انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير الطبريالآيات 104–113

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة آل عمران

الخلاصة من تفسير الطبري · 11 مقطعًا · 3:01:26

  1. 1 الآيات 93–112في هذه الصفحة 16:48
  2. 2 الآيات 113–132في هذه الصفحة 16:49

التفسير الصوتي لسورة آل عمران كاملًا (11 مقطعًا)

وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ۝١٠٤

يعني بذلك جلّ ثناؤه: {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ } أيها الـمؤمنون، {أُمَّةٌ } يقول: جماعة {يَدَّعُونَ } الناس {إِلَى ٱلْخَيْرِ } يعنـي إلـى الإسلام وشرائعه التـي شرعها الله لعبـاده، {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ } يقول: يأمرون الناس بـاتبـاع مـحمد صلى الله عليه وسلم، ودينه الذي جاء به من عند الله، {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ }: يعنـي وينهون عن الكفر بـالله، والتكذيب بـمـحمد، وبـما جاء به من عند الله بجهادهم بـالأيدي والـجوارح، حتـى ينقادوا لكم بـالطاعة. وقوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } يعنـي: الـمنـجحون عند الله، البـاقون فـي جناته ونعيـمه. وقد دللنا فيما مضى علـى معنى الإفلاح فـي غير هذا الـموضع بـما أغنى عن إعادته ههنا.

حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا عيسى بن عمر القارىء، عن أبـي عون الثقـفـي، أنه سمع صبـيحاً، قال: سمعت عثمان يقرأ: «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلـى الـخَيْرِ وَيأْمُرُونَ بـالـمَعْرُوفِ وَيْنهَوْنَ عَنِ الـمُنْكَرِ ويستعينون الله علـى ما أصابهم».

حدثنـي أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا ابن عيـينة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن الزبـير يقرأ، فذكر مثل قراءة عثمان التـي ذكرناها قبل سواء.

حدثنا يحيـى بن أبـي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } قال: هم خاصة أصحاب رسول الله، وهم خاصة الرواة.

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُوا۟ وَٱخْتَلَفُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ وَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝١٠٥

يعني بذلك جلّ ثناؤه: ولا تكونوا يا معشر الذين آمنوا كالذين تفرّقوا من أهل الكتاب، واختلفوا فـي دين الله وأمره ونهيه، من بعدما جاءهم البـينات، من حجج الله، فـيـما اختلفوا فـيه، وعلـموا الـحقّ فـيه، فتعمدوا خلافه، وخالفوا أمر الله، ونقضوا عهده وميثاقه، جراءة علـى الله، وأولئك لهم: يعنـي ولهؤلاء الذين تفرّقوا، واختلفوا من أهل الكتاب، من بعد ما جاءهم عذاب من عند الله عظيـم. يقول جل ثناؤه: فلا تفرّقوا يا معشر الـمؤمنـين فـي دينكم تفرّق هؤلاء فـي دينهم، ولا تفعلوا فعلهم، وتستنوا فـي دينكم بسنتهم، فـيكون لكم من عذاب الله العظيـم مثل الذي لهم. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدَمَا جَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ } قال: هم أهل الكتاب، نهى الله أهل الإسلام أن يتفرّقوا ويختلفوا، كما تفرّق واختلف أهل الكتاب، قال الله عزّ وجلّ: {وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ } ونـحو هذا فـي القرآن أمر الله جلّ ثناؤه الـمؤمنـين بـالـجماعة، فنهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنـما هلك من كان قبلهم بـالـمراء والـخصومات فـي دين الله.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، عن عبـاد، عن الـحسن فـي قوله: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدَمَا جَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } قال هم الـيهود والنصارى.

يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ۝١٠٦ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝١٠٧

يعني بذلك جلّ ثناؤه: أولئك لهم عذاب عظيم في يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه. وأما قوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ } فإن معناه: فأما الذين اسودّت وجوههم، فـيقال لهم: {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ }. ولا بدّ لـ «أمّا» من جواب بـالفـاء، فلـما أسقط الـجواب سقطت الفـاء معه، وإنـما جاز ترك ذكر «فـيقال» لدلالة ما ذكر من الكلام علـيه. وأما معنى قوله جلّ ثناؤه: {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ } فإن أهل التأويـل اختلفوا فـيـمن عُنـي به، فقال بعضهم: عُنـي به أهل قبلتنا من الـمسلـمين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ }... الآية، لقد كفر أقوام بعد إيـمانهم كما تسمعون، ولقد ذكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:

وَالَّذِي نَفْسُ مُـحَمَّدٍ بِـيَدِهِ، لَـيَرِدَنَّ عَلـيَّ الـحَوْضَ مِـمَّنْ صَحِبَنَـي أقْوَامٌ، حتـى إذَا رُفِعُوا إلـيَّ ورأيْتُهُمْ اخْتُلِـجُوا دُونِـي، فلأَقُولَنَّ رَبّ أصحابِـي أصحَابِـي، فَلَـيُقالَنَّ إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ. وقوله: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ } هؤلاء أهل طاعة الله والوفـاء بعهد الله، قال الله عز وجل: {فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ }.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } فهذا من كفر من أهل القبلة حين اقتتلوا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن حماد بن سلـمة والربـيع بن صبـيح، عن أبـي مـجالد، عن أبـي أمامة: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ } قال: هم الـخوارج.

وقال آخرون: عنى بذلك كل من كفر بـالله بعد الإيـمان الذي آمن حين أخذ الله من صلب آدم ذريته وأشهدهم علـى أنفسهم بـما بـين فـي كتابه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا علـيّ بن الهيثم، قال: أخبرنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، عن أبـيّ بن كعب، فـي قوله: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } قال: صاروا يوم القـيامة فريقـين، فقال لـمن اسودّ وجهه وعيرهم: {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } قال: هو الإيـمان الذي كان قبل الاختلاف فـي زمان آدم، حين أخذ منهم عهدهم وميثاقهم، وأقرّوا كلهم بـالعبودية، وفطرهم علـى الإسلام، فكانوا أمة واحدة مسلـمين، يقول: أكفرتـم بعد إيـمانكم، يقول بعد ذلك الذي كان فـي زمان آدم، وقال فـي الآخرين: الذين استقاموا علـى إيـمانهم ذلك، فأخـلصوا له الدين والعمل، فبـيض الله وجوههم، وأدخـلهم فـي رضوانه وجنته.

وقال آخرون: بل الذين عنوا بقوله: {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ }: الـمنافقون. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، عن عبـاد، عن الـحسن: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ }... الآية، قال: هم الـمنافقون كانوا أعطوا كلـمة الإيـمان بألسنتهم، وأنكروها بقلوبهم وأعمالهم.

وأولـى الأقوال التـي ذكرناها فـي ذلك بـالصواب القول الذي ذكرناه عن أبـيّ بن كعب أنه عنى بذلك جميع الكفـار، وأن الإيـمان الذي يوبخون علـى ارتدادهم عنه، هو الإيـمان الذي أقرّوا به يوم قـيـل لهم: {أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَا }. وذلك أن الله جلّ ثناؤه جعل جميع أهل الآخرة فريقـين: أحدهما سوداء وجوهه، والآخر بـيضاء وجوهه، فمعلوم إذ لـم يكن هنالك إلا هذان الفريقان أن جميع الكفـار داخـلون فـي فريق من سوّد وجهه، وأن جميع الـمؤمنـين داخـلون فـي فريق من بـيض وجهه، فلا وجه إذاً لقول قائل عنى بقوله: {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ } بعض الكفـار دون بعض، وقد عمّ الله جلّ ثناؤه الـخبر عنهم جميعهم، وإذا دخـل جميعهم فـي ذلك ثم لـم يكن لـجميعهم حالة آمنوا فـيها، ثم ارتدوا كافرين بعد إلا حالة واحدة، كان معلوماً أنها الـمرادة بذلك.

فتأويـل الآية إذاً: أولئك لهم عذاب عظيـم فـي يوم تبـيضّ وجوه قوم، وتسودّ وجوه آخرين؛ فأما الذين اسودّت وجوههم، فـيقال: أجحدتـم توحيد الله وعهده وميثاقه الذي واثقتـموه علـيه، بأن لا تشركوا به شيئاً، وتـخـلصوا له العبـادة بعد إيـمانكم، يعنـي: بعد تصديقكم به، {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } يقول: بـما كنتـم تـجحدون فـي الدنـيا ما كان الله قد أخذ ميثاقكم بـالإقرار به والتصديق؛ وأما الذين ابـيضت وجوههم مـمن ثبت علـى عهد الله وميثاقه، فلـم يبدل دينه، ولـم ينقلب علـى عقبـيه بعد الإقرار بـالتوحيد، والشهادة لربه بـالألوهة، وأنه لا إله غيره {فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ } يقول: فهم فـي رحمة الله، يعنـي فـي جنته ونعيـمها، وما أعدّ الله لأهلها فـيها، {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } أي بـاقون فـيها أبداً بغير نهاية ولا غاية.

تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَٰلَمِينَ ۝١٠٨

يعني بقوله جل ثناؤه: {تِلْكَ آيَـٰتُ ٱللَّهِ }: هذه آيات الله وقد بـينا كيف وضعت العرب «تلك» و«ذلك» مكان «هذا» و«هذه» فـي غير هذا الـموضع فـيـما مضى قبل بـما أغنى عن إعادته. وقوله: { آيَـٰتُ ٱللَّه } يعنـي: مواعظ الله، وعبره وحججه. {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ } نقرؤها علـيك ونقصها. {بِٱلْحَقّ } يعنـي: بـالصدق والـيقـين وإنـما يعنـي بقوله: {تِلْكَ آيَـٰتُ ٱللَّهِ } هذه الآيات التـي ذكر فـيها أمور الـمؤمنـين من أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمور يهود بنـي إسرائيـل وأهل الكتاب، وما هو فـاعل بأهل الوفـاء بعهده وبـالـمبدلـين دينه والناقضين عهده بعد الإقرار به. ثم أخبر عزّ وجلّ نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم أنه يتلو ذلك علـيه بـالـحقّ وأعلـمه أن من عاقبه من خـلقه بـما أخبر أنه معاقبه من تسويد وجهه وتـخـلـيده فـي ألـيـم عذابه وعظيـم عقابه ومن جازاه منهم بـما جازاه من تبـيـيض وجهه وتكريـمه وتشريف منزلته لديه بتـخـلـيده فـي دائم نعيـمه فبغير ظلـم منه لفريق منهم بل لـحقّ استوجبوه وأعمال لهم سلفت، جازاهم علـيها، فقال تعالـى ذكره: {وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعَـٰلَمِينَ } يعنـي بذلك: ولـيس الله يا مـحمد بتسويد وجوه هؤلاء، وإذاقتهم العذاب العظيـم؛ وتبـيـيض وجوه هؤلاء، وتنعيـمه إياهم فـي جنته، طالبـاً وضع شيء مـما فعل من ذلك فـي غير موضعه الذي هو موضعه، إعلاما بذلك عبـاده، أنه لن يصلـح فـي حكمته بخـلقه، غير ما وعد أهل طاعته والإيـمان به، وغير ما أوعد أهل معصيته والكفر به، وإنذارا منه هؤلاء وتبشيراً منه هؤلاء.

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ۝١٠٩

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: أنه يعاقب الذين كفروا بعد إيـمانهم بـما ذكر أنه معاقبهم به من العذاب العظيـم، وتسويد الوجوه، ويثـيب أهل الإيـمان به، الذين ثبتوا علـى التصديق والوفـاء بعهودهم التـي عاهدوا علـيها، بـما وصف أنه مثـيبهم به، من الـخـلود فـي جناته، من غير ظلـم منه لأحد الفريقـين فـيـما فعل، لأنه لا حاجة به إلـى الظلـم، وذلك أن الظالـم إنـما يظلـم غيره لـيزداد إلـى عزّته عزّة بظلـمه إياه، وإلـى سلطانه سلطاناً، وإلـى ملكه ملكاً، لنقصان فـي بعض أسبـابه، يتـمـم بـما ظلـم غيره فـيه ما كان ناقصاً من أسبـابه عن التـمام، فأما من كان له جميع ما بـين أقطار الـمشارق والـمغارب، وما فـي الدنـيا والآخرة، فلا معنى لظلـمه أحداً فـيجوز أن يظلـم شيئاً، لأنه لـيس من أسبـابه شيء ناقص يحتاج إلـى تـمام، فـيتـمّ ذلك بظلـم غيره، تعالـى الله علوّاً كبـيراً؛ ولذلك قال جلّ ثناؤه عقـيب قوله:

{ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعَـٰلَمِينَ }[آل عمران: 108] {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلامُورُ }.

واختلف أهل العربـية فـي وجه تكرير الله تعالـى ذكره اسمه مع قوله: {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } ظاهراً وقد تقدم اسمه ظاهراً مع قوله: {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } فقال بعض أهل العربـية من أهل البصرة: ذلك نظير قول العرب: أما زيد فذهب زيد، وكما قال الشاعر:

لا أرَى الـموتَ يسبقُ الـموتَ شَيْءٌ نَغَّصَ الـمَوْتُ ذا الغنى والفقـيرا

فأظهر في موضع الإضمار. وقال بعض نحويي الكوفة: ليس ذلك نظير هذا البيت، لأن موضع الموت الثانـي في البيت موضع كناية، لأنه كلـمة واحدة، ولـيس ذلك كذلك في الآية، لأن قوله: {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } خبر ليس من قوله: {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأمُورُ } فـي شيء، وذلك أن كل واحدة من القصتين مفارق معناها معنى الأخرى، مكتفـية كل واحدة منهما بنفسها، غير مـحتاجة إلـى الأخرى، وما قال الشاعر: «لا أرى» الـموت مـحتاج إلـى تـمام الـخبر عنه.

وهذا القول الثانـي عندنا أولـى بـالصواب، لأن كتاب الله عزّ وجلّ لا يؤخذ معانـيه، وما فـيه من البـيان إلـى الشواذّ من الكلام والـمعانـي وله فـي الفصيح من الـمنطق والظاهر من الـمعانـي الـمفهوم وجه صحيح موجود.

وأما قوله: {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأمُورُ } فإنه يعنـي تعالـى ذكره: إلـى الله مصير أمر جميع خـلقه الصالـح منهم، والطالـح والـمـحسن والـمسيء، فـيجازي كلاًّ علـى قدر استـحقاقهم منه الـجزاء بغير ظلـم منه أحداً منهم.

كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَٰبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ ۝١١٠

اختلف أهل التأويـل فـي قوله: {كُنتُمْ خَيْرًا أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } فقال بعضهم: هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، من مكة إلـى الـمدينة، وخاصة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن سماك، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال فـي: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } قال: هم الذين خرجوا معه من مكة.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، عن قـيس، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } قال: هم الذين هاجروا من مكة إلـى الـمدينة.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } قال عمر بن الـخطاب: لو شاء الله لقال «أنتـم»، فكنا كلنا، ولكن قال: {كُنتُمْ } فـي خاصة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن صنع مثل صنـيعهم، كانوا خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بـالـمعروف، وينهون عن الـمنكر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: قال عكرمة: نزلت فـي ابن مسعود، وسالـم مولـى أبـي حذيفة، وأبـيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مصعب بن الـمقدام، عن إسرائيـل، عن السديّ، عمن حدثه، قال عمر: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } قال: تكون لأوّلنا، ولا تكون لآخرنا.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيـل، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } قال: هم الذين هاجروا مع النبـيّ صلى الله عليه وسلم إلـى الـمدينة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن عمر بن الـخطاب قال فـي حجة حجها: ورأى من الناس رِعَة سيئة، فقرأ هذه: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ }... الآية، ثم قال: يا أيها الناس، من سره أن يكون من تلك الأمة، فلـيؤدّ شرط الله منها.

حدثنـي يحيـى بن أبـي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك فـي قوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } قال: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، يعنـي وكانوا هم الرواة الدعاة الذين أمر الله الـمسلـمين بطاعتهم.

وقال آخرون: معنى ذلك: كنتـم خير أمة أخرجت للناس، إذ كنتـم بهذه الشروط التـي وصفهم جلّ ثناؤه بها. فكان تأويـل ذلك عندهم: كنتـم خير أمة تأمرون بـالـمعروف، وتنهون عن الـمنكر، وتؤمنون بـالله أُخرِجوا للناس فـي زمانكم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عزّ وجلّ: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } يقول: علـى هذا الشرط أن تأمروا بـالـمعروف، وتنهوا عن الـمنكر، وتؤمنوا بـالله، يقول: لـمن أنتـم بـين ظهرانـيه، كقوله: {وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَـٰهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ }.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد قوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } قال: يقول: كنتـم خير الناس للناس، علـى هذا الشرط، أن تأمروا بـالـمعروف، وتنهوا عن الـمنكر، وتؤمنوا بـالله، يقول لـمن بـين ظهريه كقوله: {وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَـٰهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ }.

وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن ميسرة، عن أبـي حازم، عن أبـي هريرة: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } قال: كنتـم خير الناس للناس، تـجيئون بهم فـي السلاسل، تدخـلونهم فـي الإسلام.

حدثنا عبـيد بن أسبـاط، قال: ثنا أبـي، عن فضيـل بن مرزوق، عن عطية فـي قوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } قال: خير الناس للناس.

وقال آخرون: إنـما قـيـل: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } لأنهم أكثر الأمـم استـجابة للإسلام. ذكر من قال ذلك:

حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } قال: لـم تكن أمة أكثر استـجابة فـي الإسلام من هذه الأمة، فمن ثم قال: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ }.

وقال بعضهم: عنى بذلك أنهم كانوا خير أمة أخرجت للناس. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، عن عبـاد، عن الـحسن فـي قوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } قال: قد كان ما تسمع من الـخير فـي هذه الأمة:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعد عن قتادة قال: كان الـحسن يقول: نـحن آخرها وأكرمها علـى الله.

قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية ما قال الـحسن، وذلك أن:

حدثني يعقوب بن إبراهيـم حدثنـي قال: ثنا ابن علـية، عن بهز بن حكيـم، عن أبـيه، عن جده، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

ألا إنَّكُمْ وَفَّـيْتُـمْ سَبْعِينَ أُمَّةً أنْتُـمْ آخِرُها وأكْرَمُها علـى اللَّهِ

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن بهز بن حكيـم، عن أبـيه، عن جده، أنه سمع النبـيّ صلى الله عليه وسلم يقول فـي قوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } قال:

أنْتُـمْ تُتِـمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أنْتُـمْ خَيْرُها وأكْرَمُها علـى اللَّهِ

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم، وهو مسند ظهره إلـى الكعبة:

نَـحْنُ نُكَمِّلُ يَوْمَ القِـيامَةِ سَبْعينَ أُمَّةً نَـحْنُ آخرُها وخَيْرُها

وأما قوله: {تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ } فإنه يعنـي: تأمرون بـالإيـمان بـالله ورسوله، والعمل بشرائعه، {وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } يعنـي: وتنهون عن الشرك بـالله، وتكذيب رسوله، وعن العمل بـما نهى عنه. كما:

حدثنا علـيّ بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } يقول: تأمرونهم بـالـمعروف أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، والإقرار بـما أنزل الله، وتقاتلونهم علـيه، ولا إله إلا الله هو أعظم الـمعروف، وتنهونهم عن الـمنكر والـمنكر: هو التكذيب، وهو أنكر الـمنكر.

وأصل الـمعروف: كل ما كان معروفـاً ففعله جميـل مستـحسن غير مستقبح فـي أهل الإيـمان بـالله. وإنـما سميت طاعة الله معروفـاً، لأنه مـما يعرفه أهل الإيـمان ولا يستنكرون فعله. وأصل الـمنكر ما أنكره الله، ورأوه قبـيحاً فعله، ولذلك سميت معصية الله منكراً، لأن أهل الإيـمان بـالله يستنكرون فعلها، ويستعظمون ركوبها. وقوله: {وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } يعنـي: تصدّقون بـالله، فتـخـلصون له التوحيد والعبـادة.

فإن سأل سائل فقال: وكيف قـيـل: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } وقد زعمت أن تأويـل الآية أن هذه الأمة خير الأمـم التـي مضت، وإنـما يقال: كنتـم خير أمة، لقوم كانوا خياراً فتغيروا عما كانوا علـيه؟ قـيـل: إن معنى ذلك بخلاف ما ذهبت إلـيه، وإنـما معناه: أنتـم خير أمة، كما قـيـل: {وَٱذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ } وقد قال فـي موضع آخر: {وَٱذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ } فإدخال «كان» فـي مثل هذا وإسقاطها بـمعنى واحد، لأن الكلام معروف معناه. ولو قال أيضاً فـي ذلك قائل: كنتـم بـمعنى التـمام، كان تأويـله: خـلقتـم خير أمة، أو وجدتـم خير أمة، كان معنى صحيحاً، وقد زعم بعض أهل العربـية أن معنى ذلك: كنتـم خير أمة عند الله فـي اللوح الـمـحفوظ أخرجت للناس، والقولان الأوّلان اللذان قلنا، أشبه بـمعنى الـخبر الذي رويناه قبل.

وقال آخرون معنى ذلك: كنتـم خير أهل طريقة، وقال: الأمة: الطريقة.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ }.

يعنـي بذلك تعالـى ذكره: ولو صدّق أهل التوراة والإنـجيـل من الـيهود والنصارى بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وما جاءهم به من عند الله، لكان خيراً لهم عند الله فـي عاجل دنـياهم، وآجل آخرتهم. {مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ } يعنـي من أهل الكتاب من الـيهود والنصارى، الـمؤمنون الـمصدّقون رسول الله صلى الله عليه وسلم فـيـما جاءهم به من عند الله، وهم عبد الله بن سلام، وأخوه، وثعلبة بن سَعْيَة وأخوه، وأشبـاههم مـمن آمنوا بـالله، وصدّقوا برسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم، واتبعوا ما جاءهم به من عند الله. {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } يعنـي: الـخارجون عن دينهم، وذلك أن من دين الـيهود اتبـاع ما فـي التوراة، والتصديق بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، ومن دين النصارى اتبـاع ما فـي الإنـجيـل، والتصديق به وبـما فـي التوراة، وفـي كلا الكتابـين صفة مـحمد صلى الله عليه وسلم ونعته، ومبعثه، وأنه نبـيّ الله، وكلتا الفرقتـين، أعنـي الـيهود والنصارى مكذبة، فذلك فسقهم وخروجهم عن دينهم الذي يدّعون أنهم يدينون به الذي قال جلّ ثناؤه {وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ }. وقال قتادة بـما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ }: ذمّ الله أكثر الناس.

لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّآ أَذًى وَإِن يُقَٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ۝١١١

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: لن يضركم يا أهل الإيـمان بـالله ورسوله، هؤلاء الفـاسقون من أهل الكتاب بكفرهم، وتكذيبهم نبـيكم مـحمدا صلى الله عليه وسلم شيئاً إلا أذى، يعنـي بذلك ولكنهم يؤذونكم بشركهم، وإسماعكم كفرهم، وقولهم فـي عيسى وأمه وعزير، ودعائهم إياكم إلـى الضلالة، ولا يضرّونكم بذلك، وهذا من الاستثناء الـمنقطع، الذي هو مخالف معنى ما قبله، كما قـيـل ما اشتكى شيئاً إلا خيراً، وهذه كلـمة مـحكية عن العرب سماعاً.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } يقول: لن يضرّوكم إلا أذى تسمعونه منهم.

حُدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قوله: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } قال: أذى تسمعونه منهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } قال: إشراكهم فـي عُزَير وعيسى والصلـيب.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، عن عبـاد، عن الـحسن فـي قوله: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى }... الآية، قال: تسمعون منهم كذبـاً علـى الله، يدعونكم إلـى الضلالة.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَإِن يُقَـٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ }.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: وإن يقاتلكم أهل الكتاب من الـيهود والنصارى، يهزموا عنكم، فـيولوكم أدبـارهم انهزاماً، فقوله: {يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدُبَارَ } كناية عن انهزامهم، لأن الـمنهزم يحوّل ظهره إلـى جهة الطالب هربـاً إلـى ملـجأ، وموئل يئل إلـيه منه، خوفـاً علـى نفسه، والطالب فـي أثره، فدبر الـمطلوب حينئذٍ يكون مـحاذي وجه الطالب الهازمة. {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } يعنـي: ثم لا ينصرهم الله أيها الـمؤمنون علـيكم لكفرهم بـالله ورسوله، وإيـمانكم بـما آتاكم نبـيكم مـحمد صلى الله عليه وسلم، لأن الله عزّ وجلّ قد ألقـى الرعب فـي قلوب كائدكم أيها الـمؤمنون بنصركم. وهذا وعد من الله تعالـى ذكره نبـيه مـحمدا صلى الله عليه وسلم وأهل الإيـمان نصرهم علـى الكفرة من أهل الكتاب. وإنـما رفع قوله: {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } وقد جزم قوله: {يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدْبَارَ } علـى جواب الـجزاء ائتنافـاً للكلام، لأن رؤوس الآيات قبلها بـالنون، فألـحق هذه بها، قال:

{ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ }[المرسلات: 36] رفعاً، وقد قال فـي موضع آخر: { لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ }[فاطر: 36] إذ لـم يكن رأس آية.

ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوٓا۟ إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ ۝١١٢

يعني بقول جلّ ثناؤه {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ } ألزموا الذلة، والذلة: الفعلة من الذلّ، وقد بـينا ذلك بشواهده في غير هذا الـموضع. {أَيْنَمَا ثُقِفُواْ } يعنـي: حيثما لقوا. يقول جلّ ثناؤه: ألزم الـيهود الـمكذّبون بـمـحمد صلى الله عليه وسلم الذلة أينـما كانوا من الأرض، وبأيّ مكان كانوا من بقاعها من بلاد الـمسلـمين والـمشركين، إلا بحبل من الله، وحبل من الناس كما:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الـحسن فـي قوله: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ } قال: أدركتهم هذه الأمة، وإن الـمـجوس لتـجبـيهم الـجزية.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، قل: ثنا عبـاد، عن الـحسن فـي قوله: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مّنَ ٱلنَّاسِ } قال: أذلهم الله فلا منعة لهم وجعلهم الله تـحت أقدام الـمسلـمين.

وأما الحبل الذي ذكره الله فـي هذا الموضع، فإنه السبب الذي يأمنون به على أنفسهم من الـمؤمنـين، وعلـى أموالهم وذراريهم من عهد وأمان تقدم لهم عقده قبل أن يثقـفوا فـي بلاد الإسلام. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ ٱللَّهِ } قال: بعهد، {وَحَبْلٍ مّنَ ٱلنَّاسِ } قال: بعهدهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ } يقول: إلا بعهد من الله، وعهد من الناس.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد، عن عثمان بن غياث، قال عكرمة: يقول: {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ } قال: بعهد من الله، وعهد من الناس.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ } يقول: إلا بعهد من الله، وعهد من الناس.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قوله: {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ } يقول: إلا بعهد من الله، وعهد من الناس.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {أَيْنَمَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ } فهو عهد من الله، وعهد من الناس، كما يقول الرجل: ذمة الله، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو الـميثاق.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج قال: قال مـجاهد: {أَيْنَمَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مّنَ ٱلنَّاسِ } قال: بعهد من الله، وعهد من الناس لهم. قال ابن جريج وقال عطاء: العهد: حبل الله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {أَيْنَمَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ } قال: إلا بعهد وهم يهود، قال: والـحبل: العهد. قال: وذلك قول أبـي الهيثم بن التـيهان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتته الأنصار فـي العقبة: أيها الرجل إنا قاطعون فـيك حبـالاً بـيننا وبـين الناس، يقول: عهوداً. قال: والـيهود لا يأمنون فـي أرض من أرض الله إلا بهذا الـحبل الذي قال الله عزّ وجلّ، وقرأ:

{ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ }[آل عمران: 55] قال: فلـيس بلد فـيه أحد من النصارى إلا وهم فوق يهود فـي شرق ولا غرب هم فـي البلدان كلها مستذلون، قال الله: { وَقَطَّعْنَـٰهُمْ فِي ٱلاْرْضِ أُمَمًا }[الأعراف: 168] يهود.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك فـي قوله: {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ } بقول: بعهد من الله، وعهد من الناس.

حدثنـي يحيـى بن أبـي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، مثله.

واختلف أهل العربـية فـي الـمعنى الذي جلب البـاء فـي قوله: {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ } فقال بعض نـحويـي الكوفة: الذي جلب البـاء فـي قوله: {بِحَبْلِ } فعل مضمر قد ترك ذكره. قال: ومعنى الكلام: ضربت علـيهم الذلة أينما ثقـفوا، إلا أن يعتصموا بحبل من الله، فأضمر ذلك. واستشهد لقوله ذلك بقول الشاعر:

رأتْنِـي بِحَبْلَـيْها فَصَدَّتْ مَخافَةً وفـي الـحَبْل رَوْعاءُ الفُؤاد فَرُوقُ

وقال: أراد: أقْبَلْتُ بحبلـيها. وبقول الآخر:

حَنَتْنِي حانِياتُ الدَّهْر حتى كأني خاتِلٌ أحْنُو لِصَيْد

فأوجب إعمال فعل محذوف وإظهار صلته وهو متروك، وذلك في مذاهب العربـية ضعيف، ومن كلام العرب بعيد. وأما ما استشهد به لقوله من الأبيات، فغير دالّ علـى صحة دعواه، لأن في قول الشاعر: «رأتنـي بحبليها»، دلالة بـينة في أنها رأته بالحبل مـمسكاً، ففـي إخباره عنها أنها رأته بحبلـيها إخبـار منه أنها رأته مـمسكاً بـالـحبلين، فكان فـيـما ظهر من الكلام مستغنى عن ذكر الإمساك، وكانت البـاء صلة لقوله: «رأتنـي»، كما فـي قول القائل: أنا بـالله مكتف بنفسه، ومعرفة السامع معناه أن تكون البـاء مـحتاجة إلـى كلام يكون لها جالبـاً غير الذي ظهر، وأن الـمعنى أنا بـالله مستعين.

وقال بعض نـحويـي البصرة: قوله: {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ } استثناء خارج من أوّل الكلام، قال: ولـيس ذلك بأشدّ من قوله: {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلَـٰماً }.

وقال آخرون من نـحويـي الكوف: هو استثناء متصل. والـمعنى: ضربت علـيهم الذلة أينـما ثقـفوا: أي بكلّ مكان، إلا بـموضع حبل من الله، كما تقول: ضربت علـيهم الذلة فـي الأمكنة إلا فـي هذا الـمكان، وهذا أيضاً طلب الـحقّ، فأخطأ الـمفصل، وذلك أنه زعم أنه استثناء متصل، ولو كان متصلاً كما زعم لوجب أن يكون القوم إذا ثقـفوا بحبل من الله وحبل من الناس غير مضروبة علـيهم الـمسكنة، ولـيس ذلك صفة الـيهود لأنهم أينـما ثقـفوا بحبل من الله وحبل من الناس، أو بغير حبل من الله عزّ وجلّ، وغير حبل من الناس، فـالذلة مضروبة علـيهم علـى ما ذكرنا عن أهل التأويـل قبل. فلو كان قوله: {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ } استثناء متصلاً لوجب أن يكون القوم إذا ثقـفوا بعهد وذمة، أن لا تكون الذلة مضروبة علـيهم. وذلك خلاف ما وصفهم الله به من صفتهم، وخلاف ما هم به من الصفة، فقد تبـين أيضاً بذلك فساد قول هذا القائل أيضاً. ولكن القول عندنا أن البـاء فـي قوله: {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ } أدخـلت لأن الكلام الذي قبل الاستثناء مقتض فـي الـمعنى البـاء، وذلك أن معنى قولهم: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ }: ضربت علـيهم الذلة بكل مكان ثقـفوا، ثم قال: {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ } علـى غير وجه الاتصال بـالأول، ولكنه علـى الانقطاع عنه، ومعناه: ولكن يثقـفون بحبل من الله وحبل من الناس، كما قـيـل:

{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً }[النساء: 92] فـالـخطأ وإن كان منصوبـاً بـما عمل فـيـما قبل الاستنثاء، فلـيس قوله بـاستثناء متصل بـالأوّل بـمعنى إلا خطأ، فإن له قتله كذلك، ولكن معناه: ولكن قد يقتله خطأ، فكذلك قوله: {أَيْنَمَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ٱللَّهِ } وإن كان الذي جلب البـاء التـي بعد إلا الفعل الذي يقتضيها قبل إلا، فليس الإستثناء بالإستثناء المتصل بالذي قبله بمعنى أن القوم إذا لقوا، فالذلة زائلة عنهم، بل الذلة ثابتة بكلّ حال، ولكن معناه ما بينا آنفاً.

القول في تأويل قوله تعالـى: {وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِـئَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلاْنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ }.

يعنـي تعالـى ذكره: {وَبَاءوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ }: وتـحملوا غضب الله، فـانصرفوا به مستـحقـيه. وقد بـينا أصل ذلك بشواهده، ومعنى الـمسكنة، وأنها ذلّ الفـاقة والفقر وخشوعهما، ومعنى الغضب من الله فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وقوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بئَايَـٰتِ ٱللَّهِ } يعنـي جلّ ثناؤه بقوله ذلك: أي بوؤهم الذي بـاءوا به من غضب الله، وضرب الذلة علـيهم، بدل مـما كانوا يكفرون بآيات الله، يقول: مـما كانوا يجحدون أعلام الله وأدلته علـى صدق أنبـيائه، وما فرض علـيهم من فرائضه. {وَيَقْتُلُونَ ٱلأنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ } يقول: وبـما كانوا يقتلون أنبـياءهم ورسل الله إلـيهم، اعتداء علـى الله، وجراءة علـيه بـالبـاطل، وبغير حقّ استـحقوا منهم القتل.

فتأويـل الكلام: ألزموا الذلة بأيّ مكان لقوا، إلا بذمة من الله وذمة من الناس، وانصرفوا بغضب من الله متـحملـيه، وألزموا ذلّ الفـاقة، وخشوع الفقر، بدلاً مـما كانوا يجحدون بآيات الله، وأدلته وحججه، ويقتلون أنبـياءه بغير حقّ ظلـماً واعتداء.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ }.

يقول تعالـى ذكره: فعلنا بهم ذلك بكفرهم، وقتلهم الأنبـياء، ومعصيتهم ربهم، واعتدائهم أمر ربهم. وقد بـينا معنى الاعتداء فـي غير موضع فـيـما مضى من كتابنا بـما فـيه الكفـاية عن إعادته. فأعلـم ربنا جلّ ثناؤه عبـاده، ما فعل بهؤلاء القوم من أهل الكتاب، من إحلال الذلة والـخزي بهم فـي عاجل الدنـيا، مع ما ادّخر لهم فـي الآجل من العقوبة والنكال، وألـيـم العذاب، إذ تعدّوا حدود الله، واستـحلوا مـحارمه، تذكيراً منه تعالـى ذكره لهم، وتنبـيهاً علـى موضع البلاء الذي من قبله أتوا لـينـيبوا ويذَّكروا، وعظة منه لأمتنا، أن لا يستنوا بسنتهم، ويركبوا منهاجهم، فـيسلك بهم مسالكهم، ويحلّ بهم من نقم الله ومثلاته ما أحلّ بهم. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } اجتنبوا الـمعصية والعدوان، فإن بهما أهلك من أهلك قبلكم من الناس

لَيْسُوا۟ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ۝١١٣

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {لَيْسُواْ سَوَاء } لـيس فريقا أهل الكتاب، أهل الإيـمان منهم والكفر سواء، يعنـي بذلك: أنهم غير متساوين، يقول: لـيسوا متعادلـين، ولكنهم متفـاوتون فـي الصلاح والفساد والـخير والشرّ. وإنـما قـيـل: لـيسوا سواء، لأن فـيه ذكر الفريقـين من أهل الكتاب اللذين ذكرهما الله فـي قوله:

{ وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } [آل عمران: 110] ثم أخبر جلّ ثناؤه عن حال الفريقـين عنده، الـمؤمنة منهما والكافرة، فقال: {لَيْسُواْ سَوَاء }: أي لـيس هؤلاء سواء، الـمؤمنون منهم والكافرون. ثم ابتدأ الـخبر جلّ ثناؤه عن صفة الفرقة الـمؤمنة من أهل الكتاب ومدحهم، وأثنى علـيهم بعد ما وصف الفرقة الفـاسقة منهم بـما وصفها به من الهلع ونَـخْب الـجَنان، ومـحالفة الذلّ والصغار، وملازمة الفـاقة والـمسكنة، وتـحمل خزي الدنـيا وفضيحة الآخرة، فقال: {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ ءانَاء ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ }... الآيات الثلاث، إلـى قوله: { وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ }[آل عمران: 115] فقوله: «أمة قائمة» مرفوعة بقوله: «من أهل الكتاب».

وقد توهم جماعة من نـحويـي الكوفة والبصرة والـمقدّمين منهم فـي صناعتهم، أن ما بعد سواء فـي هذا الـموضع من قوله: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } ترجمة عن سواء، وتفسير عنه بـمعنى: لا يستوي من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء اللـيـل، وأخرى كافرة، وزعموا أن ذكر الفرقة الأخرى ترك اكتفـاء بذكر إحدى الفرقتـين، وهي الأمة القائمة، ومثّلوه بقول أبـي ذؤيب:

عَصَيْتُ إلَـيْها القَلْبَ إنـي لأمْرِها سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها

ولـم يقل: «أم غير رشد» اكتفـاء بقوله: «أرشد» من ذكر «أم غير رشد». وبقول الآخر:

أزَالُ فلا أدْري أهَمٌّ هَمَـمْتَهُ وذو الهَمّ قِدْماً خاشِعٌ مُتَضَائِلُ

وهو مع ذلك عندهم خطأ قول القائل الـمريد أن يقول: سواء أقمت أم قعدت، سواء أقمت حتـى يقول أم قعدت، وإنـما يجيزون حذف الثانـي فـيـما كان من الكلام مكتفـياً بواحد دون ما كان ناقصاً عن ذلك، وذلك نـحو ما أبـالـي أو ما أدري، فأجازوا فـي ذلك ما أبـالـي أقمت، وهم يريدون: ما أبـالـي أقمت أم قعدت، لاكتفـاء ما أبـالـي بواحد، وكذلك فـي ما أدري، وأبوا الإجازة فـي سواء من أجل نقصانه، وأنه غير مكتف بواحد، فأغفلوا فـي توجيههم قوله: {لَيْسُواْ سَوَاءٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } علـى ما حكينا عنهم إلـى ما وجهوه إلـيه مذاهبهم فـي العربـية، إذ أجازوا فـيه من الـحذف ما هو غير جائز عندهم فـي الكلام مع سواء، وأخطأوا تأويـل الآية، فسواء فـي هذا الـموضع بـمعنى التـمام والاكتفـاء، لا بـالـمعنى الذي تأوله من حكينا قوله. وقد ذكر أن قوله: {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ }... الآيات الثلاث، نزلت فـي جماعة من الـيهود أسلـموا، فحسن إسلامهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: لـما أسلـم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبـيد، ومن أسلـم من يهود معهم، فآمنوا وصدّقوا ورغبوا فـي الإسلام ومنـحوا فـيه، قالت: أحبـار يهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بـمـحمد ولا تبعه إلا أشرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبـائهم، وذهبوا إلـى غيره، فأنزل الله عزّ وجلّ فـي ذلك من قولهم: {لَيْسُواْ سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ } إلـى قوله:

{ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } [آل عمران: 114] .

حدثنا أبو كريب قال: ثنا يونس بن بكير، عن مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، قال: ثنـي سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس، بنـحوه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {لَيْسُواْ سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ }... الآية، يقول: لـيس كل القوم هلك، قد كان لله فـيهم بقـية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ }: عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سلام أخوه، وسعية ومبشر، وأسيد وأسد ابنا كعب.

وقال آخرون: معنى ذلك: لـيس أهل الكتاب وأمة مـحمد القائمة بحقّ الله سواء عند الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن الـحسن بن يزيد العجلـي، عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول فـي قوله: {لَيْسُواْ سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } قال: لا يستوي أهل الكتاب، وأمة مـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {لَيْسُواْ سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ }... الآية، يقول: لـيس هؤلاء الـيهود كمثل هذه الأمة التـي هي قائمة.

وقد بـينا أن أولـى القولـين بـالصواب فـي ذلك قول من قال: قد تـمت القصة عند قوله: {لَيْسُواْ سَوَاءً } عن إخبـار الله بأمر مؤمنـي أهل الكتاب، وأهل الكفر منهم، وأن قوله: {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ }. خبر مبتدأ عن مدح مؤمنـيهم، ووصفهم بصفتهم، علـى ما قاله ابن عبـاس وقتادة وابن جريج. ويعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ }: جماعة ثابتة علـى الـحقّ. وقد دللنا علـى معنى الأمة فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته.

وأما القائمة، فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي تأويـله، فقال بعضهم: معناها: العادلة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } قال: عادلة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنها قائمة علـى كتاب الله وما أمر به فـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة فـي قوله: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } يقول: قائمة علـى كتاب الله وفرائضه وحدوده.

حُدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قوله: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } يقول: قائمة علـى كتاب الله وحدوده وفرائضه.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } يقول: أمة مهتدية قائمة علـى أمر الله، لـم تنزع عنه وتتركه كما تركه الآخرون وضيعوه.

وقال آخرون: بل معنى قائمة: مطيعة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } الآية، يقول: لـيس هؤلاء الـيهود، كمثل هذه الأمة التـي هي قانتة لله والقانتة: الـمطيعة.

وأولـى هذه الأقوال بـالصواب فـي تأويـل ذلك ما قاله ابن عبـاس وقتادة، ومن قال بقولهما علـى ما روينا عنهم، وإن كان سائر الأقوال الأخر متقاربة الـمعنى من معنى ما قاله ابن عبـاس وقتادة فـي ذلك. وذلك أن معنى قوله: {قَائِمَةً } مستقـيـمة علـى الهدى، وكتاب الله وفرائضه، وشرائع دينه، بـالعدل والطاعة، وغير ذلك من أسبـاب الـخير من صفة أهل الاستقامة علـى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونظير ذلك الـخبر الذي رواه النعمان بن بشير، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:

مَثَلُ القائِمِ علـى حُدُودِ اللّهِ وَالوَاقِعِ فِـيها، كَمَثَلِ قَوْمٍ رَكِبُوا سَفِـينَةً، ثُمَّ ضَرَبَ لهُمْ مَثَلاً فـالقائمُ علـى حُدُودِ اللّهِ هُوَ الثَّابِت عَلـى التَّـمَسُّكِ بِـما أمَرَهُ اللّهُ بهِ وَاجْتِنابِ ما نَهاهُ اللّهُ عَنْهُ.

فتأويـل الكلام: من أهل الكتاب جماعة معتصمة بكتاب الله، متـمسكة به، ثابتة علـى العمل بـما فـيه، وما سنّ له رسوله صلى الله عليه وسلم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {يَتْلُونَ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ ءانَاء ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ }.

يعنـي بقوله: {يَتْلُونَ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ }: يقرؤون كتاب الله آناء اللـيـل، ويعنـي بقوله: {ءايَـٰتِ ٱللَّهِ }: ما أنزل فـي كتابه من العبر والـمواعظ، يقول: يتلون ذلك آناء اللـيـل، يقول: فـي ساعات اللـيـل، فـيتدبرونه ويتفكرون فـيه. وأما {آناءَ ٱلَّيْل }: فساعات اللـيـل، واحدها: إِنْـيٌ، كما قال الشاعر:

حُلوٌ ومُرّ كعْطفِ القِدْحِ مِرَّتَهُ فـي كُلّ إنْـيٍ قَضَاهُ اللَّـيْـلُ يَنْتَعِلُ

وقد قـيـل إن واحد الآناء: إِنى مقصور، كما واحد الأمعاء: مِعًى.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: تأويـله: ساعات اللـيـل، كما قلنا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {يَتْلُونَ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ ءانَاء ٱلَّيْلِ }: أي ساعات اللـيـل.

حُدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال: {آناءَ ٱلَّيْل }: ساعات اللـيـل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال عبد الله بن كثـير: سمعنا العرب تقول: {آناءَ ٱلَّيْل}: ساعات اللـيـل.

وقال آخرون {آناءَ ٱلَّيْل}: جوف اللـيـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {يَتْلُونَ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ ءانَاء ٱلَّيْلِ } أما آناء اللـيـل: فجوف اللـيـل.

وقال آخرون: بل عنـي بذلك قوم كانوا يصلون العشاء الأخيرة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن الـحسن بن يزيد العجلـي، عن عبد الله بن مسعود فـي قوله: {يَتْلُونَ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ ءانَاء ٱلَّيْلِ }: صلاة العتـمة، هم يصلونها، ومن سواهم من أهل الكتاب لا يصلـيها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنـي يحيـى بن أيوب، عن عبـيد الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة كان عند بعض أهله ونسائه، فلـم يأتنا لصلاة العشاء حتـى ذهب ليلٌ، فجاء ومنا المصلي ومنا المضطجع، فبشرنا وقال:

إنه لا يُصَلّي هذه الصَّلاة أحَدٌ مِنْ أَهْلِ الكِتابِ، فأنزل الله: {لَيْسُواْ سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ ءانَاء ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ }.

حدثني يونس، قال: ثنا، عليّ بن معبد، عن أبي يحيى الخراساني، عن نصر بن طريف، عن عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ننتظر العشاء ـ يريد العتمة ـ فقال لنا:

ما علـى الأرْضِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأدْيَانِ يَنْتَظِرُ هذه الصَّلاةَ فـي هذا الوَقْتِ غَيْرُكُمْ قال: فنزلت: {لَيْسُواْ سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ ءانَاء ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ }.

وقال آخرون: بل عنـي بذلك قوم كانوا يصلون فـيـما بـين الـمغرب والعشاء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن منصور، قال: بلغنـي أنها نزلت: {لَيْسُواْ سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ ءانَاء ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } فـيـما بـين الـمغرب والعشاء.

وهذه الأقوال التـي ذكرتها علـى اختلافها متقاربة الـمعانـي، وذلك أن الله تعالـى ذكره، وصف هؤلاء القوم، بأنهم يتلون آيات الله فـي ساعات اللـيـل، وهي آناؤه، وقد يكون تالـيها فـي صلاة العشاء تالـياً لها آناء اللـيـل، وكذلك من تلاها فـيـما بـين الـمغرب والعشاء، ومن تلاها جوف اللـيـل، فكلّ تال له ساعات اللـيـل.

غير أن أولـى الأقوال بتأويـل الآية، قول من قال: عنـي بذلك: تلاوة القرآن فـي صلاة العشاء، لأنها صلاة لا يصلـيها أحد من أهل الكتاب، فوصف الله أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم بأنهم يصلونها دون أهل الكتاب الذين كفروا بـالله ورسوله.

وأما قوله: {وَهُمْ يَسْجُدُونَ } فإن بعض أهل العربـية زعم أن معنى السجود فـي هذا الـموضع اسم الصلاة لا السجود، لأن التلاوة لا تكون فـي السجود ولا فـي الركوع، فكان معنى الكلام عنده: يتلون آيات الله آناء اللـيـل وهم يصلون، ولـيس الـمعنى علـى ما ذهب إلـيه، وإنـما معنى الكلام: من أهل الكتاب أمة قائمة، يتلون آيات الله آناء اللـيـل فـي صلاتهم، وهم مع ذلك يسجدون فـيها، فـالسجود هو السجود الـمعروف فـي الصلاة.

الجمعة، 23 أكتوبر 2026 12 جمادى الأولى 1448 هـ