأمر الله عزّ وجلّ، ويحكم فـيه بـما أنزل الله.

حدثنـي يحيـى بن أبـي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك فـي قوله: {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ } قال: ما كان له إذا أصاب مغنـماً أن يقسم لبعض أصحابه ويدع بعضاً، ولكن يقسم بـينهم بـالسوية.

وقال آخرون مـمن قرأ ذلك بفتـح الـياء وضمّ الغين: إنـما أنزل ذلك تعريفـاً للناس أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، لا يكتـم من وحي الله شيئاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }: أي ما كان لنبـيّ أن يكتـم الناس ما بعثه الله به إلـيهم عن رهبة من الناس ولا رغبة، ومن يعمل ذلك يأت به يوم القـيامة.

فتأويـل قراءة من قرأ ذلك كذلك: ما ينبغي لنبـيّ أن يكون غالاًّ، بـمعنى: أنه لـيس من أفعال الأنبـياء خيانة أمـمهم. يقال منه: غلّ الرجل فهو يغلّ، إذا خان، غلولاً، ويقال أيضاً منه: أغلّ الرجل فهو يُغِلُّ إغلالاً، كما قال شريح: لـيس علـى الـمستعير غير الـمغلّ ضمان، يعنـي: غير الـخائن؛ ويقال منه: أغلُّ الـجازر: إذا سرق من اللـحم شيئاً مع الـجلد.

وبـما قلنا فـي ذلك جاء تأويـل أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ } يقول: ما كان ينبغي له أن يخون، فكما لا ينبغي له أن يخون فلا تـخونوا.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ } قال: أن يخون.

وقرأ ذلك آخرون: «ما كانَ لِنَبِـيّ أنْ يُغَلَّ» بضم الـياء وفتـح الغين، وهي قراءة عُظْم قراء أهل الـمدينة والكوفة.

واختلف قارئو ذلك كذلك فـي تأويـله، فقال بعضهم: معناه: ما كان لنبـيّ أن يغله أصحابه. ثم أسقط الأصحاب، فبقـي الفعل غير مسمى فـاعله؛ وتأويـله: وما كان لنبـيّ أن يخان. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا عوف، عن الـحسن أنه كان يقرأ: «وَما كانَ لِنَبِـيّ أنْ يُغَلَّ» قال عوف: قال الـحسن: أن يُخان.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: «وَما كانَ لِنَبِـيّ أنْ يُغْلَّ» يقول: وما كان لنبـيّ أن يغله أصحابه الذين معه من الـمؤمنـين، ذكر لنا أن هذه الآية نزلت علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وقد غلّ طوائف من أصحابه.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: «وَما كانَ لِنَبِـيّ أنْ يُغَلَّ» قال: أن يغله أصحابه.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قوله: «وَما كانَ لِنَبِـيّ أنْ يُغَلَّ» قال الربـيع بن أنس، يقول: ما كان لنبـيّ أن يغله أصحابه الذين معه، قال: ذكر لنا ـ والله أعلـم ـ أن هذه الآية أنزلت علـى نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وقد غلّ طوائف من أصحابه.

وقال آخرون منهم: معنى ذلك: وما كان لنبـيّ أن يتهم بـالغلول فـيخون ويسرق. وكأن متأوّلـي ذلك كذلك وجهوا قوله: «وَما كانَ لِنَبِـيّ أنْ يُغَلَّ» إلـى أنه مراد به يغلَّل، ثم خففت العين من يُفَعَّل فصارت يفعل، كما قرأ من قرأ قوله: «فإنَّهُمْ لا يُكْذِبُونك» بتأوّل يُكَذِّبُونك.

وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك عندي قراءة من قرأ: {وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } بـمعنى: ما الغلول من صفـات الأنبـياء، ولا يكون نبـياً من غلّ. وإنـما اخترنا ذلك، لأن الله عزّ وجلّ أوعد عقـيب قوله: {وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } أهل الغلول، فقال: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ }... الآية، والتـي بعدها، فكان فـي وعيده عقـيب ذلك أهل الغلول، الدلـيـل الواضح علـى أنه إنـما نهى بذلك عن الغلول، وأخبر عبـاده أن الغلول لـيس من صفـات أنبـيائه بقوله: {وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } لأنه لو كان إنـما نهى بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالغلول، لعقب ذلك بـالوعيد علـى التهمة، وسوء الظنّ برسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بـالوعيد علـى الغلول، وفـي تعقـيبه ذلك بـالوعيد علـى الغلول بـيان بـين، أنه إنـما عرف الـمؤمنـين وغيرهم من عبـاده أن الغلول منتف من صفة الأنبـياء وأخلاقهم، لأن ذلك جرم عظيـم، والأنبـياء لا تأتـي مثله.

فإن قال قائل مـمن قرأ ذلك كذلك: فأولـى منه: وَما كان لنبـيّ أن يخونه أصحابه إن ذلك كما ذكرت، ولـم يعقب الله قوله: {وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } إلا بـالوعيد علـى الغلول، ولكنه إنـما وجب الـحكم بـالصحة لقراءة من قرأ: «يُغَلَّ» بضم الـياء وفتـح الغين، لأن معنى ذلك: وما كان للنبـيّ أن يغله أصحابه، فـيخونوه فـي الغنائم؛ قـيـل له: أفكان لهم أن يغلوا غير النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـيخونوه، حتـى خصوا بـالنهي عن خيانة النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فإن قالوا: نعم، خرجوا من قول أهل الإسلام، لأن الله لـم يبح خيانة أحد فـي قول أحد من أهل الإسلام قط.

وإن قال قائل: لـم يكن ذلك لهم فـي نبـيّ ولا غيره؟ قـيـل: فما وجه خصوصهم إذاً بـالنهي عن خيانة النبـيّ صلى الله عليه وسلم وغلوله وغلول بعض الـيهود، بـمنزلة فـيـما حرّم الله علـى الغالّ من أموالهما، وما يـلزم الـمؤتـمن من أداء الأمانة إلـيهما. وإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أن معنى ذلك هو ما قلنا من أن الله عزّ وجلّ نفـى بذلك أن يكون الغلول والـخيانة من صفـات أنبـيائه، ناهياً بذلك عبـاده عن الغلول، وآمراً لهم بـالاستنان بـمنهاج نبـيهم، كما قال ابن عبـاس فـي الرواية التـي ذكرناها من رواية عطية ثم عقب تعالـى ذكره نهيهم عن الغلول بـالوعيد علـيه، فقال: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ }... الآيتـين معاً.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ }.

يعنـي بذلك تعالـى ذكره: ومن يخن من غنائم الـمسلـمين شيئاً، وفـيئهم، وغير ذلك، يأت به يوم القـيامة فـي الـمـحشر. كما:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن فضيـل، عن يحيـى بن سعيد أبـي حيان، عن أبـي زرعة، عن أبـي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قام خطيبـاً، فوعظ وذكر، ثم قال:

ألا عَسَى رَجُلٌ مِنْكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ القِـيامَةِ علـى رَقَبَتِهِ شاةٌ لَهَا ثُغاءٌ، يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِـي، فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئاً، قَدْ أبْلَغْتُكَ ألا هَلْ عَسَى رَجُلٌ مِنْكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ القِـيامَةِ علـى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهَا حَمْـحَمَةٌ، يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِـي، فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئا قَدْ أبْلَغْتُكَ. ألا هَلْ عَسَى رَجُلٌ مِنْكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ القِـيامَةِ علـى رَقَبَتِهِ صَامِت، فَـيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِـي، فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئاً قَدْ أبْلَغْتُكَ. ألا هَلْ عَسَى رَجُلٌ مِنْكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ القِـيامَةِ علـى رَقَبَتِهِ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِـي فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئاً قَدْ أبْلَغْتُكَ ألا هَلْ عَسَى رَجُلٌ مِنْكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ القِـيامَةِ علـى رَقَبَتِهِ رِقاعٌ تَـخْفِقُ، يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِـي، فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ شَيْئا قَدْ أبْلَغْتُكَ

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحمن، عن أبـي حيان، عن أبـي زرعة، عن أبـي هريرة، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، مثل هذا، زاد فـيه:

علـى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغاءٌ، لا أُلْفِـيَنَّ أحَدَكُمْ علـى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِياحٌ

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، قال: ثنا أبو حيان، عن أبـي زرعة، عن عمرو بن جرير، عن أبـي هريرة، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فـينا يوماً، فذكر الغلول، فعظمه وعظم أمره، فقال:

لا أُلْفَـينَّ أحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ القِـيامَةِ علـى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ له رُغاءٌ، يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي ثم ذكر نحو حديث أبي كريب، عن عبد الرحمن.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا حفص بن بشر، عن يعقوب القمي، قال: ثنا حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا أعْرِفَنَّ أحَدَكُمْ يَأتـي يَوْمَ القِـيامَةِ يَحْمِلَ شاةً لَهَا ثُغاءٌ، يُنادِي: يا مُـحَمَّدُ يا مُـحَمَّد! فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً قَدْ بَلَّغْتُكَ وَلا أعْرِفَنَّ أحَدَكُمْ يَأتـي يَوْمَ القِـيامَةِ يَحْمِلُ جَمَلاً لَهُ رُغاءٌ، يَقُولُ: يا مُـحَمَّدُ يا مُـحَمَّد! فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً قَدْ بَلَّغْتُكَ وَلا أعْرِفَنَّ أحَدَكُمْ يَأتـي يَوْمَ القِـيامَةِ يَحْمِلُ فَرَساً لَهُ حَمْـحَمَةٌ، يُنادِي: يا مُـحَمَّدُ يا مُـحَمَّد! فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً قَدْ بَلَّغْتُكَ وَلا أعْرِفَنَّ أحَدَكُمْ يَأتـي يَوْمَ القِـيامَةِ يَحْمِلُ قِشْعاً مِنْ أدَمٍ يُناديٍ: يا مُـحَمَّدُ يا مُـحَمَّد! فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئا قَدْ بَلَّغْتُكَ

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أسباط بن محمد، قال: ثنا أبو إسحاق الشيباني، عن عبد الله بن ذكوان، عن عروة بن الزبير، عن أبـي حميد، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدّقاً، فجاء بسواد كثير، قال: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من يقبضه منه؛ فلما أتوه، جعل يقول: هذا لي، وهذا لكم؛ قال: فقالوا: من أين لك هذا؟ قال: أهدي إلـيّ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبروه بذلك، فخرج فخطب، فقال:

أيُّها النَّاسُ، ما بـالـي أبْعَثُ قَوْماً إلـى الصَّدَقَةِ، فَـيَجِيءُ أحَدُهُمْ بـالسَّوَادِ الكَثِـيرِ، فإذَا بَعَثْتُ مَنْ يَقْبِضُهُ قالَ: هَذَا لـي، وَهَذَا لَكُم! فإنْ كانَ صَادِقاً أفَلا أُهْدِيَ لَهُ وَهُوَ فِـي بَـيْتِ أبِـيهِ، أوْ فِـي بَـيْتِ أُمِّهِ؟ثُمَّ قالَ: أيُّها النَّاسُ، مَنْ بَعَثْناهُ علـى عَمَلٍ فَغَلَّ شَيْئاً، جاءَ بِهِ يَوْمَ القِـيامَةِ علـى عُنُقِهِ يَحِملُهُ، فاتَّقُوا اللَّهَ أنْ يَأتـي أحَدُكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ على عُنُقِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغاءٌ، أوْ بَقَرَةٌ تَخُورُ، أوْ شاةٌ تَثْغُو

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو معاوية وابن نـمير وعبدة بن سلـيـمان، عن هشام بن عروة، عن أبـيه، عن أبـي حميد الساعدي، قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد، يقال له ابن الأتبـيّة علـى صدقات بنـي سلـيـم؛ فلـما جاء قال: هذا لكم، وهذا هدية أهديت لـي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أفَلاَ يَجْلِسُ أحَدُكُمْ فِـي بَـيْتِهِ فَتأْتِـيهِ هَدِيَّتُه! ثُم حَمِدَ اللَّهَ وأثْنَى عَلَـيْهِ، ثُمَّ قالَ: أمَّا بَعْدُ فإنّـي أسْتَعْمِلُ رِجالاً مِنْكُمْ علـى أُمُورٍ مِـمَّا وَلانَّـيِ اللَّهُ، فَـيَقُولُ أحَدُهُمْ: هَذَا الَّذِي لَكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ أهْدِيَتْ إلـيّ أفَلاَ يَجْلِسُ فِـي بَـيْتِ أبِـيهِ أوْ بَـيْتِ أمَّهِ فتأْتِـيهَ هَدِيَّتُه! وَالَّذِي نَفْسِي بِـيَدِهِ، لا يَأْخُذُ أحَدُكُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً إلاَّ جاءَ بِهِ يَوْمَ القِـيامَةِ يَحْمِلُهُ علـى عُنُقِهِ، فَلا أعْرِفَنَّ ما جاء رَجُلٌ يَحْمِلُ بَعِيراً لَهُ رُغاءٌ، أوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أوْ شاةً تَثْغُو. ثم رفع يده فقال:ألا هَلْ بَلَّغْتُ

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحيم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي حميد، حدثه بمثل هذا الحديث، قال:

أفَلا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أبِيكَ وأُمِّكَ حتى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ؟ ثم رفع يده حتى إني لأنظر إلى بياض إبطيه، ثم قال اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ قال أبو حميد: بصر عينـي، وسمع أذنـي.

حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثنـي عمي عبد اللهبن وهب، قال: أخبرنـي عمرو بن الـحرث أن موسى بن جبـير، حدّثه أن عبد الله بن عبد الرحمن بن الـحبـاب الأنصاري، حدّثه أن عبد الله بن أنـيس حدّثه: أنه تذاكر هو وعمر يوماً الصدقة، فقال: ألـم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر غلول الصدقة:

مَنْ غَلَّ منها بَعِيراً أو شَاةً فإنَّه يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِـيَامَةِ؟ قال عبد الله بن أنـيس: بلـى.

حدثنا سعيد بن يحيـى الأموي، قال: ثنا أبـي، قال: ثنا يحيـى بن سعيد الأنصاري، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سعد بن عبـادة مصدّقا، فقال:

إياكَ يا سَعْدُ أنْ تَـجِيء يَوْمَ القِـيامَةِ بِبَعِيرٍ تَـحْمِلُهُ لَهُ رُغاء! قال: لا آخذه ولا أجيء به فأعفاه.

حدثنا أحمد بن الـمغيرة الـحمصي أبو حميد، قال: ثنا الربـيع بن روح، قال: ثنا ابن عياش، قال: ثنا عبيد الله بن عمر بن حفص، عن نافع مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: أنه استعمل سعد بن عبـادة، فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فسلم عليه، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:

إيَّاكَ يا سَعْدُ أنْ تَـجِيءَ يَوْمَ القِـيامَةِ تَـحْمِلُ علـى عُنُقِكَ بَعِيرا لَهُ رُغاءٌ! فقال سعد: فإن فعلتُ يا رسول الله إن ذلك لكائن؟ قال: «نَعَمْ»، قال سعد: قد علـمت يا رسول الله أنـي أُسْأَلُ فـأُعْطِي، فأعفنـي! فأعفـاه.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا زيد بن حبـان، قال: ثنا عبد الرحمن بن الـحرث، قال: ثنـي جدي عبـيد بن أبـي عبـيد، وكان أوّل مولود بـالـمدينة، قال: استعملت علـى صدقة دَوْس، فجاءنـي أبو هريرة فـي الـيوم الذي خرجت فـيه، فسلـم، فخرجت إلـيه، فسلـمت علـيه، فقال: كيف أنت والبعير؟ كيف أنت والبقر؟ كيف أنت والغنـم؟ ثم قال: سمعت حِبّـي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

مَنْ أخَذَ بَعِيراً بغَيْرِ حَقِّهِ جاءَ بِهِ يَوْمَ القِـيامَةِ لَهْ رُغاءٌ، وَمَنْ أخَذَ بَقَرَةً بغَيْرِ حَقِّها جاءَ بِها يَوْمَ القِـيامَةِ لَهَا خُوَارٌ، وَمَنْ أخَذَ شاةً بغَيْرِ حَقِّها جاءَ بهَا يَوْمَ القِـيامةِ علـى عُنُقِهِ لَهَا ثُغاءٌ فإيَّاكَ والبَقَرَ فإنَّها أحَدُّ قُرُوناً وأشَدُّ أظْلافـاً!

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا خالد بن مخـلد، قال: ثنـي مـحمد، عن عبد الرحمن بن الـحرث، عن جده عبـيد بن أبـي عبـيد، قال: استُعملت علـى صدقة دوس؛ فلـما قضيت العمل قدمت، فجاءنـي أبو هريرة فسلـم علـيّ، فقال: أخبرنـي كيف أنت والإبل؟ ثم ذكر نـحو حديثه عن زيد، إلا أنه قال:

جاء بِهِ يَوْمَ القِـيامَةِ علـى عُنُقِهِ لَهُ رُغاءٌ

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } قال قتادة: كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم، إذا غنـم مغنـماً، بعث منادياً:

ألا لا يغلَّنّ رجل مخيطاً فما دونه! ألا لا يغلنّ رجل بعيراً فـيأتـي به علـى ظَهْرِهِ يَوْمَ القِـيَامَةِ له رُغَاء! ألا لا يغلنّ رَجُلٌ فَرَساً، فـيأتـي به علـى ظهره يوم القـيامة له حمـحمة!

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ }: ثم تعطى كل نفس جزاء ما كسبت بكسبها وافـياً غير منقوص ما استـحقه واستوجبه من ذلك: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } يقول: لا يفعل بهم إلا الذي ينبغي أن يفعل بهم من غير أن يعتدي علـيهم، فـينقصوا عما استـحقوه. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } ثم يجزى بكسبه غير مظلوم ولا معتدى علـيه.

أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ۝١٦٢

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: أفمن اتبع رضوان الله فـي ترك الغلول كمن بـاء بسخط من الله بغلوله ما غلّ. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيـينة، عن طريف، عن الضحاك فـي قوله: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ } قال: من لـم يغلّ. {كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مّنَ ٱللَّهِ }: كمن غلّ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثني سفـيان بن عيـينة، عن مطرف بن مطرف، عن الضحاك قوله: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ } قال: من أدّى الخمس. {كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مّنَ ٱللَّهِ }: فـاستوجب سخطاً من الله.

وقال آخرون فـي ذلك بـما:

حدثنـي به ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ } علـى ما أحبّ الناس وسخطوا، {كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مّنَ ٱللَّهِ } لرضا الناس وسخطهم؟ يقول: أفمن كان علـى طاعتـي، فثوابه الـجنة ورضوان من ربه، كمن بـاء بسخط من الله، فـاستوجب غضبه، وكان مأواه جهنـم وبئس الـمصير؟ أسوأ الـمثلان؟ أي فـاعرفوا.

وأولـى التأولـين بتأويـل الآية عندي، قول الضحاك بن مزاحم؛ لأن ذلك عقـيب وعيد الله علـى الغلول ونهيه عبـاده عنه، ثم قال لهم بعد نهيه عن ذلك ووعيده، أسواء الـمطيع لله فـيـما أمره ونهاه، والعاصي له فـي ذلك: أي أنهما لا يستويان ولا تستوي حالتاهما عنده، لأن لـمن أطاع الله فـيـما أمره ونهاه: الـجنة، ولـمن عصاه فـيـما أمره ونهاه: النار. فمعنى قوله: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مّنَ ٱللَّهِ } إذاً: أفمن ترك الغلول وما نهاه الله عنه عن معاصيه وعمل بطاعة الله فـي تركه ذلك وفـي غيره مـما أمره به ونهاه من فرائضه، متبعاً فـي كل ذلك رضا الله، ومـجتنباً سخطه، {كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مّنَ ٱللَّهِ } يعنـي: كمن انصرف متـحملاً سخط الله وغضبه، فـاستـحقّ بذلك سكنى جهنـم، يقول: لـيسا سواء. وأما قوله: {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } فإنه يعنـي: وبئس الـمصير الذي يصير إلـيه ويؤوب إلـيه من بـاء بسخط من الله جهنـم.

هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ ۝١٦٣

يعني تعالى ذكره بذلك: أن من اتبع رضوان الله، ومن باء بسخط من الله مختلفو المنازل عند الله، فلمن اتبع رضوان الله الكرامة والثواب الجزيل، ولمن باء بسخط من الله المهانة والعقاب الأليم. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {هُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ وٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ }: أي لكل درجات مـما عملوا فـي الـجنة والنار، إن الله لا يخفـى علـيه أهل طاعته من أهل معصيته.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {هُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ } يقول: بأعمالهم.

وقال آخرون: معنى ذلك لهم درجات عند الله، يعنـي: لـمن اتبع رضوان الله منازل عند الله كريـمة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {هُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ } قال: هي كقوله لهم درجات عند الله.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {هُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ } يقول: لهم درجات عند الله.

وقـيـل قوله: {هُمْ دَرَجَـٰتٌ } كقول القائل: هم طبقات، كما قال ابن هَرْمة:

إنْ حُمَّ الـمَنُونُ يكُون قَوْمٌ لِرَيْبِ الدَّهْرِ أمْ دَرَجَ السُّيُول

وأما قوله: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } فإنه يعنـي: والله ذو علـم بـما يعمل أهل طاعته ومعصيته، لا يخفـى علـيه من أعمالهم شيء، يحصي علـى الفريقـين جميعاً أعمالهم، حتـى توفـى كل نفس منهم جزاء ما كسبت من خير وشرّ. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } يقول: إن الله لا يخفـى علـيه أهل طاعته من أهل معصيته.

لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝١٦٤

يعني بذلك: لقد تطوّل الله على المؤمنين، إذ بعث فيهم رسولاً، حين أرسل فيهم رسولاً من أنفسهم، نبياً من أهل لسانهم، ولـم يجعله من غير أهل لسانهم فلا يفقهوا عنه ما يقول {يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِهِ } يقول: يقرأ علـيهم آي كتابه وتنزيـله. {وَيُزَكّيهِمْ } يعنـي: يطهرهم من ذنوبهم بـاتبـاعهم إياه، وطاعتهم له فـيـما أمرهم ونهاهم {وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ } يعنـي: ويعلـمهم كتاب الله الذي أنزل علـيه، ويبـين لهم تأويـله ومعانـيه، والـحكمة ويعنـي بـالـحكمة: السنة التـي سنها الله جلّ ثناؤه للـمؤمنـين علـى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وبـيانه لهم {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } يعنـي: إن كانوا من قبل أن يـمنّ الله علـيهم بإرساله رسوله الذي هذه صفته، لفـي ضلال مبـين، يقول: فـي جهالة جهلاء، وفـي حيرة عن الهدى عمياء، لا يعرفون حقاً، ولا يبطلون بـاطلاً. وقد بـينا أصل الضلالة فـيـما مضى، وأنه الأخذ علـى غير هدى بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع والـمبـين: الذي يبـين لـمن تأمله بعقله وتدبره بفهمه أنه علـى غير استقامة ولا هدى.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ } منّ الله علـيهم من غير دعوة ولا رغبة من هذه الأمة، جعله الله رحمة لهم، لـيخرجهم من الظلـمات إلـى النور، ويهديهم إلـى صراط مستقـيـم قوله: {وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ } الـحكمة: السنة. {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ }: لـيس الله كما تقول أهل حَرُوراء: مـحنة غالبة من أخطأها أهريق دمه، ولكن الله بعث نبـيه صلى الله عليه وسلم إلـى قوم لا يعلـمون فعلـمهم، وإلـى قوم لا أدب لهم فأدبهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ } إلـى قوله {لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ }: أي لقد منّ اللَّهُ عليكم يا أهل الإيمان إذ بعث فيكم رسولاً من أنفسكم، يتلو عليكم آياته، ويزكيكم فيما أخذتـم، وفيما علمتم، ويعلمكم الخير والشرّ، لتعرفوا الخير فتعملوا به، والشرّ فتتقوه، ويخبركم برضاه عنكم إذ أطعتـموه، لتستكثروا من طاعته، وتـجتنبوا ما سخط منكم من معصيته، فتتـخـلصوا بذلك من نقمته، وتدركوا بذلك ثوابه من جنته. {وَإِن كُنتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } أي فـي عمياء من الـجاهلـية لا تعرفون حسنة، ولا تستغيثون من سيئة، صمّ عن الـحقّ، عمي عن الهدى.

أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝١٦٥

يعنـي تعالـى ذكره بذلك: أو حين أصابتكم أيها الـمؤمنون مصيبة، وهي القتلـى الذين قتلوا منهم يوم أحد، والـجرحى الذين جرجوا منهم بـأُحد، وكان الـمشركون قتلوا منهم يومئذ سبعين نفراً. {قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا } يقول: قد أصبتـم أنتـم أيها الـمؤمنون من الـمشركين مثلي هذه الـمصيبة التـي أصابوا هم منكم، وهي الـمصيبة التـي أصابها الـمسلـمون من الـمشركين ببدر، وذلك أنهم قتلوا منهم سبعين، وأسروا سبعين. {قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا } يعنـي: قلتـم لـما أصابتكم مصيبتكم بـأُحد: {أَنَّىٰ هَـٰذَا } من أيّ وجه هذا، ومن أين أصابنا هذا الذي أصابنا، ونـحن مسلـمون، وهم مشركون، وفـينا نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، يأتـيه الوحي من السماء، وعدوّنا أهل كفر بـالله وشرك؟ قل يا مـحمد للـمؤمنـين بك من أصحابك: {هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } يقول: قل لهم: أصابكم هذا الذي أصابكم من عند أنفسكم، بخلافكم أمري، وترككم طاعتـي، لا من عند غيركم، ولا من قبل أحد سواكم. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } يقول: إن الله علـى جميع ما أراد بخـلقه من عفو وعقوبة وتفضل وانتقام قدير، يعنـي: ذو قدرة.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } بعد إجماع جميعهم علـى أن تأويـل سائر الآية علـى ما قلنا فـي ذلك من التأويـل، فقال بعضهم: تأويـل ذلك: قل هو من عند أنفسكم، بخلافكم علـى نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، إذ أشار علـيكم بترك الـخروج إلـى عدوّكم والإصحار لهم، حتـى يدخـلوا علـيكم مدينتكم، ويصيروا بـين آطامكم، فأبـيتـم ذلك علـيه، وقلتـم: أخرج بنا إلـيهم حتـى نُصْحر لهم فنقاتلهم خارج الـمدينة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أَوَ لَمَّا أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا } أصيبوا يوم أُحد، قتل منهم سبعون يومئذ، وأصابوا مثلـيها يوم بدر، قتلوا من الـمشركين سبعين، وأسروا سبعين. {قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } ذكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم أُحد حين قدم أبو سفـيان والـمشركون، فقال نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه:

إنَّا فِـي جُنَّةٍ حَصِينَةٍ ـ يعنـي بذلك: الـمدينة ـ فَدَعُوا القَوْمَ أنْ يَدْخُـلُوا عَلَـيْنا نُقاتِلْهُمْ فقال ناس له من أصحابه من الأنصار: يا نبـيّ الله: إنا نكره أن نقتل فـي طرق الـمدينة، وقد كنا نـمتنع فـي الغزو فـي الـجاهلـية، فبـالإسلام أحقّ أن نـمتنع فـيه، فـابرز بنا إلـى القوم! فـانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلبس لأمته، فتلاوم القوم، فقالوا عرّض نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم بأمر، وعرّضتـم بغيره، اذهب يا حمزة فقل لنبـيّ الله صلى الله عليه وسلم: أمرنا لأمرك تبع! فأتـى حمزة فقال له: يا نبـيّ الله إن القوم قد تلاوموا، وقالوا: أمرنا لأمرك تبع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّهُ لَـيْسَ لِنَبِـيّ إذَا لَبِسَ لأْمَتَهُ أنْ يَضَعَها حتـى يُناجِزَ، وَإنَّهُ سَتَكُوُنُ فِـيكُمْ مُصِيبَةٌ قالوا: يا نبـيّ الله خاصة أو عامة؟ قال: «سَترَوْنَها». ذكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم رأى فـي الـمنام أن بقراً تنـحر، فتأوّلها قتلاً فـي أصحابه. ورأى أن سيفه ذا الفقار انقصم، فكان قتل عمه حمزة، قُتِل يومئذ، وكان يقال له أسد الله. ورأى أن كبشاً عُتِرَ، فتأوّله كبش الكتـيبة عثمان بن أبـي طلـحة أصيب يومئذ، وكان معه لواء الـمشركين.

حدثت عن عمار، عن ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بنـحوه، غير أنه قال: {قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا } يقول: مثلـي ما أصيب منكم، {قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } يقول: بـما عصيتـم.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: أصيب الـمسلـمون يوم أُحد مصيبة، وكانوا قد أصابوا مثلـيها يوم بدر مـمن قتلوا وأسروا، فقال الله عزّ وجلّ: {أَوَ لَمَّا أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا }.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عمر بن عطاء، عن عكرمة، قال: قتل الـمسلـمون من الـمشركين يوم بدر سبعين، وأسروا سبعين؛ وقتل الـمشركون يوم أُحد من الـمسلـمين سبعين، فذلك قوله: {قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا } إذ نـحن مسلـمون نقاتل غضبـاً لله، وهؤلاء مشركون؛ {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } عقوبة لكم بـمعصيتكم النبـيّ صلى الله عليه وسلم حين قال ما قال.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن مبـارك، عن الـحسن: {أَوَ لَمَّا أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } قالوا: فإنـما أصابنا هذا، لأنا قبلنا الفداء يوم بدر من الأسارى، وعصينا النبـيّ صلى الله عليه وسلم يوم أُحد، فمن قتل منا كان شهيداً، ومن بقـي منا كان مطهراً، رضينا بـالله ربّـاً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن مبـارك، عن الـحسن وابن جريج، قالا: معصيتهم أنه قال لهم: لا تتبعوهم يوم أُحد فـاتبعوهم.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، ثم ذكر ما أصيب من الـمؤمنـين، يعنـي بـأُحد، وقتل منهم سبعون إنساناً؛ {أَوَ لَمَّا أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا } كانوا يوم بدر أسروا سبعين رجلاً وقتلوا سبعين. {قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا }: أي من أين هذا؟ {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } أنكم عصيتـم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {أَوَ لَمَّا أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا } يقول: إنكم أصبتـم من الـمشركين يوم بدر، مثلـي ما أصابوا منكم يوم أُحد.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: ثم ذكر الـمصيبة التـي أصابتهم، فقال: {أَوَ لَمَّا أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ }: أي إن تك قد أصابتكم مصيبة فـي إخوانكم فبذنوبكم قد أصبتـم مثلـيها قتلاً من عدوّكم فـي الـيوم الذي كان قبله ببدر، قتلـى وأسرى، ونسيتـم معصيتكم وخلافكم ما أمركم به نبـيكم صلى الله عليه وسلم، إنكم أحللتـم ذلك بأنفسكم. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ }: أي إن الله علـى كل ما أراد بعبـاده من نقمة أو عفو قدير.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {أَوَ لَمَّا أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا }... الآية، يعنـي بذلك: أنكم أصبتـم من الـمشركين يوم بدر مثلـي ما أصابوا منكم يوم أُحد.

وقال بعضهم: بل تأويـل ذلك: قل هو من عند أنفسكم بإسارتكم الـمشركين يوم بدر، وأخذكم منهم الفداء، وترككم قتلهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن فضيـل، عن أشعث بن سوار، عن ابن سيرين، عن عبـيدة، قال: أسر الـمسلـمون من الـمشركين سبعين، وقتلوا سبعين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

اخْتارُوا أنْ تَأْخُذُوا مِنْهُمُ الفِدَاءَ فَتَتَقَوَّوْا بِهِ علـى عَدُوّكُمْ، وَإنْ قَبِلْتُـمُوهُ قُتِلَ مِنْكُمْ سَبْعونَ أوْ تَقْتُلُوهُمْ فقالوا: بل نأخذ الفدية منهم، ويقتل منا سبعون. قال: فأخذوا الفدية منهم، وقتلوا منهم سبعين؛ قال عبـيدة: وطلبوا الـخيرتـين كلتـيهما.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، قال: ثنا ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبـيدة أنه قال فـي أسارى بدر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنْ شِئْتُـمْ قَتَلْتُـمُوهُمْ، وَإنْ شئْتُـمْ فـادَيْتُـمُوهُمْ وَاسْتُشْهِدَ مِنْكُمْ بِعِدَّتِهِمْ. قالوا: بل نأخذ الفداء فنستـمتع به، ويستشهد منا بعدّتهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي إسماعيـل، عن ابن عون، عن مـحمد، عن عبـيدة السلـمانـي؛ وحدثنـي حجاج عن جرير، عن مـحمد، عن عبـيدة السلـمانـي، عن علـيّ، قال: جاء جبريـل إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا مـحمد إن الله قد كره ما صنع قومك فـي أخذهم الأسارى، وقد أمرك أن تـخيرهم بـين أمرين، أن يقدّموا فتضرب أعناقهم، وبـين أن يأخذوا الفداء علـى أن يقتل منهم عدتهم. قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فذكر ذلك لهم. فقالوا: يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا، لا بل نأخذ فداءهم فنتقوّى به علـى قتال عدوّنا ويستشهد منا عدتهم، فلـيس فـي ذلك ما نكره! قال: فقتل منهم يوم أُحد سبعون رجلاً عدة أسارى أهل بدر.

وَمَآ أَصَٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٦٦ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُوا۟ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ قَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُوا۟ قَالُوا۟ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّٱتَّبَعْنَٰكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَٰنِ يَقُولُونَ بِأَفْوَٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ۝١٦٧

يعني تعالى ذكره بذلك: والذي أصابكم يوم التقى الجمعان، وهو يوم أُحد حين التقى جمع المسلمين والمشركين. ويعني بالذي أصابهم: ما نال من القتل من قُتِل منهم، ومن الجراح من جُرح منهم {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ } يقول: فهو بإذن الله كان، يعنـي: بقضائه وقدره فيكم. وأجاب «ما» بالفاء، لأن «ما» حرف جزاء، وقد بينت نظير ذلك فيما مضى قبل: {وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ } بمعنى: وليعلم الله المؤمنين، ولـيعلـم الذين نافقوا، أصابكم ما أصابكم يوم التقـى الـجمعان بـأُحد، لـيـميز أهل الإيـمان بـالله ورسوله الـمؤمنـين منكم من الـمنافقـين فـيعرفونهم، لا يخفـى علـيهم أمر الفريقـين. وقد بـينا تأويـل قوله: {وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } فـيـما مضى، وما وجه ذلك، بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك، قال ابن إسحاق.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَمَا أَصَـٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }: أي ما أصابكم حين التقـيتـم أنتـم وعدوّكم فبإذنـي، كان ذلك حين فعلتـم ما فعلتـم بعد أن جاءكم نصري وصدقتـم وعدي، لـيـميز بـين الـمنافقـين والـمؤمنـين، {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ } منكم، أي لـيظهرُوا ما فـيهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَـٰكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ للإيِمَانِ يَقُولُونَ بأفْوَاهِهمْ ما لَيْسَ فِى قلُوبِهِمْ وَٱللَّهُ أعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ }.

يعنـي تعالـى ذكره بذلك: عبد الله بن أبـيّ ابن سلول الـمنافق وأصحابَهُ الذين رجعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، حين سار نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم إلـى الـمشركين بـأُحد لقتالهم، فقال لهم الـمسلـمون: تعالوا قاتلوا الـمشركين معنا، أو ادفعوا بتكثـيركم سوادنا! فقالوا: لو نعلـم أنكم تقاتلون لسرنا معكم إلـيهم، ولكنا معكم علـيهم، ولكن لا نرى أنه يكون بـينكم وبـين القوم قتال. فأبدوا من نفـاق أنفسهم ما كانوا يكتـمونه، وأبدوا بألسنتهم بقولهم: {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَـٰكُمْ } غير ما كانوا يكتـمونه ويخفونه، من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإيـمان به. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن مسلـم بن شهاب الزهري، ومـحمد بن يحيـى بن حبـان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والـحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علـمائنا كلهم، قد حدّث، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ يعنـي: حين خرج إلـى أُحد ـ فـي ألف رجل من أصحابه، حتـى إذا كانوا بـالشوط بـين أُحد والـمدينة انـخزل عنهم عبد الله بن أبـيّ ابن سلول بثلث الناس، فقال أطاعهم فخرج وعصانـي، والله ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس؛ فرجع بـمن اتبعه من الناس من قومه من أهل النفـاق وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حزام أخو بنـي سلـمة، يقول: يا قوم أذكركم الله أن تـخذلوا نبـيكم وقومكم عندما حضر من عدوّهم، فقالوا: لو نعلـم أنكم تقاتلون ما أسلـمناكم، ولكنا لا نرى أن يكون قتال. فلـما استعصوا علـيه، وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغنـي الله عنكم! ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ } يعنـي: عبد الله بن أبـيّ ابن سلول وأصحابه، الذين رجعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين سار إلـى عدوّه من الـمشركين بـأُحد. وقوله: {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَـٰكُمْ } يقول: لو نعلـم أنكم تقاتلون لسرنا معكم، ولدفعنا عنكم، ولكن لا نظنّ أن يكون قتال، فظهر منهم ما كانوا يخفون فـي أنفسهم. يقول الله عزّ وجلّ: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَـٰنِ } ولـيس فـي قلوبهم {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ }: أي يخفون.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ يعنـي: يوم أُحد ـ فـي ألف رجل، وقد وعدهم الفتـح إن صبروا؛ فلـما خرجوا رجع عبد الله بن أبـيّ ابن سلول فـي ثلثمائة، فتبعهم أبو جابر السلـمي يدعوهم، فلـما غلبوه وقالوا له: ما نعلـم قتالاً، ولئن أطعتنا لترجعنّ معنا.. قال: فذكر الله أصحاب عبد الله بن أبـيّ ابن سلول، وقول عبد الله بن جابر بن أبـي عبد الله الأنصاري حين دعاهم، فقالوا: ما نعلـم قتالاً، ولئن أطعتـمونا لترجعنّ معنا، فقال: {ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ }.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج قال: قال ابن جريج: قال عكرمة: {قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَـٰكُمْ } قال: نزلت فـي عبد الله بن أبـيّ ابن سلول. قال ابن جريج: وأخبرنـي عبد الله بن كثـير، عن مـجاهد: {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً } قال: لو نعلـم أنا واجدون معكم قتالاً، لو نعلـم مكان قتال لاتبعناكم.

واختلفوا فـي تأويـل قوله {أَوِ ٱدْفَعُواْ } فقال بعضهم: معناه: أو كثِّروا، فإنكم إذا كثرتـم دفعتـم القوم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {أَوِ ٱدْفَعُواْ } يقول: أو كثروا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {أَوِ ٱدْفَعُواْ } قال: بكثرتكم العدوّ وإن لـم يكن قتال.

وقال آخرون: معنى ذلك: أو رابطوا إن لـم تقاتلوا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا إسماعيـل بن حفص الآملـي وعلـيّ بن سهل الرملـي، قالا: ثنا الولـيد بن مسلـم، قال: ثنا عتبة بن ضمرة، قال: سمعت أبـا عون الأنصاريّ فـي قوله: {قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ } قال: رابطوا.

وأما قوله: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ } فإنه يعنـي به: والله أعلـم من هؤلاء الـمنافقـين الذين يقولون من العداوة والشنآن، وأنهم لو علـموا قتالاً ما تبعوهم، ولا دافعوا عنهم، وهو تعالـى ذكره مـحيط بـما يخفونه من ذلك، مطلع علـيه، ومـحصيه علـيهم حتـى يهتك أستارهم فـي عاجل الدنـيا، فـيفضحهم به، ويصلـيهم به الدرك الأسفل من النار فـي الآخرة.

السبت، 24 أكتوبر 2026 13 جمادى الأولى 1448 هـ