انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير الطبريالآيات 154–159

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة آل عمران

الخلاصة من تفسير الطبري · 11 مقطعًا · 3:01:26

  1. 1 الآيات 153–171في هذه الصفحة 20:01

التفسير الصوتي لسورة آل عمران كاملًا (11 مقطعًا)

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍ قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝١٥٤

يعني بذلك جل ثناؤه: ثم أنزل الله أيها المؤمنون من بعد الغمّ الذي أثابكم ربكم بعد غمّ تقدمه قبله أمنة، وهي الأمان على أهل الإخلاص منكم والـيقـين، دون أهل النفاق والشك. ثم بـين جلّ ثناؤه عن الأمنة التي أنزلها عليهم ما هي؟ فقال: نعاساً، بنصب النعاس على الإبدال من الأمنة.

ثم اختلفت القراء في قراءة قوله: {يَغْشَىٰ } فقرأ ذلك عامة قراء الـحجاز والـمدينة والبصرة وبعض الكوفـيـين بـالتذكير بـالـياء: {يَغْشَىٰ }. وقرأ جماعة من قراء الكوفـيـين بـالتأنـيث: {تَغْشَى} بـالتاء. وذهب الذين قرؤوا ذلك بـالتذكير إلـى أن النعاس هو الذي يغشى الطائفة من الـمؤمنـين دون الأمنة، فذكره بتذكير النعاس. وذهب الذين قرؤوا ذلك بـالتأنـيث إلـى أن الأمنة هي التـي تغشاهم، فأنثوه لتأنـيث الأمنة.

والصواب من القول فـي ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان مستفـيضتان فـي قراء الأمصار غير مختلفتـين فـي معنى ولا غيره، لأن الأمنة فـي هذا الـموضع هي النعاس، والنعاس: هو الأمنة. وسواء ذلك، وبأيتهما قرأ القارىء فهو مصيب الـحقّ فـي قراءته، وكذلك جميع ما فـي القرآن من نظائره من نـحو قوله:

{ إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ طَعَامُ ٱلأَثِيمِ كَٱلْمُهْلِ يَغْلِى فِى ٱلْبُطُونِ }[الدخان: 43-45] و { أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ }} [القيامه: 37] { { وَهُزّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَـٰقِطْ } [مريم: 25].

فإن قال قائل: وما كان السبب الذي من أجله افترقت الطائفتان اللتان ذكرهما الله عزّ وجلّ فـيـما افترقتا فـيه من صفتهما، فآمنت إحداهما بنفسها حتـى نعست، وأهمت الأخرى نفسها حتـى ظنت بـالله غير الـحقّ ظنّ الـجاهلـية؟ قـيـل: كان سبب ذلك فـيـما ذكر لنا، كما:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: أن الـمشركين انصرفوا يوم أُحُد بعد الذي كان من أمرهم وأمر الـمسلـمين، فواعدوا النبـيّ صلى الله عليه وسلم بدراً من قابل، فقال لهم: «نعم» فتـخوّف الـمسلـمون أن ينزلوا الـمدينة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً، فقال:

انْظُر فإنْ رأيتهم قَعدُوا علـى أثْقَالهم وجَنَبُوا خُيُولَهُمْ، فإنَّ القَوْمَ ذَاهِبُونَ، وإنْ رأيْتُهمْ قد قعدوا علـى خيولهم وجَنَبُوا علـى أثقالهم، فإنَّ القَوْم يَنْزِلُونَ الـمَدِينَةَ، فاتَّقُوا الله واصْبِرُوا! ووطنهم على القتال؛ فلـما أبصرهم الرسول تعدوا علـى الأثقال سراعاً عجالاً، نادى بأعلـى صوته بذهابهم؛ فلـما رأى الـمؤمنون ذلك صدّقوا نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، فناموا، وبقـي أناس من الـمنافقـين يظنون أن القوم يأتونهم، فقال الله جلّ وعزّ يذكر حين أخبرهم النبـي صلى الله عليه وسلم إن كانوا ركبوا الأثقال فإنهم منطلقون فناموا: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ ٱلْغَمّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقّ ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ }.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: أمنهم يومئذ بنعاس غشاهم، وإنـما ينعس من يأمن؛ {يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقّ ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ }.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن حميد، عن أنس بن مالك، عن أبـي طلـحة، قال: كنت فـيـمن أنزل علـيه النعاس يوم أُحد أمنة، حتـى سقط من يدي مراراً.

قال أبو جعفر: يعنـي: سوطه، أو سيفه.

حدثنا عمرو بن علـيّ، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا حماد بن سلـمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبـي طلـحة، قال: رفعت رأسي يوم أُحد، فجعلت ما أرى أحداً من القوم إلا تـحت حجفته يـميد من النعاس.

حدثنا ابن بشار وابن الـمثنى، قالا: ثنا أبو داود، قال: ثنا عمران، عن قتادة، عن أنس، عن أبـي طلـحة قال: كنت فـيـمن صبّ علـيه النعاس يوم أُحد.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ثنا أنس بن مالك، عن أبـي طلـحة: أنه كان يومئذٍ مـمن غشيه النعاس، قال: كان السيف يسقط من يدي ثم آخذه من النعاس.

حُدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: ذكر لنا والله أعلـم عن أنس أن أبـا طلـحة حدثهم أنه كان يومئذٍ مـمن غشيه النعاس، قال: فجعل سيفـي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه ويسقط، والطائفة الأخرى: الـمنافقون، لـيس لهم همة إلا أنفسهم {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقّ ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ }... الآية كلها.

حدثنا أحمد بن الـحسن الترمذي، قال: ثنا ضرار بن صرد، قال: ثنا عبد العزيز بن مـحمد، عن مـحمد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن الـمسور بن مخرمة، عن أبـيه قال: سألت عبد الرحمن بن عوف عن قول الله عزّ وجلّ: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ ٱلْغَمّ أَمَنَةً نُّعَاساً } قال: ألقـي علـينا النوم يوم أُحد.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ ٱلْغَمّ أَمَنَةً نُّعَاساً }... الآية، وذاكم يوم أُحد، كانوا يومئذٍ فريقـين؛ فأما الـمؤمنون فغشاهم الله النعاس أمنة منه ورحمة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس، نـحوه.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قوله: {أَمَنَةً نُّعَاساً } قال: ألقـي علـيهم النعاس، فكان ذلك أمنة لهم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن عاصم، عن أبـي رزين، قال: قال عبد الله: النعاس فـي القتال أمنة، والنعاس فـي الصلاة من الشيطان.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ ٱلْغَمّ أَمَنَةً نُّعَاساً } قال: أنزل النعاس أمنة منه علـى أهل الـيقـين به، فهم نـيام لا يخافون.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {أَمَنَةً نُّعَاساً } قال: ألقـى الله علـيهم النعاس، فكان أمنة لهم. وذكر أن أبـا طلـحة قال: ألقـي علـيّ النعاس يومئذٍ، فكنت أنعس حتـى يسقط سيفـي من يدي.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا إسحاق بن إدريس، قال: ثنا حماد بن سلـمة، قال: أخبرنا ثابت، عن أنس بن مالك، عن أبـي طلـحة، وهشام بن عروة بن الزبـير أنهما قالا: لقد رفعنا رؤوسنا يوم أُحد، فجعلنا ننظر، فما منهم من أحد إلا وهو يـميـل بجنب حجفته قال: وتلا هذه الآية: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ ٱلْغَمّ أَمَنَةً نُّعَاساً }.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقّ ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ }.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: وطائفة منكم أيها الـمؤمنون قد أهمتهم أنفسهم، يقول: هم الـمنافقون لا همّ لهم غير أنفسهم، فهم من حذر القتل علـى أنفسهم، وخوف الـمنـية علـيها فـي شغل، قد طار عن أعينهم الكرى، يظنون بـالله الظنون الكاذبة، ظنّ الـجاهلـية من أهل الشرك بـالله، شكاً فـي أمر الله، وتكذيبـاً لنبـيه صلى الله عليه وسلم، وَمَـحْسَبَةً منهم أن الله خاذل نبـيه، ومعل علـيه أهل الكفر به، يقولون: هل لنا من الأمر شيء. كالذي:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: والطائفة الأخرى: الـمنافقون، لـيس لهم همّ إلا أنفسهم، أجبن قوم وأرعبه، وأخذله للـحقّ، يظنون بـالله غير الـحقّ ظنوناً كاذبة، إنـما هم أهل شكّ وريبة فـي أمر الله، يقولون: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْء مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ }.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال: والطائفة الأخرى: الـمنافقون لـيس لهم همة إلا أنفسهم، يظنون بـالله غير الـحقّ ظنّ الـجاهلـية، يقولون: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْء مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا } قال الله عزّ وجلّ: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ }... الآية.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } قال: أهل النفـاق قد أهمتهم أنفسهم تـخوّف القتل، وذلك أنهم لا يرجون عاقبة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } إلـى آخر الآية، قال: هؤلاء الـمنافقون.

وأما قوله: {ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ } فإنه يعنـي أهل الشرك. كالذي:

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ } قال: ظنّ أهل الشرك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قوله: {ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ } قال: ظنّ أهل الشرك.

وفـي رفع قوله: {وَطَائِفَةٌ } وجهان: أحدهما أن تكون مرفوعة بـالعائد من ذكرها فـي قوله: {قَدْ أَهَمَّتْهُمْ }، والآخر بقوله: {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقّ } ولو كانت منصوبة كان جائزاً، وكانت الواو فـي قوله: {وَطَائِفَةٌ } ظرفـاً للفعل، بـمعنى: وأهمت طائفة أنفسهم، كما قال:

{ وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَٰهَا بِأَييْدٍ } [الذاريات: 47].

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَىْءٍ قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لنَا مِنَ ٱلأَمْر شَىّءٌ ما قُتِلْنَا هَـٰهُنَا}:

يعنـي بذلك: الطائفة الـمنافقة التـي قد أهمتهم أنفسهم، يقولون: لـيس لنا من الأمر من شيء، قل إن الأمر كله لله، ولو كان لنا من الأمر شيء ما خرجنا لقتال من قاتلنا فقتلونا. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قـيـل لعبد الله بن أبـيّ: قتل بنو الـخزرج الـيوم! قال: وهل لنا من الأمر من شيء؟ قل إن الأمر كله لله.

وهذا أمر مبتدأ من الله عزّ وجلّ، يقول لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لهؤلاء الـمنافقـين إن الأمر كله لله، يصرفه كيف يشاء ويدبره كيف يحبّ، ثم عاد إلـى الـخبر عن ذكر نفـاق الـمنافقـين، فقال: {يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ } يقول: يخفـي يا مـحمد هؤلاء الـمنافقون الذين وصفت لك صفتهم فـي أنفسهم من الكفر والشكّ فـي الله ما لا يبدون لك، ثم أظهر نبـيه صلى الله عليه وسلم علـى ما كانوا يخفونه بـينهم من نفـاقهم، والـحسرة التـي أصابتهم علـى حضورهم مع الـمسلـمين مشهدهم بأحد، فقال مخبراً عن قـيـلهم الكفر، وإعلانهم النفـاق بـينهم، يقولون: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا، يعنـي بذلك أن هؤلاء الـمنافقـين يقولون: لو كان الـخروج إلـى حرب من خرجنا لـحربه من الـمشركين إلـينا، ما خرجنا إلـيهم، ولا قتل منا أحد فـي الـموضع الذي قُتلوا فـيه بـأُحد. وذكر أن مـمن قال هذا القول معتب بن قشير أخو بنـي عمرو بن عوف. ذكر الـخبر بذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: قال ابن إسحاق: ثنـي يحيـى بن عبـاد بن عبد الله بن الزبـير عن أبـيه، عن عبد الله بن الزبـير، عن الزبـير، قال: والله إنـي لأسمع قول معتب بن قشير أخي بنـي عمرو بن عوف، والنعاس يغشانـي ما أسمعه إلا كالـحلـم حين قال: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا.

حدثنـي سعيد بن يحيـى بن الأموي، قال: ثنـي أبـي، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي يحيـى بن عبـاد بن عبد الله بن الزبـير، عن أبـيه، عن عبد الله بن الزبـير، عن أبـيه، بـمثله.

واختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الـحجاز والعراق: {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ } بنصب الكلّ علـى وجه النعت للأمر والصفة له. وقرأه بعض قراء أهل البصرة: {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ } برفع الكلّ علـى توجيه الكلّ إلـى أنه اسم، وقوله «لله» خبره، كقول القائل: إن الأمر بعضه لعبد الله. وقد يجوز أن يكون الكلّ فـي قراءة من قرأه بـالنصب منصوبـاً علـى البدل. والقراءة التـي هي القراءة عندنا النصب فـي الكلّ لإجماع أكثر القراء علـيه، من غير أن تكون القراءة الأخرى خطأ فـي معنى أو عربـية. ولو كانت القراءة بـالرفع فـي ذلك مستفـيضة فـي القراء، لكانت سواء عندي القراءة بأيّ ذلك قرىء لاتفـاق معانـي ذلك بأي وجهيه قرىء.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمُ وَٱللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}:

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: قل يا مـحمد للذين وصفت لك صفتهم من الـمنافقـين: لو كنتـم فـي بـيوتكم لـم تشهدوا مع الـمؤمنـين مشهدهم، ولـم تـحضروا معهم حرب أعدائهم من الـمشركين، فـيظهر للـمؤمنـين ما كنتـم تـخفونه من نفـاقكم، وتكتـمونه من شرككم فـي دينكم، لبرز الذين كتب علـيهم القتل، يقول: لظهر للـموضع الذي كتب علـيه مصرعه فـيه من قد كتب علـيه القتل منهم، ويخرج من بـيته إلـيه، حتـى يصرع فـي الـموضع الذي كتب علـيه أن يصرع فـيه.

وأما قوله: {وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ }: فإنه يعنـي به: ولـيبتلـي الله ما فـي صدوركم أيها الـمنافقون كنتـم تبرزون من بـيوتكم إلـى مضاجعكم. ويعنـي بقوله: {وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ }: ولـيختبر الله الذي فـي صدوركم من الشكّ، فـيـميزكم بـما يظهره للـمؤمنـين من نفـاقكم من الـمؤمنـين.

وقد دللنا فـيـما مضى علـى أن معانـي نظائر قوله: {لِيَبْتَلَىَ ٱللَّهِ } {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ } وما أشبه ذلك، وإن كان فـي ظاهر الكلام مضافـاً إلـى الله الوصف به، فمراد به أولـياؤه وأهل طاعته؛ وأن معنى ذلك: ولـيختبر أولـياء الله، وأهل طاعته، الذي فـي صدوركم من الشكّ والـمرض، فـيعرفوكم من أهل الإخلاص والـيقـين. {وَلِيُمَحّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ } يقول: ولـيتبـينوا ما فـي قلوبكم من الاعتقاد لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللـمؤمنـين من العداوة أو الولاية. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } يقول: والله ذو علـم بـالذي فـي صدور خـلقه من خير وشرّ وإيـمان وكفر، لا يخفـى علـيه شيء من أمورهم، سرائرها وعلانـيتها، وهو لـجميع ذلك حافظ، حتـى يجازي جميعم جزاءهم علـى قدر استـحقاقهم.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك كان ابن إسحاق يقول.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة. عن ابن إسحاق، قال: ذكر الله تلاومهم، يعنـي: تلاوم الـمنافقـين وحسرتهم علـى ما أصابهم. ثم قال لنبـيه صلى الله عليه وسلم: قل لو كنتـم فـي بـيوتكم لـم تـحضروا هذا الـموضع الذي أظهر الله جلّ ثناؤه فـيه منكم ما أظهر من سرائركم، لأخرج الذي كتب علـيهم القتل إلـى موطن غيره يصرعون فـيه، حتـى يبتلـي به ما فـي صدوركم؛ ولـيـمـحص ما فـي قلوبكم، والله علـيـم بذات الصدور، أي لا يخفـي علـيه شيء مـما فـي صدورهم مـما استـخفوا به منكم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا الـحرث بن مسلـم، عن بحر السقاء، عن عمرو بن عبـيد، عن الـحسن، قال: سئل عن قوله: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ } قال: كتب الله علـى الـمؤمنـين أن يقاتلوا فـي سبـيـله، ولـيس كل من يقاتل يقتل، ولكن يقتل من كتب الله علـيه القتل.

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا۟ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ۝١٥٥

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: إن الذين ولوا عن الـمشركين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد وانهزموا عنهم، وقوله: {تَوَلَّوْاْ }: تفَّعَلوا، من قولهم: ولَّـى فلان ظهره. وقوله: {يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ } يعنـي: يوم التقـى جمع الـمشركين والـمسلـمين بـأُحد، {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ }: أي إنـما دعاهم إلـى الزلة الشيطان. وقوله استزلَّ: استفعل، من الزلة، والزلة: هي الـخطيئة. {بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ } يعنـي: ببعض ما عملوا من الذنوب. {وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ } يقول: ولقد تـجاوز الله عن عقوبة ذنوبهم فصفح لهم عنه. {أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } يعنـي به: مغطٍّ علـى ذنوب من آمن به واتبع رسوله بعفوه عن عقوبته إياهم علـيها. {حَلِيمٌ } يعنـي: أنه ذو أناة، لا يعجل علـى من عصاه وخالف أمره بـالنقمة.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي أعيان القوم الذين عنوا بهذه الآية، فقال بعضهم: عنـي بها كلّ من ولـى الدبر عن الـمشركين بـأُحد. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو هشام الرفـاعي، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: ثنا عاصم بن كلـيب، عن أبـيه، قال: خطب عمر يوم الـجمعة، فقرأ آل عمران، وكان يعجبه إذا خطب أن يقرأها، فلـما انتهى إلـى قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ } قال: لـما كان يوم أحد هزمناهم، ففررت حتـى صعدت الـجبل، فلقد رأيتنـي أنزو كأننـي أَرْوَى، والناس يقولون: قتل مـحمد! فقلت: لا أجد أحداً يقول قتل مـحمد إلا قتلته. حتـى اجتـمعنا علـى الـجبل، فنزلت: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ }... الآية كلها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ }... الآية، وذلك يوم أُحد، ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تولوا عن القتال وعن نبـيّ الله يومئذٍ، وكان ذلك من أمر الشيطان وتـخويفه، فأنزل الله عزّ وجلّ ما تسمعون أنه قد تـجاوز لهم عن ذلك، وعفـا عنهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنـي عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ }... الآية، فذكر نـحو قول قتادة.

وقال آخرون: بل عنـي بذلك خاصّ مـمن ولـى الدبر يومئذٍ، قالوا: وإنـما عنى به الذين لـحقوا بـالـمدينة منهم دون غيرهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: لـما انهزموا يومئذٍ تفرّق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، فدخـل بعضهم الـمدينة، وانطلق بعضهم فوق الـجبل إلـى الصخرة، فقاموا علـيها، فذكر الله عزّ وجلّ الذين انهزموا، فدخـلوا الـمدينة، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ }... الآية.

وقال آخرون: بل نزل ذلك فـي رجال بأعيانهم معروفـين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عكرمة، قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ } قال: نزلت فـي رافع بن الـمعلـى وغيره من الأنصار وأبـي حذيفة بن عتبة، ورجل آخر. قال ابن جريج: وقوله: {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ } إذ لـم يعاقبهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: فرْ عثمان بن عفـان، وعقبة بن عثمان، وسعد بن عثمان ـ رجلان من الأنصار ـ حتـى بلغوا الـجَلَعْب، جبل بناحية الـمدينة مـما يـلـي الأعوص. فأقاموا به ثلاثاً، ثم رجعوا إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم:

لقد ذَهَبْتُـمْ فـيها عَرِيضَةً

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ }... الآية، والذين استزلهم الشيطان: عثمان بن عفـان، وسعد بن عثمان، وعقبة بن عثمان الأنصاريان، ثم الزُّرَقـيان.

وأما قوله: {وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ } فإن معناه: ولقد تـجاوز الله عن الذين تولوا منكم يوم التقـى الـجمعان، أن يعاقبهم، بتولـيهم عن عدوّهم. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: قوله: {وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ } يقول: ولقد عفـا الله عنهم إذ لـم يعاقبهم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله فـي تولـيهم يوم أُحد: {وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ } فلا أدري أذلك العفو عن تلك العصابة، أم عفو عن الـمسلـمين كلهم.

وقد بـينا تأويـل قوله: {أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ } فـيـما مضى.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَقَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ كَانُوا۟ غُزًّى لَّوْ كَانُوا۟ عِندَنَا مَا مَاتُوا۟ وَمَا قُتِلُوا۟ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ وَٱللَّهُ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ۝١٥٦

يعني بذلك جلّ ثناؤه: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، وأقرّوا بـما جاء به محمد من عند الله، لا تكونوا كمن كفر بالله وبرسوله، فجحد نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال لإخوانه من أهل الكفر {إِذَا ضَرَبُواْ فِى ٱلأَرْضِ } فخرجوا من بلادهم سفراً فـي تـجارة، {أَوْ كَانُواْ غُزًّى } يقول: أو كان خروجهم من بلادهم غزاة، فهلكوا فماتوا فـي سفرهم، أو قتلوا فـي غزوهم، {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ } يخبر بذلك عن قول هؤلاء الكفـار، أنهم يقولون لـمن غزا منهم فقتل أو مات فـي سفر خرج فـيه فـي طاعة الله أو تـجارة: لو لـم يكونوا خرجوا من عندنا، وكانوا أقاموا فـي بلادهم ما ماتوا وما قتلوا. {لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ } يعنـي: أنهم يقولون ذلك، كي يجعل الله قولهم ذلك حزناً فـي قلوبهم وغمًّا، ويجهلون أن ذلك إلـى الله جلّ ثناؤه وبـيده. وقد قـيـل: إن الذين نهى الله الـمؤمنـين بهذه الآية أن يتشبهوا بهم فـيـما نهاهم عنه من سوء الـيقـين بـالله، هم عبد الله بن أبـيّ ابن سَلُول وأصحابه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ }... الآية. قال: هؤلاء الـمنافقون أصحاب عبد الله بن أبـيّ.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {وَقَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِى ٱلأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى } قول الـمنافق عبد الله بن أبـيّ ابن سَلُول.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

وقال آخرون فـي ذلك: هم جميع الـمنافقـين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد. قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ }... الآية: أي لا تكونوا كالـمنافقـين الذي ينهون إخوانهم عن الـجهاد فـي سبـيـل الله، والضرب فـي الأرض فـي طاعة الله، وطاعة رسوله، ويقولون إذا ماتوا أو قتلوا: لو أطاعونا ما ماتوا، وما قتلوا.

وأما قوله: {إِذَا ضَرَبُواْ فِى ٱلأَرْضِ } فإنه اختُلِف فـي تأويـله، فقال بعضهم: هو السفر فـي التـجارة، والسير فـي الأرض لطلب الـمعيشة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {إِذَا ضَرَبُواْ فِى ٱلأَرْضِ } وهي التـجارة.

وقال آخرون: بل هو السير فـي طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {إِذَا ضَرَبُواْ فِى ٱلأَرْضِ }: الضرب فـي الأرض فـي طاعة الله وطاعة رسوله.

وأصل الضرب فـي الأرض: الإبعاد فـيها سيراً. وأما قوله: {أَوْ كَانُواْ غُزًّى } فإنه يعنـي: أو كانوا غُزاة فـي سبـيـل الله. والغُزّى: جمع غاز، جمع علـى فُعَّل كما يجمع شاهد: شُهَّد، وقائل: قُوَّل. وقد ينشد بـيت رؤبة:

فـالـيَوْمَ قَدْ نَهْنَهَنِـي تَنَهْنُهي وأَوْلُ حِلْـمٍ لَـيْسَ بـالـمُسَفِّةِ وَقُوَّلٌ إلاَّ دَهٍ فَلا دَهِ

وينشد أيضاً:

وقولهُمْ إلاَّ دَهٍ فَلا دَهِ

وإنـما قـيـل: {لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِى ٱلأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى } بإصحاب ماضي الفعل الـحرف الذي لا يصحب مع الـماضي منه إلا الـمستقبل، فقـيـل: وقالوا لإخوانهم ثم قـيـل: إذا ضربوا. وإنـما يقال فـي الكلام: أكرمتك إذ زرتنـي، ولا يقال: أكرمتك إذا زرتنـي، لأن القول الذي فـي قوله: {وَقَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ } وإن كان فـي لفظ الـماضي فإنه بـمعنى الـمستقبل، وذلك أن العرب تذهب بـالذين مذهب الـجزاء، وتعاملها فـي ذلك معاملة «مَنْ» و«ما»، لتقارب معانـي ذلك فـي كثـير من الأشياء، وإن جمعهن أشياء مـجهولات غير مؤقتات توقـيت عمرو وزيد. فلـما كان ذلك كذلك، وكان صحيحاً فـي الكلام فصيحاً أن يقال للرجال: أكرم من أكرمك، وأكرم كل رجل أكرمك، فـيكون الكلام خارجاً بلفظ الـماضي مع مَن وكل مـجهول، ومعناه الاستقبـال، إذ كان الـموصوف بـالفعل غير موقت، وكان «الذين» فـي قوله: {لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِى ٱلأَرْضِ } غير موقتـين، أجريت مـجرى «من» و«ما» فـي ترجمتها التـي تذهب مذهب الـجزاء وإخراج صلاتها بألفـاظ الـماضي من الأفعال وهي بـمعنى الاستقبـال، كما قال الشاعر فـي «ما»:

وإنـي لآتِـيكُمْ تَشَكُّرَ ما مَضَى من الأمْرِ وَاسْتـيجابَ ما كان فـي غَدِ

فقال: ما كان فـي غد، وهو يريد: ما يكون فـي غد، ولو كان أراد الـماضي لقال: ما كان فـي أمس، ولـم يجز له أن يقول: ما كان فـي غد. ولو كان الذي موقتاً، لـم يجز أن يقال: ذلك خطأ أن يقال لك: من هذا الذي أكرمك إذا زرته؟ لأن الذي ههنا موقت، فقد خرج من معنى الـجزاء، ولو لـم يكن فـي الكلام هذا، لكان جائزاً فصيحاً، لأن الذي يصير حينئذٍ مـجهولاً غير موقت، ومن ذلك قول الله عزّ وجلّ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } فردّ «يصدون» علـى «كفروا»، لأن «الذين» غير موقتة، فقوله: {كَفَرُواْ } وإن كان فـي لفظ ماض، فمعناه الاستقبـال، وكذلك قوله: {إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً }، وقوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ } معناه: إلا الذين يتوبون من قبل أن تقدروا علـيهم، وإلا من يتوب ويؤمن، ونظائر ذلك فـي القرآن والكلام كثـير؛ والعلة فـي كل ذلك واحدة. وأما قوله: {لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ } فإنه يعنـي بذلك: حزناً فـي قلوبهم. كما:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {فِى قُلُوبِهِمْ } قال: يحزنهم قولهم لا ينفعهم شيئاً.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ } لقلة الـيقـين بربهم جلّ ثناؤه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَٱللَّهُ يُحْيىِ وَيُمِيتُ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }.

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {وَٱللَّهُ يُحْيىِ وَيُمِيتُ }: والله الـمعجل الـموت لـمن يشاء من حيث يشاء، والـمـميت من يشاء كلـما شاء دون غيره من سائر خـلقه. وهذا من الله عزّ وجلّ ترغيب لعبـاده الـمؤمنـين علـى جهاد عدوّه، والصبر علـى قتالهم، وإخراج هيبتهم من صدورهم، وإن قلّ عددهم، وكثر عدد أعدائهم وأعداء الله، وإعلام منه لهم أن الإماتة والإحياء بـيده، وأنه لن يـموت أحد ولا يقتل إلابعد فناء أجله الذي كتب له، ونهي منه لهم إذ كان كذلك أن يجزعوا لـموت من مات منهم أو قتل من قُتل منهم فـي حرب الـمشركين. ثم قال جلّ ثناؤه: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } يقول: إن الله يرى ما تعملون من خير وشرّ، فـاتقوه أيها الـمؤمنون، فإنه مـحص ذلك كله، حتـى يجازي كل عامل بعمله علـى قدر استـحقاقه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال ابن إسحاق.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَٱللَّهُ يُحْيىِ وَيُمِيتُ }: أي يعجل ما يشاء ويؤخر ما يشاء من آجالهم بقدرته.

وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ۝١٥٧

يخاطب جلّ ثناؤه عبـاده المؤمنين يقول لهم: لا تكونوا أيها المؤمنون فـي شكّ من أن الأمور كلها بيد الله، وأن إليه الإحياء والإماتة، كما شكّ المنافقون فـي ذلك، ولكن جاهدوا في سبيل الله، وقاتلوا أعداء الله على يقين منكم بأنه لا يقتل فـي حرب، ولا يـموت في سفر إلا من بلغ أجله وحانت وفـاته. ثم وعدهم علـى جهادهم فـي سبـيـله الـمغفرة والرحمة، وأخبرهم أن موتاً فـي سبـيـل الله وقتلاً فـي الله خير لهم مـما يجمعون فـي الدنـيا من حطامها ورغيد عيشها الذي من أجله يتثاقلون عن الـجهاد فـي سبـيـل الله ويتأخرون عن لقاء العدوّ. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }: أي إن الـموت كائن لا بد منه، فموت فـي سبـيـل الله أو قتل خير لو علـموا فأيقنوا مـما يجمعون فـي الدنـيا التـي لها يتأخرون عن الـجهاد، تـخوّفـاً من الـموت والقتل لـما جمعوا من زهيد الدنـيا وزهادة فـي الآخرة.

وإنـما قال الله عزّ وجلّ: {لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } وابتدأ الكلام: «ولئن متـم أو قتلتـم» بحذف جزاء «لئن» لأن فـي قوله: {لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ } معنى جواز للـجزاء، وذلك أنه وعد خرج مخرج الـخبر.

فتأويـل الكلام: ولئن قتلتـم فـي سبـيـل الله أو متـم، لـيغفرنّ الله لكم ولـيرحمنكم، فدلّ علـى ذلك بقوله: {لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } وجمع مع الدلالة به علـيه الـخبر عن فضل ذلك علـى ما يؤثرونه من الدنـيا، وما يجمعون فـيها.

وقد زعم بعض أهل العربـية من أهل البصرة أنه إن قـيـل: كيف يكون: {لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ } جوابـاً لقوله: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ } فإن القول فـيه أن يقال فـيه: كأنه قال: ولئن متـم أو قتلتـم، فذكر لهم رحمة من الله ومغفرة، إذ كان ذلك فـي السبـيـل، فقال: {لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ } يقول: لذلك {خَيْرٌ مِّمَّا تَجْمَعُونَ} يعنـي لتلك الـمغفرة والرحمة خير مـما تـجمعون. ودخـلت اللام فـي قوله: { لَمَغْفِرَةٌ مّنَ ٱللَّهِ } لدخولها فـي قوله: «ولئن»، كما قـيـل:

{ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَـٰرَ }[الحشر: 12].

وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحْشَرُونَ ۝١٥٨

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: ولئن متـم أو قتلتـم أيها الـمؤمنون، فإن إلـى الله مرجعكم ومـحشركم، فـيجازيكم بأعمالكم، فآثِروا ما يقرّبكم من الله، ويوجب لكم رضاه، ويقرّبكم من الـجنة، من الـجهاد فـي سبـيـل الله، والعمل بطاعته علـى الركون إلـى الدنـيا، وما تـجمعون فـيها من حطامها الذي هو غير بـاق لكم، بل هو زائل عنكم، وعلـى ترك طاعة الله والـجهاد، فإن ذلك يبعدكم عن ربكم، ويوجب لكم سخطه، ويقرّبكم من النار.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال ابن إسحاق.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ } أيّ ذلك كان، {لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ } أي أن إلـى الله الـمرجع، فلا تغرّنكم الـحياة الدنـيا، ولا تغترّوا بها، ولـيكن الـجهاد وما رغبكم الله فـيه منه آثر عندكم منها.

وأدخـلت اللام فـي قوله: {لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ } لدخولها فـي قوله «ولئن»، ولو كانت اللام مؤخرة، إلـى قوله: «تـحشرون»، لأحدثت النون الثقـيـلة فـيه، كما تقول فـي الكلام: لئن أحسنت إلـيّ لأحسننّ إلـيك، بنون مثقلة، فكان كذلك قوله: «ولئن متـم أو قتلتـم لتـحشرنّ إلـى الله»، ولكن لـما حيز بـين اللام وبـين تـحشرون بـالصفة أدخـلت فـي الصفة، وسلـمت «تـحشرون»، فلـم تدخـلها النون الثقـيـلة، كما تقول فـي الكلام: لئن أحسنت إلـيّ لإلـيك أحسن، بغير نون مثقلة.

فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ ۝١٥٩

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ }: فبرحمة من الله و«ما» صلة، وقد بـينت وجه دخولها فـي الكلام فـي قوله:

{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } [البقرة: 26] والعرب تـجعل «ما» صلة فـي الـمعرفة والنكرة، كما قال: { فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ }[النساء: 155] والـمعنى: فبنقضهم ميثاقهم. وهذا فـي الـمعرفة، وقال فـي النكرة: { عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَـٰدِمِينَ }[المؤمنون: 40] والـمعنى: عن قلـيـل. وربـما جعلت اسماً وهي فـي مذهب صلة، فـيرفع ما بعدها أحياناً علـى وجه الصلة، ويخفض علـى إتبـاع الصلة ما قبلها، كما قال الشاعر:

فكَفَـى بِنَا فَضْلاً علـى مَنْ غيرِنا حُبُّ النَبِـيّ مـحَمَّدٍ إيَّانا

إذا جعل غير صلة رفعت بإضمار هو، وإن خفضت أتبعت من فأعربته، فذلك حكمة علـى ما وصفنا مع النكرات، فأما إذا كانت الصلة معرفة، كان الفصيح من الكلام الإتبـاع، كما قـيـل: { فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ }[النساء: 155] والرفع جائز فـي العربـية.

وبنـحو ما قلنا فـي قوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ } قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة فـي قوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ } يقول: فبرحمة من الله لنت لهم.

وأما قوله: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } فإنه يعنـي بـالفظّ: الـجافـي، وبـالغلـيظ القلب: القاسي القلب غير ذي رحمة ولا رأفة، وكذلك صفته صلى الله عليه وسلم، كما وصفه الله:

{ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ }

[التوبة: 128] فتأويـل الكلام: فبرحمة الله يا مـحمد ورأفته بك، وبـمن آمن بك من أصحابك، لنت لهم لتبَّـاعك وأصحابك فسهلت لهم خلائقك، وحسنت لهم أخلاقك، حتـى احتـملت أذى من نالك منهم أذاه، وعفوت عن ذي الـجرم منهم جرمه، وأغضبت عن كثـير مـمن لو جفوت به، وأغلظت علـيه، لتركك ففـارقك، ولـم يتبعك، ولا ما بعثت به من الرحمة، ولكن الله رحمهم ورحمك معهم، فبرحمة من الله لنت لهم. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ }: إي والله، لطهره الله من الفظاظة والغلظة، وجعله قريباً رحيماً بالمؤمنـين رؤوفاً. وذكر لنا أن نعت محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة: «ليس بفظّ ولا غليظ ولا صخوب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح».

حُدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربيع، بنحوه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق فـي قوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } قال: ذكر لـينه لهم، وصبره علـيهم لضعفهم، وقلة صبرهم علـى الغلظة لو كانت منه فـي كل ما خالفوا فـيه مـما افترض علـيهم من طاعة نبـيهم.

وأما قوله: {لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } فإنه يعنـي: لتفرّقوا عنك. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: قوله: {لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } قال: انصرفوا عنك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: { لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } أي لتركوك.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكّلِينَ }.

يعني تعالـى ذكره بقوله: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ }: فتجاوز يا مـحمد عن تُبَّاعك وأصحابك من الـمؤمنين بك، وبـما جئت به من عندي، ما نالك من أذاهم، ومكروه فـي نفسك. {وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ } وادع ربك لهم بـالـمغفرة لـما أتوا من جرم، واستـحقوا علـيه عقوبة منه. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ }: أي فتـجاوز عنهم، {وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ } ذنوب من قارف من أهل الإيـمان منهم.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنى الذي من أجله أمر تعالـى ذكره نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يشاورهم، وما الـمعنى الذي أمره أن يشاورهم فـيه؟ فقال بعضهم: أمر الله نبـيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأَمْرِ } بـمشاورة أصحابه فـي مكايد الـحرب وعند لقاء العدوّ، تطيـيبـاً منه بذلك أنفسهم، وتألفـاً لهم علـى دينهم، ولـيروا أنه يسمع منهم ويستعين بهم، وإن كان الله عزّ وجلّ قد أغناه بتدبـيره له أموره وسياسته إياه وتقويـمه أسبـابه عنهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكّلِينَ } أمر الله عزّ وجلّ نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه فـي الأمور، وهو يأتـيه وحي السماء، لأنه أطيب لأنفس القوم، وإن القوم إذا شاور بعضهم بعضاً، وأرادوا بذلك وجه الله عزم لهم علـى أرشده.

حُدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأَمْرِ } قال: أمر الله نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه فـي الأمور، وهو يأتـيه الوحي من السماء لأنه أطيب لأنفسهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأَْمْرِ }: أي لتريهم أنك تسمع منهم وتستعين بهم وإن كنت عنهم غنـياً، تؤلفهم بذلك علـى دينهم.

وقال آخرون: بل أمره بذلك فـي ذلك، وإن كان له الرأي وأصوب الأمور فـي التدبـير، لـما علـم فـي الـمشورة تعالـى ذكره من الفضل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سلـمة بن نبـيط، عن الضحاك بن مزاحم، قوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأَمْرِ } قال: ما أمر الله عزّ وجلّ نبـيه صلى الله عليه وسلم بـالـمشورة إلا لـما علـم فـيها من الفضل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا معتـمر بن سلـيـمان، عن إياس بن دغفل، عن الـحسن: ما شاور قوم قط، إلا هدوا لأرشد أمورهم.

وقال آخرون: إنـما أمره الله بـمشاورة أصحابه فـيـما أمره بـمشاورتهم فـيه، مع إغنائه بتقويـمه إياه، وتدبـيره أسبـابه عن آرائهم، لـيتبعه الـمؤمنون من بعده، فـيـما حزبهم من أمر دينهم، ويستنوا بسنته فـي ذلك، ويحتذوا الـمثال الذي رأوه يفعله فـي حياته من مشاورته فـي أموره مع الـمنزلة التـي هو بها من الله أصحابه وتبـاعه فـي الأمر، ينزل بهم من أمر دينهم ودنـياهم، فـيتشاوروا بـينهم، ثم يصدروا عما اجتـمع علـيه ملؤهم؛ لأن الـمؤمنـين إذا تشاوروا فـي أمور دينهم متبعين الـحقّ فـي ذلك، لـم يخـلهم الله عزّ وجلّ من لطفه، وتوفـيقه للصواب من الرأي والقول فـيه. قالوا: وذلك نظير قوله عزّ وجل الذي مدح به أهل الإيـمان:

{ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ }[الشورى: 38]. ذكر من قال ذلك:

حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، قال: قال سفـيان بن عيـينة فـي قوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأَمْرِ } قال: هي للـمؤمنـين أن يتشاوروا فـيـما لـم يأتهم عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـيه أثر.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال بـالصواب فـي ذلك أن يقال: إن الله عزّ وجلّ أمر نبـيه صلى الله عليه وسلم وسلـم بـمشاورة أصحابه، فـيـما حزبه من أمر عدوّه ومكايد حربه، تألفـاً منه بذلك من لـم تكن بصيرته بـالإسلام البصيرة التـي يؤمن علـيه معها فتنة الشيطان، وتعريفـاً منه أمته ما فـي الأمور التـي تـحزبهم من بعده ومطلبها، لـيقتدوا به فـي ذلك عند النوازل التـي تنزل بهم، فـيتشاوروا فـيـما بـينهم، كما كانوا يرونه فـي حياته صلى الله عليه وسلم يفعله. فأما النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فإن الله كان يعرّفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه أو إلهامه إياه صواب ذلك. وأما أمته، فإنهم إذا تشاوروا مستنـين بفعله فـي ذلك علـى تصادق وتأخّ للـحقّ وإرادة جميعهم للصواب، من غير ميـل إلـى هوى، ولا حيد عن هدى؛ فـالله مسدّدهم وموفقهم.

وأما قوله: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } فإنه يعنـي: فإذا صحّ عزمك بتثبـيتنا إياك وتسديدنا لك فـيـما نابك وحزبك من أمر دينك ودنـياك، فـامض لـما أمرناك به علـى ما أمرناك به، وافق ذلك آراء أصحابك وما أشاروا به علـيك أو خالفها، وتوكل فـيـما تأتـي من أمورك وتدع وتـحاول أو تزاول علـى ربك، فثق به فـي كل ذلك، وارض بقضائه فـي جميعه دون آراء سائر خـلقه ومعونتهم، فإن الله يحبّ الـمتوكلـين، وهم الراضون بقضائه، والـمستسلـمون لـحكمه فـيهم، وافق ذلك منهم هوى أو خالفه. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكّلِينَ } فإذا عزمت: أي علـى أمر جاءك منـي، أو أمر من دينك فـي جهاد عدوّك، لا يصلـحك ولا يصلـحهم إلا ذلك، فـامض علـى ما أمرت به، علـى خلاف من خالفك، وموافقة من وافقك، وتوكل علـى الله: أي ارض به من العبـاد، إن الله يحبّ الـمتوكلـين.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } أمر الله نبـيه صلى الله عليه وسلم، إذا عزم علـى أمر أن يـمضي فـيه، ويستقـيـم علـى أمر الله، ويتوكل علـى الله.

حُدثت عن عمار، عن ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قوله: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ }... الآية، أمره الله إذا عزم علـى أمر أن يـمضي فـيه ويتوكل علـيه.

الجمعة، 23 أكتوبر 2026 12 جمادى الأولى 1448 هـ