انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير الطبريالآيات 98–103

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة آل عمران

الخلاصة من تفسير الطبري · 11 مقطعًا · 3:01:26

  1. 1 الآيات 93–112في هذه الصفحة 16:48

التفسير الصوتي لسورة آل عمران كاملًا (11 مقطعًا)

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ ۝٩٨

يعنـي بذلك: يا معشر يهود بنـي إسرائيـل وغيرهم من سائر من ينتـحل الديانة بـما أنزل الله عزّ وجلّ من كتبه، مـمن كفر بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وجحد نبوّته؛ لـم تـجحدون بآيات الله؟ يقول: لـم تـجحدون حجج الله التـي آتاها مـحمداً فـي كتبكم وغيرها، التـي قد ثبتت علـيكم بصدقه ونبوّته وحُجَّته.«وأنتـم تعلـمون»، يقول: لـم تـجحدون ذلك من أمره، وأنتـم تعلـمون صدقه. فأخبر جلّ ثناؤه عنهم أنهم معتـمدون الكفر بـالله وبرسوله، علـى علـم منهم ومعرفة من كفرهم. وقد:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { يأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِأَيَـٰتِ ٱللَّهِ } أما آيات الله: فمـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر، قال: ثنا عبـاد، عن الـحسن فـي قوله: { يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـئَيَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ } قال: هم الـيهود والنصارى.

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَآءُ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ۝٩٩

يعنـي بذلك جلُّ ثناؤه: يا معشر يهود بنـي إسرائيـل وغيرهم مـمن ينتـحل التصديق بكتب الله، {لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } يقول: لـم تضلون عن طريق الله ومـحجته التـي شرعها لأنبـيائه وأولـيائه وأهل الإيـمان {مَنْ ءامَنَ } يقول: من صدّق بـالله ورسوله، وما جاء به من عند الله {تَبْغُونَهَا عِوَجاً } يعنـي تبغون لها عوجاً والهاء والألف اللتان فـي قوله: {تَبْغُونَهَا } عائدتان علـى السبـيـل، وأنثها لتأنـيث السبـيـل.

ومعنى قوله: تبغون لها عوجاً، من قول الشاعر، وهو سحيـم عبد بنـي الـحسحاس:

بغَاكَ وَما تَبْغِيهِ حتـى وَجَدْتَهُكأنَّكَ قد وَاعَدْتَهُ أمْسِ مَوْعِدَا

يعنـي طلبك وما تطلبه يقال: ابغنـي كذا؛ يراد: ابتغه لـي، فإذا أرادوا: أعنّـي علـى طلبه، وابتغه معي قالوا: أبْغنـي بفتـح الألف، وكذلك يقال: احْلُبنـي، بـمعنى: اكفنـي الـحلب وأحْلِبْنـي: أعنـي علـيه، وكذلك جميع ما ورد من هذا النوع فعلـى هذا.

وأما العِوَجُ: فهو الأوَدُ والـميـل، وإنـما يعنـي بذلك الضلال عن الهدى يقول جلّ ثناؤه: {وَلِمَ تَصُدُّونَ }عن دين الله من صدّق الله ورسوله، تبغون دين الله اعوجاجاً عن سننه واستقامته وخرج الكلام علـى السبـيـل، والـمعنى لأهله، كأن الـمعنى: تبغون لأهل دين الله، ولـمن هو علـى سبـيـل الـحقّ عوجاً، يقول: ضلالاً عن الـحقّ وزيغاً عن الاستقامة علـى الهدى والـمـحجة. والعِوَج بكسر أوله: الأود فـي الدين والكلام، والعَوَج بفتـح أوله: الـميـل فـي الـحائط والقناة وكل شيء منتصب قائم.

وأما قوله: {وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ } فإنه يعنـي: شهداء علـى أن الذي تصدّون عنه من السبـيـل حق تعلـمونه وتـجدونه فـي كتبكم. {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْلَمُونَ } يقول: لـيس الله بغافل عن أعمالكم التـي تعلـمونها مـما لا يرضاه لعبـاده، وغير ذلك من أعمالكم حتـى يعاجلكم بـالعقوبة علـيها معجلة، أو يؤخر ذلك لكم، حتـى تلقوه، فـيجازيكم علـيها.

وقد ذكر أن هاتـين الآيتـين من قوله:

{ يأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِأَيَـٰتِ ٱللَّهِ }[آل عمران: 98] والآيات بعدهما إلـى قوله: { وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }[آل عمران: 105] نزلت فـي رجل من الـيهود حاول الإغراء بـين الـحيـين من الأوس والـخزرج بعد الإسلام، لـيراجعوا ما كانوا علـيه فـي جاهلـيتهم من العداوة والبغضاء، فعنفه الله بفعله ذلك وقبح له ما فعل ووبخه علـيه، ووعظ أيضاً أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف، وأمرهم بـالاجتـماع والائتلاف. ذكر الرواية بذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي الثقفة، عن زيد بن أسلـم، قال: مرّ شاس بن قـيس، وكان شيخاً قد عسا فـي الـجاهلـية، عظيـم الكفر، شديد الضغن علـى الـمسلـمين شديد الـحسد لهم، علـى نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والـخزرج فـي مـجلس قد جمعهم يتـحدّثون فـيه. فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بـينهم علـى الإسلام بعد الذي كان بـينهم من العداوة فـي الـجاهلـية، فقال: قد اجتـمع ملأ بنـي قـيـلة بهذه البلاد، والله ما لنا معهم إذا اجتـمع ملؤهم لها من قرار فأمر فتـى شاباً من الـيهود وكان معه، فقال: اعمد إلـيهم، فـاجلس معهم وذكرهم يوم بُعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فـيه من الأشعار. وكان يوم بعاث يوماً اقتتلت فـيه الأوس والـخزرج، وكان الظفر فـيه للأوس علـى الـخزرج. ففعل، فتكلـم القوم عند ذلك، فتنازعوا وتفـاخروا حتـى تواثب رجلان من الـحيـين علـى الركب أوس بن قـيظي أحد بنـي حارثة بن الـحرث من الأوس وجبـار بن صخر أحد بنـي سلـمة من الـخزرج، فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتـم والله رددناها الآن جَذَعَةً. وغضب الفريقان، وقالوا: قد فعلنا السلاحَ السلاحَ موعدكم الظاهرة ـ والظاهرة: الـحَرَّة ـ فخرجوا إلـيها وتـحاور الناس، فـانضمت الأوس بعضها إلـى بعض، والـخزرج بعضها إلـى بعض علـى دعواهم التـي كانوا علـيها فـي الـجاهلـية. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إلـيهم فـيـمن معه من الـمهاجرين من أصحابه حتـى جاءهم، فقال:

يا مَعشرَ الـمسلِـمينَ اللَّهَ اللَّهَ، أبدَعْوَى الـجاهلـيَّةِ وأنَا بـينَ أظهرُكمْ بعدَ إذْ هداكُمُ اللَّهُ إلـى الإسلامِ، وأكرَمكُمْ بهِ، وقطعَ بهِ عَنْكُمْ أمْرَ الـجاهلـيَّةِ، واستنقذكُمْ بهِ مِنَ الكفرِ وألَّفَ بهِ بَـينَكُمْ ترْجعونَ إلـى ما كُنْتـمْ علـيهِ كُفَّـاراً فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان، وكيد من عدوّهم، فألقوا السلاح من أيديهم، وبكوا، وعانق الرجال من الأوس والـخزرج بعضهم بعضاً. ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدوّ الله شاس بن قـيس وما صنع فأنزل الله فـي شاس بن قـيس وما صنع {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً }... الآية وأنزل الله عزّ وجلّ فـي أوس بن قـيظي وجبـار بن صخر ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا مـما أدخـل علـيهم شاس بن قـيس من أمر الـجاهلـية { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ }[آل عمران: 100] إلـى قوله: { أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [آل عمران: 105].

وقـيـل: إنه عنى بقوله: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } جماعة يهود بنـي إسرائيـل الذين كانوا بـين أظهر مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام نزلت هذه الآيات والنصارى، وأن صدّهم عن سبـيـل الله كان بإخبـارهم من سألهم عن أمر نبـيّ الله مـحمد صلى الله عليه وسلم، هل يجدون ذكره فـي كتبهم أنهم لا يجدون نعته فـي كتبهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً } كانوا إذا سألهم أحد: هل تـجدون مـحمداً؟ قالوا: لا! فصدّوا عنه الناس، وبغوا مـحمداً عوجاً: هلاكاً.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } يقول: لـم تصدون عن الإسلام، وعن نبـي الله ومن آمن بـالله، وأنتـم شهداء فـيـما تقرؤون من كتاب الله أن مـحمداً رسول الله، وأن الإسلام دين الله الذي لا يقبل غيره ولا يجزي إلا به، تـجدونه مكتوباً عندكم فـي التوراة والإنـجيـل.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، نـحوه.

حدثنا مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر، قال: ثنا عبـاد، عن الـحسن فـي قوله: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } قال: هم الـيهود والنصارى، نهاهم أن يصدوا الـمسلـمين عن سبـيـل الله، ويريدون أن يعدلوا الناس إلـى الضلالة.

فتأويـل الآية ما قاله السديّ: يا معشر الـيهود لـم تصدّون عن مـحمد، وتـمنعون من اتبـاعه الـمؤمنـين بكتـمانكم صفته التـي تـجدونها فـي كتبكم. ومـحمد علـى هذا القول: هو السبـيـل {تَبْغُونَهَا عِوَجاً }: تبغون مـحمداً هلاكاً. وأما سائر الروايات غيره والأقوال فـي ذلك، فإنه نـحو التأويـل الذي بـيناه قبل، من أن معنى السبـيـل التـي ذكرها فـي هذا الـموضع الإسلام وما جاء به مـحمد من الـحقّ من عند الله.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ فَرِيقًا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ كَٰفِرِينَ ۝١٠٠

اختلف أهل التأويـل فـيـمن عنى بذلك، فقال بعضهم: عنى بقوله: {يٰأيَّها ٰلَّذِينَ ءَامَنُواْ } الأوس والـخزرج، وبـالذين أوتوا الكتاب: شاس بن قـيس الـيهودي، علـى ما قد ذكرنا قبل من خبره عن زيد بن أسلم.

وقال آخرون: فيمن عُني بالذين آمنوا، مثل قول زيد بن أسلم، غير أنهم قالوا: الذي جرى الكلام بينه وبين غيره من الأنصار حتى هموا بالقتال ووجدوا اليهودي به مغمزاً فيهم ثعلبة بن عنمة الأنصاري. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ } قال: نزلت فـي ثعلبة بن عنمة الأنصاري، كان بـينه وبـين أناس من الأنصار كلام، فمشى بـينهم يهودي من قـينقاع، فحمل بَعْضَهُم علـى بعضٍ حتـى همت الطائفتان من الأوس والـخزرج أن يحملوا السلاح فـيقاتلوا، فأنزل الله عز وجل: {إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ } يقول: إن حملتـم السلاح فـاقتتلتـم كفرتـم.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا جعفر بن سلـيـمان، عن حميد الأعرج عن مـجاهد فـي قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} قال: كان جماع قبـائل الأنصار بطنـين الأوس والـخزرج، وكان بـينهما فـي الـجاهلـية حرب ودماء وشنآن، حتـى منّ الله علـيهم بـالإسلام وبـالنبـي صلى الله عليه وسلم، فأطفأ الله الـحرب التـي كانت بـينهم، وألّف بـينهم بـالإسلام قال: فبـينا رجل من الأوس ورجل من الـخزرج قاعدان يتـحدثان، ومعهما يهودي جالس، فلـم يزل يذكِّرهما أيامهما والعداوة التـي كانت بـينهم، حتـى استبَّـا، ثم اقتتلا. قال: فنادى هذا قومه، وهذا قومه، فخرجوا بـالسلاح، وصفّ بعضهم لبعض. قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد يومئذ بـالـمدينة، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلـم يزل يـمشي بـينهم إلـى هؤلاء وإلـى هؤلاء لـيسكنهم، حتـى رجعوا ووضعوا السلاح، فأنزل الله عزّ وجلّ القرآن فـي ذلك: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} إلـى قوله:

{ عَذَابٌ عظِيمٌ } [آل عمران: 105].

فتأويـل الآية: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله وأقرّوا بـما جاءهم به نبـيهم صلى الله عليه وسلم من عند الله، إن تطيعوا جماعة مـمن ينتـحل الكتاب من أهل التوراة والإنـجيـل، فتقبلوا منهم ما يأمرونكم به، يضلوكم فـيردّوكم بعد تصديقكم رسول ربكم وبعد إقراركم بـما جاء به من عند ربكم كافرين؛ يقول: جاحدين لـما قد آمنتـم به وصدّقتـموه من الـحقّ الذي جاءكم من عند ربكم. فنهاهم جلّ ثناؤه أن ينتصحوهم، ويقبلوا منهم رأياً أو مشورة، ويعلـمهم تعالـى ذكره أنهم لهم منطوون علـى غلّ وغشّ وحسد وبغض. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ }: قد تقدّم الله إلـيكم فـيهم كما تسمعون، وحذركم وأنبأكم يضلالتهم، فلا تأمنوهم علـى دينكم ولا تنصحوهم علـى أنفسكم، فإنهم الأعداء الـحسدة الضلال. كيف تأتـمنون قوماً كفروا بكتابهم، وقتلوا رسلهم، وتـحيروا فـي دينهم، وعجزوا عن أنفسهم؟ أولئك والله هم أهل التهمة والعداوة!

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُۥ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝١٠١

يعني بذلك جلّ ثناؤه: وكيف تكفرون أيها المؤمنون بعد إيـمانكم بـالله وبرسوله، فترتدوا علـى أعقابكم {وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايـَٰتُ ٱللَّهِ} يعنـي: حجج الله علـيكم التـي أنزلها فـي كتابه علـى نبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم. {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ } حجة أخرى عليكم لله، مع آي كتابه، يدعوكم جميع ذلك إلى الحقّ، ويبصركم الهدى والرشاد، وينهاكم عن الغيّ والضلال يقول لهم تعالى ذكره: فما وجه عذركم عند ربكم في جحودكم نبوّة نبـيكم، وارتدادكم على أعقابكم، ورجوعكم إلـى أمر جاهليتكم، إن أنتـم راجعتـم ذلك وكفرتم، وفيه هذه الحجج الواضحة، والآيات البينة، على خطأ فعلكم ذلك إن فعلتموه. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءايَـٰتُ ٱللَّهِ }... الآية، علـمان بـينان: وُجْدَانُ نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، وكتاب الله؛ فأما نبـيّ الله فمضى صلى الله عليه وسلم؛ وأما كتاب الله، فأبقاه الله بـين أظهركم رحمة من الله ونعمة، فـيه حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته.

وأما قوله: {مَنْ يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرٰطٍ مّسْتَقِيمٍ } فإنه يعنـي: ومن يتعلق بأسبـاب الله، ويتـمسك بدينه وطاعته، {فَقَدْ هُدِىَ } يقول: فقد وفق لطريق واضح ومـحجة مستقـيـمة غير معوجة، فـيستقـيـم به إلـى رضا الله وإلـى النـجاة من عذاب الله والفوز بجنته. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ } قال: يؤمن بـالله.

وأصل العصم: الـمنع، فكل مانع شيئاً فهو عاصمه، والـمـمتنع به معتصم به، ومنه قول الفرزدق:

أنا ابْنُ العاصِمينَ بنـي تَـمِيـمٍ إذَا ما أعْظَمُ الـحدَثانِ نابَـا

ولذلك قـيـل للـحبل: عصام، وللسبب الذي يتسبب به الرجل إلـى حاجته: عصام، ومنه قول الأعشى:

إلـى الـمَرْءِ قَـيْسٍ أُطِيـلُ السُّرى وآخُذُ مِنْ كُلّ حَيٍّ عُصُمْ

يعنـي بـالعُصُم: الأسبـاب، أسبـاب الذمة والأمان، يقال منه: اعتصمت بحبل من فلان، واعتصمت حبلاً منه، واعتصمت به واعتصمه. وأفصح اللغتـين: إدخال البـاء، كما قال عزّ وجلّ: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً } وقد جاء «اعتصمته»، كما قال الشاعر:

إذَا أنْتَ جازَيْتَ الإخاءَ بِـمِثْلِهِ وَآسَيْتَنِـي ثُمَّ اعْتَصَمْتُ حبِـالِـيا

فقال: «اعتصمت حبـالـيا»، ولـم يدخـل البـاء، وذلك نظير قولهم: تناولت الـخطام وتناولت بـالـخطام، وتعلقت به وتعلقته، كما قال الشاعر:

تَعَلَّقْتَ هِنْداً ناشِئا ذَاتَ مِئْزَرٍ وأنتَ وَقد فـارَقْتَ لـمْ تَدْرِ ما الـحِلْـمُ

وقد بـينت معنى الهدى والصراط وأنه معنّـي به الإسلام فـيـما مضى قبل بشواهده، فكرهنا إعادته فـي هذا الـموضع.

وقد ذكر أن الذي نزل فـي سبب تَـحَاوُرْ القبيلتين الأوس والـخزرج، كان منه قوله: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءايَـٰتُ ٱللَّهِ }. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا حسن بن عطية، قال: ثنا قـيس بن الربـيع، عن الأغرّ بن الصبـاح، عن خـلـيفة بن حصين، عن أبـي نصر، عن ابن عبـاس، قال: كانت الأوس والـخزرج بـينهم حرب فـي الـجاهلـية كل شهر، فبـينـما هم جلوس إذ ذكروا ما كان بـينهم حتـى غضبوا، فقام بعضهم إلـى بعض بـالسلاح، فنزلت هذه الآية: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءايَـٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ }... إلـى آخر الآيتـين،

{ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء }[آل عمران: 103]... إلـى آخر الآية.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ۝١٠٢

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: يا معشر من صدّق الله ورسوله، {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } خافوا الله وراقبوه بطاعته، واجتناب معاصيه، {حَقَّ تُقَاتِهِ } حقّ خوفه، وهو أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى. {وَلاَ تَمُوتُنَّ } أيها الـمؤمنون بـالله ورسوله، {إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } لربكم، مذعنون له بـالطاعة، مخـلصون له الألوهية والعبـادة.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، وحدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن زبـيد، عن مرة، عن عبد الله: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } قال: أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن زبـيد، عن مرة الهمدانـي، عن عبد الله مثله.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن زبـيد، عن مرة الهمدانـي، عن عبد الله مثله.

حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت لـيثاً، عن زبـيد، عن مرة بن شراحيـل الهمدانـي، عن عبد الله بن مسعود، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج بن الـمنهال، قال: ثنا جرير، عن زبـيد، عن عبد الله، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا مسعر، عن زبـيد، عن مرة، عن عبد الله، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن الـمسعودي، عن زبـيد الأيامي، عن مرّة، عن عبد الله، مثله.

حدثنا ابن حميد قال: ثنا جرير، عن منصور، عن زبـيد، عن مرة، عن عبد الله، مثله.

حدثنا مـحمد بن سنان، قال: ثنا يحيـى بن سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن عمرو بن ميـمون: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } قال: أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، نحوه.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا يحيـى بن سعيد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا عمرو بن مرة عن مرة، عن الربـيع بن خُثَـيْـم، قال: أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكره فلا ينسى.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت مرة الهمدانـي يحدّث عن الربـيع بن خُثَـيْـم فـي قول الله عزّ وجلّ: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } فذكر نـحوه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن قـيس بن سعد، عن طاووس: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } أن يطاع فلا يعصى.

حدثنا مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، قال: ثنا عبـاد، عن الـحسن، فـي قوله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } قال: حقّ تقاته أن يطاع فلا يعصي.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: ثم تقدم إلـيهم، يعنـي إلـى الـمؤمنـين من الأنصار، فقال: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } أما حق تقاته: يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا حجاج بن الـمنهال، قال: ثنا همام، عن قتادة: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } أن يطاع فلا يعصى، قال: {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }.

وقال آخرون: بل تأويـل ذلك كما:

حدثنـي به الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } قال: حقّ تقاته أن يجاهدوا فـي سبيل الله حقّ جهاده، ولا يأخذهم فـي الله لومة لائم، ويقوموا لله بـالقسط ولو علـى أنفسهم وآبـائهم وأبنائهم.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي هذه الآية، هل هي منسوخة أم لا؟ فقال بعضهم: هي مـحكمة غير منسوخة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ، عن ابن عبـاس قوله: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } إنها لـم تنسخ، ولكن حقّ تقاته أن تـجاهد فـي الله حقّ جهاده. ثم ذكر تأويـله الذي ذكرناه عنه آنفاً.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن نـجيح، عن قـيس بن سعد، عن طاووس: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } فإن لـم تفعلوا ولـم تستطيعوا، {فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال طاووس، قوله: {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } يقول: إن لـم تتقوه فلا تـموتنّ إلا وأنتـم مسلـمون.

وقال آخرون: هي منسوخة، نسخها قوله:

{ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ }[التغابن: 16]. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } ثم أنزل التـخفـيف والـيسر، وعاد بعائدته ورحمته علـى ما يعلـم من ضعف خـلقه، فقال:

{ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ }[التغابن: 16] فجاءت هذه الآية فـيها تـخفـيف وعافـية ويسر.

ـ حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج بن الـمنهال الأنـماطي، قال: ثنا همام، عن قتادة: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } قال: نسختها هذه الآية التـي فـي التغابن

{ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ }[التغابن: 16] وعلـيها بـايع رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى السمع والطاعة فـيـما استطاعوا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس، قال: لـما نزلت: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } ثم نزل بعدها:

{ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ }[التغابن: 16] فنسخت هذه الآية التـي فـي آل عمران.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } فلـم يطق الناس هذا، فنسخه الله عنهم، فقال:

{ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ } [التغابن: 16] .

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {مّسْتَقِيمٍ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } قال: جاء أمر شديد، قالوا: ومن يعرف قدر هذا أو يبلغه؟ فلـما عرف أنه قد اشتدّ ذلك علـيهم، نسخها عنهم، وجاء بهذه الأخرى، فقال:

{ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ }[التغابن: 16] فنسخها.

وأما قوله: {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } فإن تأويـله كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن قـيس بن سعد، عن طاووس: {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } قال: علـى الإسلام وعلـى حرمة الإسلام.

وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ۝١٠٣

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: وتعلقوا بأسبـاب الله جميعاً. يريد بذلك تعالـى ذكره: وتـمسكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إلـيكم فـي كتابه إلـيكم من الألفة والاجتـماع علـى كلـمة الـحقّ والتسلـيـم لأمر الله. وقد دللنا فـيـما مضى قبل علـى معنى الاعتصام. وأما الـحبل، فإنه السبب الذي يوصل به إلـى البغية والـحاجة، ولذلك سمي الأمان حبلاً، لأنه سبب يوصل به إلـى زوال الـخوف والنـجاة من الـجزع والذعر، ومنه قول أعشى بنـي ثعلبة:

وإذَا تُـجَوِّزُها حِبـالُ قَبِـيـلةَ أخذَتَ مِنَ الأُخْرَى إلـيكَ حِبـالَها

ومنه قول الله عزّ وجلّ: { إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مّنَ ٱلنَّاسِ }

[آل عمران: 112] وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا العوّام، عن الشعبـي، عن عبد الله بن مسعود أنه قال فـي قوله: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً } قال: الـجماعة.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيـم، عن العوّام، عن الشعبـيّ، عن عبد الله فـي قوله: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً } قال: حبل الله: الـجماعة.

وقال آخرون: عَنَى بذلك القرآن، والعهد الذي عهد فـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً } حبل الله الـمتـين الذي أمر أن يعتصم به: هذا القرآن.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً } قال: بعهد الله وأمره.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن شقـيق، عن عبد الله، قال: إن الصراط مـحتضر تـحضره الشياطين، ينادون: يا عبد الله هلـمّ هذا الطريق! لـيصدّوا عن سبـيـل الله. فـاعتصموا بحبل الله، فإن حبل الله هو كتاب الله.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، عن أسبـاط، عن السديّ: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً } أما حبل الله: فكتاب الله.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {بِحَبْلِ ٱللَّهِ }: بعهد الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء: {بِحَبْلِ ٱللَّهِ } قال: العهد.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبـي وائل، عن عبد الله: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً } قال: حبل الله: القرآن.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك فـي قوله: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً } قال: القرآن.

حدثنا سعيد بن يحيـى، قال: ثنا أسبـاط بن مـحمد، عن عبد الـملك بن أبـي سلـيـمان العرزمي، عن أبـي سعيد الـخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كِتاب اللَّهِ، هُوَ حَبْلُ الله الـمَـمْدُودُ مِنَ السَّماءِ إلـى الأرْضِ

وقال آخرون: بل ذلك هو إخلاص التوحيد لله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، عن أبـي العالـية فـي قوله: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً } يقول: اعتصموا بـالإخلاص لله وحده.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً } قال: الـحبل: الإسلام. وقرأ {وَلاَ تَفَرَّقُواْ }.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَلاَ تَفَرَّقُواْ }.

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {وَلاَ تَفَرَّقُواْ }: ولا تتفرّقوا عن دين الله وعهده الذي عهد إلـيكم فـي كتابه من الائتلاف والاجتـماع علـى طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم والانتهاء إلـى أمره. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } أن الله عزّ وجلّ قد كره لكم الفرقة وقدّم إلـيكم فـيها، وحذّركموها، ونهاكم عنها، ورضي لكم السمع والطاعة والألفة والـجماعة، فـارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم إن استطعتـم، ولا قوّة إلا بـالله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: {وَلاَ تَفَرَّقُواْ }: لا تعادوا علـيه، يقول: علـى الإخلاص لله، وكونوا علـيه إخواناً.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، أن الأوزاعي حدثه، أن يزيد الرقاشي حدثه، أنه سمع أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ بَنِـي إسْرائِيـلَ افْتَرَقَتْ علـى إحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَإنَّ أُمَّتِـي سَتَفْتَرِقُ علـى اثْنَـيْنِ وَسبعينَ فِرْقَةً كلُّهمْ فِـي النَّارِ إلاَّ وَاحِدَةً. قال: فقـيـل يا رسول الله، وما هذه الواحدة؟ قال: فقبض يده وقال: «الـجَمَاعَة» {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ }.

حدثني عبد الكريم بن أبي عمير، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: سمعت الأوزاعي يحدّث عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، نحوه.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا المحاربي، عن ابن أبـي خالد، عن الشعبي، عن ثابت بن قطنة الـمري، عن عبد الله أنه قال: يا أيها الناس علـيكم بالطاعة والـجماعة فإنهما حبل الله الذي أمر به، وإنّ ما تكرهون فـي الـجماعة والطاعة هو خير مـما تستـحبون فـي الفرقة.

حدثنا عبد الـحميد بن بـيان الـيشكري، قال: أخبرنا مـحمد بن يزيد، عن إسماعيـل بن أبـي خالد، عن الشعبـي، عن ثابت بن قطنة، قال: سمعت ابن مسعود وهو يخطب، وهو يقول: يا أيها الناس، ثم ذكر نـحوه.

حدثنا إسماعيـل بن حفص الآملـي، قال: ثنا عبد الله بن نـمير أبو هشام، قال: ثنا مـجالد بن سعيد، عن عامر، عن ثابت بن قطنة الـمري، قال: قال عبد الله: علـيكم بـالطاعة والـجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به ثم ذكر نـحوه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً }.

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ }: واذكروا ما أنعم الله به علـيكم من الألفة والاجتـماع علـى الإسلام.

واختلف أهل العربـية فـي قوله: {إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ } فقال بعض نـحويـي البصرة فـي ذلك: انقطع الكلام عند قوله: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ }، ثم فسر بقوله: {فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ } وأخبر بـالذي كانوا فـيه قبل التألـيف، كما تقول: أمْسَكَ الـحائط أن يـميـل.

وقال بعض نـحويـي الكوفة: قوله {إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ } تابع قوله: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } غير منقطعة منها.

والصواب من القول فـي ذلك عندي أن قوله: {إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ } متصل بقوله: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } غير منقطع عنه.

وتأويـل ذلك: واذكروا أيها الـمؤمنون نعمة الله علـيكم التـي أنعم بها علـيكم حين كنتـم أعداء: أي بشرككم، يقتل بعضكم بعضاً، عصبـية فـي غير طاعة الله ولا طاعة رسوله، فألف الله بـالإسلام بـين قلوبكم، فجعل بعضكم لبعض إخواناً بعد إذ كنتـم أعداء تتواصلون بألفة الإسلام واجتـماع كلـمتكم علـيه. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ } كنتـم تذابحون فـيها، يأكل شديدكم ضعيفكم حتـى جاء الله بـالإسلام، فآخى به بـينكم، وألف به بـينكم. أما والله الذي لا إله إلا هو، إن الألفة لرحمة، وإن الفرقة لعذاب!

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاءً }: يقتل بعضكم بعضاً، ويأكل شديدكم ضعيفكم، حتـى جاء الله بـالإسلام، فألّف به بـينكم، وجمع جمعكم علـيه، وجعلكم علـيه إخواناً.

فـالنعمة التـي أنعم الله علـى الأنصار التـي أمرهم تعالـى ذكره فـي هذه الآية أن يذكروها هي ألفة الإسلام واجتـماع كلـمتهم علـيها، والعداوة التـي كانت بـينهم، التـي قال الله عزّ وجلّ: {إِذْ كُنتُم أَعْدَاءً } فإنها عداوة الـحروب التـي كانت بـين الـحيـين من الأوس والـخزرج فـي الـجاهلـية قبل الإسلام، يزعم العلـماء بأيام العرب، أنها تطاولت بـينهم عشرين ومائة سنة. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: قال ابن إسحاق: كانت الـحرب بـين الأوس والـخزرج عشرين ومائة سنة، حتـى قام الإسلام وهم علـى ذلك، فكانت حربهم بـينهم وهم أخوان لأب وأم، فلـم يسمع بقوم كان بـينهم من العدواة والـحرب ما كان بـينهم. ثم إن الله عزّ وجلّ أطفأ ذلك بـالإسلام، وألف بـينهم برسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم.

فذكَّرهم جلّ ثناؤه إذ وعظهم عظيـم ما كانوا فـيه فـي جاهلـيتهم من البلاء والشقاء بـمعاداة بعضهم بعضاً وقتل بعضهم بعضاً، وخوّف بعضهم من بعض، وما صاروا إلـيه بـالإسلام واتبـاع الرسول صلى الله عليه وسلم والإيـمان به، وبـما جاء به من الائتلاف والاجتـماع، وأمن بعضهم من بعض، ومصير بعضهم لبعض إخواناً. وكان سببُ ذلك ما:

حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي ابن إسحاق، قال: ثنا عاصم بن عمر بن قتادة الـمدنـي، عن أشياخ من قومه، قالوا: قدم سويد بن صامت أخو بنـي عمرو بن عوف مكة حاجاً أو معتـمراً. قال: وكان سويد إنـما يسميه قومه فـيهم الكامل لـجلده وشعره ونسبه وشرفه. قال: فتصدّى له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به، فدعاه إلـى الله عزّ وجلّ وإلـى الإسلام، قال: فقال له سويد: فلعلّ الذي معك مثل الذي معي! قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«وَما الَّذِي مَعَكَ؟» قال مـجلة لقمان ـ يعنـي حكمة لقمان ـ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعْرِضْها عَلـي!» فعرضها علـيه، فقال: «إنَّ هَذَا الكَلامَ حَسَنٌ، مَعِي أفْضَلُ مِنْ هَذَا، قُرآنٌ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَّـي هُدًى وَنُورٌ». قال: فتلا علـيه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ودعاه إلـى الإسلام، فلـم يبعد منه، وقال: إن هذا القول حسن ثم انصرف عنه، وقدم الـمدينة، فلـم يـلبث أن قتلته الـخزرج، فإن كان قومه لـيقولون: قد قتل وهو مسلـم، وكان قتله قبل يوم بُعاث. هَلْ لَكُمْ إلـى خَيْرٍ مـمَّا جِئْتُـمْ لَهُ؟ قالُوا: وَما ذَاكَ؟ قال: أنا رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِـي إلـى العِبـادِ أدْعُوهُمْ إلـى اللَّهِ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وأَنْزَلَ عَلَّـي الكِتابَ. ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا علـيهم القرآن، فقال إياس بن معاذ، وكان غلاماً حدثاً: أي قوم، هذا والله خير مـما جئتـم له! قال: فأخذ أبو الـجيش أنس بن رافع حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس بن معاذ، وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا! قال: فصمت إياس بن معاذ، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وانصرفوا إلـى الـمدينة، وكانت وقعة بُعاث بـين الأوس والـخزرج. قال: ثم لـم يـلبث إياس بن معاذ أن هلك قال: فلـما أراد الله إظهار دينه، وإعزاز نبـيه صلى الله عليه وسلم، وإنـجاز موعده له، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الـموسم الذي لقـي فـيه النفر من الأنصار يعرض نفسه علـى قبـائل العرب كما كان يصنع فـي كل موسم. فبـينا هو عند العقبة، إذ لقـي رهطاً من الـخزرج أراد الله لهم خيراً. قال ابن حميد: قال سلـمة: قال مـحمد بن إسحاق: فحدثنـي عاصم بن عمر بن قتادة، عن أشياخ من قومه، قالوا: لـما لقـيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: مَنْ أنْتُـمْ؟ قالوا: نفر من الـخزرج، قال: أمِنْ مَوَالـىَ يَهُودَ؟ قالوا: نعم، قال: أفَلا تَـجْلِسُونَ حتـى أُكَلِّـمَكُمْ؟ قالوا: بلـى. قال: فجلسوا معه، فدعاهم إلـى الله وعرض علـيهم الإسلام، وتلا علـيهم القرآن. قال: وكان مـما صنع الله لهم به فـي الإسلام أن يهود كانوا معهم ببلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلـم، وكانوا أهل شرك، أصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بـينهم شيء، قالوا لهم: إن نبـياً الآن مبعوث قد أظلّ زمانه، نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلـما كلـم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر، ودعاهم إلـى الله عزّ وجلّ، قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلـموا والله إنه للنبـيّ الذي توعدكم به يهود، ولا يسبقُنكم إلـيه! فأجابوه فـيـما دعاهم إلـيه بأن صدقوه، وقبلوا منه ما عرض علـيهم من الإسلام، وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بـينهم من العداوة والشرّ ما بـينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك، وسنقدم علـيهم، فندعوهم إلـى أمرك، ونعرض علـيهم الذي أجبناك إلـيه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله علـيه، فلا رجل أعزّ منك! ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، راجعين إلـى بلادهم، قد آمنوا وصدّقوا، وهم فـيـما ذكر لـي ستة نفر. قال: فلـما قدموا الـمدينة علـى قومهم، ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوهم إلـى الإسلام، حتـى فشا فـيهم، فلـم يبق دار من دور الأنصار إلا وفـيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتـى إذا كان العام الـمقبل، وافـى الـموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً، فلقوه بـالعقبة، وهي العقبة الأولـى، فبـايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى بـيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض علـيهم الـحرب.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن عكرمة: أنه لقـي النبـيّ صلى الله عليه وسلم ستة نفر من الأنصار، فآمنوا به وصدّقوه، فأراد أن يذهب معهم، فقالوا: يا رسول الله، إن بـين قومنا حربـاً، وإنا نـخاف إن جئت علـى حالك هذه أن لا يتهيأ الذي تريد. فوعدوه العام الـمقبل، وقالوا: يا رسول الله نذهب، فلعلّ الله أن يصلـح تلك الـحرب! قال: فذهبوا ففعلوا، فأصلـح الله عزّ وجلّ تلك الـحرب، وكانوا يرون أنها لا تصلـح؛ وهو يوم بُعاث فلقوه من العام الـمقبل سبعين رجلاً قد آمنوا، فأخذ علـيهم النقبـاء اثنـي عشر نقـيبـا، فذلك حين يقول: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ }.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: أما: {إِذْ كُنتُم أَعْدَاء } ففـي حرب {فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ } بـالإسلام. حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، بنـحوه، وزاد فـيه: فلـما كان من أمر عائشة ما كان، فتثاور الـحيان، فقال بعضهم لبعض: موعدكم الـحرة! فخرجوا إلـيها، فنزلت هذه الآية: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً }... الآية، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلـم يزل يتلوها علـيهم حتـى اعتنق بعضهم بعضاً، وحتـى إن لهم لـخنـيناً، يعنـي البكاء.

وسمير الذي زعم السديّ أن قوله {إِذْ كُنتُم أَعْدَاء } عنى به حربه، هو سمير بن زيد بن مالك أحد بنـي عمرو بن عوف الذي ذكره مالك بن العجلان فـي قوله:

إنَّ سُمَيراً أرَى عَشِيرَتَهُ قَدْ حَدِبُوا دُونَهُ وَقَدْ أنِفُوا إنْ يَكُنِ الظَّنُّ صَادِقـي ببنـي النَّـ ـجَّارِ لـم يَطْعَمُوا الذي عُلِفُوا

وقد ذكر علـماء الأنصار أن مبدأ العداوة التـي هيجت الـحروب التـي كانت بـين قبـيـلتـيها الأوس والـخزرج وأولها كان بسبب قتل مولـى لـمالك بن العجلان الـخزرجي، يقال له: الـحر بن سمير، من مزينة، وكان حلـيفـاً لـمالك بن العجلان، ثم اتصلت تلك العداوة بـينهم إلـى أن أطفأها الله بنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم، فذلك معنى قول السديّ: حرب ابن سمير.

وأما قوله: {فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً } فإنه يعنـي: فأصبحتـم بتألـيف الله عزّ وجلّ بـينكم بـالإسلام وكلـمة الـحقّ والتعاون علـى نصرة أهل الإيـمان، والتآزر علـى من خالفكم من أهل الكفر، إخواناً متصادقـين لا ضغائن بـينكم، ولا تـحاسد. كما:

حدثنـي بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً }، وذكر لنا أن رجلاً قال لابن مسعود: كيف أصبحتـم؟ قال: أصبحنا بنعمة الله إخواناً.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا }.

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ }: وكنتـم يا معشر الـمؤمنـين من الأوس والـخزرج علـى حرف حفرة من النار، وإنـما ذلك مثل لكفرهم الذي كانوا علـيه قبل أن يهديهم الله للإسلام، يقول تعالـى ذكره: وكنتـم علـى طرف جهنـم بكفركم الذي كنتـم علـيه، قبل أن ينعم الله علـيكم بـالإسلام، فتصيروا بـائتلافكم علـيه إخواناً، لـيس بـينكم وبـين الوقوع فـيها إلا أن تـموتوا علـى ذلك من كفركم، فتكونوا من الـخالدين فـيها، فـانقذكم الله منها بـالإيـمان الذي هداكم له. وشفـا الـحفرة: طرفها وحرفها، مثل شفـا الركية والبئر، ومنه قول الراجز:

نـحْنُ حَفَرْنا للـحَجيج سَجْلَهْ نابِتَةً فوقَ شَفَـاهَا بَقْلَهْ

يعنـي فوق حرفها، يقال: هذا شفـا هذه الركية مقصور، وهما شفواها. وقال: {فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا }: يعنـي فأنقذكم من الـحفرة، فردّ الـخبر إلـى الـحفرة، وقد ابتدأ الـخبر عن الشفـا، لأن الشفـا من الـحفرة، فجاز ذلك، إذ كان الـخبر عن الشفـا علـى السبـيـل التـي ذكرها فـي هذه الآية خبراً عن الـحفرة، كما قال جرير بن عطية:

رأتْ مَرَّ السِّنِـينَ أخَذْنَ مِنِّـي كما أخَذَ السِّرَارُ مِنَ الهِلالِ

فذكر مرّ السنـين، ثم رجع إلـى الـخبر عن السنـين. وكما قال العجاج:

طُولُ اللَّـيالـي أسْرَعَتْ فِـي نَقْضِي طَوَيْنَ طُولـي وَطَوَيْنَ عَرْضِي

وقد بـينت العلة التـي من أجلها قـيـل ذلك كذلك فـيـما مضى قبل.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك من التأويـل، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذٰلِكَ يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءايَـٰتِهِ } كان هذا الـحيّ من العرب أذلّ الناس ذلاً، وأشقاه عيشا، وأبـينه ضلالة، وأعراه جلوداً، وأجوعه بطوناً، مكعومين علـى رأس حجر بـين الأسدين: فـارس، والروم، لا والله ما فـي بلادهم يومئذ من شيء يحسدون علـيه، من عاش منهم عاش شقـياً ومن مات رُدّي فـي النار، يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلـم قبـيلاً يومئذٍ من حاضر الأرض، كانوا فـيها أصغر حظاً، وأدقّ فـيها شأناً منهم، حتـى جاء الله عزّ وجلّ بـالإسلام، فورّثكم به الكتاب، وأحلّ لكم به دار الـجهاد، ووضع لكم به من الرزق، وجعلكم به ملوكاً علـى رقاب الناس، وبـالإسلام أعطى الله ما رأيتـم، فـاشكروا نعمه، فإن ربكم منعم يحبّ الشاكرين، وإن أهل الشكر فـي مزيد الله، فتعالـى ربنا وتبـارك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس، قوله: {وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ } يقول: كنتـم علـى الكفر بـالله، {فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا }: من ذلك، وهداكم إلـى الإسلام.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا } بـمـحمد صلى الله عليه وسلم يقول: كنتـم علـى طرف النار من مات منكم أُوبق فـي النار، فبعث الله مـحمداً صلى الله عليه وسلم، فـاستنقذكم به من تلك الـحفرة.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا حسن بن حيّ: {وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا } قال: عصبـية.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءايَـٰتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }.

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: كذلك كما بـين لكم ربكم فـي هذه الآيات أيها الـمؤمنون من الأوس والـخزرج، من غِلّ اليهود، الذي يضمرونه لكم، وغشهم لكم، وأمره إياكم بـما أمركم به فـيها، ونهيه لكم عما نهاكم عنه، والـحال التـي كنتـم علـيها فـي جاهلـيتكم، والتـي صرتـم إلـيها فـي إسلامكم، يعرّفكم فـي كل ذلك مواقع نعمه قبلكم، وصنائعه لديكم، فكذلك يبـين سائر حججه لكم فـي تنزيـله، وعلـى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } يعنـي: لتهتدوا إلـى سبـيـل الرشاد، وتسلكوها فلا تضلوا عنها.

الخميس، 22 أكتوبر 2026 11 جمادى الأولى 1448 هـ