انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير الطبريالآيات 53–64

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة آل عمران

الخلاصة من تفسير الطبري · 11 مقطعًا · 3:01:26

  1. 1 الآيات 52–74في هذه الصفحة 17:02

التفسير الصوتي لسورة آل عمران كاملًا (11 مقطعًا)

رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلْتَ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ۝٥٣

وهذا خبر من الله عزّ وجلّ عن الـحواريـين أنهم قالوا: {رَبَّنَا ءامَنَّا } أي صدّقنا {بِمَا أَنزَلْتُ } يعنـي: بـما أنزلت علـى نبـيك عيسى من كتابك {وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ } يعنـي بذلك: صرنا أتبـاع عيسى علـى دينك الذي ابتعثته به وأعوانه، علـى الـحقّ الذي أرسلته به إلـى عبـادك. وقوله: {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } يقول: فأثبت أسماءنا مع أسماء الذين شهدوا بـالـحقّ، وأقرّوا لك بـالتوحيد، وصدّقوا رسلك، واتبعوا أمرك ونهيك، فـاجعلنا فـي عدادهم ومعهم فـيـما تكرمهم به من كرامتك، وأحلنا مـحلهم، ولا تـجعلنا مـمن كفر بك، وصدّ عن سبـيـلك، وخالف أمرك ونهيك، يعرّف خـلقه جل ثناؤه بذلك سبـيـل الذين رضي أقوالهم وأفعالهم، لـيحتذوا طريقهم، ويتبعوا منهاجهم، فـيصلوا إلـى مثل الذي وصلوا إلـيه من درجات كرامته، ويكذّب بذلك الذين انتـحلوا من الـملل غير الـحنـيفـية الـمسلـمة فـي دعواهم علـى أنبـياء الله أنهم كانوا علـى غيرها، ويحتـجّ به علـى الوفد الذين حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نـجران بأنه قـيـل من رضي الله عنه من أتبـاع عيسى كان خلاف قـيـلهم، ومنهاجهم غير منهاجهم. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {رَبَّنَا ءامَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } أي هكذا كان قولهم وإيـمانهم.

وَمَكَرُوا۟ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَٰكِرِينَ ۝٥٤

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: ومكر الذين كفروا من بنـي إسرائيـل، وهم الذين ذكر الله أن عيسى أحسّ منهم الكفر، وكان مكرهم الذي وصفهم الله به، مواطأة بعضهم بعضاً علـى الفتك بعيسى وقتله، وذلك أن عيسى صلوات الله علـيه بعد إخراج قومه إياه وأمه من بـين أظهرهم عاد إلـيهم، فـيـما:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: ثم إن عيسى سار بهم: يعنـي بـالـحواريـين الذين كانوا يصطادون السمك، فآمنوا به واتبعوه إذ دعاهم حتـى أتـى بنـي إسرائيـل لـيلاً فصاح فـيهم، فذلك قوله:

{ فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ }[الصف: 14]... الآية.

وأما مكر الله بهم فإنه فـيـما ذكر السديّ: إلقاؤه شبه عيسى علـى بعض أتبـاعه، حتـى قتله الـماكرون بعيسى، وهم يحسبونه عيسى، وقد رفع الله عزّ وجلّ عيسى قبل ذلك. كما:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: ثم إن بنـي إسرائيـل حصروا عيسى وتسعة عشر رجلاً من الـحواريـين فـي بـيت، فقال عيسى لأصحابه: من يأخذ صورتـي فـيقتل وله الـجنة، فأخذها رجل منهم، وصُعِد بعيسى إلـى السماء، فذلك قوله: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ }. فلـما خرج الـحواريون أبصروهم تسعة عشر، فأخبروهم أن عيسى قد صعد به إلـى السماء، فجعلوا يعدّون القوم فـيجدونهم ينقصون رجلاً من العدّة، ويرون صورة عيسى فـيهم فشكُّوا فـيه، وعلـى ذلك قتلوا الرجل وهم يرون أنه عيسى، وصلبوه، فذلك قول الله عزّ وجلّ

{ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبّهَ لَهُمْ } [النساء: 157].

وقد يحتـمل أن يكون معنى مكر الله بهم استدراجه إياهم لـيبلغ الكتاب أجله، كما قد بـينا ذلك فـي قول الله:

{ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىء بِهِمْ }[البقرة: 15].

إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ۝٥٥

يعنـي بذلك جل ثناؤه: ومكر الله بـالقوم الذين حاولوا قتل عيسى مع كفرهم بـالله، وتكذيبهم عيسى فـيـما أتاهم به من عند ربهم، إذ قال الله جل ثناؤه: {إِنّي مُتَوَفّيكَ } فـ«إذْ» صلة من قوله: {وَمَكَرَ ٱللَّهُ } يعنـي: ومكر الله بهم حين قال الله لعيسى: {إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } فتوفـاه ورفعه إلـيه.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي معنى الوفـاة التـي ذكرها الله عزّ وجلّ فـي هذه الآية، فقال بعضهم: هي وفـاة نوم، وكان معنى الكلام علـى مذهبهم: إنـي مُنِـيـمُك، ورافعك فـي نومك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله: {إِنّي مُتَوَفِّيكَ } قال: يعني وفـاة الـمنام: رفعه الله فـي منامه. قال الـحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للـيهود:

إِنَّ عِيسَى لَـمْ يَـمُتْ، وَإِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَـيْكُمْ قَبْلَ يَوْمِ القِـيامَةِ

وقال آخرون: معنى ذلك: إنـي قابضك من الأرض، فرافعك إلـيّ، قالوا: ومعنى الوفـاة: القبض، لما يقال: توفـيت من فلان ما لـي علـيه، بـمعنى: قبضته واستوفـيته. قالوا: فمعنى قوله: {إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ }: أي قابضك من الأرض حياً إلـى جواري، وآخذك إلـى ما عندي بغير موت، ورافعك من بـين الـمشركين وأهل الكفر بك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا علـيّ بن سهل، قال: ثنا ضمرة بن ربـيعة، عن ابن شوذب، عن مطر الورّاق فـي قول الله: {إِنّي مُتَوَفّيكَ } قال: متوفـيك من الدنـيا، ولـيس بوفـاة موت.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الـحسن فـي قوله: {إِنّي مُتَوَفّيكَ } قال: متوفـيك من الأرض.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {إِنّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } قال: فرفعه إياه إلـيه، توفـيه إياه، وتطهيره من الذين كفروا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح أن كعب الأحبـار، قال: ما كان الله عزّ وجلّ لـيـميت عيسى ابن مريـم، إنـما بعثه الله داعياً ومبشراً يدعو إلـيه وحده، فلـما رأى عيسى قلة من اتبعه وكثرة من كذّبه، شكا ذلك إلـى الله عزّ وجلّ، فأوحى الله إلـيه: {إِنّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } ولـيس من رفعته عندي ميتاً، وإنـي سأبعثك علـى الأعور الدجال، فتقتله، ثم تعيش بعد ذلك أربعاً وعشرين سنة، ثم أميتك ميتة الـحيّ. قال كعب الأحبـار: وذلك يصدّق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال:

كيفَ تَهلِكُ أمةٌ أنَا فِـي أوَّلهَا، وَعِيسَى فِـي آخِرِهَا؟

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: يا عيسى إنـي متوفـيك: أي قابضك.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {إِنّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } قال: متوفـيك: قابضك، قال: ومتوفـيك ورافعك واحد. قال: ولـم يـمت بعد حتـى يقتلَ الدجال، وسيـموت، وقرأ قول الله عزّ وجلّ: {وَيُكَلّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً } قال: رفعه الله إلـيه قبل أن يكون كهلاً، قال: وينزل كهلاً.

حدثنا مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، عن عبـاد، عن الـحسن فـي قول الله عزّ وجلّ: {ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ }... الآية كلها، قال: رفعه الله إلـيه، فهو عنده فـي السماء.

وقال آخرون: معنى ذلك: إنـي متوفـيك وفـاة موت. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {إِنّي مُتَوَفِّيكَ } يقول: إنـي مـميتك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه الـيـمانـي أنه قال: توفـى الله عيسى ابن مريـم ثلاث ساعات من النهار حتـى رفعه إلـيه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: والنصارى يزعمون أنه توفـاه سبع ساعات من النهار، ثم أحياه الله.

وقال آخرون: معنى ذلك: إذ قال الله يا عيسى، إنـي رافعك إلـيّ، ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفـيك بعد إنزالـي إياك إلـى الدنـيا. وقال: هذا من الـمقدّم الذي معناه التأخير، والـمؤخر الذي معناه التقديـم.

قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بـالصحة عندنا قول من قال: معنى ذلك: إنـي قابضك من الأرض ورافعك إلـيّ، لتواتر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَـمَ فَـيَقْتُلُ الدَّجَّالَ ثُمَّ يَـمْكُثُ فِـي الأرْض مُدَّةً ذَكَرَها اختلفت الرواية فـي مبلغها، ثم يـموت، فـيصلـي علـيه الـمسلـمون ويدفنونه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن مسلـم الزهري، عن حنظلة بن علـيّ الأسلـميّ، عن أبـي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

لَـيُهْبِطنَّ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَـمَ حَكَما عَدْلاً وَإِمَاما مُقْسِطا، يَكْسِرُ الصَّلِـيبَ، وَيَقْتُلُ الـخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الـجِزْيَةَ، وَيُفِـيضُ الـمالُ حتـى لا يَجِدَ مَنْ يَأْخُذُهُ، وَلَـيُسْلَكَنَّ الرَّوْحَاءَ حاجّاً أَوْ مُعْتَـمِرا، أَوْ يَدِينُ بِهِمَا جَمِيعا

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن الـحسن بن دينار، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الأنْبِـيَاءُ إخْوَةٌ لعَلاَّتٍ، أمَّهاتُهُمْ شَتَّـى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَأنا أَوْلَـى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَـمَ، لأنَّهُ لَـمْ يَكُنْ بَـيْنِـي وَبَـيْنَهُ نَبِـيٌّ، وَإِنَّهُ خَـلِـيفَتِـي علـى أُمَّتِـي، وإِنَّهُ نَازِلٌ فَـإِذَا رَأيْتُـمُوهُ فَـاعْرِفُوهُ، فَـإِنَّهُ رَجُلٌ مَرْبُوعُ الـخـلْقِ إلـى الـحُمْرَةِ وَالبَـيَاضِ سَبْطُ الشَّعْرِ كأنَّ شَعْرَهُ يَقْطُرُ، وَإِنْ لَـمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ بَـيْنَ مُـمَصَّرَتَـيْنِ، يَدُقُّ الصَّلِـيبَ، وَيَقْتُلُ الـخِنْزِيرَ، وَيُفِـيضُ الـمَالُ، وَيُقَاتِلُ النَّاسَ علـى الإسْلاَمِ حتـى يُهْلِكَ اللَّهُ فِـي زَمَانِهِ الـمِلَلَ كُلَّها، وَيُهْلِكَ اللَّهُ فِـي زَمَانِهِ مَسِيح الضَّلاَلَةِ الكَذَّابَ الدَّجَّالَ وَتَقَعُ فِـي الأرْضِ الأمَنَةُ حتـى تَرْتَعَ الأسُودُ مَعَ الإبِلِ، وَالنَّـمْرُ مَعَ البَقَرِ، وَالذّئابُ مَعَ الغَنَـمِ، وَتَلْعَبُ الغِلْـمَانُ بـالـحَيَّاتِ، لاَ يَضُرُّ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، فَـيَثْبُتُ فِـي الأَرْضِ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفَّـى وَيُصَلِّـي الـمُسْلِـمُونَ عَلَـيْهِ وَيَدْفِنُونَهُ

قال أبو جعفر: ومعلوم أنه لو كان قد أماته الله عزّ وجلّ لـم يكن بـالذي يـميته ميتة أخرى، فـيجمع علـيه ميتتـين، لأن الله عزّ وجلّ إنـما أخبر عبـاده أنه يخـلقهم ثم يـميتهم، ثم يحيـيهم، كما قال جل ثناؤه؛

{ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُمْ مِّن شَيْءٍ }[الروم: 40].

فتأويـل الآية إذاً: قال الله لعيسى: يا عيسى إنـي قابضك من الأرض ورافعك إلـيّ، ومطهرك من الذين كفروا، فجحدوا نبوتك. وهذا الـخبر وإن كان مخرجه مخرج خبر، فإن فـيه من الله عز وجل احتـجاجاً علـى الذين حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي عيسى من وفد نـجران، بأن عيسى لـم يقتل ولـم يصلب كما زعموا، وأنهم والـيهود الذين أقروا بذلك وادعوا علـى عيسى كَذَبةٌ فـي دعواهم وزعمهم. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير ثم أخبرهم ـ يعنـي الوفد من نـجران ـ وردّ علـيهم فـيـما أخبروا هم والـيهود بصلبه، كيف رفعه وطهره منهم، فقال: {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ }.

وأما مطهرك من الذين كفروا، فإنه يعنـي منظّفك، فمخـلِّصك مـمن كفر بك وجحد ما جئتهم به من الـحق من الـيهود وسائر الـملل غيرها. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } قال: إذ همّوا منك بـما همّوا.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، عن عبـاد، عن الـحسن، فـي قوله: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } قال: طهره من الـيهود والنصارى والـمـجوس، ومن كفـار قومه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ }.

(يعنـي بذلك جل ثناؤه: وجاعل الذين اتبعوك علـى منهاجك وملتك من الإسلام وفطرته فوق الذين جحدوا نبوتك، وخالفوا بسبـيـلهم جميع أهل الـملل، فكذبوا بـما جئت به، وصدوا عن الإقرار به، فمصيرهم فوقهم ظاهرين علـيهم. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة فـي قوله: {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } هم أهل الإسلام الذين اتبعوه علـى فطرته وملته وسنته فلا يزالون ظاهرين علـى من ناوأهم إلـى يوم القـيامة.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله: {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } ثم ذكر نـحوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } ثم ذكر نـحوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } قال: ناصر من اتبعك علـى الإسلام علـى الذين كفروا إلـى يوم القـيامة.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أما الذين اتبعوك، فـيقال: هم الـمؤمنون ولـيس هم الروم.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـيّ، عن عبـاد، عن الـحسن: {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } قال: جعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلـى يوم القـيامة، قال: الـمسلـمون من فوقهم، وجعلهم أعلـى مـمن ترك الإسلام إلـى يوم القـيامة.

وقال آخرون: ومعنى ذلك: وجاعل الذين اتبعوك من النصارى فوق الـيهود. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قول الله: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } قال: الذين كفروا من بنـي إسرائيـل. {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ } قال: الذين آمنوا به من بنـي إسرائيـل وغيرهم، {فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } النصارى فوق الـيهود إلـى يوم القـيامة، قال: فلـيس بلد فـيه أحد من النصارى إلا وهم فوق يهود فـي شرق ولا غرب، هم فـي البلدان كلها مستذلّون.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }.

يعنـي بذلك جل ثناؤه: {ثُمَّ إِلىَّ } ثم إلـى الله أيها الـمختلفون فـي عيسى، {مَرْجِعُكُمْ } يعنـي مصيركم يوم القـيامة، {فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } يقول: فأقضي حينئذٍ بـين جميعكم فـي أمر عيسى بـالـحق فـيـما كنتـم فـيه تـختلفون من أمره. وهذا من الكلام الذي صرف من الـخبر عن الغائب إلـى الـمخاطبة، وذلك أن قوله: {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } إنـما قصد به الـخبر عن متبعي عيسى والكافرين به.

وتأويـل الكلام: وجاعلُ الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلـى يوم القـيامة، ثم إلـيّ مرجع الفريقـين: الذين اتبعوك، والذين كفروا بك، فأحكم بـينهم فـيـما كانوا فـيه يختلفون. ولكن ردّ الكلام إلـى الـخطاب لسَبُوقِ القول علـى سبـيـل ما ذكرنا من الكلام الذي يخرج عل وجه الـحكاية، كما قال:

{ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ }[يونس: 22].

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ۝٥٦ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٥٧

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }: فأما الذين جحدوا نبوّتك يا عيسى، وخالفوا ملتك، وكذّبوا بـما جئتهم به من الـحقّ، وقالوا فـيك البـاطل، وأضافوك إلـى غير الذي ينبغي أن يضيفوك إلـيه من الـيهود والنصارى، وسائر أصناف الأديان؛ فإنـي أعذّبهم عذابـاً شديداً؛ أما فـي الدنـيا فبـالقتل والسبـاء والذلة والـمسكنة؛ وأما فـي الآخرة، فبنار جهنـم خالدين فـيها أبداً. {وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ } يقول: وما لهم من عذاب الله مانع، ولا عن ألـيـم عقابه لهم دافع بقوّة ولا شفـاعة، لأنه العزيز ذو الانتقام.

وأما قوله: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُوا وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } فإنه يعنـي تعالـى ذكره: وأما الذين آمنوا بك يا عيسى، يقول: صدّقوك فأقرّوا بنبوّتك، وبـما جئتهم به من الـحقّ من عندي، ودانوا بـالإسلام الذي بعثتك به، وعملوا بـما فرضت من فرائضي علـى لسانك، وشرعت من شرائعي، وسننت من سننـي. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } يقول: أدوا فرائضي، فـيوفـيهم أجورهم، يقول: فـيعطيهم جزاء أعمالهم الصالـحة كاملاً لا يبخسون منه شيئاً ولا ينقصونه.

وأما قوله: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ } فإنه يعني: والله لا يحبّ من ظلـم غيره حقاً له، أو وضع شيئاً فـي غير موضعه. فنفـى جلّ ثناؤه عن نفسه بذلك أن يظلـم عبـاده، فـيجازي الـمسيء مـمن كفر جزاء الـمـحسنـين مـمن آمن به، أو يجازي الـمـحسن مـمن آمن به واتبع أمره وانتهى عما نهاه عنه فأطاعه، جزاء الـمسيئين مـمن كفر به وكذّب رسله وخالف أمره ونهيه، فقال: إنـي لا أحبّ الظالـمين، فكيف أظلـم خـلقـي.

وهذا القول من الله تعالـى ذكره، وإن كان خرج مخرج الـخبر، كأنه وعيد منه للكافرين به وبرسله، ووعد منه للـمؤمنـين به وبرسله، لأنه أعلـم الفريقـين جميعاً أنه لا يبخس هذا الـمؤمن حقه، ولا يظلـم كرامته، فـيضعها فـيـمن كفر به، وخالف أمره ونهيه، فـيكون لها بوضعها فـي غير أهلها ظالـماً.

ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ ٱلْـَٔايَٰتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ ۝٥٨

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: ذلك هذه الأنبـاء التـي أنبأ بها نبـيه عن عيسى وأمه مريـم، وأمها حنة، وزكريا وابنه يحيـى، وما قصّ من أمر الـحواريـين، والـيهود من بنـي إسرائيـل؛ نتلوها علـيك يا مـحمد، يقول: نقرؤها علـيك يا مـحمد، علـى لسان جبريـل صلى الله عليه وسلم، بوحينا إياها إلـيك {مِنَ ٱلآيَـٰتِ } يقول: من العبر والـحجج، علـى من حاجك من وفد نصارى نـجران ويهود بنـي إسرائيـل، الذين كذّبوك، وكذّبوا ما جئتهم به من الـحقّ من عندي. {وَٱلذِّكْرِ } يعنـي: والقرآن {ٱلْحَكِيم } يعنـي: ذي الـحكمة الفـاصلة بـين الـحقّ والبـاطل، وبـينك وبـين ناسبـي الـمسيح إلـى غير نسبه. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَـٰتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ } القاطع الفـاصل الـحقّ، الذي لـم يخـلطه البـاطل من الـخبر عن عيسى، وعما اختلفوا فـيه من أمره، فلا تقبلن خبراً غيره.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَـٰتِ وَٱلذّكْرِ ٱلْحَكِيمِ } قال: القرآن.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ، عن ابن عبـاس قوله: {وَٱلذّكْرِ } يقول: القرآن الـحكيـم الذي قد كمل فـي حكمته.

إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ۝٥٩

يعنـي جل ثناؤه: إن شبه عيسى فـي خـلقـي إياه من غير فحل ـ فأخبرْ به يا مـحمد الوفد من نصارى نـجران ـ عندي كشبه آدم الذي خـلقته من تراب، ثم قلت له كن فكان، من غير فحل، ولا ذكر، ولا أنثى. يقول: فلـيس خـلقـي عيسى من أمه من غير فحل، بأعجب من خـلقـي آدم من غير ذكر ولا أنثى، فكان لـحماً، يقول: وأمري إذ أمرته أن يكون فكان، فكذلك خـلقـي عيسى أمرته أن يكون فكان.

وذكر أهل التأويـل أن الله عزّ وجلّ أنزل هذه الآية احتـجاجاً لنبـيه صلى الله عليه وسلم علـى الوفد من نصارى نـجران الذين حاجوه فـي عيسى. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن عامر، قال: كان أهل نـجران أعظم قوم من النصارى فـي عيسى قولاً، فكانوا يجادلون النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية فـي سورة آل عمران: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } إلـى قوله:

{ فَنَجْعَلْ لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ } [آل عمران: 61].

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }، وذلك أن رهطاً من أهل نـجران قدموا علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم، وكان فـيهم السيد والعاقب، فقالوا لـمـحمد: ما شأنك تذكر صاحبنا؟ فقال:

«مَنْ هُوَ؟» قالوا: عيسى، تزعم أنه عبد الله، فقال مـحمد: «أجَلْ إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ». قالوا له: فهل رأيت مثل عيسى، أو أنبئت به؟ ثم خرجوا من عنده، فجاءه جبريـل صلى الله عليه وسلم بأمر ربنا السميع العلـيـم، فقال: قل لهم إذا أتوك: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ }... إلـى آخر الآية.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }: ذكر لنا أن سيدي أهل نـجران وأسقـفـيهم، السيد والعاقب، لقـيا نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، فسألاه عن عيسى؟ فقالا: كل آدميّ له أب فما شأن عيسى لا أب له؟ فأنزل الله عزّ وجلّ فـيه هذه الآية: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } لـما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع به أهل نـجران، أتاه منهم أربعة نفر من خيارهم، منهم: العاقب، والسيد، وماسرجس، وماريحز، فسألوه ما يقول فـي عيسى؟ فقال:

هو عبد الله وروحه وكلـمته، قالوا هم: لا، ولكنه هو الله، نزل من ملكه، فدخـل فـي جوف مريـم، ثم خرج منها فأرانا قدرته وأمره، فهل رأيت قط إنساناً خـلق من غير أب؟ فأنزل الله عزّ وجلّ: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريح، عن عكرمة، قوله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }. قال: نزلت فـي العاقب والسيد من أهل نـجران، وهما نصرانـيان. قال ابن جريج: بلغنا أن نصارى أهل نـجران قدم وفدهم علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فـيهم السيد والعاقب، وهما يومئذٍ سيدا أهل نـجران، فقالوا: يا مـحمد فـيـم تشتـم صاحبنا؟ قال:

مَنْ صَاحِبُكُما؟ قالا: عيسى ابن مريـم، تزعم أنه عبد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجَلْ إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَكَلِـمَتُهُ ألْقاهَا إِلـى مَرْيَـمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، فغضبوا وقالوا: إن كنت صادقاً، فأرنا عبداً يحيـي الـموتـى، ويبرىء الأكمه، ويخـلق من الطين كهيئة الطير، فـينفخ فـيه، الآية... لكنه الله! فسكت حتـى أتاه جبريـل، فقال: يا مـحمد { لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ }[المائدة: 17]... الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جِبْرِيـلُ إِنَّهُمْ سألُونِـي أنْ أُخْبِرَهُمْ بِـمَثَلِ عِيسَى. قال جبريـل: مثل عيسى كمثل آدم خـلقه من تراب ثم قال له كن فـيكون. فلـما أصبحوا عادوا، فقرأ علـيهم الآيات.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ } فـاسمع! {كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ فَلاَ تَكُنْ مّن ٱلْمُمْتَرِينَ }. فإن قالوا: خـلق عيسى من غير ذكر، فقد خـلقت آدم من تراب بتلك القدرة، من غير أنثى ولا ذكر فكان كما كان عيسى لـحماً ودماً وشعراً وبشراً، فلـيس خـلق عيسى من غير ذكر بأعجب من هذا.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قول الله عزّ وجلّ {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } قال: أتـى نـجرانـيان إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا له: هل علـمت أن أحداً ولد من غير ذكر فـيكون عيسى كذلك؟ قال: فأنزل الله عزّ وجلّ: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } أكان لآدم أب أو أم، كما خـلقت هذا فـي بطن هذه؟

فإن قال قائل: فكيف قال: «كمثل آدم خـلقه»، وآدم معرفة، والـمعارف لا توصل؟ قـيـل: إن قوله: {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } غير صلة لآدم، وإنـما هو بـيان عن أمره علـى وجه التفسير عن الـمثل الذي ضربه وكيف كان.

وأما قوله: {ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فإنـما قال: «فـيكون»، وقد ابتدأ الـخبر عن خـلق آدم، وذلك خبر عن أمر قد تقضى، وقد أخرج الـخبر عنه مخرج الـخبر عما قد مضى، فقال جل ثناؤه: {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن }، لأنه بـمعنى الإعلام من الله نبـيه أن تكوينه الأشياء بقوله: {كُنَّ }، ثم قال: «فـيكون» خبراً مبتدأ، وقد تناهى الـخبر عن أمر آدم عند قوله: «كن».

فتأويـل الكلام إذاً: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم، خـلقه من تراب، ثم قال له كن؛ واعلـم يا مـحمد أن ما قال له ربك: كن، فهو كائن. فلـما كان فـي قوله: {كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن } دلالة علـى أن الكلام يراد به إعلام نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم وسائر خـلقه أنه كائن ما كوّنه ابتداء من غير أصل ولا أول ولا عنصر، استغنى بدلالة الكلام علـى الـمعنى، وقـيـل: فـيكون، فعطف بـالـمستقبل علـى الـماضي علـى ذلك الـمعنى. وقد قال بعض أهل العربـية: فـيكون رفع علـى الابتداء ومعناه: كن فكان، فكأنه قال: فإذا هو كائن.

ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ۝٦٠

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: الذي أنبأتك به من خبر عيسى، وأن مثله كمثل آدم خـلقه من تراب. ثم قال له ربه: كن هو الـحقّ من ربك، يقول: هو الـخبر الذي هو من عند ربك؛ {فَلاَ تَكُنْ مّن ٱلْمُمْتَرِينَ } يعنـي: فلا تكن من الشاكين فـي أن ذلك كذلك. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مّن ٱلْمُمْتَرِينَ } يعنـي فلا تكن فـي شكّ من عيسى أنه كمثل آدم عبد الله ورسوله، وكلـمة الله وروحه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قوله: {ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ فَلاَ تَكُنْ مّن ٱلْمُمْتَرِينَ } يقول: فلا تكن فـي شكّ مـما قصصنا علـيك أن عيسى عبد الله ورسوله وكلـمة منه وروح، وأن مثله عند الله كمثل آدم خـلقه من تراب ثم قال له كن فـيكون.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ } ما جاءك من الـخبر عن عيسى، {فَلاَ تَكُنْ مّن ٱلْمُمْتَرِينَ }: أي قد جاءك الـحقّ من ربك فلا تـمتر فـيه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {فَلاَ تَكُنْ مّن ٱلْمُمْتَرِينَ } قال: والـمـمترون: الشاكون.

والـمرية والشكّ والريب واحد سواء كهيئة ما تقول: أعطنـي وناولنـي وهلـمّ، فهذا مختلف فـي الكلام وهو واحد.

فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا۟ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰذِبِينَ ۝٦١

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ }: فمن جادلك يا مـحمد فـي الـمسيح عيسى ابن مريـم. والهاء فـي قوله: {فِيهِ } عائدة علـى ذكر عيسى، وجائز أن تكون عائدة علـى الـحقّ الذي قال تعالـى ذكره: {ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ }. ويعنـي بقوله: {مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ }: من بعد ما جاءك من العلـم الذي قد بـينته لك فـي عيسى أنه عبد الله. {فَقُلْ تَعَالَوْاْ } هلـموا فلندعْ أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم، {ثُمَّ نَبْتَهِلْ } يقول: ثم نلتعن، يقال فـي الكلام: ما له بَهَلَهَ الله! أي لعنه الله، وما له علـيه بُهْلَة الله! يريد اللعن. وقال لَبـيد، وذكر قوماً هلكوا، فقال:

نَـظَـرَ الـدَّهْـرُ إِلَـيْهِـمْ فَـابْـتَـهَـلْ

يعنـي دعا علـيهم بـالهلاك. {فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ } منا ومنكم فـي آية عيسى. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ }: أي فـي عيسى أنه عبد الله ورسوله من كلـمة الله وروحه. {فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ } إلـى قوله: {عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ }.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ }: أي من بعد ما قصصت علـيك من خبره، وكيف كان أمره {فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ }... الآية.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قوله: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } يقول: من حاجك فـي عيسى من بعد ما جاءك فـيه من العلـم.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ } قال: منا ومنكم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: وثنـي ابن لهيعة، عن سلـيـمان بن زياد الـحضرمي عن عبد الله بن الـحارث بن جزء الزبـيدي، أنه سمع النبـيّ صلى الله عليه وسلم يقول:

لَـيْتَ بَـيْنِـي وَبَـيْنَ أهْلِ نَـجْرَانَ حِجابـاً فَلا أرَاهُمْ وَلا يَرَوْنِـي من شدّة ما كانوا يـمارون النبـيّ صلى الله عليه وسلم.

إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٦٢ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُفْسِدِينَ ۝٦٣

يعني بذلك جلّ ثناؤه: إن هذا الذي أنبأتك به يا محمد من أمر عيسى، فقصصته عليك من أنبائه، وأنه عبدي ورسولي، وكلمتي ألقيتها إلـى مريـم، وروح مني، {لَهُوَ ٱلْقَصَصُ } والنبأ {ٱلْحَقُّ } فـاعلـم ذلك، واعلـم أنه لـيس للـخـلق معبود يستوجب علـيهم العبـادة بـملكه إياهم إلا معبودك الذي تعبده وهو الله العزيز الـحكيـم.

ويعنـي بقوله {ٱلْعَزِيزُ }: العزيز فـي انتقامه مـمن عصاه، وخالف أمره، وادّعى معه إلهاً غيره، أو عبد ربـاً سواه، {ٱلْحَكِيمُ } فـي تدبـيره، لا يدخـل ما دبره وهْن ولا يـلـحقه خـلل. {فَإِن تَوَلَّوْاْ } يعنـي فإن أدبر هؤلاء الذين حاجوك فـي عيسى عما جاءك من الـحقّ من عند ربك فـي عيسى وغيره، من سائر ما آتاك الله من الهدى والبـيان، فأعرضوا عنه، ولـم يقبلوه؛ {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِٱلْمُفْسِدِينَ }، يقول: فإن الله ذو علـم بـالذين يعصون ربهم، ويعملون فـي أرضه وبلاده بـما نهاهم عنه، وذلك هو إفسادهم، يقول تعالـى ذكره: فهو عالـم بهم وبأعمالهم، يحصيها علـيهم ويحفظها حتـى يجازيهم علـيها جزاءهم.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل: ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ } أي إن هذا الذي جئت به من الـخبر عن عيسى، لهو القصص الـحقّ من أمره.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ }. إن هذا الذي قلنا فـي عيسى لهو القصص الـحقّ.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ } قال: إن هذا القصص الـحقّ فـي عيسى، ما ينبغي لعيسى أن يتعدّى هذا، ولا يجاوز أن يتعدى أن يكون كلـمة الله ألقاها إلـى مريـم وروحاً منه وعبد الله ورسوله.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ }: إن هذا الذي قلنا فـي عيسى هو الـحقّ {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ }... الآية.

فلـما فصل جل ثناؤه بـين نبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم وبـين الوفد من نصارى نـجران بـالقضاء الفـاصل والـحكم العادل أمره ـ إن هم تولوا عما دعاهم إلـيه من الإقرار بوحدانـية الله، وأنه لا ولد له ولا صاحبة، وأن عيسى عبده ورسوله وأبوا إلا الـجدل والـخصومة ـ أن يدعوهم إلـى الـملاعنة، ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلـما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم انـخذلوا، فـامتنعوا من الـملاعنة ودعوا إلـى الـمصالـحة، كالذي.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن عامر، قال: فأمر ـ يعنـي النبـيَّ صلى الله عليه وسلم ـ بـملاعنتهم ـ يعنـي بـملاعنة أهل نـجران ـ بقوله:

{ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ }[آل عمران: 61]... الآية. فتواعدوا أن يلاعنوه، وواعدوه الغد، فـانطلقوا إلـى السيد والعاقب، وكانا أعقلهم فتابعاهم، فـانطلقوا إلـى رجل منهم عاقل، فذكروا له ما فـارقوا علـيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما صنعتـم! وندَّمهم، وقال لهم: إن كان نبـياً ثم دعا علـيكم لا يغضبه الله فـيكم أبداً، ولئن كان ملكاً فظهر علـيكم لا يستبقـيكم أبداً. قالوا: فكيف لنا وقد واعدنا؟ فقال لهم: إذا غدوتـم إلـيه فعرض علـيكم الذي فـارقتـموه علـيه، فقولوا: نعوذ بـالله! فإن دعاكم أيضاً، فقولوا له: نعوذ بـالله! ولعله أن يعفـيكم من ذلك. فلـما غدوا، غدا النبـيّ صلى الله عليه وسلم مـحتضناً حَسَناً آخذاً بـيد الـحسين وفـاطمة تـمشي خـلفه، فدعاهم إلـى الذي فـارقوه علـيه بـالأمس، فقالوا: نعوذ بالله! ثم دعاهم، فقالوا: نعوذ بـالله! مراراً. قال: فإنْ أبَـيْتُـمْ فأسْلِـمُوا، وَلَكُمْ ما لِلْـمُسْلِـمِينَ وَعَلَـيْكُمْ ما علـى الـمُسْلِـمينَ، كما قال الله عزَّ وجلّ؛ فإنْ أبَـيْتُـمْ فأعْطُوا الـجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وأنْتُـمْ صَاغِرُونَ، كما قال الله عَزَّ وَجَلَّ، قالوا: ما نـملك إلا أنفسنا. قال: فإنْ أبَـيْتُـمْ فَإنّـي أنْبِذُ إلَـيْكُمْ عَلـى سَوَاءٍ، كما قال الله عزّ وجلّ، قالوا: ما لنا طاقة بحرب العرب، ولكن نؤدّي الـجزية. قال: فجعل علـيهم فـي كل سنة ألفـي حلة، ألفـاً فـي رجب وألفـاً فـي صفر. فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم: قَدْ أتانِـي البَشِيرُ بِهَلَكَةِ أهْلِ نَـجْرَانَ حتـى الطَّيْرُ علـى الشَّجَرِ أوِ العَصَافِـيرُ عَلـى الشَّجَرِ، لو تَـمّوا علـى الـمُلاَعَنَة. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، قال: فقلت للـمغيرة: إن الناس يرون فـي حديث أهل نـجران أن علياً كان معهم! فقال: أما الشعبي فلم يذكره، فلاأدري لسوء رأي بنـي أمية في عليّ، أو لم يكن في الـحديث.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ } إلـى قوله:

{ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }[آل عمران: 64] فدعاهم إلـى النَّصَف وقطع عنهم الـحجة. فلـما أتـى رسول الله صلى الله عليه وسلم الـخبر من الله عنه، والفصل من القضاء بـينه وبـينهم، وأمره بـما أمره به من ملاعنتهم، إن ردّوا علـيه؛ دعاهم إلـى ذلك، فقالوا: يا أبـا القاسم دعنا ننظر فـي أمرنا، ثم نأتـيك بـما نريد أن نفعل فـيـما دعوتنا إلـيه. فـانصرفوا عنه، ثم خـلوا بـالعاقب، وكان ذا رأيهم، فقالوا: يا عبد الـمسيح ما ترى؟ قال: والله يا معشر النصارى، لقد عرفتـم أن مـحمداً نبـيّ مرسل، ولقد جاءكم بـالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علـمتـم ما لاعن قوم نبـياً قط فبقـي كبـيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتـم، فإن كنتـم قد أبـيتـم إلا إلف دينكم، والإقامة علـى ما أنتـم علـيه من القول فـي صاحبكم، فوادعوا الرجل ثم انصرفوا إلـى بلادكم حتـى يريكم زمنٌ رأيه. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبـا القاسم، قد رأينا أن لا نلاعنك، وأن نتركك علـى دينك، ونرجع علـى ديننا، ولكن ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا يحكم بـيننا فـي أشياء قد اختلفنا فـيها من أموالنا، فإنكم عندنا رضاً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا عيسى بن فرقد، عن أبـي الـجارود، عن زيد بن علـيّ فـي قوله:

{ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ }[آل عمران: 61]... الآية. قال: كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم وعلـيّ وفـاطمة والـحسن والـحسين.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط عن السدي:

{ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ }[آل عمران: 61]... الآية، فأخذ ـ يعنـي النبـيّ صلى الله عليه وسلم ـ بـيد الـحسن والـحسين وفـاطمة، وقال لعلـيّ: اتْبَعْنَا‍! فخرج معهم، فلـم يخرج يومئذ النصارى، وقالوا: إنا نـخاف أن يكون هذا هو النبـيّ صلى الله عليه وسلم، ولـيس دعوة النبـيّ كغيرها، فتـخـلفوا عنه يومئذ. فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:لَوْ خَرَجُوا لاَحْتَرَقُوا. فصالـحوه علـى صلـح علـى أن له علـيهم ثمانـين ألفـاً فما عجزت الدراهم ففـي العروض الـحلة بأربعين، وعلـى أن له علـيهم ثلاثاً وثلاثـين درعاً، وثلاثاً وثلاثـين بعيراً، وأربعة وثلاثـين فرساً غازية كل سنة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضامن لها حتـى نؤديها إلـيهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم دعا وفداً من وفد نـجران من النصارى، وهم الذين حاجوه فـي عيسى، فنكصوا عن ذلك وخافوا. وذكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:

وَالَّذِي نَفْسُ مُـحَمَّدٍ بِـيَدِهِ، إنْ كانَ العَذَابُ لَقَدْ تَدَلّـى علـى أهْلِ نَـجْرَانَ، وَلَوْ فَعَلُوا لاسْتُؤْصِلُوا عَنْ جَدِيدِ الأرْضِ

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله:

{ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ }[آل عمران: 61] قال: بلغنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم خرج لـيلاً عن أهل نجران، فلـما رأوه خرج، هابوا وفرقوا، فرجعوا. قال معمر، قال قتادة: لما أراد النبيّ صلى الله عليه وسلم أهل نجران أخذ بيد حسن وحسين وقال لفاطمة: «اتْبَعِينَا»، فلما رأى ذلك أعداءُ الله رجعوا

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن عبد الكريـم الـجزري، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: لو خرج الذين يبـاهلون النبـيّ صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا مالاً.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا زكريا، عن عديّ قال: ثنا عبـيد الله بن عمرو، عن عبد الكريـم، عن عكرمة، عن ابن عبـاس مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

وَالَّذِي نفْسِي بِـيَدِهِ لَوْ لاعَنُونِـي ما حالَ الـحَوْلُ وَبحَضْرَتِهِمْ مِنْهُمْ أحَدٌ إلاَّ أهْلَكَ اللَّهُ الكاذِبِـينَ

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا ابن زيد، قال: قـيـل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو لاعنت القوم بـمن كنت تأتـي حين قلت

{ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ }[آل عمران: 61]؟ قال:حَسَن وحُسَيْن

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، قال: ثنا الـمنذر بن ثعلبة، قال: ثنا علبـاء بن أحمر الـيشكري، قال: لـما نزلت هذه الآية:

{ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ }[آل عمران: 61] الآية، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى علـيّ وفـاطمة وابنـيهما الـحسن والـحسين، ودعا الـيهود لـيلاعنهم فقال شاب من الـيهود: ويحكم ألـيس عهدكم بـالأمس إخوانكم الذين مسخوا قردة وخنازير؟ لا تلاعنوا! فـانتهوا.

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُولُوا۟ ٱشْهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ۝٦٤

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: قل يا مـحمد لأهل الكتاب ـ وهم أهل التوراة والإنـجيـل ـ: {تَعَالَوْاْ } هلـمّوا {إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاء } يعنـي إلـى كلـمة عدل {بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } والكلـمة العدل: هي أن نوحد الله فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه فلا نشرك به شيئاً. وقوله: {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا } يقول: ولا يدين بعضنا لبعض بـالطاعة فـيـما أمر به من معاصي الله، ويعظمه بـالسجود له، كما يسجد لربه. {فَإِن تَوَلَّوْاْ } يقول: فإن أعرضوا عما دعوتهم إلـيه من الكلـمة السواء التـي أمرتك بدعائهم إلـيها، فلـم يجيبوك إلـيها، فقولوا أيها الـمؤمنون للـمتولـين عن ذلك: اشهدوا بأنا مسلـمون.

واختلف أهل التأويـل فـيـمن نزلت فـيه هذه الآية، فقال بعضهم: نزلت فـي يهود بنـي إسرائيـل الذين كانوا حوالـي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم دعا يهود أهل الـمدينة إلـى الكلـمة السواء، وهم الذين حاجوا فـي إبراهيـم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال: ذكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم دعا الـيهود إلـى كلـمة السواء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: بلغنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم دعا يهود أهل الـمدينة إلـى ذلك، فأبوا علـيه، فجاهدهم، قال: دعاهم إلـى قول الله عزّ وجلّ: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ }... الآية.

وقال آخرون: بل نزلت فـي الوفد من نصارى نـجران. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ }... الآية، إلـى قوله: {فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } قال: فدعاهم إلـى النَّصَف، وقطع عنهم الـحجة؛ يعنـي وفد نـجران.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي، قال: ثم دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ يعنـي الوفد من نصارى نـجران ـ فقال: { يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ }... الآية.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا ابن زيد، قال: قال: يعنـي جل ثناؤه: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ } ـ فـي عِيسَى علـى ما قد بـيناه فـيـما مضى ـ قال: {فَأَبَوْاْ }، يعنـي الوفد من نـجران، فقال: ادعهم إلـى أيسر من هذا، {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ }. فقرأ حتـى بلغ: {أَرْبَابًا مِنْ دُونِ ٱللَّهِ } فأبوا أن يقبلوا هذا ولا الآخر.

وإنـما قلنا: عنى بقوله: {يا أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ }: أهل الكتابـين، لأنهما جميعاً من أهل الكتاب، ولـم يخصص جلّ ثناؤه بقوله: {يا أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } بَعْضاً دون بعض، فلـيس بأن يكون موجهاً ذلك إلـى أنه مقصود به أهل التوراة بأولـى منه، بأن يكون موجهاً إلـى أنه مقصود به أهل الإنـجيـل، ولا أهل الإنـجيـل بأولـى أن يكونوا مقصودين به دون غيرهم من أهل التوارة. وإذ لـم يكن أحد الفريقـين بذلك بأولـى من الآخر، لأنه لا دلالة علـى أنه الـمخصوص بذلك من الآخر، ولا أثر صحيح، فـالواجب أن يكون كل كتابـي معنـياً به، لأن إفراد العبـادة لله وحده، وإخلاص التوحيد له، واجب علـى كل مأمور منهيّ من خـلق الله، وأهل الكتاب يعمّ أهل التوراة وأهل الإنـجيـل، فكان معلوماً بذلك أنه عنـي به الفريقان جميعاً.

وأما تأويـل قوله: {تَعَالَوْاْ } فإنه: أقبلوا وهلـمّوا، وإنـما هو تفـاعلوا من العلوّ، فكأن القائل لصاحبه: تعالـى إلـيّ، فإنه تفـاعل من العلوّ، كما يقال: تدان منـي من الدنوّ، وتقاربْ منـي من القرب. وقوله: {إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ } فإنها الكلـمة العدل، و«السواء»: من نعت «الكلـمة».

وقد اختلف أهل العربية فـي وجه إتبـاع سواء فـي الإعراب لكلمة، وهو اسم لا صفة، فقال بعض نحويي البصرة: جرّ سواء لأنها من صفة الكلمة: وهي العدل، وأراد مستوية. قال: ولو أراد استواء كان النصب، وإن شاء أن يجعلها علـى الاستواء ويجرّ جاز، ويجعله من صفة الكلمة مثل الخلق، لأن الخلق هو المخلوق، والخلق قد يكون صفة واسماً، ويجعل الاستواء مثل الـمستوى، قال عزّ وجلّ:

{ ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ } [الحج: 25] لأن السواء للآخر وهو اسم لـيس بصفة، فـيجري علـى الأول وذلك إذا أراد به الاستواء، فإن أراد به مستوياً جاز أن يجري علـى الأول، والرفع فـي ذا الـمعنى جيد، لأنها لا تغيّر عن حالها، ولا تثنى، ولا تـجمع، ولا تؤنث، فأشبهت الأسماء التـي هي مثل عدل ورضا وجنب، وما أشبه ذلك. وقال: { أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ }[الجاثية: 21] فـالسواء للـمـحيا والـمـمات بهذا الـمبتدإ. وإن شئت أجريته علـى الأوّل وجعلته صفة مقدمة، كأنها من سبب الأوّل فجرت علـيه، وذلك إذا جعلته فـي معنى مستوي، والرفع وجه الكلام كما فسرت لك.

وقال بعض نـحويـي الكوفة: «سواء» مصدر وضع موضع الفعل، يعنـي موضع متساوية ومتساو، فمرّة يأتـي عن الفعل، ومرّة علـى الـمصدر، وقد يقال فـي سواء بـمعنى عدل: سِوًى وسُوًى، كما قال جلّ ثناؤه:

{ مَكَاناً سُوًى }[طه: 58] و«سِوًى» يراد به عدل ونصف بـيننا وبـينك. وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ ذلك «إلـى كلـمة عدل بـيننا وبـينكم».

وبـمثل الذي قلنا فـي تأويـل قوله: {إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } بأن السواء: هو العدل، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ }: عدل بـيننا وبـينكم {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ }... الآية.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، فـي قوله: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً } بـمثله.

وقال آخرون: هو قول لا إلٰه إلا الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال: قال أبو العالـية: كلـمة السواء: لا إلٰه إلاّ الله.

وأما قوله: {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ } فإنَّ «أنْ» فـي موضع خفض علـى معنى: تعالوا إلـى أن لا نعبد إلا الله، وقد بـينا معنى العبـادة فـي كلام العرب فـيـما مضى، ودللنا علـى الصحيح من معانـيه بـما أغنى عن إعادته.

وأما قوله: {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا } فإنَّ اتـخاذ بعضهم بعضاً، هو ما كان بطاعة الأتبـاع الرؤساء فـيـما أمروهم به من معاصي الله وتركهم ما نهوهم عنه من طاعة الله، كما قال جل ثناؤه:

{ ٱتَّخَذُواْ أَحْبَـٰرَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـٰهاً وٰحِداً }[التوبة: 31]. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ ٱللَّهِ } يقول: لا يطع بعضنا بعضاً فـي معصية الله، ويقال: إن تلك الربوبـية أن يطيع الناس سادتهم وقادتهم فـي غير عبـادة، وإن لـم يُصَلُّوا لهم.

وقال آخرون: اتـخاذ بعضهم بعضاً أربـابـاً: سجود بعضهم لبعض. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا حفص بن عمر، عن الـحكم بن أبـان، عن عكرمة فـي قوله: {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ ٱللَّهِ } قال: سجود بعضهم لبعض.

وأما قوله: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } فإنه يعنـي: فإن تولـى الذين تدعونهم إلـى الكلـمة السواء عنها وكفروا، فقولوا أنتـم أيها الـمؤمنون لهم: اشهدوا علـينا بأنا بـما تولـيتـم عنه من توحيد الله وإخلاص العبودية له، وأنه الإلٰه الذي لا شريك له مسلـمون، يعنـي خاضعون لله به متذللون له بـالإقرار بذلك بقلوبنا وألسنتنا، وقد بـينا معنى الإسلام فـيـما مضى، ودللنا علـيه بـما أغنى عن إعادته.

الخميس، 22 أكتوبر 2026 11 جمادى الأولى 1448 هـ