انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير الطبريالآيات 168–174

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة آل عمران

الخلاصة من تفسير الطبري · 11 مقطعًا · 3:01:26

  1. 1 الآيات 153–171في هذه الصفحة 20:01
  2. 2 الآيات 172–185في هذه الصفحة 14:11

التفسير الصوتي لسورة آل عمران كاملًا (11 مقطعًا)

ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ وَقَعَدُوا۟ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا۟ قُلْ فَٱدْرَءُوا۟ عَنْ أَنفُسِكُمُ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝١٦٨

يعنـي تعالـى ذكره بذلك: ولـيعلـم الله الذين نافقوا، الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا. فموضع «الذين» نصب علـى الإبدال من «الذين نافقوا»، وقد يجوز أن يكون رفعاً علـى الترجمة عما فـي قوله: {يَكْتُمُونَ } من ذكر «الذين نافقوا» فمعنى الآية: ولـيعلـم الله الذين قالوا لإخوانهم الذين أصيبوا مع الـمسلـمين فـي حربهم الـمشركين بـأُحد يوم أُحد، فقتلوا هنالك من عشائرهم وقومهم، {وَقَعَدُواْ } يعنـي: وقعد هؤلاء الـمنافقون القائلون ما قالوا مـما أخبر الله عزّ وجلّ عنهم من قـيـلهم عن الـجهاد مع إخوانهم وعشائرهم فـي سبـيـل الله: {لَوْ أَطَاعُونَا } يعنـي: لو أطاعنا من قتل بـأُحد من إخواننا وعشائرنا {مَا قُتِلُوا } يعنـي: ما قتلوا هنالك. قال الله عزّ وجلّ لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لهؤلاء القائلـين هذه الـمقالة من الـمنافقـين: فـادرءوا، يعنـي: فـادفعوا من قول القائل: درأت عن فلان القتل، بـمعنى: دفعت عنه، أدرؤه درءاً، ومنه قول الشاعر:

تَقولُ وَقدْ دَرأْتُ لهَا وَضِيِنـي أهَذَا دِينُهُ أبَداً وَدِيِنـي

يقول تعالـى ذكره: قل لهم: فـادفعوا إن كنتـم أيها الـمنافقون صادقـين فـي قـيـلكم: لو أطاعنا إخواننا فـي ترك الـجهاد فـي سبـيـل الله مع مـحمد صلى الله عليه وسلم وقتالهم أبـا سفـيان ومن معه من قريش، ما قتلوا هنالك بـالسيف، ولكانوا أحياء بقعودهم معكم وتـخـلفهم عن مـحمد صلى الله عليه وسلم وشهود جهاد أعداء الله معه؛ الـموت، فإنكم قد قعدتـم عن حربهم، وقد تـخـلفتـم عن جهادهم، وأنتـم لا مـحالة ميتون. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ } الذين أصيبوا معكم من عشائرهم وقومهم: {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا }... الآية: أي أنه لا بد من الـموت، فإن استطعتـم أن تدفعوه عن أنفسكم فـافعلوا، وذلك أنهم إنـما نافقوا وتركوا الـجهاد فـي سبـيـل الله، حرصاً علـى البقاء فـي الدنـيا وفراراً من الـموت.

ذكر من قال: الذين قالوا لإخوانهم هذا القول هم الذين قال الله فـيهم: {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ }.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا }... الآية، ذكر لنا أنها نزلت فـي عدوّ الله عبد الله بن أبـيّ.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدّيّ، قال: هم عبد الله بن أبـيّ وأصحابه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: هو عبد الله بن أبـيّ الذي قعد وقال لإخوانه الذين خرجوا مع النبـيّ صلى الله عليه وسلم يوم أُحد: {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا }... الآية. قال ابن جريج عن مـجاهد، قال: قال جابر بن عبد الله: هو عبد الله بن أبـيّ ابن سلول.

حدثت عن عمار، عن ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع قوله: {ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ وَقَعَدُواْ }... الآية، قال: نزلت فـي عدوّ الله عبد الله بن أبـيّ.

وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ۝١٦٩ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا۟ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝١٧٠

يعني تعالى ذكره {وَلاَ تَحْسَبَنَّ }: ولا تظننّ. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ }: ولا تظننّ.

وقوله: {ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } يعنـي: الذين قُتِلوا بـأُحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم {أَمْوٰتاً } يقول: ولا تـحسبنهم يا مـحمد أمواتاً، لا يحسون شيئاً، ولا يـلتذّون، ولا يتنعمون، فإنهم أحياء عندي، متنعمون فـي رزقـي، فرحون مسرورون بـما آتـيتهم من كرامتـي وفضلـي، وحبوتهم به من جزيـل ثوابـي وعطائي. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا إسماعيـل بن عياش، عن ابن إسحاق، عن إسماعيـل بن أمية، عن أبـي الزبـير الـمكي، عن ابن عبـاس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لَـمَّا أُصِيبَ إخْوَانُكُمْ بِـأُحُدٍ، جَعَلَ اللَّهُ أرْوَاحَهُمْ فِـي أجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أنْهارَ الـجَنَّةِ، وَتأكُلُ مِنِ ثِمَارِها، وَتأْوِي إلـى قَنادِيـلَ مِنْ ذَهَبٍ فِـي ظِلِّ العَرْشِ؛ فَلَـمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَشْرَبِهِمْ وَمأْكَلِهِمْ وَحُسْنِ مَقِـيِـلهِمْ، قالوا: يا لَـيْتَ إخْوَانَنا يَعْلَـمونَ ما صَنَعَ اللَّهُ بِنا! لِئَلاَّ يَزْهَدُوا فِـي الـجِهادِ وَلا يَنْكَلوا عَنِ الـحَرْبِ، فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أنا أُبَلِّغُهمْ عَنْكمْ فأنزل الله عز وجل علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الآيات.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير بن عبد الـحميد، وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قالا جميعاً: ثنا مـحمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن أبـي الضحى، عن مسروق بن الأجدع، قال: سألنا عبد الله بن مسعود، عن هذه الآيات: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ }... الآية، قال: أما إنا قد سألنا عنها، فقـيـل لنا:

إنّه لـما أُصِيبَ إخْوَانُكُمْ بـأُحُدٍ، جَعَلَ الله أرْوَاحَهُمْ فـي أجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أنْهارَ الـجَنَّةِ وَتأْكُلُ مِنْ ثمارِهَا وتأوي إلـى قَنَادِيـلَ مِنْ ذَهَبٍ فـي ظِلِّ العَرْشِ، فـيطَّلع الله إلـيهم اطّلاعَةً، فـيقول: يا عبـادي ما تَشْتَهُونَ فَـأَزِيُدكُمْ؟ فَـيَقُولُونَ: رَبَّنا لا فَوْقَ ما أعْطَيْتَنَا الـجَنَّةَ، نَأْكُلُ منها حيث شِئْنَا ـ ثلاث مرات ـ ثم يَطَّلِعُ فَـيَقُولُ: يا عِبَـادي ما تَشْتَهُونَ فأزيدكم؟ فـيقولون: رَبَّنا لا فَوْقَ ما أعْطَيْتَنَا الـجَنَّةَ، نَأْكُلُ منها حَيْثُ شِئْنا، إلا أنا نَـخْتَارُ أن تَرُدَّ أرْوَاحَنا فـي أجْسَادِنا، ثم تَرُدَّنا إلـى الدُّنْـيا، فنُقَاتل فـيك حتـى نُقْتَلَ فـيك مرّة أخْرَى

حدثنا الـحسن بن يحيـى العبدي، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبـي الضحى، عن مسروق، قال: سألنا عبد الله، عن هذه الآية، ثم ذكر نـحوه، وزاد فـيه:

أنّـي قَدْ قَضَيْتُ أنْ لا تُرْجَعُوا

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن شعبة، عن سلـيـمان، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، قال: سألنا عبد الله عن أرواح الشهداء ـ ولولا عبد الله ما أخبرنا به أحد ـ قال: أرواح الشهداء عند الله فـي أجواف طير خضر، فـي قناديـل تـحت العرش، تسرح فـي الـجنة حيث شاءت، ثم ترجع إلـى قناديـلها، فـيطلع إلـيها ربها، فـيقول: ماذا تريدون؟ فـيقولون: نريد أن نرجع إلـى الدنـيا فنقتل مرة أخرى.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحيـم بن سلـيـمان، وعبدة بن سلـيـمان، عن مـحمد بن إسحاق، عن الـحرث بن فضيـل، عن مـحمود بن لبـيد، عن ابن عبـاس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الشُّهَداءُ علـى بـاِرقِ: نَهْرٍ بِبـابِ الـجَنَّةِ فـي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ وقال عبدة: فِـي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، يخْرُجُ عَلَـيْهِمْ رِزْقَهُمْ مِنَ الـجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا

حدثنا أبو كريب، وأنبأنا يونس بن بكير، عن مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي الـحرث بن فضيـل، عن مـحمود بن لبـيد، عن ابن عبـاس، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم بـمثله، إلا أنه قال:

فـي قُبَّةٍ خَضْرَاءوقال: يَخْرُجُ عَلَـيهِم فِـيها

حدثنا ابن وكيع، وأنبأنا ابن إدريس، عن مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي الـحرث بن فضيـل، عن مـحمود بن لبـيد، عن ابن عبـاس، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: قال مـحمد بن إسحاق: حدثنـي الـحرث بن الفضيـل الأنصاريّ عن مـحمود بن لبـيد الأنصاريّ، عن ابن عبـاس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الشُّهَداءُ علـى بـارِقِ نَهْرٍ بِبـابِ الـجَنَّةِ فـي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ يَخْرُج عَلَـيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنَ الـجَنَّةِ بُكْرَةً وَعشِيًّا

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنـي أيضاً، يعنـي: إسماعيـل بن عياش، عن ابن إسحاق، عن الـحرث بن الفضيـل، عن مـحمود بن لبـيد، عن ابن عبـاس، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم بنـحوه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: قال مـحمد بن إسحاق: وحدثنـي بعض أصحابـي، عن عبد الله بن مـحمد بن عقيل بن أبـي طالب، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال لـي رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ألا أُبَشِّرُكَ يا جابِرُ؟ قال: قلت: بلـى يا رسول الله قال: إنَّ أبـاكَ حَيْثُ أُصيب بـأُحُدٍ أحيْاهُ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ لَهُ: ما تُـحِبُّ يا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أنْ أفْعَلَ بِكَ؟ قالَ: يا رَبّ أُحِبُّ أنْ تَرُدَّنـي إلـى الدُّنْـيا فَـأُقاتِلَ فِـيكَ فـأُقْتَلُ مَرَّةً أُخْرَى

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ذكر لنا أن رجالاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: يا لـيتنا نعلـم ما فعل إخواننا الذين قُتِلوا يوم أُحد! فأنزل الله تبـارك وتعالـى فـي ذلك القرآن: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوٰتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ }. كنا نـحدَّث أن أرواح الشهداء تعارف فـي طير بـيض تأكل من ثمار الـجنة، وأن مساكنهم السدرة.

حُدثت عن عمار، وأنبأنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بنـحوه، إلا أنه قال: تعارف فـي طير خضر وبـيض وزاد فـيه أيضاً: وذكر لنا عن بعضهم فـي قوله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوٰتاً بَلْ أَحْيَاءٌ } قال: هم قتلـى بدر وأُحد.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـحمد بن قـيس بن مخرمة قال: قالوا: يا رب ألا رسول لنا يخبر النبـيّ صلى الله عليه وسلم عنا بـما أعطيتنا؟ فقال الله تبـارك وتعالـى: أنا رسولكم، فأمر جبريـل علـيه السلام أن يأتـي بهذه الآية: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ }... الآيتـين.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، قال: سألنا عبد الله عن هذه الآيات: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوٰتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } قال: أرواح الشهداء عند الله كطير خضر، لها قناديـل معلقة بـالعرش، تسرح فـي الـجنة حيث شاءت، قال: فـاطّلع إلـيهم ربك اطلاعة فقال: هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟ قالوا: ربنا ألسنا نسرح فـي الـجنة فـي أيها شئنا ثم اطّلع علـيهم الثالثة، فقال: هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟ قالوا: تعيد أرواحنا فـي أجسادنا، فنقاتل فـي سبـيـلك مرّة أخرى! فسكت عنهم.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيـينة، عن عطاء بن السائب، عن أبـي عبـيدة، عن عبد الله: أنهم قالوا فـي الثالثة حين قال لهم: هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟ قالوا: تقرىء نبـينا عنا السلام، وتـخبره أن قد رضينا ورُضيَ عنا!

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: قال الله تبـارك وتعالـى لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم يرغِّب الـمؤمنـين فـي ثواب الـجنة ويهوّن علـيهم القتل: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوٰتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ }: أي قد أحيـيتهم، فهم عندي يرزقون فـي روح الـجنة وفضلها، مسرورين بـما آتاهم الله من ثوابه علـى جهادهم عنه.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك، قال: كان الـمسلـمون يسألون ربهم أن يريهم يوما كيوم بدر، يبلون فـيه خيراً، ويرزقون فـيه الشهادة، ويرزقون فـيه الـجنة، والـحياة فـي الرزق. فلقوا الـمشركين يوم أُحد، فـاتـخذ الله منهم شهداء، وهم الذين ذكرهم الله فقال: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوٰتاً }... الآية.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: ذكر الشهداء، فقال: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوٰتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ } إلـى قوله: {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }. زعم أن أرواح الشهداء فـي أجواف طير خضر فـي قناديـل من ذهب معلقة بـالعرش، فهي ترعى بكرة وعشية فـي الـجنة، تبـيت فـي القناديـل، فإذا سرحن نادى مناد: ماذا تريدون؟ ماذا تشتهون؟ فـيقولون: ربنا نـحن فـيـما اشتهت أنفسنا! فـيسألهم ربهم أيضاً: ماذا تشتهون؟ وماذا تريدون؟ فـيقولون: نـحن فـيـما اشتهت أنفسنا! فـيسألون الثالثة فـيقولون ما قالوا: ولكنا نـحبّ أن تردّ أرواحنا فـي أجسادنا! لـما يرون من فضل الثواب.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا عبـاد، قال: ثنا إبراهيـم بن معمر، عن الـحسن، قال: ما زال ابن آدم يتـحمَّد حتـى صار حيًّا ما يـموت ثم تلا هذه الآية: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوٰتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ }.

حدثنا مـحمد بن مرزوق، قال: ثنا عمر بن يونس، قال: ثنا إسحاق بن أبـي طلـحة، قال: ثنـي أنس بن مالك فـي أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم الذين أرسلهم نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم إلـى أهل بئر معونة، قال: لا أدري أربعين، أو سبعين، قال: وعلـى ذلك الـماء عامر بن الطفـيـل الـجعفري، فخرج أولئك النفر من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم حتـى أتوا غاراً مشرفـاً علـى الـماء قعدوا فـيه، ثم قال بعضهم لبعض: أيكم يبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذا الـماء؟ فقال ـ أراه أبو ملـحان الأنصاري ـ: أنا أبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم! فخرج حتـى أتـى حياً منهم، فـاحتبى أمام البـيوت، ثم قال: يا أهل بئر معونة، إنـي رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـيكم، إنـي أشهد أن لا إله إلا الله، وأن مـحمداً عبده ورسوله، فآمنوا بـالله ورسوله! فخرج إلـيه رجل من كِسْر البـيت برمـح، فضرب به فـي جنبه حتـى خرج من الشقّ الآخر، فقال: الله أكبر، فزت وربّ الكعبة! فـاتبعوا أثره حتـى أتوا أصحابه، فقتلهم أجمعين عامر بن الطفـيـل. قال: قال إسحاق: حدثنـي أنس بن مالك: أن الله تعالـى أنزل فـيهم قرآنا رفع بعد ما قرأناه زماناً، وأنزل الله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوٰتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ }.

حدثنا يحيـى بن أبـي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قال: لـما أصيب الذين أصيبوا يوم أُحد من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم، لقوا ربهم، فأكرمهم، فأصابوا الـحياة والشهادة والرزق الطيب، قالوا: يا لـيت بـيننا وبـين إخواننا من يبلغهم أنا لقـينا ربنا فرضي عنا وأرضانا! فقال الله تبـارك وتعالـى: أنا رسولكم إلـى نبـيكم وإخوانكم. فأنزل الله تبـارك وتعالـى علـى نبـيه صلى الله عليه وسلم: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوٰتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } إلـى قوله: {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }، فهذا النبأ الذي بلغ الله ورسوله والـمؤمنـين ما قال الشهداء.

وفـي نصب قوله: {فَرِحِينَ } وجهان: أحدهما: أن يكون منصوبـاً علـى الـخروج من قوله: {عِندَ رَبّهِمْ } والآخر من قوله: {يُرْزَقُونَ }. ولو كان رفعاً بـالردّ علـى قوله: «بل أحياء فرحون» كان جائزاً.

القول فـي تأويـل قوله: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَن لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }.

يعنـي بذلك تعالـى ذكره: ويفرحون بـمن لـم يـلـحق بهم من إخوانهم الذين فـارقوهم وهم أحياء فـي الدنـيا علـى مناهجهمّ، من جهاد أعداء الله مع رسوله، لعلـمهم بأنهم إن استشهدوا فلـحقوا بهم، صاروا من كرامة الله إلـى مثل الذي صاروا هم إلـيه، فهم لذلك مستبشرون بهم، فرحون أنهم إذا صاروا كذلك، {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } يعنـي بذلك: لا خوف علـيهم لأنهم قد أمنوا عقاب الله، وأيقنوا برضاه عنهم، فقد أمنوا الـخوف الذي كانوا يخافونه من ذلك فـي الدنـيا، ولا هم يحزنون علـى ما خـلفوا وراءهم من أسبـاب الدنـيا، ونكد عيشها، للـخَفْض الذي صاروا إلـيه والدعة والزُّلفة، ونصب أن لا بـمعنى: يستبشرون لهم بأنهم لا خوف علـيهم ولا هم يحزنون.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ }... الآية، يقول: لإخوانهم الذين فـارقوهم علـى دينهم وأمرهم لـما قدموا علـيه من الكرامة والفضل والنعيـم الذي أعطاهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مّنْ خَلْفِهِمْ }... الآية، قال يقول: إخواننا يقتلون كما قتلنا، يـلـحقون فـيصيبون من كرامة الله تعالـى ما أصبنا.

حُدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: ذكر لنا عن بعضهم فـي قوله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوٰتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } قال: هم قتلـى بدر وأُحد، زعموا أن الله تبـارك وتعالـى لـما قبض أرواحهم، وأدخـلهم الـجنة، جعلت أرواحهم فـي طير خضر ترعى فـي الـجنة، وتأوي إلـى قناديـل من ذهب تـحت العرش. فلـما رأوا ما أعطاهم الله من الكرامة، قالوا: لـيت إخواننا الذين بعدنا يعلـمون ما نـحن فـيه! فإذا شهدوا قتالاً تعجلوا إلـى ما نـحن فـيه! فقال الله تعالـى: إنـي منزل علـى نبـيكم ومخبر إخوانكم بـالذي أنتـم فـيه! ففرحوا به واستبشروا، وقالوا: يخبر الله نبـيكم وإخوانكم بـالذي أنتـم فـيه، فإذا شهدوا قتالاً أتوكم. قال: فذلك قوله: {فَرِحِينَ بِمَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ }... إلى قوله: {أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ }: أي ويُسَرّون بلـحوق من لـحق بهم من إخوانهم علـى ما مضوا علـيه من جهادهم، لـيشركوهم فـيـما هم فـيه من ثواب الله الذي أعطاهم، وأذهب الله عنهم الـخوف والـحزن.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ } قال: هم إخوانهم من الشهداء مـمن يستشهد من بعدهم، {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } حتـى بلغ:

{ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } .[آل عمران: 171]

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: أما {يَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ }، فإن الشهيد يؤتـى بكتاب فـيه من يقدم علـيه من إخوانه وأهله، فـيقال: يقدم علـيك فلان يوم كذا وكذا، ويقدم علـيك فلان يوم كذا وكذا! فـيستبشر حين يقدم علـيه، كما يستبشر أهل الغائب بقدومه فـي الدنـيا.

يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٧١

يقول جل ثناؤه: {يَسْتَبْشِرُونَ } يفرحون، {بِنِعْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } يعنـي بـما حباهم به تعالى ذكره من عظيـم كرامته عند ورودهم عليه، {وَفَضَّلَ } يقول: وبما أسبغ عليهم من الفضل وجزيل الثواب على ما سلف منهم من طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وجهاد أعدائه. {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن أبـي إسحاق: {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ }... الآية، لـما عاينوا من وفـاء الـموعود وعظيْـم الثواب.

واختلف القراء فـي قراءة قوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }، فقرأ ذلك بعضهم بفتـح الألف من «أنَّ» بـمعنى: يستبشرون بنعمة من الله وفضل، وبأن الله لا يضيع أجر الـمؤمنـين. وبكسر الألف علـى الاستئناف؛ واحتـج من قرأ ذلك كذلك بأنها فـي قراءة عبد الله: «وفَضْلٍ واللَّهُ لا يُضِيعُ أجْر الـمُؤْمِنِـينَ» قالوا: فذلك دلـيـل علـى أن قوله: «وإِنَّ الله» مستأنف غير متصل بـالأول.

ومعنى قوله: {لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }: لا يبطل جزاء أعمال من صدق رسوله واتبعه وعمل بـما جاءه من عند الله.

وأولـى القراءتـين بـالصواب قراءة من قرأ ذلك: {وَأَنَّ ٱللَّهَ } بفتـح الألف، لإجماع الـحجة من القراء علـى ذلك.

ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْا۟ أَجْرٌ عَظِيمٌ ۝١٧٢

يعنـي بذلك جل ثناؤه: وأن الله لا يضيع أجر الـمؤمنـين، الـمستـجيبـين لله والرسول، من بعد ما أصابهم الـجراح والكلوم؛ وإنـما عنى الله تعالـى ذكره بذلك الذين اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى حمراء الأسد فـي طلب العدو أبـي سفـيان، ومن كان معه من مشركي قريش منصرفهم عن أحد؛ وذلك أن أبـا سفـيان لـما انصرف عن أحد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي أثره حتـى بلغ حمراء الأسد وهي علـى ثمانـية أميال من الـمدينة، لـيري الناس أن به وأصحابه قوة علـى عدوهم. كالذي:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي حسان بن عبد الله، عن عكرمة، قال: كان يوم أُحُد السبت للنصف من شوال؛ فلـما كان الغد من يوم أُحد، يوم الأحد لست عشرة لـيـلة مضت من شوال أذّن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي الناس بطلب العدو، وأذن مؤذنه أن لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بـالأمس، فكلـمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، فقال: يا رسول الله إن أبـي كان خـلفنـي علـى أخوات لـي سبع وقال لـي يا بنـي إنه لا ينبغي لـي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فـيهن، ولست بـالذي أوثرك بـالـجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى نفسي، فتـخـلف علـى أخواتك! فتـخـلفت علـيهن. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج معه. وإنـما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبـاً للعدو، لـيبلغهم أنه خرج فـي طلبهم لـيظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لـم يوههم عن عدوهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، قال: فحدثنـي عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبـي السائب مولـى عائشة بنت عثمان: أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بنـي عبد الأشهل كان شهد أُحُداً، قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أُحداً أنا وأخ لـي، فرجعنا جريحين؛ فلـما أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالـخروج فـي طلب العدوّ، قلت لأخي، أو قال لـي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله ما لنا من دابة نركبها وما منا إلا جريح ثقـيـل! فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت أيسر جرحاً منه، فكنت إذا غلب حملته عُقْبة ومشى عقبة، حتـى انتهينا إلـى ما انتهى إلـيه الـمسلـمون، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتـى انتهى إلـى حمراء الأسد، وهي من الـمدينة علـى ثمانـية أميال، فأقام بها ثلاثاً: الاثنـين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلـى الـمدينة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: فقال الله تبـارك وتعالـى: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَـٰبَهُمُ ٱلْقَرْحُ }: أي الـجراح، وهم الذين ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم أُحد إلـى حمراء الأسد علـى ما بهم من ألـم الـجراح. {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْاْ أَجْرٌ عَظِيمٌ }.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَـٰبَهُمُ ٱلْقَرْحُ }... الآية، وذلك يوم أُحد بعد القتل والـجراح، وبعد ما انصرف الـمشركون أبو سفـيان وأصحابه، فقال صلى الله عليه وسلم:

ألا عِصَابةٌ تَشدُّ لأمْرِ الله تَطْلُبُ عَدُوَّها؟ فإنه أنْكَى للعَدُوّ، وأبْعَدُ للسَّمعِ فـانطلق عصابة منهم علـى ما يعلـم الله تعالـى من الـجهد.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: انطلق أبو سفـيان منصرفـا من أُحد حتـى بلغ بعض الطريق. ثم إنهم ندموا، وقالوا: بئسما صنعتـم إنكم قتلتـموهم، حتـى إذا لـم يبق إلا الشريد تركتـموهم، ارجعوا واستأصلوهم! فقذف الله فـي قلوبهم الرعب، فهزموا. فأخبر الله رسوله، فطلبهم حتـى بلغ حمراء الأسد، ثم رجعوا من حمراء الأسد، فأنزل الله جلّ ثناؤه فـيهم: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَـٰبَهُمُ ٱلْقَرْحُ }.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: إن الله جلّ وعزّ قذف فـي قلب أبـي سفـيان الرعب ـ يعنـي: يوم أُحد ـ بعد ما كان منه ما كان، فرجع إلـى مكة، فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

إنَّ أبـا سُفْـيان قَدْ أصاب مِنْكُمْ طَرفـاً وقَدْ رجَع وقَذف اللَّهُ فـي قَلْبِهِ الرُّعْب. وكانت وقعة أُحد فـي شوّال، وكان التـجار يقدمون الـمدينة فـي ذي القعدة، فـينزلون ببدر الصغرى فـي كل سنة مرة. وإنهم قدموا بعد وقعة أُحد، وكان أصاب الـمؤمنـين القرح، واشتكوا ذلك إلـى نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، واشتدّ علـيهم الذي أصابهم. وإن رسول الله ندب الناس لـينطلقوا معه، ويتبعوا ما كانوا متبعين، وقال:إنّـما يَرْتَـجِلُونَ الآنَ فَـيَأْتُونَ الـحَجَّ ولا يَقْدِرُونَ علـى مِثْلِها حَتّـى عام مُقْبل فجاء الشيطان فخوّف أولـياءه فقال: إن الناس قد جمعوا لكم. فأبى علـيه الناس أن يتبعوه، فقال: إنـي ذَاهِبٌ وإنْ لـم يَتْبَعْنـي أحَدٌ لأُحَضِّضَ النَّاسَ فـانتدب معه أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وعلـيّ والزبـير وسعد وطلـحة وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن الـيـمان وأبو عبـيدة بن الـجرّاح فـي سبعين رجلاً. فساروا فـي طلب أبـي سفـيان، فطلبوه حتـى بلغوا الصفراء، فأنزل الله تعالـى: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَـٰبَهُمُ ٱلْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْاْ أَجْرٌ عَظِيمٌ }.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هاشم بن القاسم، قال: ثنا أبو سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبـيه، عن عائشة أنها قالت لعبد الله بن الزبـير: يا ابن أختـي، أما والله إن أبـاك وجدك ـ تعنـي: أبـا بكر والزبـير ـ مـمن قال الله تعالـى فـيهم: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَـٰبَهُمُ ٱلْقَرْحُ }.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرت أن أبـا سفـيان بن حرب لـما راح هو وأصحابه يوم أُحد قال الـمسلـمون للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: إنهم عامدون إلـى الـمدينة، فقال:

إنْ ركِبُوا الـخَيْـل وتَركُوا الأثْقال فإنَّهُمْ عامِدُون إلـى الـمَدِينَةِ، وإنْ جَلَسُوا علـى الأثْقالِ وتَركُوا الـخَيْـل فَقَدْ أرْعَبَهُمُ اللَّهُ ولَـيْسُوا بِعامِدِيها، فركبوا الأثقال، فرعبهم الله. ثم ندب ناساً يتبعونهم لـيُروا أن بهم قوّة، فـاتبعوهم لـيـلتـين أو ثلاثاً، فنزلت: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَـٰبَهُمُ ٱلْقَرْحُ }.

حدثنـي سعيد بن الربـيع، قال: ثنا سفـيان، عن هشام بن عروة، عن أبـيه، قال: قالت لـي عائشة: إن كان أبواك لـمن الذين استـجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. تعنـي: أبـا بكر والزبـير.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيـم، قال: كان عبد الله من الذين استـجابوا لله والرسول.

فوعد تعالـى ذكره مـحسن من ذكرنا أمره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَـٰبَهُمُ ٱلْقَرْحُ } إذا اتقـى الله فخافه، فأدّى فرائضه وأطاعه فـي أمره ونهيه فـيـما يستقبل من عمره أجراً عظيـماً، وذلك الثواب الـجزيـل، والـجزاء العظيـم، علـى ما قدّم من صالـح أعماله فـي الدنـيا.

ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَٰنًا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ ۝١٧٣

يعني تعالى ذكره: وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين الذين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم، والذين فـي موضع خفض مردود علـى الـمؤمنـين، وهذه الصفة من صفة الذين استـجابوا لله والرسول والناس الأول هم قوم فـيـما ذكر لنا، كان أبو سفـيان سألهم أن يثبطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين خرجوا فـي طلبه بعد منصرفه عن أُحد إلـى حمراء الأسد؛ والناس الثانـي: هم أبو سفـيان وأصحابه من قريش الذين كانوا معه بـأُحد، يعنـي بقوله: {قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ }: قد جمعوا الرجال للقائكم، والكرّة إلـيكم لـحربكم {فَٱخْشَوْهُمْ } يقول: فـاحذروهم، واتقوا لقاءهم، فإنه لا طاقة لكم بهم، {فَزَادَهُمْ إِيمَـٰناً } يقول: فزادهم ذلك من تـخويف من خوّفهم أمر أبـي سفـيان وأصحابه من الـمشركين يقـيناً إلـى يقـينهم، وتصديقاً لله ولوعده ووعد رسوله إلـى تصديقهم، ولـم يثنهم ذلك عن وجههم الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بـالسير فـيه، ولكن ساروا حتـى بلغوا رضوان الله منه، وقالوا ثقة بـالله، وتوكلاً علـيه، إذ خوفهم من خوفهم أبـا سفـيان وأصحابه من الـمشركين {حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ } يعنـي بقوله: حسبنا الله: كفـانا الله، يعنـي: يكفـينا الله؛ ونعم الوكيـل، يقول: ونعم الـمولـى لـمن ولـيه وكفله؛ وإنـما وصف تعالـى نفسه بذلك لأن الوكيـل فـي كلام العرب: هو الـمسند إلـيه القـيام بأمر من أسند إلـيه القـيام بأمره؛ فلـما كان القوم الذين وصفهم الله بـما وصفهم به فـي هذه الآيات قد كانوا فوّضوا أمرهم إلـى الله، ووثقوا به، وأسندوا ذلك إلـيه وصف نفسه بقـيامه لهم بذلك، وتفويضهم أمرهم إلـيه بـالوكالة، فقال: ونعم الوكيـل الله تعالـى لهم.

واختلف أهل التأويـل فـي الوقت الذي قال من قال لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } فقال بعضهم: قـيـل ذلك لهم فـي وجههم الذي خرجوا فـيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أُحد إلـى حمراء الأسد فـي طلب أبـي سفـيان ومن معه من الـمشركين.

ذكر من قال ذلك، وذكر السبب الذي من أجله قـيـل ذلك، ومَن قائله:

حدثنا مـحمد بن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبـي بكر بن مـحمد بن عمرو بن حزم، قال: مرّ به، يعنـي برسول الله صلى الله عليه وسلم معبد الـخزاعي بحمراء الأسد، وكانت خزاعة مسلـمهم ومشركهم عَيْبَةَ نُصْحٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة صفقتهم معه، لا يخفون علـيه شيئاً كان بها، ومعبد يومئذ مشرك، فقال: والله يا مـحمد، أما والله لقد عزّ علـينا ما أصابك فـي أصحابك، ولوددنا أن الله كان أعفـاك فـيهم! ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم من حمراء الأسد، حتـى لقـي أبـا سفـيان بن حرب ومن معه بـالروحاء، قد أجمعوا الرجعة إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقالوا: أصبنا فـي أُحد أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم! لنكرنّ علـى بقـيتهم فلنفرغنّ منهم. فلـما رأى أبـا سفـيان معبداً، قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: مـحمد قد خرج فـي أصحابه يطلبكم فـي جمع لـم أر مثله قط، يتـحرّقون علـيكم تـحرّقا، قد اجتـمع معه من كان تـخـلف عنه فـي يومكم، وندموا علـى ما صنعوا، فهم من الـحنق علـيكم بشيء لـم أر مثله قط. قال: ويـلك ما تقول؟ قال: والله ما أراك ترتـحل حتـى ترى نواصي الـخيـل. قال: فوالله لقد أجمعنا الكرّة علـيهم لنستأصل بقـيتهم. قال: فإنـي أنهاك عن ذلك! فوالله لقد حملنـي ما رأيت علـى أن قلت فـيه أبـياتاً من شعر، قال: وما قلت؟ قال: قلت:

كادَتْ تُهَدُّ مِنَ الأصْوَات رَاحِلَتِـي إذْ سالَتِ الأرْضُ بـالـجُرْدِ الإبـابِـيـلِ تَرْدِي بِـأُسْدٍ كِرَامٍ لا تَناِبَلةٍعِنْدَ اللَّقاءِ وَلا مِيـلٍ مَعازِيـلِ فَظَلْتُ عَدْواً أظُنُّ الأرْضَ مائِلَةً لَـمَّا سَمَوْا بِرَئِيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ فَقُلْتُ وَيْـلُ ابنِ حَرْبٍ منْ لِقائِكُمُ إذَا تَغَطْمَطَتِ البَطْحاءُ بـالـجِيْـلِ إنـي نَذِيرٌ لأهْلِ البَسْلِ ضَاحِيَةً لكُلّ ذِي إرْبَةٍ مِنْهُمْ وَمَعْقُولِ مِنْ جَيْشِ أحمَدَ لا وَخْشٍ تَنابِلَةٍ وَلَـيْسَ يُوصَفُ ما أنْذَرْتُ بـالقِـيـلِ

قال: فثنى ذلك أبـا سفـيان ومن معه؛ ومرّ به ركب من عبد القـيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد الـمدينة. قال: ولـم؟ قالوا: نريد الـمِيرة. قال: فهل أنتـم مبلغون عنـي مـحمداً رسالة أرسلكم بها، وأُحَمِّلُ لكم إبلكم هذه غداً زبـيبـاً بعكاظ إذا وافـيتـموها؟ قالوا: نعم. قال: فإذا جئتـموه، فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إلـيه وإلـى أصحابه لنستأصل بَقِـيتهم! فمرّ الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بـالذي قال أبو سفـيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حَسْبُنا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيـلُ

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: فقال الله: {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ }. والناس الذين قال لهم ما قالوا: النفر من عبد القـيس، الذين قال لهم أبو سفـيان ما قال، إن أبـا سفـيان ومن معه راجعون إلـيكم، يقول الله تبـارك وتعالـى:

{ فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ }[آل عمران: 174]... الآية.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: لـما ندموا ـ يعنـي: أبا سفيان وأصحابه ـ علـى الرجوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقالوا: ارجعوا فـاستأصلوهم! فقذف الله فـي قلوبهم الرعب، فهزموا، فلقوا أعرابياً، فجعلوا له جعلاً فقالوا: إن لقـيت مـحمداً وأصحابه، فأخبرهم أنا قد جمعنا لهم. فأخبر الله جلّ ثناؤه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلبهم حتـى بلغ حمراء الأسد، فلقوا الأعرابـي فـي الطريق، فأخبرهم الـخبر، فقالوا: «حَسْبُنا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيـلُ» ثم رجعوا من حمراء الأسد، فأنزل الله تعالـى فـيهم وفـي الأعرابـي الذي لقـيهم: {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ }.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قال: استقبل أبو سفـيان فـي منصرفه من أُحد عيراً واردة الـمدينة ببضاعة لهم وبـينهم وبـين النبـيّ صلى الله عليه وسلم حبـال، فقال: إن لكم علـيّ رضاكم إن أنتـم رددتـم عنـي مـحمداً ومن معه إن أنتـم وجدتـموه فـي طلبـي وأخبرتـموه أنـي قد جمعت له جموعاً كثـيرة! فـاستقبلت العيرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا له: يا مـحمد إنا نـخبرك أن أبـا سفـيان قد جمع لك جموعاً كثـيرة، وأنه مقبل إلـى الـمدينة، وإن شئت أن ترجع فـافعل. ولـم يزده ذلك ومن معه إلا يقـيناً، {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ }، فأنزل الله تبـارك وتعالـى: {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ }... الآية.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصابة من أصحابه بعدما انصرف أبو سفـيان وأصحابه من أُحد خـلفهم، حتـى كانوا بذي الـحلـيفة، فجعل الأعراب والناس يأتون علـيهم، فـيقولون لهم: هذا أبو سفـيان مائل علـيكم بـالناس، فقالوا: {حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ }، فأنزل الله تعالـى فـيهم: {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ }.

وقال آخرون: بل قال ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قال ذلك له فـي غزوة بدر الصغرى وذلك فـي مسير النبـيّ صلى الله عليه وسلم عام قابل من وقعة أُحد للقاء عدوّه أبـي سفـيان وأصحابه للـموعد الذي كان واعده الالتقاء بها. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } قال: هذا أبو سفـيان، قال لـمـحمد: موعدكم بدر حيث قتلتـم أصحابنا! فقال مـحمد صلى الله عليه وسلم: «عَسَى!» فـانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لـموعده حتـى نزل بدراً، فوافقوا السوق فـيها، وابتاعوا؛ فذلك قوله تبـارك وتعالـى:

{ فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ }[آل عمران: 174] وهي غزوة بدر الصغرى.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد بنـحوه، وزاد فـيه: وهي بدر الصغرى. قال ابن جريج: لـما عمد النبـيّ صلى الله عليه وسلم لـموعد أبـي سفـيان، فجعلوا يـلقون الـمشركين، ويسألونهم عن قريش، فـيقولون: {قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } يكيدونهم بذلك، يريدون أن يرعبوهم، فـيقول الـمؤمنون: {حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ } حتـى قدموا بدراً، فوجدوا أسواقها عافـية لـم ينازعهم فـيها أحد. قال: وقدم رجل من الـمشركين وأخبر أهل مكة بخيـل مـحمد علـيه الصلاة والسلام وقال فـي ذلك:

نَفَرَتْ قَلُوصِي عَنْ خُيولِ مُـحَمَّدِ وَعَجْوَةٍ مَنْثُورَةٍ كالعُنْـجُدِ واتـخذتْ ماءَ قُدَيدٍ مَوْعِدِي

قال أبو جعفر: هكذا أنشدنا القاسم، وهو خطأ، وإنـما هو:

قَدْ نَفَرَتْ مِنْ رُفْقَتـيْ مُـحَمَّدِ وَعَجْوَةٍ مِنْ يَثرِبٍ كالعُنْـجُدِ تَهْوِى علـى دِينِ إبـيِها الأتْلَدِ قدْ جَعَلَتْ ماءَ قُدَيْدٍ مَوْعِدِي وَماءَ ضَجْنانَ لَهَا ضُحَى الغَدِ

حدثنـي الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيـينة، عن عمرو، عن عكرمة، قال: كانت بدر متـجراً فـي الـجاهلـية، فخرج ناس من الـمسلـمين يريدون، ولقـيهم ناس من الـمشركين فقالوا لهم: {إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ }، فأما الـجبـان فرجع، وأما الشجاع فأخذ الأهبة للقتال وأهبة التـجارة، {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ }، فأتوهم فلـم يـلقوا أحداً، فأنزل الله عزّ وجلّ فـيهم: {إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ }. قال ابن يحيـى، قال عبد الرزاق، قال ابن عيـينة: وأخبرنـي زكريا عن الشعبـي، عن عبد الله بن عمرو قال: هي كلـمة إبراهيـم صلى الله عليه وسلم حين ألقـي فـي النار، فقال: {حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ }.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: إن الذي قـيـل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أن الناس قد جمعوا لكم فـاخشوهم، كان فـي حال خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخروج من خرج معه فـي أثر أبـي سفـيان، ومن كان معه من مشركي قريش منصرفهم عن أُحد إلـى حمراء الأسد؛ لأن الله تعالـى ذكره إنـما مدح الذين وصفهم بقـيـلهم: {حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ } لـما قـيـل لهم: إن الناس قد جمعوا لكم فـاخشوهم، بعد الذي قد كان نالهم من القروح والكلوم، بقوله:

{ ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَـٰبَهُمُ ٱلْقَرْحُ }[آل عمران: 172] ولـم تكن هذه الصفة إلا صفة من تبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جرحى أصحابه بأحد إلـى حمراء الأسد. وأما قول الذين خرجوا معه إلـى غزوة بدر الصغرى، فإنه لـم يكن فـيهم جريج، إلا جريح قد تقادم اندمال جرحه، وبرأ كلـمه، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنـما خرج إلـى بدر الـخرجة الثانـية إلـيها لـموعد أبـي سفـيان الذي كان واعده اللقاء بها بعد سنة من غزوة أُحد فـي شعبـان سنة أربع من الهجرة، وذلك أن وقعة أُحد كانت فـي النصف من شوّال من سنة ثلاث، وخروج النبـيّ صلى الله عليه وسلم لغزوة بدر الصغرى إلـيها فـي شعبـان من سنة أربع، ولـم يكن للنبـيّ صلى الله عليه وسلم بـين ذلك وقعة مع الـمشركين كانت بـينهم فـيها حرب جرح فـيها أصحابه، ولكن قد كان قتل فـي وقعة الرجيع من أصحابه جماعة لـم يشهد أحد منهم غزوة بدر الصغرى، وكانت وقعة الرجيع فـيـما بـين وقعة أُحد وغزوة النبـيّ صلى الله عليه وسلم بدر الصغرى.

فَٱنقَلَبُوا۟ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوٓءٌ وَٱتَّبَعُوا۟ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ۝١٧٤

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ } فـانصرف الذين استـجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح من وجههم الذي توجهوا فـيه، وهو سيرهم فـي أثر عدوّهم إلـى حمراء الأسد. {بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ } يعنـي: بعافـية من ربهم لـم يـلقوا بها عدوّاً. {وَفَضَّلَ } يعنـي: أصابوا فـيها من الأربـاح بتـجارتهم التـي اتـجروا بها، والأجر الذي اكتسبوه. {لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ } يعنـي: لـم ينلهم بها مكروه من عدوّهم ولا أذى. {وَٱتَّبَعُواْ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ } يعنـي بذلك أنهم أرضَوا الله بفعلهم ذلك واتبـاعهم رسوله إلـى ما دعاهم إلـيه من اتبـاع أثر العدوّ وطاعتهم. {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ } يعنـي: والله ذو إحسان وطول علـيهم بصرف عدوّهم الذي كانوا قد هموا بـالكرّة إلـيهم، وغير ذلك من أياديه عندهم، وعلـى غيرهم بنعمه، عظيـم عند من أنعم به علـيه من خـلقه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ } قال: والفضل: ما أصابوا من التـجارة والأجر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قال: وافقوا السوق فـابتاعوا، وذلك قوله: {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ } قال: الفضل ما أصابوا من التـجارة والأجر. قال ابن جريج: ما أصابوا من البـيع نعمة من الله وفضل، أصابوا عفوه وعزّته، لا ينازعهم فـيه أحد. قال: وقوله: {لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ } قال: قتل، {وَٱتَّبَعُواْ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ } قال: طاعة النبـيّ صلى الله عليه وسلم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ } لـما صرف عنهم من لقاء عدوّهم.

حدثنا مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: أطاعوا الله، وابتغوا حاجتهم، ولـم يؤذهم أحد. {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَٱتَّبَعُواْ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ }.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ يعنـي: حين خرج إلـى غزوة بدر الصغرى ـ ببدر دراهم ابتاعوا بها من موسم بدر، فأصابوا تـجارة؛ فذلك قول الله: {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَٱتَّبَعُواْ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ }. أما النعمة: فهي العافـية، وأما الفضل: فـالتـجارة، والسوء: القتل.

السبت، 24 أكتوبر 2026 13 جمادى الأولى 1448 هـ