انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير الطبريالآيات 175–183

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة آل عمران

الخلاصة من تفسير الطبري · 11 مقطعًا · 3:01:26

  1. 1 الآيات 172–185في هذه الصفحة 14:11

التفسير الصوتي لسورة آل عمران كاملًا (11 مقطعًا)

إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝١٧٥

يعنـي بذلك تعالـى ذكره: إنـما الذي قال لكم أيها الـمؤمنون: إن الناس قد جمعوا لكم، فخوفوكم بجموع عدوكم، ومسيرهم إلـيكم، من فعل الشيطان، ألقاه علـى أفواه من قال ذلك لكم، يخوفكم بأولـيائه من الـمشركين أبـي سفـيان وأصحابه من قريش، لترهبوهم، وتـجبنوا عنهم. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ } يخوف والله الـمؤمن بـالكافر، ويرهب الـمؤمن بـالكافر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مـجاهد: {إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ } قال: يخوف الـمؤمنـين بـالكفـار.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ } يقول: الشيطان يخوف الـمؤمنـين بأولـيائه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ }: أي أولئك الرهط، يعنـي: النفر من عبد القـيس الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوا، وما ألقـى الشيطان علـى أفواههم، {يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ } أي يرهبكم بأولـيائه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا علـي بن معبد، عن عتاب بن بشير، مولـى قريش، عن سالـم الأفطس، فـي قوله: {إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ } قال: يخوفكم بأولـيائه.

وقال آخرون: معنى ذلك: إنـما ذلكم الشيطان يعظم أمر الـمشركين أيها الـمنافقون فـي أنفسكم فتـخافونه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: ذكر أمر الـمشركين وعظمهم فـي أعين الـمنافقـين فقال: {إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ }: يعظم أولـياءه فـي صدوركم فتـخافونهم.

فإن قال قائل: وكيف قـيـل: {يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ } وهل يخوف الشيطان أولـياءه؟ قـيـل: إن كان معناه يخوفكم بأولـيائه يخوف أولـياءه. قـيـل ذلك نظير قوله: {لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا } بـمعنى: لـينذركم بأسه الشديد، وذلك أن البأس لا ينذر، وإنـما ينذر به. وقد كان بعض أهل العربـية من أهل البصرة يقول: معنى ذلك: يخوّف الناس أولـياءه، كقول القائل: هو يعطي الدراهم، ويكسو الثـياب، بـمعنى: هو يعطي الناس الدراهم، ويكسوهم الثـياب، فحذف ذلك للاستغناء عنه. ولـيس الذي شبه ذلك بـمشبه، لأن الدراهم فـي قول القائل: هو يعطي الدراهم معلوم أن الـمُعْطَى هي الدراهم، ولـيس كذلك الأولـياء فـي قوله: {يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ } مخوفـين، بل التـخويف من الأولـياء لغيرهم، فلذلك افترقا.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ }.

يقول: فلا تـخافوا أيها الـمؤمنون الـمشركين، ولا يعظمنّ علـيكم أمرهم، ولا ترهبوا جمعهم مع طاعتكم إياي، ما أطعتـمونـي، واتبعتـم أمري، وإنـي متكفل لكم بـالنصر والظفر، ولكن خافون، واتقوا أن تعصونـي وتـخالفوا أمري، فتهلكوا إن كنتـم مؤمنـين. يقول: ولكن خافونـي دون الـمشركين، ودون جميع خـلقـي أن تـخالفوا أمري إن كنتـم مصدّقـي رسولـي وما جاءكم به من عندي.

وَلَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًٔا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝١٧٦

يقول جلّ ثناؤه: ولا يحزنك يا مـحمد كفر الذين يسارعون فـي الكفر مرتدّين علـى أعقابهم من أهل النفـاق، فإنهم لن يضرّوا الله بـمسارعتهم فـي الكفر شيئاً، كما أن مسارعتهم لو سارعوا إلـى الإيـمان لـم تكن بنافعته، كذلك مسارعتهم إلـى الكفر غير ضارّته. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ } يعنـي: هم الـمنافقون.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ } أي الـمنافقون.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن لا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِى ٱلأَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: يريد الله أن لا يجعل لهؤلاء الذين يسارعون فـي الكفر نصيبـاً فـي ثواب الآخرة، فلذلك خذلهم، فسارعوا فـيه. ثم أخبر أنهم مع حرمانهم ما حرموا من ثواب الآخرة، لهم عذاب عظيـم فـي الآخرة، وذلك عذاب النار. وقال ابن إسحاق فـي ذلك بـما:

حدثنـي ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن لا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِى ٱلأَخِرَةِ }: أن يحبط أعمالهم.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًٔا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝١٧٧

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: الـمنافقـين الذين تقدم إلـى نبـيه صلى الله عليه وسلم فـيهم، أن لا يحزنه مسارعتهم إلـى الكفر، فقال لنبـيه صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء الذين ابتاعوا الكفر بإيـمانهم، فـارتدّوا عن إيـمانهم بعد دخولهم فـيه، ورضوا بـالكفر بـالله وبرسوله، عوضاً من الإيـمان، لن يضرّوا الله بكفرهم وارتدادهم، عن إيـمانهم شيئاً، بل إنـما يضرّون بذلك أنفسهم بإيجابهم بذلك لها من عقاب الله ما لا قبل لها به.

وإنـما حثّ الله جلّ ثناؤه بهذه الآيات من قوله:

{ وَمَا أَصَـٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ }[آل عمران: 166] إلـى هذه الآية عبـاده الـمؤمنـين علـى إخلاص الـيقـين، والانقطاع إلـيه فـي أمورهم، والرضا به ناصراً وحده دون غيره من سائر خـلقه، ورغب بها فـي جهاد أعدائه وأعداء دينه، وشجع بها قلوبهم، وأعلـمهم أن من ولـيه بنصره فلن يخذل ولو اجتـمع علـيه جميع من خالفه وحاده، وأن من خذله فلن ينصره ناصر ينفعه نصره ولو كثرت أعوانه أو نصراؤه. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْكُفْرَ بِٱلإيمَـٰنِ }: أي الـمنافقـين {لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }: أي موجع.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: هم الـمنافقون.

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ۝١٧٨

يعنـي بذلك تعالـى ذكره: ولا يظنن الذين كفروا بـالله ورسوله، وما جاء به من عند الله، أن إملاءنا لهم خير لأنفسهم. ويعنـي بـالإملاء: الإطالة فـي العمر والإنساء فـي الأجل؛ ومنه قوله جل ثناؤه: {وَٱهْجُرْنِى مَلِيّاً }: أي حينا طويلاً؛ ومنه قـيـل: عشت طويلاً وتـملـيت حينا والـملا نفسه: الدهر، والـملوان: اللـيـل والنهار، ومنه قول تـميـم بن مقبل:

ألا يا دِيارَ الـحَيِّ بـالسَّبُعانِ أمَلَّ عَلَـيها بـالبِلَـى الـمَلَوَانِ

يعنـي بـالـملوان: اللـيـل والنهار.

وقد اختلفت القراء فـي قراءة قوله: «وَلا تَـحسَبنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّـمَا نُـملِـيَ لهُمْ خَيرٌ لأَنفُسِهِمْ» فقرأ ذلك جماعة منهم: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ } بـالـياء وفتـح الألف من قوله {أَنَّمَا } علـى الـمعنى الذي وصفت من تأويـله. وقرأه آخرون: «وَلا تَـحسَبنَّ» بـالتاء و{أَنَّمَا } أيضا بفتـح الألف من «أنـما»، بـمعنى: ولا تـحسبن يا مـحمد الذين كفروا أنـما نـملـي لهم خير لأنفسهم.

فإن قال قائل: فما الذي من أجله فتـحت الألف من قوله: {أَنَّمَا } فـي قراءة من قرأ بـالتاء، وقد علـمت أن ذلك إذا قرىء بـالتاء فقد أعلمت تـحسبنَّ فـي الذين كفروا، وإذا أعملتها فـي ذلك لـم يجز لها أن تقع علـى «أنـما» لأن «أنَّـما» إنـما يعمل فـيها عامل يعمل فـي شيئين نصبـاً؟ قـيـل: أما الصواب فـي العربـية ووجه الكلام الـمعروف من كلام العرب كسر إن إذا قرئت تـحسبن بـالتاء، لأن تـحسبن إذا قرئت بـالتاء، فإنها قد نصبت الذين كفروا، فلا يجوز أن تعمل وقد نصبت اسماً فـي أن، ولكنى أظن أن من قرأ ذلك بـالتاء فـي تـحسبن وفتـح الألف من أنـما، إنـما أراد تكرير تـحسبن علـى أنـما، كأنه قصد إلـى أن معنى الكلام: ولا تـحسبن يا مـحمد أنت الذين كفروا، لا تـحسبن أنـما نـملـي لهم خير لأنفسهم، كما قال جل ثناؤه:

{ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً }[محمد: 18] بتأويـل: هل ينظرون إلا الساعة، هل ينظرون إلا أن تأتـيهم بغتة؟ وذلك وإن كان وجهاً جائزاً فـي العربـية، فوجه كلام العرب ما وصفنا قبل.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا قراءة من قرأ: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بـالـياء من «يحسبن»، وبفتـح الألف من «أنـما»، علـى معنى الـحسبـان للذين كفروا دون غيرهم، ثم يعمل فـي «أنـما» نصبـاً؛ لأن «يحسبن» حينئذ لـم يشغل بشيء عمل فـيه، وهي تطلب منصوبـين. وإنـما اخترنا ذلك لإجماع القراء علـى فتـح الألف من «أنـما» الأولـى، فدل ذلك علـى أن القراءة الصحيحة فـي «يحسبن» بـالـياء لـما وصفنا؛ وأما ألف «إنـما» الثانـية فـالكسر علـى الابتداء بـالإجماع من القراء علـيه.

وتأويـل قوله: {إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً }: إنـما نؤخر آجالهم فنطيـلها لـيزدادوا إثماً، يقول: يكتسبوا الـمعاصي فتزداد آثامهم وتكثر {وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } يقول: ولهؤلاء الذين كفروا بـالله ورسوله فـي الآخرة عقوبة لهم مهينة مذلة.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك جاء الأثر.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن خيثمة، عن الأسود، قال: قال عبد الله: ما من نفس برة ولا فـاجرة إلا والـموت خير لها، وقرأ: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لاِنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } وقرأ:

{ نُزُلاٍ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لّلابْرَارِ }[آل عمران: 198].

مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَإِن تُؤْمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ۝١٧٩

يعنـي بقوله: {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ما كان الله لـيدع الـمؤمنـين علـى ما أنتـم علـيه من التبـاس الـمؤمن منكم بـالـمنافق، فلا يعرف هذا من هذا {حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ } يعنـي بذلك: حتـى يـميز الـخبـيث، وهو الـمنافق الـمستسر للكفر، من الطيب، وهو الـمؤمن الـمخـلص الصادق الإيـمان بـالـمـحن والاختبـار، كما ميز بـينهم يوم أُحد عند لقاء العدو عند خروجهم إلـيه.

واختلف أهل التأويـل فـي الـخبـيث الذي عنى الله بهذه الآية، فقال بعضهم فـيه مثل قولنا. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنـي أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ } قال: ميز بـينهم يوم أُحد، الـمنافق من الـمؤمن.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ } قال ابن جريج: يقول: لـيبـين الصادق بإيـمانه من الكاذب. قال: ابن جريج: قال مـجاهد: يوم أُحد ميز بعضهم عن بعض، الـمنافق عن الـمؤمن.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ }: أي الـمنافق.

وقال آخرون: معنى ذلك: حتـى يـميز الـمؤمن من الكافر بـالهجرة والـجهاد. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } يعنـي: الكفـار. يقول: لـم يكن الله لـيدع الـمؤمنـين علـى ما أنتـم علـيه من الضلالة، {حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ }: يـميز بـينهم فـي الـجهاد والهجرة.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ } قال: حتـى يـميز الفـاجر من الـمؤمن.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ } قالوا: إن كان مـحمد صادقاً فلـيخبرنا بـمن يؤمن بـالله ومن يكفر! فأنزل الله: {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ }: حتـى يخرج الـمؤمن من الكافر.

والتأويـل الأوّل أولـى بتأويـل الآية، لأن الآيات قبلها فـي ذكر الـمنافقـين وهذه فـي سياقتها، فكونها بأن تكون فـيهم أشبه منها بأن تكون فـي غيرهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمَا كَانَ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء }.

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم بـما:

حدثنا به مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ } وما كان الله لـيطلع مـحمداً علـى الغيب، ولكن الله اجتبـاه فجعله رسولاً.

وقال آخرون بـما:

حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ } أي فـيـما يريد أن يبتلـيكم به، لتـحذروا ما يدخـل علـيكم فـيه: {وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء } يعلـمه.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بتأويـله: وما كان الله لـيطلعكم علـى ضمائر قلوب عبـاده، فتعرفوا الـمؤمن منهم من الـمنافق والكافر، ولكنه يـميز بـينهم بـالـمـحن والابتلاء كما ميز بـينهم بـالبأساء يوم أُحد، وجهاد عدوّه، وما أشبه ذلك من صنوف الـمـحن، حتـى تعرفوا مؤمنهم وكافرهم ومنافقهم. غير أنه تعالـى ذكره يجتبـي من رسله من يشاء، فـيصطفـيه، فـيطلعه علـى بعض ما فـي ضمائر بعضهم بوحيه ذلك إلـيه ورسالته. كما:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء } قال: يخـلصهم لنفسه.

وإنـما قلنا هذا التأويـل أولـى بتأويـل الآية، ابتداءَها خبر من الله تعالـى ذكره أنه غير تارك عبـاده، يعنـي بغير مـحن، حتـى يفرّق بـالابتلاء بـين مؤمنهم وكافرهم وأهل نفـاقهم. ثم عقب ذلك بقوله: {وَمَا كَانَ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ }، فكان فـيـما افتتـح به من صفة إظهار الله نفـاق الـمنافق وكفر الكافر، دلالة واضحة علـى أن الذي ولـي ذلك هو الـخبر عن أنه لـم يكن لـيطلعهم علـى ما يخفـى عنهم من بـاطن سرائرهم إلا بـالذي ذكر أنه مـميز به نعتهم إلا من استثناه من رسله الذي خصه بعلـمه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَئَامِنُوا بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ}.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه بقوله: {وَإِن تُؤْمِنُواْ }: وإن تصدّقوا من اجتبـيته من رسلـي بعلـمي، وأطلعته علـى الـمنافقـين منكم، وتتقوا ربكم بطاعته فـيـما أمركم به نبـيكم مـحمد صلى الله عليه وسلم وفـيـما نهاكم عنه، {فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ } يقول: فلكم بذلك من إيـمانكم واتقائكم ربكم ثواب عظيـم. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {فَئَامِنُوا بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ }: أي ترجعوا وتتوبوا، {فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ }.

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا۟ بِهِۦ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ۝١٨٠

اختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأه جماعة من أهل الـحجاز والعراق: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ } بالياء من يحسبنّ وقرأته جماعة أخر: «وَلا تَحسَبنَّ» بالتاء.

ثم اختلف أهل العربية في تأويل ذلك، فقال بعض نحويي الكوفة: معنى ذلك: لا يحسبنّ الباخلون البخـل هو خيراً لهم. فاكتفـى بذكر يبخـلون من البخل، كما تقول: قدم فلان فسررت به، وأنت تريد فسررت بقدومه، وهو عماد. وقال بعض نـحويـي أهل البصرة: إنـما أراد بقوله: «وَلا تَـحسَبنَّ الَّذِينَ يَبخَـلونَ بِـمَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيرا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ» لا تـحسبن البخـل هو خيراً لهم، فألقـى الاسم الذي أوقع علـيه الـحسبـان به وهو البخـل، لأنه قد ذكر الـحسبـان، وذكر ما آتاهم الله من فضله، فأضمرهما إذ ذكرهما، قال: وقد جاء من الـحذف ما هو أشد من هذا، قال:

{ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ }[الحديد: 10] ولـم يقل: ومن أنفق من بعد الفتـح، لأنه لـما قال: { أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ }[الحديد: 10] كان فـيه دلـيـل علـى أنه قد عناهم.

وقال بعض من أنكر قول من ذكرنا قوله من أهل البصرة، أن «من» فـي قوله:

{ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ }[الحديد: 10] فـي معنى جمع. ومعنى الكلام: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتـح فـي منازلهم وحالاتهم، فكيف من أنفق من بعد الفتـح، فـالأول مكتف. وقال فـي قوله: {لا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ } مـحذوف، غير أنه لـم يحذف إلا وفـي الكلام ما قام مقام الـمـحذوف، لأن «هو» عائد البخـل، و«خيراً لهم» عائد الأسماء، فقد دلّ هذان العائدان علـى أن قبلهما اسمين، واكتفـى بقوله: يبخـلون، من البخـل. قال: وهذا إذا قرىء بـالتاء، فـالبخـل قبل الذين، وإذا قرىء بـالـياء، فـالبخـل بعد الذين، وقد اكتفـى بـالذين يبخـلون من البخـل، كما قال الشاعر:

إذَا نُهِيَ السَّفِـيهُ جَرَى إلَـيْهِ وخالَفَ وَالسَّفـيهُ إلـى خِلافِ

كأنه قال: جرى إلـى السفه، فـاكتفـى عن السفه بـالسفـيه، كذلك اكتفـى بـالذين يبخـلون من البخـل.

وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك عندي، قراءة من قرأ: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ } بـالتاء بتأويـل: ولا تـحسبنّ أنت يا مـحمد بخـل الذين يبخـلون بـما أتاهم الله من فضله، هو خيراً لهم، ثم ترك ذكر البخـل، إذ كان فـي قوله هو خيراً لهم، دلالة علـى أنه مراد فـي الكلام، إذ كان قد تقدّمه قوله: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ }.

وإنـما قلنا قراءة ذلك بـالتاء أولـى بـالصواب من قراءته بـالـياء، لأن الـمـحسبة من شأنها طلب اسم وخبر، فإذا قرىء قوله: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ } بـالـياء لـم يكن للـمـحسبة اسم يكون قوله: {هُوَ خَيْراً لَّهُمْ } خبراً عنه، وإذا قرىء ذلك بـالتاء كان قوله: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ } اسماً له، قد أدّى عن معنى البخـل الذي هو اسم الـمـحسبة الـمتروك، وكان قوله: {هُوَ خَيْراً لَّهُمْ } خبراً لها، فكان جارياً مـجرى الـمعروف من كلام العرب الفصيح. فلذلك اخترنا القراءة بـالتاء فـي ذلك علـى ما بـيناه، وإن كانت القراءة بـالـياء غير خطأ، ولكنه لـيس بـالأفصح ولا الأشهر من كلام العرب.

وأما تأويـل الآية الذي هو تأويـلها علـى ما اخترنا من القراءة فـي ذلك: ولا تـحسبنّ يا مـحمد، بخـل الذين يبخـلون بـما أعطاهم الله فـي الدنـيا من الأموال، فلا يخرجون منه حقّ الله الذي فرضه علـيهم فـيه من الزكوات هو خيراً لهم عند الله يوم القـيامة، بل هو شرّ لهم عنده فـي الآخرة. كما:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: «وَلا تَـحْسَبنَّ الَّذِينَ يَبْخَـلُونَ بِـمَا آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرا لَهُمْ بَلْ هُو شَرّ لَهُمْ»: هم الذين آتاهم الله من فضله، فبخـلوا أن ينفقوها فـي سبـيـل الله، ولـم يؤدّوا زكاتها.

وقال آخرون: بل عنى بذلك الـيهود الذين بخـلوا أن يبـينوا للناس ما أنزل الله فـي التوراة من أمر مـحمد صلى الله عليه وسلم ونعته. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي عمي، ثنـي أبـي، قال: قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: «وَلا تَـحْسَبنَّ الَّذِينَ يَبْخَـلُونَ بِـمَا آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ»... إلـى {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } يعنـي بذلك: أهل الكتاب أنهم بخـلوا بـالكتاب أن يبـينوه للناس.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد قوله: «وَلا تَـحْسَبنَّ الَّذِينَ يَبْخَـلُونَ بِـمَا آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ» قال: هم يهود، إلـى قوله:

{ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ }.[آل عمران: 184]

وأولـى التأويـلـين بتأويـل هذه الآية التأويـل الأوّل وهو أنه معنـيّ بـالبخـل فـي هذا الـموضع: منع الزكاة لتظاهر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تأوّل قوله: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } قال: البخيـل الذي منع حقّ الله منه أنه يصير ثعبـاناً فـي عنقه، ولقول الله عقـيب هذه الآية:

{ لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ }[آل عمران: 181] فوصف جلّ ثناؤه قول الـمشركين من الـيهود الذين زعموا عند أمر الله إياهم بـالزكاة أن الله فقـير.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ }.

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {سَيُطَوَّقُونَ }: سيجعل الله ما بخـل به الـمانعون الزكاة طوقاً فـي أعناقهم، كهيئة الأطواق الـمعروفة. كالذي:

حدثنـي الـحسن بن قزعة، قال: ثنا مسلـمة بن علقمة، قال: ثنا داود، عن أبـي قزعة، عن أبـي مالك العبدي، قال: ما من عبد يأتـيه ذو رحم له يسأله من فضل عنده فـيبخـل علـيه إلا أخرج له الذي بخـل به علـيه شجاعاً أقرع. وقال: وقرأ: «وَلا تَـحْسَبنَّ الَّذِينَ يَبْخَـلُونَ بِـمَا آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِـلُوا بِهِ يَوْمَ القِـيامَةِ»... إلـى آخر الآية.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، عن أبـي قزعة، عن رجل، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، قال:

ما مِنْ ذِي رَحِمٍ يَأْتِـيَ ذَا رَحِمِهِ فَـيَسألُهُ مِنْ فَضْلٍ جَعَلَهُ الله عِنْدَهُ فَـيَبْخَـلَ بِهِ عَلَـيْهِ إلاَّ أُخْرِجَ لَهُ مِنْ جَهَنَّـمَ شُجاعٌ يَتَلَـمَّظُ حتـى يُطَوَّقَهُ

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا أبو معاوية مـحمد بن خازم، قال: ثنا داود، عن أبـي قزعة حجر بن بـيان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما مِنْ ذِي رَحِمٍ يَأْتِـي ذَا رَحِمِهِ فَـيَسألَهُ مِنْ فَضْلٍ أعْطاهُ اللّهُ إيَّاهُ فَـيَبْخَـلَ بِهِ عَلَـيْهِ، إلاَّ أُخْرِجَ لَهُ يَوْمَ القِـيامَةِ شُجاعٌ مِنَ النَّارِ يَتَلَـمَّظُ حتـى يُطَوَّقَهُ ثم قرأ: «وَلا تَـحْسَبنَّ الَّذِينَ يَبْخَـلُونَ بِـمَا آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ» حتـى انتهى إلـى قوله: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ }.

حدثنـي زياد بن عبـيد الله الـمرّي، قال: ثنا مروان بن معاوية، وحدثنـي مـحمد بن عبد الله الكلابـي، قال: ثنا عبد الله بن بكر السهمي، وحدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا عبد الواحد بن واصل أبو عبـيدة الـحداد، واللفظ لـيعقوب جميعاً، عن بهز بن حكيـم بن معاوية بن حيدة، عن أبـيه، عن جده، قال: سمعت نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم يقول:

لا يَأْتِـي رَجُلٌ مَوْلاهُ فَـيَسألَهُ مِنْ فَضْل مالٍ عِنْدَهُ فَـيَـمْنَعُهُ إيَّاهُ إلاَّ دَعا لَهُ يَوْمَ القِـيامَةِ شُجاعاً يَتَلَـمَّظُ فَضْلَهُ الَّذِين مَنَعَ

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن أبـي وائل، عن عبد الله بن مسعود: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } قال: ثعبـان ينقر رأس أحدهم، يقول: أنا مالك الذي بخـلت به.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي إسحاق، قال: سمعت أبـا وائل يحدّث أنه سمع عبد الله، قال فـي هذه الآية: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } قال: شجاع يـلتوي برأس أحدهم.

حدثنـي ابن الـمثنى، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن شعبة، قال: ثنا خلاد بن أسلـم، قال أخبرنا النضر بن شميـل، قال: أخبرنا شعبة، عن أبـي إسحاق، عن أبـي وائل، عن عبد الله، بـمثله، إلا أنهما قالا: قال شجاع أسود.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن أبـي إسحاق، عن أبـي وائل، عن ابن مسعود، قال: يجيء ماله يوم القـيامة ثعبـاناً، فـينقر رأسه فـيقول: أنا مالك الذي بخـلت به، فـينطوي علـى عنقه.

حُدثت عن سفـيان بن عيـينة، قال: ثنا جامع بن شداد وعبد الـملك بن أعين، عن أبـي وائل، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما مِنْ أحَدٍ لا يُؤَدّي زَكاةَ مالِهِ إلاَّ مُثِّلَ لَهُ شُجاعٌ أقْرَعُ يُطَوّقُهُ ثم قرأ علـينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَلا تَـحْسَبنَّ الَّذِينَ يَبْخَـلونَ بِـما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ»... الآية.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنـي أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: أما {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ } فإنه يجعل ماله يوم القـيامة شجاعا أقرع يطوّقه، فـيأخذ بعنقه، فـيتبعه حتـى يقذفه فـي النار.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا خـلف بن خـلـيفة، عن أبـي هاشم، عن أبـي وائل، قال: هو الرجل الذي يرزقه الله مالاً، فـيـمنع قرابته الـحقّ الذي جعل الله لهم فـي ماله، فـيجعل حية فـيطوّقها، فـيقول: مالـي ولك؟ فـيقول: أنا مالك.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا إسرائيـل، عن حكيـم بن جبـير، عن سالـم بن أبـي الـجعد عن مسروق، قال: سألت ابن مسعود عن قوله: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } قال: يطوّقون شجاعاً أقرع، ينهش رأسه.

وقال آخرون: معنى ذلك: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } فـيجعل فـي أعناقهم طوقاً من نار. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } قال: طوقاً من النار.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيـم أنه قال فـي هذه الآية: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } قال: طوقاً من نار.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيـم، فـي قوله: {سَيُطَوَّقُونَ } قال: طوقاً من نار.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيـم: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } قال: طوق من نار.

وقال آخرون: معنى ذلك: سيحمل الذين كتـموا نُبُوَّةَ مـحمد صلى الله عليه وسلم من أحبـار الـيهود ما كتـموا من ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي عن أبـيه عن ابن عبـاس، قوله: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } ألـم تسمع أنه قال:

{ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ }[النساء: 37] يعنـي: أهل الكتاب، يقول: يكتـمون ويأمرون الناس بـالكتـمان.

وقال آخرون: معنى ذلك: سيكلفون يوم القـيامة أن يأتوا بـما بخـلوا به فـي الدنـيا من أموالهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } قال: سيكلفون أن يأتوا بـما بخـلوا به، إلـى قوله:

{ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ }[آل عمران: 184].

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {سَيُطَوَّقُونَ } سيكلفون أن يأتوا بـمثل ما بخـلوا به من أموالهم يوم القـيامة.

وأولـى الأقوال بتأويـل هذه الآية التأويـل الذي قلناه فـي ذلك فـي مبدإ قوله: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ } للأخبـار التـي ذكرنا فـي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحد أعلـم بـما عنى الله تبـارك وتعالـى بتنزيـله منه علـيه الصلاة والسلام.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: أنه الـحيّ الذي لا يـموت، والبـاقـي بعد فناء جميع خـلقه.

فإن قال قائل: فما معنى قوله: {لَهُ مِيرَاثُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } والـميراث الـمعروف: هو ما انتقل من ملك مالك إلـى وارثه بـموته ولله الدنـيا قبل فناء خـلقه وبعده؟ قـيـل: إن معنى ذلك ما وصفنا من وصفه نفسه بـالبقاء، وإعلام خـلقه أنه كتب علـيهم الفناء. وذلك أن ملك الـمالك إنـما يصير ميراثاً بعد وفـاته، فإنـما قال جلّ ثناؤه: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } إعلاماً بذلك منه عبـاده أن أملاك جميع خـلقه منتقلة عنهم بـموتهم، وأنه لاأحد إلا وهو فان سواء، فإنه الذي إذا هلك جميع خـلقه، فزالت أملاكهم عنهم لـم يبق أحد يكون له ما كانوا يـملكونه غيره.

وإنـما معنى الآية: لا تـحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم، بل هو شر لهم، سيطوقون ما بخـلوا به يوم القيامة، بعد ما يهلكون، وتزول عنهم أملاكهم في الحين الذي لا يملكون شيئاً، وصار لله ميراثه وميراث غيره من خلقه. ثم أخبر تعالـى ذكره أنه بما يعمل هؤلاء الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضل، وغيرهم من سائر خلقه، ذو خبرة وعلم، محيط بذلك كله، حتى يجازي كلاًّ منهم على قدر استحقاقه، المحسن بالإحسان، والمسيء علـى ما يرى تعالى ذكره.

لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا۟ وَقَتْلَهُمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ۝١٨١ ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۝١٨٢

ذكر أن هذه الآية وآيات بعدها نزلت في بعض اليهود، الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر الآثار بذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثنا محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أنه حدثه، عن ابن عباس، قال: دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه بيت الـمدارس، فوجد من يهود ناساً كثيراً قد اجتـمعوا إلـى رجل منهم يقال له فنحاص، كان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر يقال له: أشيع. فقال أبو بكر رضي الله عنه لفنحاص: ويحك يا فنـحاص، اتق الله وأسلـم! فوالله إنك لتعلـم أن مـحمداً رسول الله، قد جاءكم بـالـحق من عند الله، تـجدونه مكتوبـاً عندكم فـي التوراة والإنـجيـل! قال فنـحاص: والله يا أبـا بكر ما بنا إلـى الله من فقر، وإنه إلـينا لفقـير، وما نتضرع إلـيه كما يتضرع إلـينا، وإنا عنه لأغنـياء، ولو كان عنا غنـياً ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربـا ويعطيناه، ولو كان غنـياً عنا ما أعطانا الربـا. فغضب أبو بكر، فضرب وجه فنـحاص ضربة شديدة، وقال: والذي نفسي بـيده، لولا العهد الذي بـيننا وبـينك لضربت عنقك يا عدو الله، فأكذبونا ما استطعتـم إن كنتـم صادقـين! فذهب فنـحاص إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا مـحمد انظر ما صنع بـي صاحبك! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبـي بكر:

ما حَمَلَكَ علـى ما صَنَعْتَ؟ فقال: يا رسول الله إن عدو الله قال قولاً عظيـماً، زعم أن الله فقـير، وأنهم عنه أغنـياء، فلـما قال ذلك غضبت لله مـما قال، فضربت وجهه. فجحد ذلك فنـحاص، وقال: ما قلت ذلك. فأنزل الله تبـارك وتعالـى فـيـما قال فنـحاص ردّاً علـيه وتصديقاً لأبـي بكر: {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ ٱلْحْرِيقِ} وفـي قول أبـي بكر وما بلغه فـي ذلك من الغضب: { لَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ }[آل عمران: 186].

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد، مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة مولـى ابن عبـاس، قال: دخـل أبو بكر، فذكر نـحوه، غير أنه قال: وإنا عنه لأغنـياء، وما هو عنا بغنـيّ، ولو كان غنـياً؛ ثم ذكر سائر الـحديث نـحوه.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } قالها فنـحاص الـيهودي من بنـي مرثد، لقـيه أبو بكر فكلـمه، فقال له: يا فنـحاص، اتق الله وآمن وصدق، وأقرض الله قرضاً حسناً! فقال فنـحاص: يا أبـا بكر، تزعم أن ربنا فقـير، يستقرضنا أموالنا، وما يستقرض إلا الفقـير من الغنـي، إن كان ما تقول حقاً، فإن الله إذاً لفقـير. فأنزل الله عزّ وجلّ هذا، فقال أبو بكر: فلولا هدنة كانت بـين النبـيّ صلى الله عليه وسلم وبـين بنـي مرثد لقتلته.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: صكّ أبو بكر رجلاً منهم الذين قالوا: إن الله فقـير ونـحن أغنـياء لـمَ يستقرضنا وهو غنـيّ وهم يهود.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، قال الذين قالوا: إن الله فقـير ونـحن أغنـياء، لـم يستقرضنا وهو غنـيّ؟ قال شبل: بلغنـي أنه فنـحاص الـيهودي، وهو الذي قال: إن الله ثالث ثلاثة، ويد الله مغلولة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنـي يحيـى بن واضح، قال: حدثت عن عطاء، عن الـحسن، قال: لـما نزلت: {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } قالت الـيهود: إن ربكم يستقرض منكمٰ فأنزل الله: {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء }.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن الـحسن البصري، قال: لـما نزلت:

{ مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا }[البقرة: 245] قال: عجبت الـيهود فقالت: إن الله فقـير يستقرض، فنزلت: {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ }.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ } ذكر لنا أنها نزلت فـي حيـي بن أخطب لـما أنزل الله:

{ مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً }[البقرة: 245] قال: يستقرضنا ربنا، إنـما يستقرض الفقـير الغنـيّ.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبر نا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: لـما نزلت:

{ مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا }[البقرة: 245] قالت الـيهود: إنـما يستقرض الفقـير من الغنـيّ، قال: فأنزل الله: {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ }.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول فـي قوله: {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ } قال: هؤلاء الـيهود.

فتأويـل الآية إذاً: لقد سمع الله قول الذين قالوا من الـيهود: إن الله فقـير إلـينا ونـحن أغنـياء عنه، سنكتب ما قالوا من الإفك والفرية علـى ربهم وقتلهم أنبـياءهم بغير حقّ.

واختلفت القراء فـي قراءة قوله: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ } فقرأ ذلك قراء الـحجاز وعامة قراء العراق: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ } بـالنون، {وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ } بنصب القتل. وقرأ ذلك بعض قراء الكوفـيـين: «سَيُكْتَبُ ما قالُوا وَقَتْلُهُمُ الأنْبِـيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ» بـالـياء من سيكتب، وبضمها ورفع القتل علـى مذهب ما لـم يسمّ فـاعله، اعتبـاراً بقراءة يذكر أنها من قراءة عبد الله فـي قوله: «ونقول ذوقوا»، يذكر أنها فـي قراءة عبد الله: «ويقال»؛ فأغفل قارىء ذلك وجه الصواب فـيـما قصد إلـيه من تأويـل القراءة التـي تنسب إلـى عبد الله، وخالف الـحجة من قراء الإسلام. وذلك أن الذي ينبغي لـمن قرأ: «سيُكْتَبُ ما قالوا وَقَتْلُهُمُ الأنْبِـياء» علـى وجه ما لـم يسمّ فـاعله، أن يقرأ: ويقال، لأن قوله: «ونقول» عطف علـى قوله: «سنكتب».

فـالصواب من القراءة أن يوفق بـينهما فـي الـمعنى بأن يقرأ جميعاً علـى مذهب ما لـم يسمّ فـاعله، أو علـى مذهب ما يسمى فـاعله، فأما أن يقرأ أحدهما علـى مذهب ما لـم يسمّ فـاعله، والآخر علـى وجه ما قد سمي فـاعله من غير معنى ألـجأه علـى ذلك، فـاختـيار خارج عن الفصيح من كلام العرب.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا: {سَنَكْتُبُ } بـالنون {وَقَتْلِهِمُ } بـالنصب لقوله: «ونقول»، ولو كانت القراءة فـي «سَيُكْتَبُ» بـالـياء وضمها، لقـيـل: «ويقال»، علـى ما قد بـينا.

فإن قال قائل: كيف قـيـل: {وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ } وقد ذكرت الآثار التـي رويت، أن الذين عنوا بقوله: {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ } بعض الـيهود الذين كانوا علـى عهد نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم، ولـم يكن من أولئك أحد قتل نبـياً من الأنبـياء، لأنهم لـم يدركوا نبـياً من أنبـياء الله فـيقتلوه؟ قـيـل: إن معنى ذلك علـى غير الوجه الذي ذهبت إلـيه، وإنـما قـيـل ذلك كذلك لأن الذين عنى الله تبـارك وتعالـى بهذه الآية كانوا راضين بـما فعل أوائلهم من قتل من قتلوا من الأنبـياء، وكانوا منهم، وعلـى منهاجهم، من استـحلال ذلك واستـجازته. فأضاف جلّ ثناؤه فعل ما فعله من كانوا علـى منهاجه وطريقته إلـى جميعهم، إذ كانوا أهل ملة واحدة، ونـحلة واحدة، وبـالرضا من جميعهم فعل ما فعل فـاعل ذلك منهم علـى ما بـينا من نظائره فـيـما مضى قبل.

القول فـي تأويـل قوله: {وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ }.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: ونقول للقائلـين بأن الله فقـير ونـحن أغنـياء، القاتلـين أنبـياء الله بغير حقّ يوم القـيامة: ذوقوا عذاب الـحريق، يعنـي بذلك: عذاب نار مـحرقة ملتهبة، والنار اسم جامع للـملتهبة منها وغير الـملتهبة، وإنـما الـحريق صفة لها، يراد أنها مـحرقة، كما قـيـل: «عَذَاب ألِـيـمٌ» يعنـي: مؤلـم، و«وجيع» يعنـي: موجع.

وأما قوله: {ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ }: أي قولنا لهم يوم القـيامة: ذوقوا عذاب الـحريق بـما أسلفت أيديكم، واكتسبتها أيام حياتكم فـي الدنـيا، وبأن الله عدل لا يجور، فـيعاقب عبداً له بغير استـحقاق منه العقوبة، ولكنه يجازي كلّ نفس بـما كسبت، ويوفـي كل عامل جزاء ما عمل، فجازى الذين قال لهم يوم القـيامة من الـيهود الذين وصف صفتهم، فأخبر عنهم أنهم قالوا: إن الله فقـير ونـحن أغنـياء، وقتلوا الأنبـياء بغير حقّ، بـما جازاهم به من عذاب الـحريق، بـما اكتسبوا من الآثام، واجترحوا من السيئات، وكذبوا علـى الله بعد الإعذار إلـيهم بـالإنذار، فلـم يكن تعالـى ذكره بـما عاقبهم به من إذاقتهم عذاب الـحريق ظالـماً ولا واضعاً عقوبته فـي غير أهلها، وكذلك هو جلّ ثناؤه غير ظلام أحداً من خـلقه، ولكنه العادل بـينهم، والـمتفضل علـى جميعهم بـما أحبّ من فواضله ونعمه.

ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝١٨٣

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: لَقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللّهَ عَهِدَ إلَـيْنا أنْ لا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ. وقوله: {ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ } فـي موضع خفص ردّاً علـى قوله:

{ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ }[آل عمران: 181] ويعنـي بقوله: {قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَن لا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ } أوصانا وتقدّم إلـينا فـي كتبه وعلـى ألسن أنبـيائه، أن لا نؤمن لرسول. يقول: أن لا نصدّق رسولاً فـيـما يقول إنه جاء به من عند الله، من أمر ونهي وغير ذلك {حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ } يقول: حتـى يجيئنا بقربـان، وهو ما تقرّب به العبد إلـى ربه من صدقة، وهو مصدر مثل العدوان والـخسران من قولك: قرّبت قربـاناً. وإنـما قال: «تأكله النار»، لأن أكل النار ما قرّبه أحدهم لله فـي ذلك الزمان كان دلـيلاً علـى قبول الله منه ما قرّب له، ودلالة علـى صدق الـمقرب فـيـما ادّعى أنه مـحقّ فـيـما نازع أو قال. كما:

حدثنا مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ } كان الرجل يتصدّق، فإذا تقبل منه أنزلت علـيه نار من السماء فأكلته.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ } كان الرجل إذا تصدق بصدقة، فتقبلت منه بعث الله ناراً من السماء، فنزلت علـى القربـان فأكلته.

فقال الله تعالـى لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: {أَن لا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيّنَـٰتِ } يعنـي: بـالـحجج الدالة علـى صدق نبوتهم وحقـيقة قولهم؛ {وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ } يعنـي: وبـالذي ادّعيتـم أنه إذا جاء به لزمكم تصديقه، والإقرار بنبوّته من أكل النار قربـانه إذا قرّب لله دلالة علـى صدقه؛ {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } يقول له: قل لهم: قد جاءتكم الرسل الذين كانوا من قبلـي بـالذي زعمتـم أنه حجة لهم علـيكم، فقتلتـموهم، فلـم قتلتـموهم وأنتـم مقرّون بأن الذي جاءوكم به من ذلك كان حجة لهم علـيكم إن كنتـم صادقـين فـي أن الله عهد إلـيكم أن تؤمنوا بـمن أتاكم من رسله بقربـان تأكله النار حجة له علـى نبوته؟

وإنـما أعلـم الله عبـاده بهذه الآية، أن الذين وصف صفتهم من الـيهود الذين كانوا علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لن يفرّوا، أن يكونوا فـي كذبهم علـى الله، وافترائهم علـى ربهم، وتكذيبهم مـحمداً صلى الله عليه وسلم وهم يعلـمونه صادقاً مـحقاً، وجحودهم نبوّته، وهم يجدونه مكتوبـاً عندهم فـي عهد الله تعالـى إلـيهم أنه رسوله إلـى خـلقه، مفروضة طاعته إلا كمن مضى من أسلافهم الذين كانوا يقتلون أنبـياء الله بعد قطع الله عذرهم بـالـحجج التـي أيدهم الله بها، والأدلة التـي أبـان صدقهم بها، افتراءً علـى الله، واستـخفـافـاً بحقوقه.

الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026 9 جمادى الأولى 1448 هـ