انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير الطبريالآيات 148–153

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة آل عمران

الخلاصة من تفسير الطبري · 11 مقطعًا · 3:01:26

  1. 1 الآيات 133–152في هذه الصفحة 17:49
  2. 2 الآيات 153–171في هذه الصفحة 20:01

التفسير الصوتي لسورة آل عمران كاملًا (11 مقطعًا)

فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلْـَٔاخِرَةِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝١٤٨

يعني بذلك تعالى ذكره: فأعطى الله الذين وصفهم بما وصفهم من الصبر على طاعة الله بعد مقتل أنبيائهم، وعلى جهاد عدوّهم، والاستعانة بالله في أمورهم، واقتفائهم مناهج إمامهم، على ما أبلوا فـي الله { ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا } يعني: جزاء فـي الدنيا، وذلك النصر على عدوّهم وعدوّ الله، والظفر والفتح عليهم، والتمكين لهم في البلاد؛ {وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلاْخِرَةِ } يعني: وخير جزاء الآخرة، على ما أسلفوا فـي الدنـيا من أعمالهم الصالـحة، وذلك الـجنة ونعيمها. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } فقرأ حتـى بلغ: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ }: أي والله لآتاهم الله الفتـح والظهور والتـمكين والنصر علـى عدوّهم فـي الدنـيا، {وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلأَخِرَةِ } يقول: حسن الثواب فـي الآخرة: هي الـجنة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قوله: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ } ثم ذكر نـحوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، فـي قوله: {فَـئَاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا } قال: النصر والغنـيـمة، {وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلأَخِرَةِ } قال: رضوان الله ورحمته.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {فَـئَاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا }: حسن الظهور علـى عدوّهم، {وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلأَخِرَةِ }: الـجنة، وما أعدّ فـيها. وقوله: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } يقول تعالـى ذكره: فعل الله ذلك بإحسانهم، فإنه يحب الـمـحسنـين، وهم الذين يفعلون مثل الذي وصف عنهم تعالـى ذكره أنهم فعلوه حين قتل نبـيهم.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَٰسِرِينَ ۝١٤٩

يعنـي بذلك تعالـى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، فـي وعد الله ووعيده وأمره ونهيه {إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }، يعنـي: الذين جحدوا نبوّة نبـيكم مـحمد صلى الله عليه وسلم من الـيهود والنصارى، فـيـما يأمرونكم به، وفـيـما ينهونكم عنه، فتقبلوا رأيهم فـي ذلك، وتنتصحوهم فـيـما تزعمون أنهم لكم فـيه ناصحون، {يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ } يقول: يحملوكم علـى الردّة بعد الإيـمان والكفر بـالله وآياته وبرسوله بعد الإسلام، {فَتَنقَلِبُواْ خَـٰسِرِينَ } يقول: فترجعوا عن إيـمانكم ودينكم الذي هداكم الله له خاسرين، يعنـي: هالكين، قد خسرتـم أنفسكم، وضللتـم عن دينكم، وذهبت دنـياكم وآخرتكم. ينهي بذلك أهل الإيـمان بـالله أن يطيعوا أهل الكفر فـي آرائهم، وينتصحوهم فـي أديانهم. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَـٰسِرِينَ }: أي عن دينكم: فتذهب دنـياكم وآخرتكم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } قال ابن جريج: يقول: لا تنتصحوا الـيهود والنصارى علـى دينكم، ولا تصدّقوهم بشيءٍ فـي دينكم.

حدثنا مـحمد قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَـٰسِرِينَ } يقول: إن تطيعوا أبـا سفـيان يردّكم كفـاراً.

بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَىٰكُمْ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّٰصِرِينَ ۝١٥٠

يعنـي بذلك تعالـى ذكره: أن الله مسدّدكم أيها الـمؤمنون، فمنقذكم من طاعة الذين كفروا.

وإنـما قـيـل: {بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَـٰكُمْ } لأن قوله:

{ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ }[آل عمران: 149] نهيٌ لهم عن طاعتهم، فكأنه قال: يا أيها الذين آمنوا لا تطيعوا الذين كفروا، فـيردّوكم علـى أعقابكم، ثم ابتدأ الـخبر، فقال: {بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَـٰكُمْ } فأطيعوه دون الذين كفروا فهو خير من نصر، ولذلك رفع اسم الله، ولو كان منصوبـاً علـى معنى: بل أطيعوا الله مولاكم دون الذين كفروا، كان وجهاً صحيحاً. ويعنـي بقوله: {بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَـٰكُمْ }: ولـيكم وناصركم علـى أعدائكم الذين كفروا، {وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّـٰصِرِينَ } لا من فررتـم إلـيه من الـيهود وأهل الكفر بـالله، فبـالله الذي هو ناصركم ومولاكم فـاعتصموا وإياه فـاستنصروا دون غيره مـمن يبغيكم الغوائل ويرصدكم بـالـمكاره. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَـٰكُمْ } إن كان ما تقولون بألسنتكم صدقاً فـي قلوبكم، {وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّـٰصِرِينَ }: أي فـاعتصموا به ولا تستنصروا بغيره، ولا ترجعوا علـى أعقابكم مرتدين عن دينكم.

سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًا وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٥١

يعني بذلك جلّ ثناؤه: سيـلقـى الله أيها المؤمنون فـي قلوب الذين كفروا بربهم، وجحدوا نبوّة مـحمد صلى الله عليه وسلم مـمن حاربكم بـأُحد الرعب، وهو الـجزع والهلع بـما أشركوا بـالله، يعنـي بشركهم بـالله وعبـادتهم الأصنام، وطاعتهم الشيطان التـي لـم أجعل لهم بها حجة، وهي السلطان التـي أخبر عزّ وجلّ أنه لـم ينزله بكفرهم وشركهم، وهذا وعد من الله جلّ ثناؤه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالنصر علـى أعدائهم، والفلـج علـيهم ما استقاموا علـى عهده، وتـمسكوا بطاعته، ثم أخبرهم ما هو فـاعل بأعدائهم بعد مصيرهم إلـيه، فقال جلّ ثناؤه: {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ } يعنـي: ومرجعهم الذي يرجعون إلـيه يوم القـيامة النار {وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّـٰلِمِينَ } يقول: وبئس مقام الظالـمين الذين ظلـموا أنفسهم بـاكتسابهم ما أوجب لها عقاب الله النار. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق:{سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّـٰلِمِينَ } إنـي سألقـي فـي قلوب الذين كفروا الرعب الذي به كنت أنصركم علـيهم، بـما أشركوا بـي ما لـم أجعل لهم به حجة، أي فلا تظنوا أن لهم عاقبة نصر، ولا ظهور علـيكم ما اعتصمتـم واتبعتـم أمري، للـمصيبة التـي أصابتكم منهم بذنوب قدمتـموها لأنفسكم، خالفتـم بها أمري، وعصيتـم فـيها نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: لـما ارتـحل أبو سفـيان والـمشركون يوم أُحد متوجهين نـحو مكة، انطلق أبو سفـيان حتـى بلغ بعض الطريق، ثم إنهم ندموا فقالوا: بئس ما صنعتـم، إنكم قتلتـموهم، حتـى إذا لـم يبق إلا الشرّير تركتـموهم، ارجعوا فـاستأصلوهم، فقذف الله عزّ وجلّ فـي قلوبهم الرعب، فـانهزموا، فلقوا أعرابـياً، فجعلوا له جُعْلاً، وقالوا له: إن لقـيت مـحمداً فأخبره بـما قد جمعنا لهم! فأخبر الله عزّ وجلّ رسوله صلى الله عليه وسلم، فطلبهم حتـى بلغ حمراء الأسد، فأنزل الله عزّ وجلّ فـي ذلك، فذكر أبـا سفـيان حين أراد أن يرجع إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم وما قذف فـي قلبه من الرعب، فقال: {سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ }.

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥٓ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِۦ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْـَٔاخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٥٢

يعنـي بقوله تعالـى ذكره: ولقد صدقكم الله أيها الـمؤمنون من أصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم بـأُحد وعده الذي وعدهم علـى لسان رسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم. والوعد الذي كان وعدهم علـى لسانه بـأُحد قوله للرماة:

اثْبُتُوا مَكانَكُمْ وَلا تَبْرَحُوا وَإنْ رأيْتُـمُونا قَدْ هَزَمْناهُمْ، فإنَّا لَنْ نَزاَلَ غالبـينَ ما ثَبَتُّـمْ مَكانَكُمْ، وكان وعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم النصر يومئذ إن انتهوا إلـى أمره؛ كالذي:

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: لـما برز رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى الـمشركين بـأُحد، أمر الرماة، فقاموا بأصل الـجبل فـي وجوه خيـل الـمشركين، وقال:

لا تَبْرَحُوا مَكانَكُمْ إنْ رأيْتُـمُونا قَدْ هَزَمْناهُمْ، فإنَّا لَنْ نَزَالَ غالِبِـينَ ما ثَبَتُّـمْ مَكانَكُمْ وأمّر علـيهم عبد الله بن جبـير أخا خوّات بن جبـير، ثم إن طلـحة بن عثمان صاحب لواء الـمشركين قام فقال: يا معشر أصحاب مـحمد، إنكم تزعمون أن الله يعجلنا بسيوفكم إلـى النار، ويعجلكم بسيوفنا إلـى الـجنة، فهل منكم أحد يعجله الله بسيفـي إلـى الـجنة، أو يعجلنـي بسيفه إلـى النار؟ فقام إلـيه علـيّ بن أبـي طالب، فقال: والذي نفسي بـيده، لا أفـارقك حتـى يعجلك الله بسيفـي إلـى النار، أو يعجلنـي بسيفك إلـى الـجنة! فضربه علـيّ، فقطع رجله فسقط، فـانكشفت عورته، فقال: أنشدك الله والرحم يا ابن عم! فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال لعلـيّ أصحابه: ما منعك أن تـجهز علـيه؟ قال: إن ابن عمي ناشدنـي حين انكشفت عورته فـاستـحيـيت منه. ثم شدّ الزبـير بن العوّام والـمقداد بن الأسود علـى الـمشركين، فهزماهم، وحمل النبـيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فهزموا أبـا سفـيان، فلـما رأئ ذلك خالد بن الولـيد وهو علـى خيـل الـمشركين حمل، فرمته الرماة، فـانقمع؛ فلـما نظر الرماة إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فـي جوف عسكر الـمشركين ينتهبونه، بـادروا الغنـيـمة، فقال بعضهم: لا نترك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فـانطلق عامتهم، فلـحقوا بـالعسكر؛ فلـما رأى خالد قلة الرماة، صاح فـي خيـله، ثم حمل فقتل الرماة، ثم حمل علـى أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم؛ فلـما رأى الـمشركون أن خيـلهم تقاتل، تنادوا، فشدّوا علـى الـمسلـمين، فهزموهم وقتلوهم.

حدثنا هارون بن إسحاق، قال: ثنا مصعب بن الـمقدام، قال: ثنا إسرائيـل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن البراء، قال: لـما كان يوم أُحد ولقـينا الـمشركين، أجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالاً بإزاء الرماة، وأمَّر علـيهم عبد الله بن جبـير أخا خوّات بن جبـير، وقال لهم:

لا تَبْرَحُوا مَكانَكُم! إنْ رأيْتُـمُونا ظَهَرْنا عَلَـيْهِمْ فَلا تَبْرَحُوا، وَإنْ رأيْتُـمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَـيْنا فَلا تُعِينُونا فلـما التقـى القوم، هُزم الـمشركون حتـى رأيت النساء قد رفعن عن سوقهن، وبدت خلاخـلهن، فجعلوا يقولون: الغنـيـمة الغنـيـمة! قال عبد الله: مهلاً، أما علـمتـم ما عهد إلـيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأبوا، فـانطلقوا، فلـما أتوهم صرف الله وجوههم، فأصيب من الـمسلـمين سبعون قتـيلاً.

حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن إسرائيـل، عن أبـي أسحاق، عن البراء، بنـحوه.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، ابن عبـاس قوله: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } فإن أبـا سفـيان أقبل فـي ثلاث لـيال خـلون من شوّال، حتـى نزل أُحداً، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأذن فـي الناس، فـاجتـمعوا، وأمَّر علـى الـخيـل الزبـير بن العوّام، ومعه يومئذ الـمقداد بن الأسود الكندي، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء رجلاً من قريش يقال له مصعب بن عمير، وخرج حمزة بن عبد الـمطلب بـالـحُسَّر، وبعث حمزة بـين يديه، وأقبل خالد بن الولـيد علـى خيـل الـمشركين ومعه عكرمة بن أبـي جهل، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبـير، وقال:

اسْتَقْبِلْ خَالِدَ بْنَ الوَلِـيدِ فَكُنْ بإزَائِهِ حَتّـى أوذِنْك! وأمر بخيـل أخرى، فكانوا من جانب آخر، فقال: لا تَبْرَحُوا حتـى أوذِنَكُم! وأقبل أبو سفـيان يحمل اللات والعزّى، فأرسل النبـيّ صلى الله عليه وسلم إلـى الزبـير أن يحمل، فحمل علـى خالد بن الولـيد، فهزمه ومن معه، كما قال: {لَقَدِ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } وإن الله وعد الـمؤمنـين أن ينصرهم، وأنه معهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن مسلـم بن عبـيد الله الزهري، أن مـحمد بن يحيـى بن حبـان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والـحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علـمائنا فـي قصة ذكرها عن أُحد، ذكر أن كلهم قد حدّث ببعضها، وأن حديثهم اجتـمع فـيـما ساق من الـحديث، فكان فـيـما ذكر فـي ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل الشعب من أحد فـي عُدْوة الوادي إلـى الـجبل، فجعل ظهره وعسكره إلـى أحد، وقال:

لا تُقَاتِلُوا حَتَّـى نَأْمُرَ بـالِقَتال، وقد سرحت قريش الظهر والكُراع فـي زروع كانت بـالصَّمْغة من قناة للـمسلـمين، فقال رجل من الأنصار حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال: أتُرْعى زروع بنـي قـيـلة ولـما نُضارب! وصفّنا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال، وهو فـي سبعمائة رجل، وتصافّ قريش وهم ثلاثة آلاف، ومعهم مائتا فرس قد جَنَبُوها، فجعلوا علـى ميـمنة الـخيـل خالد بن الولـيد، وعلـى ميسرتها عكرمة بن أبـي جهل. وأمَّر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم علـى الرماة عبد الله بن جبـير أخا بنـي عمرو بن عوف، وهو يومئذ معلـم بثـياب بـيض، والرماة خمسون رجلاً، وقال:انْضَحْ عَنَّا الـخَيْـلَ بـالَّنْبِل لا يَأْتُونَا مِنْ خَـلْفِنَا! إنْ كَانَتْ لنا أو عَلَـيْنَا فـاثْبُتْ مَكَانَكَ، لا نُؤْتَـيَنَّ مِنْ قَبِلِك! فلـما التقـى الناس، ودنا بعضهم من بعض، واقتتلوا حتـى حميت الـحرب، وقاتل أبو دجانة حتـى أمعن فـي الناس، وحمزة بن عبد الـمطلب، وعلـيّ بن أبـي طالب فـي رجال من الـمسلـمين، فأنزل الله عزّ وجلّ نصره، وصدقهم وعده، فحسُّوهم بـالسيوف حتـى كشفوهم، وكانت الهزيـمة لا شك فـيها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، عن يحيـى بن عبـاد بن عبد الله بن الزبـير، عن أبـيه، عن جده، قال: قال الزبـير: والله لقد رأيتنـي أنظر إلـى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمّرات هوازم، ما دون إحداهن قلـيـل ولا كثـير، إذ مالت الرماة إلـى العسكر حين كشفنا القوم عنه، يريدون النهب، وخـلوا ظهورنا للـخيـل، فـأُتـينا من أدبـارنا، وصرخ صارخ: ألا إن مـحمداً قد قُتل! فـانكفأنا وأنكفأ علـينا القوم بعد أن هزمنا أصحاب اللواء، حتـى ما يدنو منه أحد من القوم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق فـي قوله: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ }: أي لقد وفـيت لكم بـما وعدتكم من النصر علـى عدوّكم.

حُدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قوله: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ }، وذلك يوم أُحد، قال لهم:

إنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ فَلاَ تَأْخُذُوا ما أصَبْتُـمْ مِنْ غَنائمهِمْ شَيْئاً حتـى تَفْرُغُوا فتركوا أمر نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، وعصوا، ووقعوا فـي الغنائم، ونسوا عهده الذي عهده إلـيهم، وخالفوا إلـى غير ما أمرهم به.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ }.

يعنـي تعالـى ذكره بذلك: ولقد وفـى الله لكم أيها الـمؤمنون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بـما وعدكم من النصر علـى عدوّكم بأحُد، حين تـحسّونهم، يعنـي: حين تقتلونهم. يقال منه: حَسَّهُ يَحُسُّهُ حَسًّا: إذا قتله. كما:

حدثنـي مـحمد بن عبد الله بن سعيد الواسطي، قال: ثنا يعقوب بن عيسى، قال: ثنـي عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن مـحمد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن الـمسور بن مخرمة، عن أبـيه، عن عبد الرحمن بن عوف فـي قوله: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } قال: الـحَسُّ: القتل.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا ابن أبـي الزناد، عن أبـيه، قال: سمعت عبـيد الله بن عبد الله يقول فـي قول الله عزّ وجلّ: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ } قال: القتل.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } قال: تقتلونهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ } أي قتلاً بإذنه.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ } يقول: إذ تقتلونهم.

حُدثت عن عمار، عن ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } والـحَسُّ القتل.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } يقول: تقتلونهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ } بـالسيوف: أي بـالقتل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن مبـارك، عن الـحسن: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } يعنـي: القتل.

حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: قوله: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } يقول: تقتلونهم.

وأما قوله: {بِإِذْنِهِ } فإنه يعنـي: بحكمي وقضائي لكم بذلك وتسلـيطي إياكم علـيهم. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ } بإذنـي وتسلـيطي أيديكم علـيهم، وكفـي أيديهم عنكم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ }.

يعني بقوله جلّ ثناؤه: {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ }: حتـى إذا جبنتـم وضعفتـم، {وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلأَمْرِ } بقول: واختلفتـم فـي أمر الله؛ يقول: وعصيتـم وخالفتـم نبيكم، فتركتـم أمره، وما عهد إلـيكم. وإنـما يعنـي بذلك الرماة الذين كان أمرهم صلى الله عليه وسلم بلزوم مركزهم ومقعدهم من فم الشعب بـأُحد، بإزاء خالد بن الولـيد ومن كان معه من فرسان الـمشركين الذين ذكرنا قبلُ أمرهم.

وأما قوله: {مّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } فإنه يعنـي بذلك: من بعد الذي أراكم الله أيها الـمؤمنون بـمـحمد من النصر والظفر بـالـمشركين، وذلك هو الهزيـمة التـي كانوا هزموهم عن نسائهم وأموالهم قبل ترك الرماة مقاعدهم التـي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقعدهم فيها، وقبل خروج خيـل الـمشركين على المؤمنين من ورائهم.

وبنحو الذي قلنا تظاهرت الأخبار عن أهل التأويل، وقد مضى ذكر بعض من قال، وسنذكر قول بعض من لـم يذكر قوله فـيـما مضى. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلأَمْرِ } أي اختلفتم فـي الأمر، {وَعَصَيْتُمْ مّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } وذاكم يوم أُحد، عهد إلـيهم نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم وأمرهم بأمر، فنسوا العهد وجاوزوا وخالفوا ما أمرهم نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فـانصرف علـيهم عدوّهم بعد ما أراهم من عدوّهم ما يحبون.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ناساً من الناس ـ يعنـي: يوم أُحد ـ فكانوا من ورائهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كُونُوا هَهُنا فَرُدُّوا وَجْهَ مَنْ قَدِمَنا، وكُونُوا حَرَساً لَنا مِنْ قِبَلِ ظُهُورِنا وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لـما هزم القوم هو وأصحابه، اختلف الذين كانوا جعلوا من ورائهم، فقال بعضهم لبعض لـما رأوا النساء مصعدات فـي الـجبل، ورأوا الغنائم، قالوا: انطلقوا إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركوا الغنـيـمة قبل أن تسبقوا إلـيها! وقالت طائفة أخرى: بل نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنثبت مكاننا. فذلك قوله: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا } للذين أرادوا الغنـيـمة، {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلأَخِرَةَ } للذين قالوا: نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونثبت مكاننا. فأتوا مـحمداً صلى الله عليه وسلم، فكان فشلاً حين تنازعوا بـينهم؛ يقول: {وَعَصَيْتُمْ مّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } كانوا قد رأوا الفتـح والغنـيـمة.

حُدثت عن عمار، عن ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ } يقول: جبنتـم عن عدوّكم، {وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلأَمْرِ } يقول: اختلفتـم وعصيتـم، {مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } وذلك يوم أُحد، قال لهم:

إنَّكَم سَتَظْهَرُونَ فلا أعَرِفنَّ ما أصَبْتُـمْ مِنْ غَنَائمهم شَيْئا حتـى تفَرغُوا، فتركوا أمر نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم وعصوا، ووقعوا فـي الغنائم، ونسوا عهده الذي عهده إلـيهم، وخالفوا إلـى غير ما أمرهم به، فـانصرف علـيهم عدوّهم من بعد ما أراهم فـيهم ما يحبون.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ } قال ابن جريج: قال ابن عبـاس: الفشل: الـجبن.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلاْمْرِ وَعَصَيْتُمْ مّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } من الفتـح.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ }: أي تـخاذلتـم، {وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلأَمْرِ } أي اختلفتـم فـي أمري، {وَعَصَيْتُمْ }: أي تركتـم أمر نبـيكم صلى الله عليه وسلم وما عهد إلـيكم، يعنـي: الرماة. {مّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } أي الفتـح لا شكّ فـيه، وهزيـمة القوم عن نسائهم وأموالهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن الـمبـارك، عن الـحسن: {مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } يعنـي: من الفتـح.

وقـيـل: معنى قوله: {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلاْمْرِ وَعَصَيْتُمْ مّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } حتـى إذا تنازعتـم فـي الأمر فشلتـم وعصيتـم من بعد ما أراكم ما تـحبون أنه من الـمقدّم الذي معناه التأخير، وإن الواو دخـلت فـي ذلك، ومعناها: السقوط كما قلنا فـي:

{ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَـٰدَيْنَـٰهُ }[الصافات: 103] معناه: ناديناه، وهذا مقول فـي «حتـى إذا» وفـي «فلـما أنْ»، ومنه قول الله عزّ وجلّ: { حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ }[الأنبياء: 96] ثم قال: { وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ }[الأنبياء: 97] ومعناه: اقترب، وكما قال الشاعر:

حتـى إذَا قَمِلَتْ بُطُونُكُمُ وَرأيْتُـمُ أبْناءَكُمْ شَبُّوا وَقلبْتُـمْ ظَهْرَ الـمِـجَنّ لنَا إنَّ اللَّئِيـمَ العاجِزُ الـخَبُّ

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلأَخِرَةَ }.

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا }: الذين تركوا مقعدهم الذي أقعدهم فـيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي الشعب من أحد لـخيـل الـمشركين، ولـحقوا بـمعسكر الـمسلـمين طلب النهب إذ رأوا هزيـمة الـمشركين {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلأَخِرَةَ } يعنـي بذلك: الذين ثبتوا من الرماة فـي مقاعدهم التـي أقعدهم فـيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتبعوا أمره، مـحافظة علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابتغاء ما عند الله من الثواب بذلك من فعلهم، والدار الآخرة. كما:

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلأَخِرَةَ } فـالذين انطلقوا يريدون الغنـيـمة، هم أصحاب الدنـيا والذين بقوا، وقالوا: لا نـخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أرادوا الآخرة.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس مثله.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلأَخِرَةَ } فإن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم أُحد طائفة من الـمسلـمين، فقال:

كُونُوا مَسْلَـحَةً للنَّاسِ بـمنزلة أمرهم أن يثبتوا بها، وأمرهم أن لا يبرحوا مكانهم حتـى يأذن لهم، فلـما لقـي بنـيّ الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد أبـا سفـيان ومن معه من الـمشركين، هزمهم نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم: فلـما رأى الـمسلـحةُ أن الله عزّ وجلّ هزم الـمشركين، انطلق بعضهم وهم يتنادون: الغنـيـمة الغنـيـمة لا تفتكم! وثبت بعضهم مكانهم، وقالوا: لا نريـم موضعنا حتـى يأذن لنا نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم. ففـي ذلك نزل: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلأَخِرَةَ } فكان ابن مسعود يقول: ما شعرت أن أحداً من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنـيا وعَرَضها حتـى كان يوم أحد.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: قال ابن عبـاس: لـما هزم الله الـمشركين يوم أُحد، قال الرماة: أدركوا الناس ونبـيّ الله صلى الله عليه وسلم لا يسبقوكم إلـى الغنائم فتكون لهم دونكم! وقال بعضهم: لا نريـم حتـى يأذن لنا النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلأَخِرَةَ } قال ابن جريج: قال ابن مسعود: ما علـمنا أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنـيا وعرضها حتـى كان يومئذٍ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن الـمبـارك، عن الـحسن: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا } هؤلاء الذين يحوزون الغنائم، {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلأَخِرَةَ } الذين يتبعونهم يقتلونهم.

حدثنا الـحسين بن عمرو بن مـحمد العنقزيّ، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ عن عبد خير، قال: قال عبد الله: ما كنت أرى أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنـيا، حتـى نزل فـينا يوم أُحد: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلأَخِرَةَ }.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، عن عبد خير، قال: قال ابن مسعود: ما كنت أظن أن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ أحداً يريد الدنـيا حتـى قال الله ما قال.

حدثت عن عمار، عن ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال: قال عبد الله بن مسعود لـما رآهم وقعوا فـي الغنائم: ما كنت أحسب أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنـيا حتـى كان الـيوم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: كان ابن مسعود يقول: ما شعرت أن أحداً من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنـيا وَعَرَضها حتـى كان يومئذٍ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا } أي الذين أرادوا النهب رغبة فـي الدنـيا وترك ما أمروا به من الطاعة التـي علـيها ثواب الآخرة، {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلأَخِرَةَ }: أي الذين جاهدوا فـي الله لـم يخالفوا إلـى ما نهوا عنه لعرض من الدنـيا رغبة فـي رجاء ما عند الله من حسن ثوابه فـي الآخرة.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ }.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: ثم صرفكم أيها الـمؤمنون عن الـمشركين بعد ما أراكم ما تـحبون فـيهم، وفـي أنفسكم من هزيـمتكم إياهم، وظهوركم علـيهم، فردّ وجوهكم عنهم لـمعصيتكم أمر رسولـي، ومخالفتكم طاعته، وإيثاركم الدنـيا علـى الآخرة، عقوبة لكم علـى ما فعلتـم، لـيبتلـيكم، يقول: لـيختبركم، فـيتـميز الـمنافق منكم من الـمخـلص، الصادق فـي إيـمانه منكم. كما:

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: ثم ذكر حين مال علـيهم خالد بن الولـيد: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ }.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن مبـارك، عن الـحسن فـي قوله: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ } قال: صرف القوم عنهم، فقتل من الـمسلـمين بعدّة من أسروا يوم بدر، وقتل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسرت ربـاعيته، وشجّ فـي وجهه، وكان يـمسح الدم عن وجهه، ويقول:

كَيْفَ يُفْلِـحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِـيِّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلـى رَبِّهِمْ؟؛ فنزلت: { لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْءٌ }[آل عمران: 128]... الآية، فقالوا: ألـيس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدنا النصر؟ فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } إلـى قوله: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ }.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ }: أي صرفكم عنهم لـيختبركم، وذلك ببعض ذنوبكم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ }.

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ }: ولقد عفـا الله أيها الـمخالفون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتاركون طاعته، فـيـما تقدم إلـيكم من لزوم الـموضع الذي أمركم بلزومه عنكم، فصفح لكم من عقوبة ذنبكم الذي أتـيتـموه عما هو أعظم مـما عاقبكم به من هزيـمة أعدائكم إياكم، وصرف وجوهكم عنهم إذ لـم يستأصل جمعكم. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن مبـارك، عن الـحسن، فـي قوله: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } قال: قال الـحسن وصفق بـيديه: وكيف عفـا عنهم وقد قتل منهم سبعون، وقتل عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسرت ربـاعيته، وشجّ فـي وجهه؟ قال: ثم يقول: قال الله عزّ وجلّ: قد عفوت عنكم إذ عصيتـمونـي أن لا أكون استأصلتكم. قال: ثم يقول الـحسن: هؤلاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفـي سبـيـل الله غضاب لله، يقاتلون أعداء الله، نهوا عن شيء فصنعوه، فوالله ما تركوا حتـى غموا بهذا الغمّ، فأفسق الفـاسقـين الـيوم يتـجرأ علـى كل كبـيرة، ويركب كل داهية، ويسحب علـيها ثـيابه، ويزعم أن لا بأس علـيه، فسوف يعلـم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } قال: لـم يستأصلكم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ }: ولقد عفـا الله عن عظيـم ذلك لـم يهلككم بـما أتـيتـم من معصية نبـيكم، ولكن عُدْت بفضلـي علـيكم.

وأما قوله: {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } فإنه يعنـي: والله ذو طول علـى أهل الإيـمان به وبرسوله بعفوه لهم عن كثـير ما يستوجبون به العقوبة علـيه من ذنوبهم، فإن عاقبهم علـى بعض ذلك، فذو إحسان إلـيهم بجميـل أياديه عندهم. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } يقول: وكذلك منّ الله علـى الـمؤمنـين أن عاقبهم ببعض الذنوب فـي عاجل الدنـيا أدبـاً وموعظة، فإنه غير مستأصل لكل ما فـيهم من الـحقّ له علـيهم، لـما أصابوا من معصيته، رحمة لهم، وعائدة علـيهم لـما فـيهم من الإيـمان.

إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىٓ أُخْرَىٰكُمْ فَأَثَٰبَكُمْ غَمًّۢا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمْ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ۝١٥٣

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: ولقد عفـا عنكم أيها الـمؤمنون إذ لـم يستأصلكم، إهلاكاً منه جمعكم بذنوبكم، وهربكم؛ {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ }.

واختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأه عامة قراء الـحجاز والعراق والشام سوى الـحسن البصري: {إِذْ تُصْعِدُونَ } بضمّ التاء وكسر العين، وبه القراءة عندنا لإجماع الـحجة من القراء علـى القراءة به، واستنكارهم ما خالفه. ورُوي عن الـحسن البصري أنه كان يقرؤه: «إذْ تَصْعَدُونَ» بفتـح التاء والعين.

حدثنـي بذلك أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن يونس بن عبـيد، عن الـحسن.

فأما الذين قرؤوا: {تُصْعِدُونَ } بضم التاء وكسر العين، فإنهم وجهوا معنى ذلك إلـى أن القوم حين انهزموا عن عدوّهم أخذوا فـي الوادي هاربـين. وذكروا أن ذلك فـي قراءة أبـيّ: «إذْ تُصْعِدون فـي الوادي».

حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا أبو عبـيد، قال: ثنا حجاج، عن هارون.

قالوا: الهرب فـي مستوى الأرض، وبطون الأودية والشعاب، إصعاد لا صعود، قالوا وإنـما يكون الصعود علـى الـجبـال والسلالـيـم والدَّرَج، لأن معنى الصعود: الارتقاء والارتفـاع علـى الشيء علوًّا. قالوا: فأما الأخذ فـي مستوى الأرض الهبوط، فإنـما هو إصعاد، كما يقال: أصعدنا من مكة، إذا ابتدأت فـي السفر منها والـخروج، وأصعدنا من الكوفة إلـى خراسان، بـمعنى خرجنا منها سفراً إلـيها، وابتدأنا منها الـخروج إلـيها. قالوا: وإنـما جاء تأويـل أكثر أهل التأويـل بأن القوم أخذوا عند انهزامهم عن عدوّهم فـي بطن الوادي. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ } ذاكم يوم أُحد أصعدوا فـي الوادي فراراً، ونبـيّ الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم فـي أخراهم، قال:

إلـيَّ عِبـادَ اللّهِ، إلـيَّ عبـادَ اللّهِ

وأما الـحسن فإنـي أراه ذهب فـي قراءته: «إذْ تَصْعَدُونَ» بفتـح التاء والعين إلـى أن القوم حين انهزموا عن الـمشركين صَعِدوا الـجبل. وقد قال ذلك عدد من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي، قال: لـما شدّ الـمشركون علـى الـمسلـمين بـأُحد فهزموهم، دخـل بعضهم الـمدينة، وانطلق بعضهم فوق الـجبل إلـى الصخرة، فقاموا علـيها، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس:

إلـيَّ عِبَـادَ اللّهِ، إلـيَّ عِبـادَ اللّه! فذكر الله صعودهم علـى الـجبل، ثم ذكر دعاء نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم إياهم، فقال: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ }.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: انـحازوا إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فجعلوا يصعدون فـي الـجبل، والرسول يدعوهم فـي أخراهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس، قوله: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ } قال: صعدوا فـي أُحد فراراً.

قال أبو جعفر: وقد ذكرنا أن أولـى القراءتـين بـالصواب قراءة من قرأ: {إِذْ تُصْعِدُونَ } بضم التاء وكسر العين، بـمعنى السبق والهرب فـي مستوى الأرض، أو فـي الـمهابط، لإجماع الـحجة علـى أن ذلك هو القراءة الصحيحة. ففـي إجماعها علـى ذلك الدلـيـل الواضح علـى أن أولـى التأويـلـين بـالآية تأويـل من قال: أصعدوا فـي الوادي، ومضوا فـيه، دون قول من قال: صعدوا علـى الـجبل.

وأما قوله: {وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ } فإنه يعنـي: ولا تعطفون علـى أحد منكم، ولا يـلتفت بعضكم إلـى بعض هربـاً من عدوّكم مصعدين فـي الوادي. ويعنـي بقوله: {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ }: ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوكم أيها الـمؤمنون به من أصحابه فـي أخراكم، يعنـي أنه يناديكم من خـلفكم:

إلـيَّ عِبـادَ اللّهِ، إلـيَّ عِبـادَ اللّه!. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ }: إلـيَّ عبـاد الله ارْجِعُوا، إلـيَّ عِبَـاد اللّهِ ارْجِعُوا!.

حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ }: رأوا نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم: إلـيّ عبـاد الله!

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: أنَّبهم الله بـالفرار عن نبـيهم صلى الله عليه وسلم، وهو يدعوهم لا يعطفون علـيه لدعائه إياهم، فقال: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ }.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ } هذا يوم أُحد حين انكشف الناس عنه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمّ لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَـٰبَكُمْ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }.

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمّ } يعنـي: فجازاكم بفراركم عن نبـيكم، وفشلكم عن عدوّكم، ومعصيتكم ربكم غماً بغمّ، يقول: غمًّا علـى غمّ. وسمى العقوبة التـي عاقبهم بها من تسلـيط عدوّهم علـيهم حتـى نال منهم ما نال ثوابـاً، إذ كان ذلك من عملهم الذي سخطه ولـم يرضه منهم، فدلّ بذلك جلّ ثناؤه أن كل عوض كالـمعوّض من شيء من العمل، خيراً كان أو شرّاً، أو العوض الذي بذله رجل لرجل أو يد سلفت له إلـيه، فإنه مستـحقّ اسم ثواب كان ذلك العوض تكرمة أو عقوبة، ونظير ذلك قول الشاعر:

أخافُ زِياداً أنْ يَكُونَ عَطاؤُهُأدَاهِمَ سُوداً أوْ مُـحَدْرَجةً سُمْرا

فجعل العطاء العقوبة، وذلك كقول القائل لآخر سلف إلـيه منه مكروه: لأجازينك علـى فعلك، ولأثـيبنك ثوابك.

وأما قوله: {غَمّاً بِغَمّ } فإنه قـيـل: غماً بغمّ، معناه: غماً علـى غم، كما قـيـل: {وَلاصَلّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ } بـمعنى: ولأصلبنكم علـى جذوع النـخـل. وإنـما جاز ذلك، لأن معنى قول القائل: أثابك الله غماً علـى غمّ: جزاك الله غماً بعد غمّ تقدّمه، فكان كذلك معنى: فأثابكم غماً بغمّ، لأن معناه: فجزاكم الله غماً بعقب غمّ تقدَّمه، وهو نظير قول القائل: نزلت ببنـي فلان، ونزلت علـى بنـي فلان، وضربته بـالسيف، وعلـى السيف.

واختلف أهل التأويـل فـي الغمّ الذي أثـيب القوم علـى الغمّ، وما كان غمهم الأوّل والثانـي، فقال بعضهم: أما الغمّ الأوّل، فكان ما تـحدّث به القوم أن نبـيهم صلى الله عليه وسلم قد قُتِل. وأما الغمّ الآخر، فإنه كان ما نالهم من القتل والـجراح. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمّ } كانوا تـحدثوا يومئذٍ أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم أصيب، وكان الغمّ الآخر قتل أصحابهم والـجراحات التـي أصابتهم؛ قال: وذكر لنا أنه قتل يومئذٍ سبعون رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة وستون رجلاً من الأنصار، وأربعة من الـمهاجرين. وقوله: {لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ } يقول: ما فـاتكم من غنـيـمة القوم، ولا ما أصابكم فـي أنفسكم من القتل والـجراحات.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمّ } قال: فرّة بعد فرّة، الأولـى: حين سمعوا الصوت أن مـحمداً قد قُتِل؛ والثانـية: حين رجع الكفـار فضربوهم مدبرين، حتـى قتلوا منهم سبعين رجلاً، ثم انـحازوا إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فجعلوا يصعدون فـي الـجبل، والرسول يدعوهم فـي أخراهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، نـحوه.

وقال آخرون: بل غمهم الأول كان قتل من قُتل منهم، وجرح من جُرح منهم؛ والغمّ الثانـي: كان من سماعهم صوت القائل: قُتل مـحمد صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسين بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {غَمّاً بِغَمّ } قال: الغمّ الأول: الـجراح والقتل؛ والغمّ الثانـي: حين سمعوا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم قد قُتل. فأنساهم الغمّ الآخر ما أصابهم من الـجراح والقتل وما كانوا يرجون من الغنـيـمة، وذلك حين يقول: {لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَـٰبَكُمْ }.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمّ } قال: الغمّ الأوّل: الـجراح والقتل؛ والغمّ الآخر: حين سمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل. فأنساهم الغمّ الآخر ما أصابهم من الـجراح والقتل، وما كانوا يرجون من الغنـيـمة، وذلك حين يقول الله: {لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَـٰبَكُمْ }.

وقال آخرون: بل الغمّ الأوّل ما كان فـاتهم من الفتـح والغنـيـمة؛ والثانـي إشراف أبـي سفـيان علـيهم فـي الشعب. وذلك أن أبـا سفـيان فـيـما زعم بعض أهل السير لـما أصاب من الـمسلـمين ما أصاب، وهرب الـمسلـمون، جاء حتـى أشرف علـيهم وفـيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي شعب أُحد الذي كانوا ولوا إلـيه عند الهزيـمة، فخافوا أن يصطلـمهم أبو سفـيان وأصحابه. ذكر الـخبر بذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ يدعو الناس حتـى انتهى إلـى أصحاب الصخرة، فلـما رأوه، وضع رجل سهماً فـي قوسه، فأراد أن يرميه، فقال:

أنا رَسُولُ اللّهِ ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حياً، وفرح رسول الله حين رأى أن فـي أصحابه من يـمتنع. فلـما اجتـمعوا وفـيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذهب عنهم الـحزن، فأقبلوا يذكرون الفتـح وما فـاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا. فأقبل أبو سفـيان حتـى أشرف علـيهم؛ فلـما نظروا إلـيه، نسوا ذلك الذي كانوا علـيه، وهمّهم أبو سفـيان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَـيْسَ لَهُمْ أنْ يَعْلُونا، اللَّهُمَّ إنْ تُقْتَلْ هَذِهِ العِصَابَةُ لا تُعْبَدُ ثم ندب أصحابه فرموهم بـالـحجارة حتـى أنزلوهم، فقال أبو سفـيان يومئذٍ: اعل هبل! حنظلة بحنظلة، ويوم بـيوم بدر. وقتلوا يومئذٍ حنظلة بن الراهب وكان جنبـاً فغسلته الـملائكة، وكان حنظلة بن أبـي سفـيان قُتل يوم بدر؛ قال أبو سفـيان: لنا العزّى، ولا عزّى لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: قُلِ اللّهُ مَوْلانا وَلا مَوْلـى لَكُمْ. فقال أبو سفـيان: فـيكم مـحمد؟ قالوا: نعم، قال: أما إنها قد كانت فـيكم مثلة، ما أمرت بها، ولا نهيت عنها، ولا سرّتنـي، ولا ساءتنـي. فذكر الله إشراف أبـي سفـيان علـيهم، فقال: {فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمّ لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَـٰبَكُمْ } الغمّ الأوّل: ما فـاتهم من الغنـيـمة والفتـح؛ والغمّ الثانـي: إشراف العدوّ علـيهم، لكيلا تـحزنوا علـى ما فـاتكم من الغنـيـمة، ولا ما أصابكم من القتل حين تذكرون، فشغلهم أبو سفـيان.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي ابن شهاب الزهري، ومـحمد بن يحيـى بن حبـان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والـحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علـمائنا فـيـما ذكروا من حديث أُحد، قالوا: كان الـمسلـمون فـي ذلك الـيوم لـما أصابهم فـيه من شدّة البلاء أثلاثاً: ثلث قتـيـل، وثلث جريح، وثلث منهزم، وقد بلغته الـحرب حتـى ما يدري ما يصنع، وحتـى خـلص العدو إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدُثّ بـالـحجارة حتـى وقع لشقه، وأصيبت ربـاعيته، وشُجّ فـي وجهه، وكلـمت شفته، وكان الذي أصابه عتبة بن أبـي وقاص. وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه لواؤه حتـى قتل، وكان الذي أصابه ابن قميئة اللـيثـي، وهو يظن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع إلـى قريش فقال: قتلت مـحمداً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: فكان أوّل من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة، وقول الناس: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: ثنا ابن شهاب الزهري كعب بن مالك أخو بني سلـمة، قال: عرفت عينيه تزهران تحت الـمغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم! فأشار إليّ رسول الله أن أنصت. فلـما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا به ونهض نحو الشعب معه عليّ بن أبـي طالب وأبو بكر بن أبـي قحافة وعمر بن الـخطاب، وطلـحة بن عبـيد الله، والزبـير بن العوّام، والـحارث بن الصامت فـي رهط من الـمسلـمين. قال: فبـينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي الشعب ومعه أولئك النفر من أصحابه، إذ علت عالـية من قريش الـجبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

اللَّهُمَّ إنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهُمْ أن يَعْلُونا فقاتل عمر بن الـخطاب ورهط معه من الـمهاجرين، حتـى أهبطوهم عن الـجبل. ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى صخرة من الـجبل لـيعلوها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بدّن، فظاهر بـين درعين، فلـما ذهب لـينهض، فلـم يستطع، جلس تـحته طلـحة بن عبيد الله، فنهض حتـى استوى علـيها ثم إن أبا سفيان حين أراد الانصراف، أشرف على الجبل، ثم صرخ بأعلى صوته أنعمت فعالِ، إن الـحرب سجال، يوم بيوم بدر، أعل هبل! أي أظْهِرْ دينك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر:قُمْ فأجِبْهُ فَقُلْ: اللَّهُ أعْلَـى وأجَلُّ، لا سَوَاءٌ، قَتْلانا فـي الـجَنَّةِ، وقَتْلاَكُمْ فِـي النَّارِ فلـما أجاب عمر رضي الله عنه أبـا سفـيان، قال له أبو سفـيان: هلـمّ إلـيّ يا عمر! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائْتِهِ فـانْظُرْ ما شأْنُه فجاءه فقال له أبو سفـيان: أنشدك الله يا عمر، أقتلنا مـحمداً؟ فقال عمر: اللهمّ لا، وإنه لـيسمع كلامك الآن. فقال: أنت أصدق عندي من ابن قميئة، وأشار لقول ابن قميئة لهم: إنـي قتلت مـحمداً. ثم نادى أبو سفـيان، فقال: إنه قد كان فـي قتلاكم مثله، والله ما رضيت، ولا سخطت، ولا نهيت، ولا أمرت.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي ابن إسحاق: {فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمّ لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَـٰبَكُمْ }: أي كرباً بعد كرب قتلُ من قُتل من إخوانكم، وعلوّ عدوّكم علـيكم، وما وقع فـي أنفسكم من قول من قال: قتل نبـيكم، فكان ذلك مـما تتابع علـيكم غماً بغم، لكيلا تـحزنوا علـى ما فـاتكم من ظهوركم علـى عدوّكم بعد أن رأيتـموه بأعينكم، ولا ما أصابكم من قتل إخوانكم؛ حتـى فرّجت بذلك الكرب عنكم، والله خبـير بـما تعلـمون. وكان الذي فرّج عنهم ما كانوا فـيه من الكرب والغمّ الذي أصابهم أن الله عزّ وجلّ ردّ عنهم كذبة الشيطان بقتل نبـيهم، فلـما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيّاً بـين أظهرهم، هان علـيهم ما فـاتهم من القوم، فهان الظهور علـيهم والـمصيبة التـي أصابتهم فـي إخوانهم، حين صرف الله القتل عن نبـيهم صلى الله عليه وسلم.

حدثنا القاسم قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمّ } قال ابن جريج: قال مـجاهد: أصاب الناس حزن وغمّ علـى ما أصابهم فـي أصحابهم الذين قتلوا، فلـما تولـجوا فـي الشعب يتصافون وقـف أبو سفـيان وأصحابه ببـاب الشعب، فظنّ الـمؤمنون أنهم سوف يـميـلون علـيهم فـيقتلونهم أيضاً، فأصابهم حزن فـي ذلك أيضاً أنساهم حزنهم فـي أصحابهم، فذلك قوله: {فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمّ لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ } قال ابن جريج: قوله: {عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ } يقول: علـى ما فـاتكم من غنائم القوم {وَلاَ مَا أَصَـٰبَكُمْ } فـي أنفسكم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي عبد الله بن كثـير، عن عبـيد بن عمير، قال: جاء أبو سفـيان بن حرب، ومن معه، حتـى وقـف بـالشعب، ثم نادى: أفـي القوم ابن أبـي كبشة؟ فسكتوا، فقال أبو سفـيان: قتل وربّ الكعبة، ثم قال: أفـي القوم ابن أبـي قحافة؟ فسكتوا، فقال: قتل وربّ الكعبة! ثم قال: أفـي القوم عمر بن الـخطاب؟ فسكتوا، فقال: قتل وربّ الكعبة! ثم قال أبو سفـيان: اعل هبل، يوم بـيوم بدر، وحنظلة بحنظلة، وأنتـم واجدون فـي القوم مُثلاً لـم يكن عن رأي سَراتنا وخيارنا، ولـم نكرهه حين رأيناه! فقال النبـي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الـخطاب:

قُمْ فَنادِ فَقُلْ: اللَّهُ أعْلَـى وأجَلُّ، نعم هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أبو بكر، وها أنا ذا؛ لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الـجنة، أصحاب الـجنة هم الفـائزون، قتلانا فـي الـجنة، وقتلاكم فـي النار

وقال آخرون في ذلك بما:

حدثني به محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثنـي عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ } فرجعوا فقالوا: والله لنأتـينهم، ثم لنقتلنهم، قد خرجوا منا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مَهْلاً فإنَّـمَا أصَابَكُمْ الَّذي أصَابَكُمْ مِنْ أجْلِ أنَّكُمْ عَصَيْتُـمُونِـي. فبـينـما هم كذلك، إذ أتاهم القوم، قد أنسوا، وقد اخترطوا سيوفهم، فكان غمّ الهزيـمة وغمهم حين أتوهم؛ {لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ } من القتل {وَلاَ مَا أَصَـٰبَكُمْ } من الـجراحة {فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ }... الآية، وهو يوم أُحد.

وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية قول من قال: معنى قوله: {فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ } أيها الـمؤمنون بحرمان الله إياكم غنـيـمة الـمشركين، والظفر بهم، والنصر علـيهم، وما أصابكم من القتل والـجراح يومئذ بعد الذي كان قد أراكم فـي كل ذلك ما تـحبون بـمعصيتكم ربكم، وخلافكم أمر نبـيكم صلى الله عليه وسلم، غمّ ظنكم أن نبـيكم صلى الله عليه وسلم قد قتل، وميـل العدوّ علـيكم بعد فلولكم منهم.

والذي يدلّ علـى أن ذلك أولـى بتأويـل الآية مـما خالفه، قوله: {لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَـٰبَكُمْ } والفـائت لا شك أنه هو ما كانوا رجوا الوصول إلـيه من غيرهم، إما من ظهور علـيهم بغلبهم، وإما من غنـيـمة يحتازونها، وأن قوله: {وَلاَ مَا أَصَـٰبَكُمْ } هو ما أصابهم إما فـي أبدانهم، وإما فـي إخوانهم. فإن كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الغمّ الثانـي هو معنى غير هذين، لأن الله عزّ وجلّ أخبر عبـاده الـمؤمنـين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه أثابهم غماً بغمّ، لئلا يحزنهم ما نالهم من الغمّ الناشىء عما فـاتهم من غيرهم، ولا ما أصابهم قبل ذلك فـي أنفسهم، وهو الغمّ الأول علـى ما قد بـيناه قبل.

وأما قوله: لِكَيْلا تَـحْزَنُوا علـى ما فـاتَكُمْ وَلا ما أصَابَكُمْ} فإن تأويـله علـى ما قد بـينت من أنه لكيلا تـحزنوا علـى ما فـاتكم فلـم تدركوه مـما كنتـم ترجون إدراكه من عدوّكم بـالظفر علـيهم والظهور وحيازة غنائمهم، ولا ما أصابكم فـي أنفسكم من جرح من جُرح وقَتل من قُتل من إخوانكم.

وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويـل فـيه قبل علـى السبـيـل التـي اختلفوا فـيه، كما:

حدثنا يونس، قال: أخبرنا وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: لِكَيْلا تَـحْزَنُوا علـى ما فـاتَكُمْ وَلا ما أصَابَكُمْ} قال: علـى ما فـاتكم من الغنـيـمة التـي كنتـم ترجون، {وَلاَ مَا أَصَـٰبَكُمْ } من الهزيـمة.

وأما قوله: {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْلَمُونَ } فإنه يعنـي جلّ ثناؤه: والله بـالذي تعلـمون ـ أيها الـمؤمنون من إصعادكم فـي الوادي هرباً من عدوكم، وانهزامكم منهم، وترككم نبـيكم وهو يدعوكم فـي أخراكم، وحزنكم علـى ما فـاتكم من عدوّكم، وما أصابكم فـي أنفسهم ـ ذو خبرة وعلـم، وهو مـحص ذلك كله علـيكم حتـى يجازيكم به الـمـحسن منكم بإحسانه، والـمسيء بإساءته، أو يعفو عنه.

الجمعة، 23 أكتوبر 2026 12 جمادى الأولى 1448 هـ