انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير الطبريالآيات 82–93

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة آل عمران

الخلاصة من تفسير الطبري · 11 مقطعًا · 3:01:26

  1. 1 الآيات 75–92في هذه الصفحة 15:58
  2. 2 الآيات 93–112في هذه الصفحة 16:48

التفسير الصوتي لسورة آل عمران كاملًا (11 مقطعًا)

فَمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ ۝٨٢

يعنـي بذلك جل ثناؤه: فمن أعرض عن الإيـمان برسلـي الذين أرسلتهم بتصديق ما كان مع أنبـيائي من الكتب والـحكمة، وعن نصرتهم، فأدبر ولـم يؤمن بذلك، ولـم ينصر، ونكث عهده وميثاقه بعد ذلك، يعنـي بعد العهد والـميثاق الذي أخذه الله علـيه، فأولئك هم الفـاسقون: يعنـي بذلك أن الـمتولـين عن الإيـمان بـالرسل الذين وصف أمرهم ونصرتهم بعد العهد والـميثاق اللذين أخذا علـيهم بذلك، هم الفـاسقون، يعنـي بذلك: الـخارجون من دين الله، وطاعة ربهم. كما:

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: أخبرنا سيف بن عمر، عن أبـي روق، عن أبـي أيوب، عن علـيّ بن أبـي طالب: فمن تولـى عنك يا مـحمد بعد هذا العهد من جميع الأمـم، فأولئك هم الفـاسقون، هم العاصون فـي الكفر.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه ـ قال أبو جعفر: يعنـي الرازي ـ: {فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ } يقول: بعد العهد والـميثاق الذي أخذ علـيهم، فأولئك هم الفـاسقون.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر،[عن أبيه]، عن الربـيع، مثله.

وهاتان الآيتان وإن كان مخرج الـخبر فـيهما من الله عزّ وجلّ بـما أخبر أنه شهد، وأخذ به ميثاق من أخذ ميثاقه به عن أنبـيائه ورسله، فإنه مقصود به إخبـار من كان حوالـي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بنـي إسرائيـل أيام حياته صلى الله عليه وسلم، عما لله علـيهم من العهد فـي الإيـمان بنبوّة مـحمد صلى الله عليه وسلم، ومعنـيّ تذكيرهم ما كان الله آخذاً علـى آبـائهم وأسلافهم من الـمواثـيق والعهود، وما كانت أنبـياء الله عرفتهم وتقدمت إلـيهم فـي تصديقه واتبـاعه ونصرته علـى من خالفه، وكذبه، وتعريفهم ما فـي كتب الله التـي أنزلها إلـى أنبـيائه التـي ابتعثهم إلـيهم من صفته وعلامته.

أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُۥٓ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ۝٨٣

اختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز من مكة والمدينة وقراء الكوفة: «أفغير دين الله تبغون»، «وإليه ترجعون»، على وجه الخطاب. وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز: {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } بـالـياء كلتيهما على وجه الخبر عن الغائب. وقرأ ذلك بعض أهل البصرة: {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ } علـى وجه الـخبر عن الغائب، «وإلـيه تُرجعون» بـالتاء، علـى وجه الـمخاطبة.

وأولـى ذلك بـالصواب قراءة من قرأ: «أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ» علـى وجه الـخطاب «وَإِلَـيْهِ تُرْجَعُونَ» بـالتاء، لأن الآية التـي قبلها خطاب لهم، فإتبـاع الـخطاب نظيره أولـى من صرف الكلام إلـى غير نظيره، وإن كان الوجه الآخر جائزاً لـما قد ذكرنا فـيـما مضى قبل من أن الـحكاية يخرج الكلام معها أحياناً علـى الـخطاب كله، وأحياناً علـى وجه الـخبر عن الغائب، وأحياناً بعضه علـى الـخطاب، وبعضه علـى الغيبة، فقوله: «تَبْغُونَ... وَإِلَـيْهِ تُرْجَعُونَ» فـي هذه الآية من ذلك.

وتأويـل الكلام: يا معشر أهل الكتاب: «أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ» يقول: أفغير طاعة الله تلتـمسون وتريدون {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } يقول: وله خشع من فـي السموات والأرض، فخضع له بـالعبودية، وأقرّ له بإفراد الربوبـية، وانقاد له بإخلاص التوحيد والألوهية {طَوْعًا وَكَرْهًا } يقول: أسلـم لله طائعاً، من كان إسلامه منهم له طائعاً، وذلك كالـملائكة والأنبـياء والـمرسلـين، فإنهم أسلـموا لله طائعين، وكرهاً من كان منهم كارهاً.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى إسلام الكاره الإسلام، وصفته، فقال بعضهم: إسلامه: إقراره بأن الله خالقه وربه، وإن أشرك معه فـي العبـادة غيره. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } قال: هو كقوله: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ }.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، عن أبـي العالـية فـي قوله: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } قال: كل آدميّ قد أقرّ علـى نفسه بأن الله ربـي وأنا عبده، فمن أشرك فـي عبـادته فهذا الذي أسلـم كرهاً، ومن أخـلص له العبودية فهو الذي أسلـم طوعاً.

وقال آخرون: بل إسلام الكاره منهم كان حين أخذ منه الـميثاق، فأقرّ به. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفـيان، عن الأعمش، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ طَوْعًا وَكَرْهًا } قال: حين أخذ الـميثاق.

وقال آخرون: عنى بإسلام الكاره منهم: سجود ظله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا سوَار بن عبد الله، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، عن لـيث، عن مـجاهد فـي قول الله عزّ وجلّ: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ طَوْعًا وَكَرْهًا } قال: الطائع: الـمؤمن، وكرهاً: ظل الكافر.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح عن مـجاهد فـي قوله: {طَوْعًا وَكَرْهًا } قال: سجود الـمؤمن طائعاً، وسجود الكافر وهو كاره.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {كَرْهاً } قال: سجود الـمؤمن طائعاً، وسجود ظلّ الكافر وهو كاره.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثـير، عن مـجاهد، قال: سجود وجهه وظله طائعاً.

وقال آخرون: بل إسلامه بقلبه فـي مشيئة الله واستقادته لأمره، وإن أنكر ألوهته بلسانه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيـل، عن جابر، عن عامر: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } قال: استقاد كلهم له.

وقال آخرون: عنى بذلك إسلام من أسلـم من الناس كرهاً حذر السيف علـى نفسه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، قال: ثنا عبـاد بن منصور، عن الـحسن فـي قوله: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ طَوْعًا وَكَرْهًا }... الآية كلها، فقال: أكره أقوام علـى الإسلام، وجاء أقوام طائعين.

حدثنـي الـحسن بن قزعة البـاهلـي، قال: ثنا روح بن عطاء، عن مطر الورّاق فـي قول الله عزّ وجلّ: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } قال: الـملائكة طوعاً، والأنصار طوعاً، وبنو سلـيـم وعبد القـيس طوعاً، والناس كلهم كرهاً.

وقال آخرون: معنى ذلك أن أهل الإيـمان أسلـموا طوعاً، وأن الكافر أسلـم فـي حال الـمعاينة حين لا ينفعه إسلام كرهاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: «أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ»... الآية، فأما الـمؤمن فأسلـم طائعاً، فنفعه ذلك، وقبل منه؛ وأما الكافر فأسلـم كارهاً، حين لا ينفعه ذلك، ولا يقبل منه.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ طَوْعًا وَكَرْهًا } قال: أما الـمؤمن فأسلـم طائعاً، وأما الكافر فأسلـم حين رأى بأس الله

{ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } [غافر: 85].

وقال آخرون: معنى ذلك: فـي عبـادة الـخـلق لله عزّ وجل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: «أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ وَلَهُ أسْلَـمَ مَنْ فِـي السَّمَوَاتِ والأرْضِ طَوْعا وَكَرْهاً» قال: عبـادتهم لـي أجمعين طوعاً وكرهاً، وهو قوله:

{ وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ طَوْعًا وَكَرْهًا } [الرعد: 15].

وأما قوله: «وَإِلَـيْهِ تُرْجَعُونَ» فإنه يعنـي: وإلـيه يا معشر من يبتغي غير الإسلام ديناً من الـيهود والنصارى! وسائر الناس. «ترجعون» يقول: إلـيه تصيرون بعد مـماتكم، فمـجازيكم بأعمالكم، الـمـحسن منكم بإحسانه، والـمسيء بإساءته. وهذا من الله عزّ وجلّ تـحذير خـلقه أن يرجع إلـيه أحد منهم، فـيصير إلـيه بعد وفـاته علـى غير ملة الإسلام.

قُلْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ ۝٨٤

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: أفغير دين الله تبغون يا معشر الـيهود، وله أسلـم من فـي السموات والأرض طوعاً وكرهاً، وإلـيه ترجعون، فإن ابتغوا غير دين الله يا مـحمد، فقل لهم: آمنا بـالله. فترك ذكر قوله: «فإن قالوا نعم»، وذكر قوله: «فإن ابتغوا غير دين الله»، لدلالة ما ظهر من الكلام علـيه.

وقوله: {قُلْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ } يعنـي به: قل لهم يا مـحمد: صدّقنا بـالله أنه ربنا وإلٰهنا، لا إلٰه غيره، ولا نعبد أحداً سواه؛ {وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا } يقول: وقل: وصدّقنا أيضاً بـما أنزل علـينا من وحيه وتنزيـله، فأقررنا به؛ {وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ } يقول: وصدقنا أيضاً بـما أنزل علـى إبراهيـم خـلـيـل الله؛ {و}علـى ابنـيه { إِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ } وابن ابنه {يَعْقُوبَ } وبـما أنزل علـى الأسبـاط، وهم ولد يعقوب الاثنا عشر، وقد بـينا أسماءهم بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. {وَمَا أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ } يقول: وصدقنا أيضاً مع ذلك بـالذي أنزل الله علـى موسى وعيسى من الكتب والوحي، وبـما أنزل علـى النبـيـين من عنده. والذي آتـى الله موسى وعيسى، مـما أمر الله عزّ وجلّ مـحمداً بتصديقهما فـيه والإيـمان به التوراة التـي آتاها موسى، والإنـجيـل الذي أتاه عيسى. {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } يقول: لا نصدّق بعضهم ونكذّب بعضهم، ولا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم، كما كفرت الـيهود والنصارى ببعض أنبـياء الله، وصدّقت بعضاً، ولكنا نؤمن بجميعهم، ونصدّقهم. {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } يعنـي: ونـحن ندين لله بـالإسلام، لا ندين غيره، بل نتبرأ إلـيه من كل دين سواه، ومن كل ملة غيره. ويعنـي بقوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }: ونـحن له منقادون بـالطاعة، متذللون بـالعبودية، مقرّون له بـالألوهة والربوبـية، وأنه لا إلٰه غيره. وقد ذكرنا الرواية بـمعنى ما قلنا فـي ذلك فـيـما مضى، وكرهنا إعادته.

وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلْإِسْلَٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ۝٨٥

يعني بذلك جلّ ثناؤه: ومن يطلب ديناً غير دين الإسلام لـيدين به، فلن يقبل الله منه، {وَهُوَ فِى ٱلأَخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ }، يقول: من البـاخسين أنفسهم حظوظها من رحمة الله عزّ وجلّ. وذُكر أن أهل كل ملة ادّعوا أنهم هم الـمسلـمون لـما نزلت هذه الآية، فأمرهم الله بـالـحجّ إن كانوا صادقـين، لأن من سنة الإسلام الـحجّ، فـامتنعوا، فأدحض الله بذلك حجتهم. ذكر الـخبر بذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، قال: زعم عكرمة: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا } فقالت الـملل: نـحن الـمسلـمون، فأنزل الله عزّ وجلّ:

{ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ }[آل عمران: 97] فحجّ الـمسلـمون، وقعد الكفـار.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا القعنبـي، قال: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن عكرمة، قال: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ } قالت الـيهود: فنـحن الـمسلـمون، فأنزل الله عزّ وجلّ لنبـيه صلى الله عليه وسلم يحجّهم أن

{ لِلَّه عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ } .[آل عمران: 97]

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن عكرمة، قال: لـما نزلت: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا }... إلـى آخر الآية، قالت الـيهود: فنـحن مسلـمون، قال الله عزّ وجلّ لنبـيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم: إن

{ لِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ }[آل عمران: 97] من أهل الـملل { فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ }.[آل عمران: 97]

وقال آخرون فـي هذه الآية بـما:

حدثنا به الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِئِينَ مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأخِرِ }[البقرة: 62] إلـى قوله: { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }[البقرة: 62] فأنزل الله عزّ وجلّ بعد هذا: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ }.

كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَٰنِهِمْ وَشَهِدُوٓا۟ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٨٦ أُو۟لَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ۝٨٧ خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ۝٨٨ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٨٩

اختلف أهل التأويـل فـيـمن عنى بهذه الآية، وفـيـمن نزلت، فقال بعضهم: نزلت فـي الـحارث بن سويد الأنصاري، وكان مسلـماً، فـارتدّ بعد إسلامه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عبد الله بن بزيع البصري، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا داود بن أبـي هند، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: كان رجل من الأنصار أسلـم، ثم ارتدّ ولـحق بـالشرك، ثم ندم، فأرسل إلـى قومه: أرسلوا إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لـي من توبة؟ قال: فنزلت: {كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ } إلـى قوله: {وَجَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فأرسل إلـيه قومه، فأسلـم.

حدثنـي ابن الـمثنى، قال: ثنـي عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، عن عكرمة بنـحوه، ولـم يرفعه إلـى ابن عبـاس، إلا أنه قال: فكتب إلـيه قومه، فقال: ما كذبنـي قومي، فرجع.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا حكيـم بن جميع، عن علـيّ بن مسهر، عن داود بن أبـي هند، عن عكرمة عن ابن عبـاس، قال: ارتدّ رجل من الأنصار، فذكر نـحوه.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا جعفر بن سلـيـمان، قال: أخبرنا حميد الأعرج، عن مـجاهد، قال: جاء الـحارث بن سويد، فأسلـم مع النبـيّ صلى الله عليه وسلم، ثم كفر الـحارث فرجع إلـى قومه، فأنزل الله عزّ وجلّ فـيه القرآن: {كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ } إلـى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } قال: فحملها إلـيه رجل من قومه، فقرأها علـيه، فقال الـحارث: إنك والله ما عُلِـمْتُ لصدوق، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدق منك، وإن الله عزّ وجلّ لأصدق الثلاثة! قال: فرجع الـحارث فأسلـم، فحسن إسلامه.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ } قال: أنزلت فـي الـحارث بن سويد الأنصاري كفر بعد إيـمانه، فأنزل الله عزّ وجلّ فـيه هذه الآيات، إلـى:

{ أُولَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ }[آل عمران: 116] ثم تاب وأسلـم، فنسخها الله عنه، قـال: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عزّ وجلّ: {كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ } قال رجل من بنـي عمرو بن عوف كفر بعد إيـمانه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريح، عن مـجاهد، قال: هو رجل من بنـي عمرو بن عوف كفر بعد إيـمانه. قال ابن جريج: أخبرنـي عبد الله بن كثـير، عن مـجاهد، قال: لـحق بأرض الروم فتنصر، ثم كتب إلـى قومه: أرسلوا هل لـي من توبة؟ قال: فحسبت أنه آمن ثم رجع. قال: ابن جريج: قال عكرمة: نزلت فـي أبـي عامر الراهب، والـحارث بن سويد بن الصامت، ووَحْوَح بن الأسلت فـي اثنـي عشر رجلاً رجعوا عن الإسلام، ولـحقوا بقريش، ثم كتبوا إلـى أهلهم: هل لنا من توبة؟ فنزلت: {إِلاَّ ٱلَّذِى تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ }... الآيات.

وقال آخرون: عنى بهذه الآية أهل الكتاب، وفـيهم نزلت. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ } فهم أهل الكتاب عرفوا مـحمدا صلى الله عليه وسلم، ثم كفروا به.

حدثنا مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، قال: ثنا عبـاد بن منصور، عن الـحسن فـي قوله: {كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ }... الآية كلها، قال الـيهود والنصارى.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الـحسن يقول فـي قوله: {كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ }... الآية، هم أهل الكتاب من الـيهود والنصارى، رأوا نعت مـحمد صلى الله عليه وسلم فـي كتابهم، وأقرّوا به، وشهدوا أنه حقّ، فلـما بعث من غيرهم حسدوا العرب علـى ذلك، فأنكروه وكفروا بعد إقرارهم حسداً للعرب حين بعث من غيرهم.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الـحسن فـي قوله: {كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ } قال: هم أهل الكتاب؛ كانوا يجدون مـحمداً صلى الله عليه وسلم فـي كتابهم، ويستفتـحون به، فكفروا بعد إيـمانهم.

قال أبو جعفر: وأشبه القولـين بظاهر التنزيـل ما قال الـحسن، من أن هذه الآية معنـيّ بها أهل الكتاب علـى ما قال. غير أن الأخبـار بـالقول الآخر أكثر، والقائلـين به أعلـم بتأويـل القرآن، وجائز أن يكون الله عزّ وجلّ أنزل هذه الآيات بسبب القوم الذين ذكر أنهم كانوا ارتدّوا عن الإسلام، فجمع قصتهم وقصة من كان سبيله سبيلهم فـي ارتداده عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فـي هذه الآيات، ثم عرّف عباده سنته فـيهم، فـيكون داخلاً في ذلك كل من كان مؤمن بـمـحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، ثم كفر به بعد أن بعث، وكل من كان كافراً ثم أسلـم علـى عهده صلى الله عليه وسلم ثم ارتدّ وهو حيّ عن إسلامه، فـيكون معنـياً بـالآية جميع هذين الصنفـين وغيرهما مـمن كان بـمثل معناهما، بل ذلك كذلك إن شاء الله.

فتأويـل الآية إذاً: {كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ } يعنـي: كيف يرشد الله للصواب، ويوفق للإيـمان، قوما جحدوا نبوّة مـحمد صلى الله عليه وسلم، بعد إيـمانهم: أي بعد تصديقهم إيَّاهُ، وإقرارهم بـما جاءهم به من عند ربه. {وَشَهِدُواْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ } يقول: وبعد أن أقرّوا أن مـحمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى خـلقه حقاً. {وَجَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ } يعنـي: وجاءهم الـحجج من عند الله، والدلائل بصحة ذلك. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } يقول: والله لا يوفق للـحقّ والصواب الـجماعة الظلـمة، وهم الذين بدّلوا الـحقّ إلـى البـاطل، فـاختاروا الكفر علـى الإيـمان. وقد دللنا فـيـما مضى قبل علـى معنى الظلـم، وأنه وضع الشيء فـي غير موضعه بـما أغنى عن إعادته. {أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُمْ } يعنـي: هؤلاء الذين كفروا بعد إيـمانهم، وبعد أن شهدوا أن الرسول حقّ، {جَزَآؤُهُمْ } ثوابهم من عملهم الذي عملوه، {أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ } يعنـي أن حلّ بهم من الله الإقصاء والبعد، ومن الـملائكة والناس إلا مـما يسوءهم من العقاب {أَجْمَعِينَ } يعنـي من جميعهم: لا من بعض من سماه جلّ ثناؤه من الـملائكة والناس، ولكن من جميعهم، وإنـما جعل ذلك جلّ ثناؤه ثواب عملهم، لأن عملهم كان بـالله كفراً. وقد بـينا صفة لعنة الناس الكافر فـي غير هذا الـموضع بـما أغنى عن إعادته. {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } يعنـي: ماكثـين فـيها، يعنـي: فـي عقوبة الله. {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ } لا ينقصون من العذاب شيئاً فـي حال من الأحوال ولا يُنفَّسُون فـيه. {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } يعنـي: ولا هم ينظرون لـمعذرة يعتذرون، وذلك كله: أعنـي الـخـلود فـي العقوبة فـي الآخرة. ثم استثنى جلّ ثناؤه الذين تابوا من هؤلاء الذين كفروا بعد إيـمانهم، فقال تعالـى ذكره: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ } يعنـي: إلا الذين تابوا من بعد ارتدادهم عن إيـمانهم، فراجعوا الإيـمان بـالله وبرسوله، وصدّقوا بـما جاءهم به نبـيهم صلى الله عليه وسلم من عند ربهم. {وَأَصْلَحُواْ } يعنـي: وعملوا الصالـحات من الأعمال. {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يعنـي فإن الله لـمن فعل ذلك بعد كفره {غَفُورٌ } يعنـي: ساتر علـيه ذنبه الذي كان منه من الردّة، فتارك عقوبته علـيه، وفضيحته به يوم القـيامة، غير مؤاخذه به إذا مات علـى التوبة منه، رحيـم متعطف علـيه بـالرحمة.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ ۝٩٠

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: عنى الله عزّ وجلّ بقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي ببعض أنبـيائه الذين بعثوا قبل مـحمد صلى الله عليه وسلم بعد إيـمانهم. {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً } بكفرهم بـمـحمد. {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } عند حضور الـموت وحشره بنفسه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، قال: ثنا عبـاد بن منصور، عن الـحسن فـي قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلضَّالُّونَ } قال: الـيهود والنصارى لن تقبل توبتهم عند الـموت.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْرًا } أولئك أعداء الله الـيهود، كفروا بـالإنـجيـل وبعيسى، ثم ازدادوا كفراً بـمـحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً } قال: ازدادوا كفراً حتـى حضرهم الـموت، فلـم تقبل توبتهم حين حضرهم الـموت. قال معمر: وقال مثل ذلك عطاء الـخراسانـي.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن قتادة، قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلضَّالُّونَ } وقال: هم الـيهود كفروا بـالإنـجيـل، ثم ازدادوا كفراً حين بعث الله مـحمداً صلى الله عليه وسلم، فأنكروه، وكذّبوا به.

وقال آخرون: معنى ذلك: إن الذين كفروا من أهل الكتاب بـمـحمد بعد إيـمانهم بأنبـيائهم، {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً }: يعنـي ذنوبـاً، {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } من ذنوبهم، وهم علـى الكفر مقـيـمون. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن رفـيع: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْرًا } ازدادوا ذنوبـاً وهم كفـار، {فَلَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } من تلك الذنوب ما كانوا علـى كفرهم وضلالتهم.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن داود، قال: سألت أبـا العالـية، قال: قلت: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ }؟ قال: إنـما هم هؤلاء النصارى والـيهود الذين كفروا ثم ازدادوا كفرا بذنوب أصابوها، فهم يتوبون منها فـي كفرهم.

حدثنا عبد الـحميد بن بـيان الـيشكري، قال: أخبرنا ابن أبـي عديّ، عن داود، قال: سألت أبـا العالـية عن الذين آمنوا ثم كفروا، فذكر نـحواً منه.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، قال: سألت أبـا العالـية عن هذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلضَّالُّونَ } قال: هم الـيهود والنصارى والـمـجوس، أصابوا ذنوبـاً فـي كفرهم فأرادوا أن يتوبوا منها، ولن يتوبوا من الكفر، ألا ترى أنه يقول: {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلضَّالُّونَ }؟

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفـيان، عن داود، عن أبـي العالـية فـي قوله: {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } قال: تابوا من بعض، ولـم يتوبوا من الأصل.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن داود بن أبـي هند، عن أبـي العالـية، قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْرًا } قال: هم الـيهود والنصارى يصيبون الذنوب فـيقولون نتوب وهم مشركون، قال الله عزّ وجلّ: لن تقبل التوبة فـي الضلالة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن الذين كفروا بعد إيـمانهم بأنبـيائهم، ثم ازدادوا كفراً، يعنـي بزيادتهم الكفر: تمامهم علـيه حتـى هلكوا وهم علـيه مقـيـمون، لن تقبل توبتهم: لن تنفعهم توبتهم الأولـى، وإيـمانهم لكفرهم الآخر وموتهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله: {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً } قال: تـمّوا علـى كفرهم. قال ابن جريج: {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } يقول: إيـمانهم أوّل مرّة لن ينفعهم.

وقال آخرون: معنى قوله: {ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً } ماتوا كفـاراً، فكان ذلك هو زيادتهم من كفرهم. وقالوا: معنى {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ }: لن تقبل توبتهم عند موتهم ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلضَّالُّونَ } أما ازدادوا كفراً: فماتوا وهم كفـار، وأما لن تقبل توبتهم: فعند موته إذا تاب لـم تقبل توبته.

قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بـالصواب فـي تأويـل هذه الآية قول من قال: عنى بها الـيهودَ، وأن يكون تأويـله: إن الذين كفروا من الـيهود بـمـحمد صلى الله عليه وسلم عند مبعثه بعد إيـمانهم به قبل مبعثه، ثم ازدادوا كفراً بـما أصابوا من الذنوب فـي كفرهم ومقامهم علـى ضلالتهم، لن تقبل توبتهم من ذنوبهم التـي أصابوها فـي كفرهم، حتـى يتوبوا من كفرهم بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، ويراجعوا التوبة منه بتصديق ما جاء به من عند الله.

وإنـما قلنا ذلك أولـى الأقوال فـي هذه الآية بـالصواب، لأن الآيات قبلها وبعدها فـيهم نزلت، فأولـى أن تكون هي فـي معنى ما قبلها وبعدها إذ كانت فـي سياق واحد. وإنـما قلنا: معنى ازديادهم الكفر ما أصابوا فـي كفرهم من الـمعاصي، لأنه جلّ ثناؤه قال: {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } فكان معلوماً أن معنى قوله: {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } إنـما هو معنـيّ به: لن تقبل توبتهم مـما ازدادوا من الكفر علـى كفرهم بعد إيـمانهم، لا من كفرهم، لأن الله تعالـى ذكره وعد أن يقبل التوبة من عبـاده، فقال:

{ وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ }[الشورى: 25] فمـحال أن يقول عزّ وجلّ أقبل، ولا أقبل فـي شيء واحد. وإذ كان ذلك كذلك، وكان من حكم الله فـي عبـاده أنه قابل توبة كل تائب من كل ذنب، وكان الكفر بعد الإيـمان أحد تلك الذنوب التـي وعد قبول التوبة منها بقوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } علـم أن الـمعنى الذي لا تقبل التوبة منه، غير الـمعنى الذي تقبل التوبة منه. وإذ كان ذلك كذلك، فـالذي لا تقبل منه التوبة هو الازدياد علـى الكفر بعد الكفر، لا يقبل الله توبة صاحبه ما أقام علـى كفره، لأن الله لا يقبل من مشرك عملاً ما أقام علـى شركه وضلاله، فأما إن تاب من شركه وكفره وأصلـح، فإن الله كما وصف به نفسه، غفور رحيـم.

فإن قال قائل: وما ينكر أن يكون معنى ذلك، كما قال من قال: فلن تقبل توبتهم من كفرهم عند حضور أجله، أو توبته الأولـى؟ قـيـل: أنكرنا ذلك لأن التوبة من العبد غير كائنة إلا فـي حال حياته، فأما بعد مـماته فلا توبة، وقد وعد الله عزّ وجلّ عبـاده قبول التوبة منهم ما دامت أرواحهم فـي أجسادهم، ولا خلاف بـين جميع الـحجة فـي أن كافراً لو أسلـم قبل خروج نفسه بطرفة عين أن حكمه حكم الـمسلـمين فـي الصلاة علـيه والـموارثة، وسائر الأحكام غيرها، فكان معلوماً بذلك أن توبته فـي تلك الـحال لو كانت غير مقبولة، لـم ينتقل حكمه من حكم الكفـار إلـى حكم أهل الإسلام، ولا منزلة بـين الـموت والـحياة يجوز أن يقال لا يقبل الله فـيها توبة الكافر، فإذا صحّ أنها فـي حال حياته مقبولة، ولا سبـيـل بعد الـمـمات إلـيها، بطل قول الذي زعم أنها غير مقبولة عند حضور الأجل.

وأما قول من زعم أن معنى ذلك التوبة التـي كانت قبل الكفر فقول لا معنى له، لأن الله عزّ وجلّ لـم يوصف القوم بإيـمان كان منهم بعد كفر، ثم كفر بعد إيـمان، بل إنـما وصفهم بكفر بعد إيـمان، فلـم يتقدم ذلك الإيـمان كفر كان للإيـمان لهم توبة منه، فـيكون تأويـل ذلك علـى ما تأوله قائل ذلك، وتأويـل القرآن علـى ما كان موجوداً فـي ظاهر التلاوة إذا لـم تكن حجة تدلّ علـى بـاطن خاصّ أولـى من غيره وإن أمكن توجيهه إلـى غيره.

وأما قوله: {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلضَّالُّونَ } فإنه يعنـي بذلك: وهؤلاء الذين كفروا بعد إيـمانهم، ثم ازدادوا كفراً، هم الذين ضلوا سبـيـل الـحقّ، فأخطئوا منهجه، وتركوا مَنْصَفَ السبـيـل وهدى الله الدين، حيرةً منهم وعَمىً عنه. وقد بـينا فـيـما مضى معنى الضلال بـما فـيه الكفـاية.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ۝٩١

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي جحدوا نبوّة مـحمد صلى الله عليه وسلم، ولـم يصدّقوا به، وبـما جاء به من عند الله من أهل كل ملة يهودها ونصاراها ومـجوسها وغيرهم. {وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ } يعنـي: وماتوا علـى ذلك من جحود نبوّته، وجحود ما جاء به. {فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْء ٱلأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ } يقول: فلن يقبل مـمن كان بهذه الصفة فـي الآخرة جزاء ولا رشوة علـى ترك عقوبته علـى كفره، ولا جعل علـى العفو عنه، ولو كان له من الذهب قدر ما يـملأ الأرض من مشرقها إلـى مغربها، فَرَشَا وجزى علـى ترك عقوبته وفـي العفو عنه علـى كفره عوضاً مـما الله مـحلّ به من عذابه، لأن الرشوة إنـما يقبلها من كان ذا حاجة إلـى ما رُشي، فأما من له الدنـيا والآخرة، فكيف يقبل الفدية، وهو خلاق كل فدية افتدى بها مفتد عن نفسه أو غيره؟ وقد بـينا أن معنى الفدية؛ العوض والـجزاء من الـمفتدى منه بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. ثم أخبر عزّ وجلّ عما لهم عنده، فقال: {أُوْلَـٰئِكَ } يعنـي: هؤلاء الذين كفروا وماتوا وهم كفـار، {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } يقول: لهم عند الله فـي الآخرة عذاب موجع، {وَمَا لَهُم مّن نَّـٰصِرِينَ } يعنـي: وما لهم من قريب ولا حميـم ولا صديق ينصره، فـيستنقذه من الله ومن عذابه، كما كانوا ينصرونه فـي الدنـيا علـى من حاول أذاه ومكروهه. وقد:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ثنا أنس بن مالك، أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:

يُجاءُ بـالكافر يَوْمَ القِـيامَةِ فـيُقالُ لَهُ: أرأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبـاً، أكُنْتَ مُفْتَدِياً بِهِ؟ فَـيَقُولُ نَعَمْ، قال: فَـيُقالُ لَقَدْ سُئِلْتَ ما هُوَ أيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ، فذلك قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْء ٱلأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ }.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، قال: ثنا عبـاد، عن الـحسن، قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْء ٱلأَرْضِ ذَهَبًا } قال: هو كل كافر.

ونصب قوله «ذهبـاً» علـى الـخروج من الـمقدار الذي قبله والتفسير منه، وهو قوله: «ملء الأرض»، كقول القائل: عندي قدر زقًّ سمناً وقدر رطل عسلاً، فـالعسل مبـين به ما ذكر من الـمقدار، وهو نكرة منصوبة علـى التفسير للـمقدار والـخروج منه.

وأما نـحويو البصرة، فإنهم زعموا أنه نصب الذهب لاشتغال الـملء بـالأرض، ومـجيء الذهب بعدهما، فصار نصبها نظير نصب الـحال، وذلك أن الـحال يجيء بعد فعل قد شغل بفـاعله فـينصب، كما ينصب الـمفعول الذي يأتـي بعد الفعل الذي قد شغل بفـاعله، قالوا: ونظير قوله: {مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَبًا } فـي نصب الذهب فـي الكلام: لـي مثلك رجلاً، بـمعنى: لـي مثلك من الرجال. وزعموا أن نصب الرجل لاشتغال الإضافة بـالاسم، فنصب كما ينصب الـمفعول به لاشتغال الفعل بـالفـاعل، وأدخـلت الواو فـي قوله: {وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ } لـمـحذوف من الكلام بعده دلّ علـيه دخول الواو، كالواو فـي قوله:

{ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ }[الأنعام: 75]. وتأويـل الكلام: ولـيكون من الـموقنـين، أريناه ملكوت السموات والأرض، فكذلك ذلك فـي قوله: {وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ }، ولو لـم يكن فـي الكلام واو، لكان الكلام صحيحاً، ولـم يكن هنالك متروك وكان: فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبـاً لو افتدى به.

لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ ۝٩٢

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: لن تدركوا أيها الـمؤمنون البرّ، وهو البرّ من الله الذي يطلبونه منه بطاعتهم إياه وعبـادتهم له، ويرجونه منه، وذلك تفضله علـيهم بإدخاله جنته، وصرف عذابه عنهم؛ ولذلك قال كثـير من أهل التأويـل: البرّ: الـجنة، لأن برّ الربّ بعبده فـي الآخرة وإكرامه إياه بإدخاله الـجنة. ذكر من قال ذلك.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن شريك، عن أبـي إسحاق، عن عمرو بن ميـمون فـي قوله: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ } قال: الـجنة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحمانـي، قال: ثنا شريك، عن أبـي إسحاق، عن عمرو بن ميـمون فـي قوله: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ } قال: البرّ: الـجنة.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ } أما البرّ. فـالـجنة.

فتأويـل الكلام: لن تنالوا أيها الـمؤمنون جنة ربكم، حتـى تنفقوا مـما تـحبون، يقول: حتـى تتصدّقوا مـما تـحبون وتهوون أن يكون لكم من نفـيس أموالكم. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } يقول: لن تنالوا برّ ربكم حتـى تنفقوا مـما يعجبكم ومـما تههون من أموالكم.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر، عن عبـاد، عن الـحسن، قوله: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } قال: من الـمال.

وأما قوله: {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْء فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } فإنه يعنـي به: ومهما تنفقوا من شيء فتتصدّقوا به من أموالكم، فإن الله تعالـى ذكره بـما يتصدّق به الـمتصدّق منكم، فـينفقه مـما يحبّ من ماله فـي سبـيـل الله، وغير ذلك علـيـم، يقول: هو ذو علـم بذلك كله، لا يعزب عنه شيء منه حتـى يجازى صاحبه علـيه جزاءه فـي الآخرة. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْء فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } يقول: مـحفوظ لكم ذلك الله به علـيـم شاكر له.

وبنـحو التأويـل الذي قلنا تأوّل هذه الآية جماعة من الصحابة والتابعين. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عزّ وجلّ: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } قال: كتب عمر بن الـخطاب إلـى أبـي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من جلولاء يوم فتـحت مدائن كسرى فـي قتال سعد بن أبـي وقاص، فدعا بها عمر بن الـخطاب، فقال: إن الله يقول: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } فأعتقها عمر. وهي مثل قول الله عزّ وجلّ:

{ وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً }،[الإنسان: 8] { { وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } [الحشر: 9] .

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله سواء.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن حميد، عن أنس بن مالك، قال: لـما نزلت هذه الآية: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } أو هذه الآية:

{ مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا }[البقرة: 245] قال أبو طلـحة: يا رسول الله حائطي الذي بكذا وكذا صدقة، ولو استطعت أن أجعله سرّاً لـم أجعله علانـية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجْعَلْها فِـي فُقَرَاءِ أهْلِكَ

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج بن الـمنهال، قال: ثنا حماد، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: لـما نزلت هذه الآية: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } قال أبو طلـحة: يا رسول الله، إن الله يسألنا من أموالنا، اشهد أنـي قد جعلت أرضي بأرْيَحا لله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

اجْعَلْها فِـي قَرَابَتِكَ. فجعلها بـين حسان بن ثابت وأبـيّ بن كعب.

حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا لـيث، عن ميـمون بن مهران، أن رجلاً سأل أبـا ذرّ أيّ الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة عماد الإسلام، والـجهاد: سنام العمل، والصدقة شيء عجيب. فقال: يا أبـا ذرّ لقد تركت شيئاً هو أوثق عملـي فـي نفسي لا أراك ذكرته! فقال: ما هو؟ قال: الصيام، فقال: قربة، ولـيس هناك! وتلا هذه الآية: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ }.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي داود بن عبد الرحمن الـمكي، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبـي حسين، عن عمرو بن دينار، قال: لـما نزلت هذه الآية: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } جاء زيد بفرس له يقال لها: «سَبَل» إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: تصدّق بهذه يا رسول الله! فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنة أسامة بن زيد بن حارثة، فقال: يا رسول الله إنـما أردت أن أتصدّق به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قَدْ قُبِلَتْ صَدَقَتُكَ

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب وغيره: أنها حين نزلت: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } جاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها، فقال: يا رسول الله هذه فـي سبـيـل الله! فحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم علـيها أسامة بن زيد، فكأن زيداً وجد فـي نفسه، فلـما رأى ذلك منه النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال:

أمَا إنَّ اللَّهَ قَدْ قَبِلَها».

كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَىٰةُ قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٩٣

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: أنه لـم يكن حرّم على بني إسرائيل ـ وهم ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيـم خـلـيـل الرحمن ـ شيئاً من الأطعمة من قبل أن تنزل التوراة، بل كان ذلك كله لهم حلالاً، إلا ما كان يعقوب حرّمه علـى نفسه، فإن ولده حرّموه استناناً بأبـيهم يعقوب، من غير تـحريـم الله ذلك علـيهم فـي وحي ولا تنزيـل ولا علـى لسان رسول له إلـيهم من قبل نزول التوراة.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي تـحريـم ذلك علـيهم، هل نزل فـي التوراة أم لا؟ فقال بعضهم: لـما أنزل الله عزّ وجلّ التوراة، حرّم علـيهم من ذلك ما كانوا يحرّمونه قبل نزولها. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ قوله: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرٰءيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بٱلتَّوْرَٰةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَٰدِقِيِنَ} قالت الـيهود: إنـما نـحرّم ما حرّم إسرائيـل علـى نفسه، وإنـما حرّم إسرائيـل العروق، كان يأخذه عرق النَّسا، كان يأخذه بـاللـيـل ويتركه بـالنهار، فحلف لئن الله عافـاه منه لا يأكل عِرْقاً أبداً، فحرّمه الله علـيهم ثم قال: {قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَٰةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ }: ما حرّم هذا علـيكم غيري ببغيكم، فذلك قوله:

{ فَبِظُلْمٍ مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ }[النساء: 160].

فتأويـل الآية علـى هذا القول: كل الطعام كان حلاًّ لبنـي إسرائيـل، إلا ما حرّم إسرائيـل علـى نفسه من قبل أن تنزل التوراة، فإن الله حرّم علـيهم من ذلك ما كان إسرائيـل حرّمه علـى نفسه فـي التوراة، ببغيهم علـى أنفسهم، وظلـمهم لها. قل يا مـحمد: فأتوا أيها الـيهود إن أنكرتـم ذلك بـالتوراة، فـاتلوها إن كنتـم صادقـين أن الله لـم يحرم ذلك علـيكم فـي التوارة، وأنكم إنـما تـحرّمونه لتـحريـم إسرائيـل إياه علـى نفسه.

وقال آخرون: ما كان شيء من ذلك علـيهم حراماً، ولا حرّمه الله علـيهم فـي التوراة، وإنـما هو شيء حرّموه علـى أنفسهم اتبـاعاً لأبـيهم، ثم أضافوا تـحريـمه إلـى الله. فكذبهم الله عز وجل فـي إضافتهم ذلك إلـيه، فقال الله عزّ وجلّ لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا مـحمد: إن كنتـم صادقـين، فأتوا بـالتوراة فـاتلوها، حتـى ننظر هل ذلك فـيها، أم لا؟ لـيتبـين كذبهم لـمن يجهل أمرهم. ذكر من قال ذلك:

حدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءِيلَ عَلَىٰ نَفْسِهِ } إسرائيـل: هو يعقوب، أخذه عرق النسا، فكان لا يثبت اللـيـل من وجعه، وكان لا يؤذيه بـالنهار. فحلف لئن شفـاه الله لا يأكل عِرْقا أبداً، وذلك قبل نزول التوراة علـى موسى. فسأل نبـي الله صلى الله عليه وسلم الـيهود ما هذا الذي حرّم إسرائيـل علـى نفسه؟ فقالوا: نزلت التوراة بتـحريـم الذي حرّم إسرائيـل فقال الله لـمـحمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ }... إلـى قوله:

{ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ }[آل عمران: 94] وكذبوا وافتروا، لـم تنزل التوراة بذلك.

وتأويـل الآية علـى هذا القول: كل الطعام كان حِلاًّ لبنـي إسرائيـل من قبل أن تنزل التوراة وبعد نزولها، إلا ما حرّم إسرائيـل علـى نفسه من قبل أن تنزل التوراة، بـمعنى: لكن إسرائيـل حرّم علـى نفسه من قبل أن تنزل التوراة بعض ذلك. وكأن الضحاك وجه قوله: {إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } إلـى الاستثناء الذي يُسمّيه النـحويون: الاستثناء الـمنقطع.

وقال آخرون تأويـل ذلك: كل الطعام كان حِلاًّ لبنـي إسرائيـل، إلا ما حرّم إسرائيـل علـى نفسه من قبل أن تنزل التوراة، فإن ذلك حرام علـى ولده بتـحريـم إسرائيـل إياه علـى ولده، من غير أن يكون الله حرّمه علـى إسرائيـل ولا علـى ولده. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرٰءيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } فإنه حرّم علـى نفسه العروق، وذلك أنه كان يشتكي عرق النسا، فكان لا ينام اللـيـل، فقال: والله لئن عافـانـي الله منه لا يأكله لـي ولد‍! ولـيس مكتوباً فـي التوراة. وسأل مـحمد صلى الله عليه وسلم نفراً من أهل الكتاب، فقال «ما شأن هذا حراما؟» فقالوا: هو حرام علـينا من قبل الكتاب. فقال الله عز وجل: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرٰءيلَ }... إلـى: {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ }.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عبـاس: أخذه ـ يعنـي إسرائيـل ـ عِرْقُ النَّسَا، فكان لا يثبت بـاللـيـل من شدّة الوجع، وكان لا يؤذيه بـالنهار، فحلف لئن شفـاه الله لا يأكل عِرْقاً أبداً، وذلك قبل أن تنزل التوارة، فقال الـيهود للنبـي صلى الله عليه وسلم: نزلت التوراة بتـحريـم الذي حرّم إسرائيـل علـى نفسه. قال الله لـمـحمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } وكذبوا، لـيس فـي التوراة.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب، قول من قال: معنى ذلك: كل الطعام كان حلاًّ لبنـي إسرائيـل من قبل أن تنزل التوارة، إلا ما حرّم إسرائيـل علـى نفسه من غير تـحريـم الله ذلك علـيه، فإن كان حراماً علـيهم بتـحريـم أبـيهم إسرائيـل ذلك علـيهم، من غير أن يحرّمه الله علـيهم فـي تنزيـل ولا بوحي قبل التوراة، حتـى نزلت التوراة، فحرم الله علـيهم فـيها ما شاء، وأحلّ لهم فـيها ما أحبّ. وهذا قول قالته جماعة من أهل التأويـل، وهو معنى قول ابن عبـاس الذي ذكرناه قبل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرٰءيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ } وإسرائيـل: هو يعقوب. {قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } يقول: كل الطعام كان حلاًّ لبنـي إسرائيـل من قبل أن تنزل التوراة. إلا ما حرم إسرائيـل علـى نفسه، فلـما أنزل الله التوراة حرّم علـيهم فـيها ما شاء. وأحلّ لهم ما شاء.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن قتادة بنـحوه.

واختلف أهل التأويـل فـي الذي كان اسرائيـل حرّمه علـى نفسه، فقال بعضهم: كان الذي حرّمه إسرائيـل علـى نفسه العروق. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن يوسف بن ماهك، قال: جاء أعرابـي إلـى ابن عبـاس، فقال: إنه جعل امرأته علـيه حراماً. قال: لـيست علـيك بحرام قال: فقال الأعرابـي: ولـم والله يقول فـي كتابه: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرٰءيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ }؟ قال: فضحك ابن عبـاس وقال: وما يدريك ما كان إسرائيـل حرّم علـى نفسه؟ قال: ثم أقبل علـى القوم يحدثهم، فقال: إسرائيـل عرضت له الأنساء فأضنته، فجعل لله علـيه إن شفـاه الله منها لا يطعمِ عِرْقا. قال: فلذلك الـيهود تنزع العروق من اللـحم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي بشر، قال: سمعت يوسف بن ماهك يحدّث: أن أعرابـياً أتـى ابن عبـاس، فذكر رجلاً حرّم امرأته، فقال: إنها لـيست بحرام. فقال الأعرابـي: أرأيت قول الله عزّ وجلّ: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرٰءيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ }؟ فقال: إن إسرائيـل كان به عرق النسا، فحلف لئن عافـاه الله أن لا يأكل العروق من اللـحم، وإنها لـيست علـيك بحرام.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن سلـيـمان التـيـمي، عن أبـي مـجلز فـي قوله: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرٰءيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } قال: إن يعقوب أخذه وجع عرق النسا، فجعل الله علـيه ـ أو أقسم، أو قال ـ لا يأكله من الدواب. قال: والعروق كلها تبع لذلك العرق.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن الذي حرّم إسرائيـل علـى نفسه، أن الأنساء أخذته ذات لـيـلة، فأسهرته، فتألـى إن الله شفـاه لا يطعم نساً أبداً فتتبعت بنوه العروق بعد ذلك يخرجونها من اللـحم.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن قتادة بنـحوه، وزاد فـيه: قال: فتألّـى لئن شفـاه الله لا يأكل عرقاً أبداً، فجعل بنوه بعد ذلك يتتبعون العروق، فـيخرجونها من اللـحم، وكان الذي حرّم علـى نفسه من قبل أن تنزل التوراة العروق.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } قال: اشتكى إسرائيـل عرق النسا، فقال: إن الله شفـانـي لأحرمنّ العروق، فحرّمها.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفـيان الثوري، عن حبـيب بن أبـي ثابت عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: كان إسرائيـل أخذه عرق النَّسا، فكان يبـيت وله زُقاء، فجعل لله علـيه إن شفـاه أن لا يأكل العروق. فأنزل الله عزّ وجلّ: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرٰءيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ }. قال سفـيان: له زقاء: يعنـي صياح.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } قال: كان يشتكي عرق النسا، فحرّم العروق.

حدثنـي الـمثنـي، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن حبـيب بن أبـي ثابت، عن ابن عبـاس فـي قوله: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرٰءيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ } قال: كان إسرائيـل يأخذه عرق النسا، فكان يبـيت وله زُقاء، فحرّم علـى نفسه أن يأكل عرقاً.

وقال آخرون: بل الذي كان إسرائيـل حرّم علـى نفسه: لُـحوم الإبل وألبـانُها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثـير، قال: سمعنا أنه اشتكى شكوى، فقالوا: إنه عرق النسا، فقال: ربّ إن أحبّ الطعام إلـيّ لـحوم الإبل وألبـانها، فإن شفـيتنـي فإنـي أحرّمها علـي! قال ابن جريج: وقال عطاء بن أبـي ربـاح: لـحوم الإبل وألبـانها حرّم إسرائيـل.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، قال: ثنا عبـاد، عن الـحسن فـي قوله: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرٰءيلَ } قال: كان إسرائيـل حرّم علـى نفسه لـحوم الإبل، وكانوا يزعمون أنهم يجدون فـي التوراة تـحريـم إسرائيـل علـى نفسه لـحوم الإبل، وإنـما كان حرّم إسرائيـل علـى نفسه لـحوم الإبل قبل أن تنزل التوراة، فقال الله: {فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَٰةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } فقال: لا تـجدون فـي التوراة تـحريـم إسرائيـل علـى نفسه إلا لـحم الإبل.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا يحيـى بن سعيد، قال: ثنا سفـيان قال: ثنا حبـيب بن أبـي ثابت، قال: ثنا سعيد، عن ابن عبـاس: أن إسرائيـل أخذه عرق النسا، فكان يبـيت بـاللـيـل له زُقاء ـ يعنـي صياح ـ قال: فجعل علـى نفسه لئن شفـاه الله منه لا يأكله ـ يعنـي لـحوم الإبل ـ قال: فحرّمه الـيهود. وتلا هذه الآية: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرٰءيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَٰةُ قُلْ فَأْتُواْ بٱلتَّوْرَٰةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ} أي: إن هذا قبل التوراة.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيـى بن عيسى، عن الأعمش، عن حبـيب، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس فـي: {إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } قال: حرّم العروق ولـحوم الإبل. قال: كان به عرق النَّسا، فأكل من لـحومها فبـات بلـيـلة يزقو، فحلف أن لا يأكله أبداً.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيـل، عن جابر، عن مـجاهد فـي قوله: {إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرٰءيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } قال: حرّم لـحوم الأنعام.

قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بـالصواب، قول ابن عبـاس الذي رواه الأعمش، عن حبـيب، عن سعيد، عنه، أن ذلك العروق ولـحوم الإبل، لأن الـيهود مـجمعة إلـى الـيوم علـى ذلك من تـحريمهما، كما كان علـيه من ذلك أوائلها وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنـحو ذلك خبر، وهو ما:

حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن عبد الـحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن ابن عبـاس: أن عصابة من الـيهود حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبـا القاسم أخبرنا أيّ الطعام حرّم إسرائيـل علـى نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أنْشُدُكُمْ بـالَّذي أنْزَلَ التَّوْرَاةَ علـى مُوسَى هَلْ تَعْلَـمُونَ أنَّ إسْرَائِيـلَ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضاً شَدِيداً، فَطالَ سَقَمُهُ مِنْهُ، فَنَذَرَ للَّهِ نَذْراً لَئِنْ عافـاهُ اللَّهُ مِنْ سَقَمِهِ لَـيُحَرّمَنَّ أحبَّ الطَّعامِ وَالشَّرابِ إلَـيْهِ، وكانَ أحَبَّ الطَّعامِ إلَـيْهِ لـحْمَانُ الإبِلِ، وأحَبُّ الشَّرَابِ إلَـيْهِ ألْبـانُها؟ فقالوا: اللهم نعم.

وأما قوله: {قُلْ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَٰةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } فإن معناه: قل يا مـحمد للزاعمين من الـيهود أن الله حرم علـيهم فـي التوراة العروق ولـحوم الإبل وألبـانها، ائتوا بـالتوراة فـاتلوها‍! يقول: قل لهم: جيئوا بـالتوراة فـاتلوها، حتـى يتبـين لـمن خفـي علـيه كذبهم وقـيـلهم البـاطل علـى الله من أمرهم، أن ذلك لـيس مـما أنزلته فـي التوراة {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ }، يقول: إن كنتـم مـحقـين فـي دعواكم أن الله أنزل تـحريـم ذلك فـي التوراة، فأتونا بها، فـاتلوا تـحريـم ذلك علـينا منها. وإنـما ذلك خبر من الله عن كذبهم، لأنهم لا يجيئون بذلك أبداَ علـى صحته، فأعلـم الله بكذبهم علـيه نبـيه صلى الله عليه وسلم، وجعل إعلامه إياه ذلك حجة له علـيهم؛ لأن ذلك إذا كان يخفـى علـى كثـير من أهل ملّتهم، فمـحمد صلى الله عليه وسلم وهو أميّ من غير ملتهم، لولا أن الله أعلـمه ذلك بوحي من عنده، كان أحرى أن لا يعلـمه. فكان فـي ذلك له صلى الله عليه وسلم من أعظم الـحجة علـيهم بأنه نبـي الله صلى الله عليه وسلم إلـيهم، لأن ذلك من أخبـار أوائلهم كان من خفـي علومهم الذي لا يعلـمه غير خاصة منهم، إلا من أعلـمه الذي لا يخفـى علـيه خافـية من نبـيّ أو رسول، أو من أطلعه الله علـى علـمه مـمن شاء من خـلقه.

الخميس، 22 أكتوبر 2026 11 جمادى الأولى 1448 هـ