انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير الطبريالآيات 36–39

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة آل عمران

الخلاصة من تفسير الطبري · 11 مقطعًا · 3:01:26

  1. 1 الآيات 33–51في هذه الصفحة 16:36

التفسير الصوتي لسورة آل عمران كاملًا (11 مقطعًا)

فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّىٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ۝٣٦

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا } فلـما وضعت حنة النذيرة، ولذلك أنث. ولو كانت الهاء عائدة علـى «ما» التـي فـي قوله: {إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا } لكان الكلام: فلـما وضعته قالت: ربِّ إنـي وضعته أنثى. ومعنى قوله: {وَضَعْتُهَا } ولدتها، يقال منه: وضعت الـمرأة تضع وضعاً. {قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ } أي ولدت النذيرة أنثى؛ {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ }.

واختلف القراء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة القراء: {وَضَعَتْ } خبراً من الله عزّ وجلّ عن نفسه أنه العالـم بـما وضعت من غير قـيـلها: {رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ }. وقرأ ذلك بعض الـمتقدمين: «وَاللَّهُ أعْلَـمُ بِـمَا وَضَعْتُ» علـى وجه الـخبر بذلك عن أمّ مريـم أنها هي القائلة، والله أعلـم بـما ولدتُ منـي.

وأولـى القراءتـين بـالصواب ما نقلته الـحجة مستفـيضة فـيها قراءته بـينها لا يتدافعون صحتها، وذلك قراءة من قرأ: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } ولا يعترض بـالشاذ عنها علـيها.

فتأويـل الكلام إذاً: والله أعلـم من كل خـلقه بـما وضعت. ثم رجع جلّ ذكره إلـى الـخبر عن قولها، وأنها قالت اعتذارا إلـى ربها مـما كانت نذرت فـي حملها فحرّرته لـخدمة ربها: {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنثَىٰ } لأن الذكر أقوى علـى الـخدمة وأقوم بها، وأن الأنثى لا تصلـح فـي بعض الأحوال لدخول القدْس والقـيام بخدمة الكنـيسة لـما يعتريها من الـحيض والنفـاس {وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ }. كما:

حدثنـي ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنثَىٰ } أي لـما جعلتها له مـحرّرة نذيرة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي ابن إسحاق: {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنثَىٰ } لأن الذكر هو أقوى علـى ذلك من الأنثى.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنثَىٰ } كانت الـمرأة لا تستطيع أن يصنع بها ذلك، يعنـي أن تـحرَّر للكنـيسة فتـجعل فـيها تقوم علـيها وتكنسها فلا تبرحها مـما يصيبها من الـحيض والأذى، فعند ذلك قالت: {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنثَىٰ }.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ } وإنـما كانوا يحررون الغلـمان، قال: {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنثَىٰ وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ }.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال: كانت امرأة عمران حررت لله ما فـي بطنها، وكانت علـى رجاء أن يهب لها غلاماً، لأن الـمرأة لا تستطيع ذلك ـ يعنـي القـيام علـى الكنـيسة لا تبرحها وتكنسها ـ لـما يصيبها من الأذى.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: أن امرأة عمران ظنت أن ما فـي بطنها غلام، فوهبته لله، فلـما وضعت إذا هي جارية، فقالت تعتذر إلـى الله: {رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنثَىٰ } تقول: إنـما يحرّر الغلـمان. يقول الله: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ }، فقالت: {إِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ }.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن القاسم بن أبـي بزة، أنه أخبره عن عكرمة، وأبـي بكر عن عكرمة: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنثَىٰ } يعنـي فـي الـمـحيض، ولا ينبغي لامرأة أن تكون مع الرجال؛ أمها تقول ذلك.

القول فـي تأويـل قوله جلَّ ثناؤه: {وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ }.

تعنـي بقولها: {وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا } وإنـي أجعل معاذها ومعاذ ذرّيتها من الشيطان الرجيـم بك. وأصل الـمعاذ: الـموئل والـملـجأ والـمعقل. فـاستـجاب الله لها فأعاذها الله وذرّيتها من الشيطان الرجيـم، فلـم يجعل له علـيها سبـيلاً.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبدة بن سلـيـمان، عن مـحمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مَا مِنْ نَفْسِ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلاَّ وَالشَّيْطَانُ يَنَالُ مِنْهُ تِلْكَ الطَّعْنَةَ، وَبِهَا يَسْتَهِلُّ الصَّبِـيُّ؛ إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ مَرْيَـمَ ابْنَةِ عِمْرَانَ فَـإِنَّها لَـمَّا وَضَعَتْها قَالَتْ: {رَبّ إِنّى أُعِيذُهَا وَذُرّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ } فَضُرِبَ دُونَها حِجابٌ، فَطَعَنَ فِيهِ

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كُلُّ مَوْلُودٍ مِنْ وَلَدِ آدَمَ لَهُ طَعْنَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَبِها يَسْتَهِلُّ الصَّبِـيُّ؛ إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ مَرْيَـمَ ابْنَةِ عِمْرَانَ وَوَلَدِها، فَـإِنَّ أُمَّها قَالَتْ حِينَ وَضَعَتْه: {إِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ } فَضُرِبَ دُونَهُما حِجابٌ فَطَعَنَ فِـي الـحِجابِ

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي مـحمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبـي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنـحوه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن الـمغيرة، عن عمرو، عن شعيب بن خالد، عن الزبـير، عن سعيد بن الـمسيب، قال: سمعت أبـا هريرة يقول: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول:

ما مِنْ بَنِـي آدَمَ مَوْلُودٌ يُولَدُ إِلاَّ قَدْ مَسَّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَـيَسْتَهِلّ صَارِخاً بِـمَسِّهِ إيَّاهُ؛ غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِها. فقال أبو هريرة: اقرؤا إن شئتـم: {إِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ }.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي ابن أبـي ذئب عن عجلان مولـى الـمشمعلِّ، عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ مِنْ بَنِـي آدَمَ يَـمَسُّهُ الشَّيْطَانُ بـأُصْبُعِهِ، إِلاَّ مَرْيَـمَ وَابْنَهَا

حدثنـي أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثنـي عمي عبد الله بن وهب، قال: أخبرنـي عمرو بن الـحارث أن أبـا يونس سلـيـمان مولـى أبـي هريرة، حدثه عن أبـي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

كُلُّ بَنِـي آدَمَ يَـمَسُّهُ الشَّيْطَانُ يَوْمَ وَلَدتْهُ أُمُّهُ، إِلاَّ مَرْيَـمَ وَابْنَها

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي عمران أن أبـا يونس حدثه، عن أبـي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثله.

حدثنـي الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن الـمسيب، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلاَّ يَـمَسُّهُ الشَّيْطَانُ فَـيَسْتَهِلُّ صَارِخا مِنْ مَسَّةِ الشَّيْطَانِ إِلاَّ مَرْيَـمَ وَابْنَها ثم يقول أبو هريرة: اقرؤا إن شئتـم: {وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُريَّتَها مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ }.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحمانـي، قال: ثنا قـيس، عن الأعمش، عن أبـي صالـح، عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلاَّ وَقَدْ عَصَرَهُ الشَّيْطَانُ عَصْرَةً أَوْ عَصْرَتَـيْنِ؛ إِلاَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَـمَ وَمَرْيَـمَ. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ }.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن الـمغيرة، عن عمرو بن أبـي قـيس، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: ما ولد مولود إلا وقد استهلّ، غير المسيح ابن مريم لم يسلط عليه الشيطان ولم يَنْهَزْه.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا المنذر بن النعمان الأفطس، أنه سمع وهب بن منبه يقول: لـما ولد عيسى، أتت الشياطين إبلـيس، فقالوا: أصبحت الأصنام قد نكست رؤوسها، فقال: هذا فـي حادث حدث! وقال: مكانكم! فطار حتـى جاء خافقـي الأرض، فلـم يجد شيئاً، ثم جاء البحار فلـم يجد شيئاً، ثم طار أيضاً فوجد عيسى قد ولد عند مذود حمار، وإذا الـملائكة قد حفت حوله؛ فرجع إلـيهم فقال: إن نبـياً قد ولد البـارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا أنا بحضرتها إلا هذه! فـأْيِسُوا أن تعبد الأصنام بعد هذه اللـيـلة، ولكن ائتوا بنـي آدم من قبل الـخفة والعجلة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وِإِنّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ } وذكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:

كُلُّ بَنِـي آدَمَ طَعَنَ الشَّيْطَانُ فِـي جَنْبِهِ إِلاَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَـمَ وَأُمَّهُ، جُعِلَ بَـيْنَهُما وَبَـيْنَهُ حجابٌ، فأصَابَتِ الطَّعْنَةُ الـحِجابَ وَلَـمْ يَنْفُذْ إِلَـيْهِمَا شَيْءً وذكر لنا أنهما كانا لا يصيبـان الذنوب كما يصيبها سائر بنـي آدم. وذكر لنا أن عيسى كان يـمشي علـى البحر كما يـمشي علـى البرّ مـما أعطاه الله تعالـى من الـيقـين والإخلاص.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنـي إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {وِإِنِّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ } قال: إن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم قال:

كُلُّ آدَمِيٍّ طَعَنَ الشَّيْطَانُ فِـي جَنْبِهِ غَيْرَ عِيسَى وأُمِّهِ، كانا لا يُصِيبـانِ الذُّنُوبَ كَما يُصَيبُها بَنُو آدَمَ. قال: وقال عيسى صلى الله عليه وسلم فـيـما يثنـي علـى ربه: «وأعاذنـي وأمي من الشيطان الرجيـم فلـم يكن له علـينا سبـيـل».

حدثنا الربـيع بن سلـيـمان، قال: ثنا شعيب بن اللـيث، قال: ثنا اللـيث، عن جعفر بن ربـيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز أنه قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كُلُّ بَنِـي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِـي جَنْبِهِ حِينَ تَلِدُهُ أُمُّهُ، إِلاَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَـمَ ذَهَبَ يَطْعُنُ فَطَعَنَ فِـي الـحِجابِ

حدثنا الربـيع، قال: ثنا شعيب، قال: أخبرنا اللـيث، عن جعفر بن ربـيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز أنه قال: قال أبو هريرة: أرأيت هذه الصرخة التـي يصرخها الصبـيّ حين تلده أمه؟ فإنها منها.

حدثنـي أحمد بن الفرج، قال: ثنا بقـية بن الولـيد، قال: ثنا الزبـيدي، عن الزهري، عن أبـي سلـمة، عن أبـي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

ما مِنْ بَنِـي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلاَّ يَـمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ يَسْتَهِلُّ صَارِخاً».

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ۝٣٧

يعنـي بذلك جل ثناؤه: تقبل مريـم من أمها حنة بتـحريرها إياها للكنـيسة وخدمتها، وخدمة ربها بقبول حسن، والقبول: مصدر من قبلها ربها. فأخرج الـمصدر علـى غير لفظ الفعل، ولو كان علـى لفظه لكان: فتقبلها ربها تقبلاً حسناً، وقد تفعل العرب ذلك كثـيراً أن يأتوا بـالـمصادر علـى أصول الأفعال وإن اختلفت ألفـاظها فـي الأفعال بـالزيادة، وذلك كقولهم: تكلـم فلان كلاماً، ولو أخرج الـمصدر علـى الفعل لقـيـل: تكلـم فلان تكلـماً، ومنه قوله: {وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } ولـم يقل: إنبـاتاً حسناً. وذكر عن أبـي عمرو بن العلاء أنه قال: لـم نسمع العرب تضمّ القاف فـي قبول، وكان القـياس الضمّ لأنه مصدر مثل الدخول والـخروج، قال: ولـم أسمع بحرف آخر فـي كلام العرب يشبهه.

حدثت بذلك عن أبـي عبـيد، قال: أخبرنـي الـيزيدي عن أبـي عمرو.

وأما قوله: {وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } فإن معناه: وأنبتها ربها فـي غذائه ورزقه نبـاتاً حسناً حتـى تـمت فكملت امرأة بـالغة تامة. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال الله عزّ وجلّ: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ } قال: تقبل من أمها ما أرادت بها للكنـيسة وآجرها فـيها {وَأَنبَتَهَا }، قال: نبتت فـي غذاء الله.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا }.

اختلفت القراء فـي قراءة قوله: {وَكَفَّلَهَا }، فقرأته عامة قراء أهل الـحجاز والـمدينة والبصرة: «وكَفَلَها» مخففة الفـاء بـمعنى: ضمها زكريا إلـيه، اعتبـاراً بقول الله عزّ وجلّ:

{ يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ }[آل عمران: 44]. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفـيـين: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } بـمعنى: وكفّلها الله زكريا.

وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك عندي قراءة من قرأ: {وَكَفَّلَهَا } مشددة الفـاء بـمعنى: وكفّلها الله زكريا، بـمعنى: وضمها الله إلـيه؛ لأن زكريا أيضاً ضمها إلـيه بإيجاب الله له ضمها إلـيه بـالقرعة التـي أخرجها الله له، والآية التـي أظهرها لـخصومه فـيها، فجعله بها أولـى منهم، إذ قرع فـيها من شاحّه فـيها. وذلك أنه بلغنا أن زكريا وخصومه فـي مريـم إذ تنازعوا فـيها أيهم تكون عنده، تساهموا بقداحهم فرموا بها فـي نهر الأردنّ، فقال بعض أهل العلـم: رتَب قِدْحُ زكريا، فقام فلـم يجر به الـماء وجرى بقداح الآخرين الـماء، فجعل الله ذلك لزكريا أنه أحقّ الـمتنازعين فـيها. وقال آخرون: بل صعد قدح زكريا فـي النهر، وانـحدرت قداح الآخرين مع جرية الـماء وذهبت، فكان ذلك له علـماً من الله فـي أنه أولـى القوم بها. وأيّ الأمرين كان من ذلك فلا شكّ أن ذلك كان قضاء من الله بها لزكريا علـى خصومه بأنه أولاهم بها، وإذا كان ذلك كذلك، فإنـما ضمها زكريا إلـى نفسه بضم الله إياها إلـيه بقضائه له بها علـى خصومه عند تشاحهم فـيها واختصامهم فـي أولاهم بها.

وإذا كان ذلك كذلك كان بـيِّناً أن أولـى القراءتـين بـالصواب ما اخترنا من تشديد «كفَّلها». وأما ما اعتلّ به القارئون ذلك بتـخفـيف الفـاء من قول الله: {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } وأن موجب صحة اختـيارهم التـخفـيف فـي قوله: {وَكَفَّلَهَا } فحجة دالة علـى ضعف احتيال الـمـحتـجّ بها. وذلك أنه غير مـمتنع ذو عقل من أن يقول قائل: كفل فلان فلاناً فكفله فلان، فكذلك القول فـي ذلك: ألقـى القوم أقلامهم أيهم يكفل مريـم، بتكفـيـل الله إياه بقضائه الذي يقضي بـينهم فـيها عند إلقائهم الأقلام.

وكذلك اختلفت القراء فـي قراءة «زكريا»، فقرأته عامة قراء الـمدينة بـالـمدّ، وقرأته عامة قراء الكوفة بـالقصر. وهما لغتان معروفتان وقراءتان مستفـيضتان فـي قراءة الـمسلـمين، ولـيس فـي القراءة بإحداهما خلاف لـمعنى القراءة الأخرى، فبأيتهما قرأ القارىء فهو مصيب.

غير أن الصواب عندنا إذا مدّ «زكريا»، أن ينصب بغير تنوين، لأنه اسم من أسماء العجم لا يُجْرَى، ولأن قراءتنا فـي «كفّلها» بـالتشديد وتثقـيـل الفـاء، فزكرياء منصوب بـالفعل الواقع علـيه. وفـي زكريا لغة ثالثة لا تـجوز القراءة بها لـخلافها مصاحف الـمسلـمين وهو «زكريّ» بحذف الـمدّة والـياء الساكنة، تشبهه العرب بـالـمنسوب من الأسماء فتنوّنه، وتـجريه فـي أنواع الإعراب مـجاري ياء النسبة.

فتأويـل الكلام: وضمها الله إلـى زكريا، من قول الشاعر:

فَـهُـوَ لِـضُـلاَّلِ الـهَـوَامِ كافِـلُ

يراد أنه لـما ضلّ من متفرّق النعم ومنتشره، ضامٌّ إلـى نفسه وجامعٌ. وقد رُوي:

فَـهُـوَ لِـضُـلاَّلِ الـهَـوَافِـي كافِـلُ

بـمعنى أنه لـما ندّ فهرب من النعم ضامٌّ، من قولهم: هفـا الظلـيـم: إذا أسرع الطيران، يقال منه للرجل: ما لك تكفل كل ضالة؟ يعنـي به: تضمها إلـيك وتأخذها.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي عبد الرحمن بن الأسود الطفـاوي، قال: ثنا مـحمد بن ربـيعة، عن النضر بن عربـي، عن عكرمة فـي قوله:

{ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَـٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ }[آل عمران: 44] قال: ألقوا أقلامهم فجرت بها الـجِرْيَة إلا قلـم زكريا صاعداً، فكفلها زكريا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع قوله: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } قال: ضمها إلـيه. قال: ألقوا أقلامهم، يقول عصيهم. قال: فألقوها تلقاء جرية الـماء، فـاستقبلت عصا زكريا جرية الـماء فقرعهم.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي، قال الله عزّ وجلّ: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } فـانطلقت بها أمها فـي خِرَقها ـ يعنـي أمّ مريـم ـ بـمريـم حين ولدتها إلـى الـمـحراب ـ وقال بعضهم: انطلقت حين بلغت إلـى الـمـحراب ـ وكان الذين يكتبون التوراة إذا جاءوا إلـيهم بإنسان يجربونه اقترعوا علـيه أيهم يأخذه فـيعلـمه، وكان زكريا أفضلهم يومئذٍ وكان بـينهم، وكانت خالة مريـم تـحته. فلـما أتوا بها اقترعوا علـيها، وقال لهم زكريا: أنا أحقكم بها تـحتـي خالتها، فأبوا. فخرجوا إلـى نهر الأردن، فألقوا أقلامهم التـي يكتبون بها، أيهم يقوم قلـمه فـيكفلها. فجرت الأقلام وقام قلـم زكريا علـى قُرْنَته كأنه فـي طين، فأخذ الـجارية؛ وذلك قول الله عزّ وجلّ: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } فجعلها زكريا معه فـي بـيته، وهو الـمـحراب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } يقول: ضمها إلـيه.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } قال: سهمهم بقلـمه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، نـحوه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن قتادة، قال: كانت مريـم ابنة سيدهم وإمامهم. قال: فتشاحّ علـيها أحبـارهم، فـاقترعوا فـيها بسهامهم أيهم يكفلها. قال قتادة: وكان زكريا زوج أختها فكفلها، وكانت عنده وحضنها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن القاسم بن أبـي بزة أنه أخبره، عن عكرمة، وأبـي بكر عن عكرمة، قال: ثم خرجتْ بها ـ يعنـي أمّ مريـم بـمريـم ـ فـي خِرَقها تـحملها إلـى بيت الكاهن بن هارون أخي موسى بن عمران، قال: وهم يومئذٍ يـلون من بـيت الـمقدس ما يـلـي الـحجبة من الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فإنـي حررتها وهي ابنتـي، ولا يدخـل الكنـيسة حائض، وأنا لا أردّها إلـى بـيتـي! فقالوا: هذه ابنة إمامنا ـ وكان عمران يؤمهم فـي الصلاة ـ وصاحب قربـانهم. فقال زكريا: ادفعوها إلـيّ فإن خالتها عندي! قالوا: لا تطيب أنفسنا هي ابنة إمامنا. فذلك حين اقترعوا فـاقترعوا بأقلامهم علـيها، بـالأقلام التـي يكتبون بها التوراة، فقرعهم زكريا فكفلها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي يعلـى بن مسلـم، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: جعلها زكريا معه فـي مـحرابه، قال الله عزّ وجلّ: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا }. قال حجاج: قال ابن جريج: الكاهن فـي كلامهم: العالـم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } بعد أبـيها وأمها، يذكرها بـالـيتـم. ثم قصّ خبرها وخبر زكريا.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا الـحمانـي، قال: ثنا شريك، عن عطاء، عن سعيد بن جبـير قوله: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } قال: كانت عنده.

حدثنـي علـيّ بن سهل، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن يعلـى بن مسلـم، عن سعيد بن جبـير قوله: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } قال: جعلها زكريا معه فـي مـحرابه.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، عن عبـاد، عن الـحسن فـي قوله: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } وتقارعها القوم، فقرع زكريا، فكفلها زكريا.

وقال آخرون: بل كان زكريا بعد ولادة حنة ابنتها مريـم كفلها بغير اقتراعٍ ولا استهامٍ علـيها ولا منازعة أحد إياه فـيها. وإنـما كفلها لأن أمها ماتت بعد موت أبـيها وهي طفلة، وعند زكريا خالتها إيشاع ابنة فـاقوذ؛ وقد قـيـل: إن اسم أم يحيـى خالة عيسى: أشيع.

حدثنا بذلك القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي وهب بن سلـيـمان، عن شعيب الـجبئي أن اسم أمّ يحيـى: أشيع.

فضمها إلـى خالتها أمّ يحيـى، فكانت إلـيهم ومعهم، حتـى إذا بلغت أدخـلوها الكنـيسة لنذر أمها التـي نذرت فـيها. قالوا: والاقتراع فـيها بـالأقلام، إنـما كان بعد ذلك بـمدة طويـلة لشدة إصابتهم ضعف زكريا عن حمل مؤنتها، فتدافعوا حمل مؤنتها، لا رغبة منهم، ولا تنافساً علـيها وعلـى احتـمال مؤنتها. وسنذكر قصتها علـى قول من قال ذلك إذا بلغنا إلـيها إن شاء الله تعالـى.

حدثنا بذلك ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي مـحمد بن إسحاق.

فعلـى هذا التأويـل تصحّ قراءة من قرأ: «وَكَفَلَها زَكَرِيَّا» بتـخفـيف الفـاء لو صحّ التأويـل. غير أن القول متظاهر من أهل التأويـل بـالقول الأول إن استهام القوم فـيها كان قبل كفـالة زكريا إياها، وأن زكريا إنـما كفلها بإخراج سهمه منها فـالـجاً علـى سهام خصومه فـيها، فلذلك كانت قراءته بـالتشديد عندنا أولـى من قراءته بـالتـخفـيف.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا }.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: أن زكريا كان كلـما دخـل علـيها الـمـحراب بعد إدخاله إياها الـمـحراب، وجد عندها رزقاً من الله لغذائها. فقـيـل: إن ذلك الرزق الذي كان يجده زكريا عندها فـاكهة الشتاء فـي الصيف، وفـاكهة الصيف فـي الشتاء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا الـحسن بن عطية، عن شريك، عن عطاء، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًاً } قال: وجد عندها عنبـاً فـي مِكْتَلٍ فـي غير حينه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد فـي قوله: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًاً } قال: العنب فـي غير حينه.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيـم فـي قوله: {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًاً } قال: فـاكهة فـي غير حينها.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا أبو إسحاق الكوفـي، عن الضحاك: أنه كان يجد عندها فـاكهة الصيف فـي الشتاء وفـاكهة الشتاء فـي الصيف، يعنـي فـي قوله: {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًاً }.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سلـمة بن نبـيط، عن الضحاك، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو، قال: أخبرنا هشيـم، عن بعض أشياخه، عن الضحاك، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: أخبرنا هشيـم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، مثله.

حدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا من سمع الـحكم بن عتـيبة يحدّث، عن مـجاهد، قال: كان يجد عندها العنب فـي غير حينه.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًاً } قال: عنبـاً وجده زكريا عند مريـم فـي غير زمانه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، نـحوه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، قال: ثنا النضر بن عربـي، عن مـجاهد فـي قوله: {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًاً } قال: فـاكهة الصيف فـي الشتاء، وفـاكهة الشتاء فـي الصيف.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة فـي قوله: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًاً } قال: كنا نـحدّث أنها كانت تؤتـى بفـاكهة الشتاء فـي الصيف، وفـاكهة الصيف فـي الشتاء.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًاً } قال: وجد عندها ثمرة فـي غير زمانها.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال: جعل زكريا دونها علـيها سبعة أبواب، فكان يدخـلها علـيها، فـيجد عندها فـاكهة الشتاء فـي الصيف، وفـاكهة الصيف فـي الشتاء.

حدثنـي موسى بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي، قال: جعلها زكريا معه فـي بـيت وهو الـمـحراب، فكان يدخـل علـيها فـي الشتاء، فـيجد عندها فـاكهة الصيف، ويدخـل فـي الصيف فـيجد عندها فـاكهة الشتاء.

حدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًاً } قال: كان يجد عندها فـاكهة الصيف فـي الشتاء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي يعلـى بن مسلـم، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًاً } قال: وجد عندها ثمار الـجنة، فـاكهة الصيف فـي الشتاء وفـاكهة الشتاء فـي الصيف.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي بعض أهل العلـم: أن زكريا كان يجد عندها ثمرة الشتاء فـي الصيف، وثمرة الصيف فـي الشتاء.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، عن عبـاد، عن الـحسن، قال: كان زكريا إذا دخـل علـيها ـ يعنـي علـى مريـم ـ الـمـحراب وجد عندها رزقاً من السماء من الله، لـيس من عند الناس. وقالوا: لو أن زكريا كان يعلـم أن ذلك الرزق من عنده لـم يسألها عنه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن زكريا كان إذا دخـل إلـيها الـمـحراب وجد عندها من الرزق فضلاً عما كان يأتـيها به الذي كان يـمونها فـي تلك الأيام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي مـحمد بن إسحاق، قال: كفلها بعد هلاك أمها، فضمها إلـى خالتها أم يحيـى، حتـى إذا بلغت، أدخولها الكنـيسة لنذر أمها الذي نذرت فـيها، فجعلت تنبت وتزيد، قال: ثم أصابت بنـي إسرائيـل أزمة، وهي علـى ذلك من حالها حتـى ضعف زكريا عن حملها، فخرج علـى بنـي إسرائيـل، فقال: يا بنـي إسرائيـل أتعلـمون، والله لقد ضعفت عن حمل ابنة عمران! فقالوا: ونـحن لقد جهدنا وأصابنا من هذه السنة ما أصابكم. فتدافعوها بـينهم، وهم لا يرون لهم من حملها بدًّا. حتـى تقارعوا بـالأقلام، فخرج السهم بحملها علـى رجل من بنـي إسرائيـل نـجار يقال له جريج، قال: فعرفت مريـم فـي وجهه شدة مؤنة ذلك علـيه، فكانت تقول له: يا جريج أحسن بـالله الظنّ، فإن الله سيرزقنا! فجعل جريج يرزق بـمكانها، فـيأتـيها كل يوم من كسبه بـما يصلـحها، فإذا أدخـلها علـيها وهي فـي الكنـيسة أنـماه الله وكثره، فـيدخـل علـيها زكريا فـيرى عندها فضلاً من الرزق ولـيس بقدر ما يأتـيها به جريج، فـيقول: يا مريـم أنى لك هذا؟ فتقول: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.

وأما الـمـحراب: فهو مقدم كل مـجلس ومصلـى، وهو سيد الـمـجالس وأشرفها وأكرمها، وكذلك هو من الـمساجد، ومنه قول عديّ بن زيد:

كَدُمَى العاجِ فـي الـمَـحارِيب أو كالْـ ـبَـيْضِ فـي الروضِ زهره مُسْتنـيرُ

والـمـحاريب جمع مـحراب، وقد يجمع علـى مـحارب.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قَالَ يَـاءادَمُ مَرْيَمَ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }.

يعنـي بذلك جل ثناؤه: قال زكريا يا مريـم: أنى لك هذا؟ من أيّ وجه لك هذا الذي أرى عندك من الرزق، قالت مريـم مـجيبة له: هو من عند الله، تعنـي أن الله هو الذي رزقها ذلك فساقه إلـيها وأعطاها، وإنـما كان زكريا يقول ذلك لها لأنه كان فـيـما ذكر لنا يغلق علـيها سبعة أبواب، ويخرج ثم يدخـل علـيها، فـيجد عندها فـاكهة الشتاء فـي الصيف، وفـاكهة الصيف فـي الشتاء، فكان يعجب مـما يرى من ذلك، ويقول لها تعجبـاً مـما يرى: أنى لك هذا؟ فتقول: من عند الله.

حدثنـي بذلك الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي بعض أهل العلـم، فذكر نـحوه.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } قال: فإنه وجد عندها الفـاكهة الغضة حين لا توجد الفـاكهة عند أحد، فكان زكريا يقول: يا مريـم أنى لك هذا؟

وأما قوله: {إنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } فخبر من الله أنه يسوق إلـى من يشاء من خـلقه رزقه بغير إحصاء ولا عدد يحاسب علـيه عبده، لأنه جل ثناؤه لا ينقص سوقه ذلك إلـيه، كذلك خزائنه، ولا يزيد إعطاؤه إياه، ومـحاسبته علـيه فـي ملكه، وفـيـما لديه شيئا، ولا يعزب عنه علـم ما يرزقه، وإنـما يحاسب من يعطي ما يعطيه من يخشى النقصان من ملكه، بخروج ما خرج من عنده بغير حساب معروف ومن كان جاهلاً بـما يعطى علـى غير حساب.

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ۝٣٨

أما قوله: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } فمعناه: عند ذلك، أي عند رؤية زكريا ما رأى عند مريم من رزق الله الذي رزقها، وفضله الذي آتاها من غير تسبب أحد من الآدميين في ذلك لها، ومعاينته عندها الثمرة الرطبة التـي لا تكون في حين رؤيته إياها عندها فـي الأرض؛ طمع فـي الولد مع كبر سنه من الـمرأة العاقر، فرجا أن يرزقه الله منها الولد مع الـحال التـي هما بها، كما رزق مريـم علـى تـخـلـيها من الناس ما رزقها، من ثمرة الصيف فـي الشتاء، وثمرة الشتاء فـي الصيف، وإن لـم يكن مثله مـما جرت بوجوده فـي مثل ذلك الـحين العادات فـي الأرض، بل الـمعروف فـي الناس غير ذلك، كما أن ولادة العاقر غير الأمر الـجارية به العادات فـي الناس، فرغب إلـى الله جل ثناؤه فـي الولد، وسأله ذريَّة طيبة. وذلك أن أهل بـيت زكريا فـيـما ذكر لنا، كانوا قد انقرضوا فـي ذلك الوقت. كما:

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: فلـما رأى زكريا من حالها ذلك يعنـي فـاكهة الصيف فـي الشتاء، وفـاكهة الشتاء فـي الصيف، قال: إن ربّـاً أعطاها هذا فـي غير حينه، لقادر علـى أن يرزقنـي ذرّية طيبة. ورغب فـي الولد، فقام فصلـى، ثم دعا ربه سرًّا، فقال:

{ رَبّ إِنّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنّى وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً وَإِنّي خِفْتُ ٱلْمَوَالِىَ مِن وَرَائِى وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءالِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبّ رَضِيّاً }[مريم: 4-6]. وقوله: {رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَاءِ }. وقال: { رَبّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوٰرِثِينَ } [الأنبياء: 89].

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي يعلـى بن مسلـم عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: فلـما رأى ذلك زكريا ـ يعنـي فـاكهة الصيف فـي الشتاء، وفـاكهة الشتاء فـي الصيف عند مريـم ـ قال: إن الذي يأتـي بهذا مريـم فـي غير زمانه، قادر أن يرزقنـي ولداً! قال الله عزّ وجلّ: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } قال: فذلك حين دعا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر، عن عكرمة، قال: فدخـل الـمـحراب، وغلق الأبواب، وناجى ربه، فقال:

{ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنّى وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً }[مريم: 4] إلـى قوله: { رَبِّ رَضِيّاً } [مريم: 6] { فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَـىٰ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ }[آل عمران: 39]... الآية.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي بعض أهل العلـم، قال: فدعا زكريا عند ذلك بعد ما أسنّ، ولا ولد له، وقد انقرض أهل بـيته، فقال: {رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَاء } ثم شكا إلـى ربه، فقال:

{ رَبِّ إِنّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنّى وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً }[مريم: 4]... إلـى: { وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً }[مريم: 6] { فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِى ٱلْمِحْرَابِ }[آل عمران: 39]... الآية.

وأما قوله: {رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً } فإنه يعنـي بـالذرية: النسل، وبـالطيبة: الـمبـاركة. كما:

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً } يقول: مبـاركة.

وأما قوله: {مِن لَّدُنْكَ } فإنه يعنـي من عندك. وأما الذرية: فإنها جمع، وقد تكون فـي معنى الواحد، وهي فـي هذا الـموضع الواحد؛ وذلك أن الله عزّ وجلّ قال فـي موضع آخر مخبراً عن دعاء زكريا: {فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً } ولـم يقل «أولـياء»، فدلّ علـى أنه سأل واحداً. وإنـما أنث طيبة لتأنـيث الذرية، كما قال الشاعر:

أبُوكَ خَـلِـيفَةٌ وَلَدَتْهُ أخْرَى وأنْتَ خَـلِـيفَةٌ، ذَاكَ الكمالُ

فقال: ولدته أخرى، فأنث، وهو ذكر لتأنـيث لفظ الـخـلـيفة، كما قال الآخر:

كما يَزْدَرِي مِنْ حَيَّةٍ جَبَلِـيَّةٍ سَكابِ إذا ما عَضَّ لـيسَ بأدْرَدَا

فأنث الـجبلـية لتأنـيث لفظ الـحية، ثم رجع إلـى الـمعنى فقال: إذا ما عضّ لأنه كان أراد حية ذكراً، وإنـما يجوز هذا فـيـما لـم يقع علـيه فلان من الأسماء كالدابة والذرية والـخـلـيفة، فأما إذا سُمي رجل بشيء من ذلك، فكان فـي معنى فلان لـم يجز تأنـيث فعله ولا نعته.

وأما قوله: {إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَاء } فإن معناه: إن سامع الدعاء، غير أن سميع أمدح، وهو بـمعنى ذو سمع له، وقد زعم بعض نـحويـي البصرة أن معناه: إنك تسمع ما تدعى به.

فتأويـل الآية: فعند ذلك دعا زكريا ربه فقال: ربّ هب لـي من عندك ولداً مبـاركاً، إنك ذو سمع دعاء من دعاك.

فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًۢا بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝٣٩

اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة وبعض أهل الكوفة والبصرة: {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـئِكَةُ } علـى التأنـيث بـالتاء، يراد بها: جمع الـملائكة، وكذلك تفعل العرب فـي جماعة الذكور إذا تقدمت أفعالها أنثت أفعالها ولاسيـما الأسماء التـي فـي ألفـاظها التأنـيث كقولهم: جاءت الطلـحات.

وقد قرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة بـالـياء، بـمعنى: فناداه جبريـل فذكروه للتأويـل، كما قد ذكرنا آنفـاً أنهم يؤنثون فعل الذكر للفظ، فكذلك يذكّرون فعل الـمؤنث أيضاً للفظ. واعتبروا ذلك فـيـما أرى بقراءة يذكر أنها قراءة عبد الله بن مسعود، وهو ما:

حدثنـي به الـمثنى، قال: ثنا إسحاق بن الـحجاج، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبـي حماد أن قراءة ابن مسعود: «فناداه جبريـل وهو قائم يصلـي فـي الـمـحراب».

وكذلك تأوّل قوله: {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـئِكَةُ } جَماعة مِنْ أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـئِكَةُ } وهو جبريـل ـ أو: قالت الـملائكة، وهو جبريـل ـ {أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَـىٰ }.

فإن قال قائل: وكيف جاز أن يقال علـى هذا التأويـل: {فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـئِكَةُ } والـملائكة جمع لا واحد؟ قـيـل: ذلك جائز فـي كلام العرب بأن تـخبر عن الواحد بـمذهب الـجمع، كما يقال فـي الكلام: خرج فلان علـى بغال البرد، وإنـما ركب بغلاً واحداً، وركب السفن، وإنـما ركب سفـينة واحدة، وكما يقال: مـمن سمعت هذا الـخبر؟ فـيقال: من الناس، وإنـما سمعه من رجل واحد؛ وقد قـيـل: إن منه قوله:

{ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ }[آل عمران: 173]، والقائل كان فـيـما ذكر واحداً، وقوله: { وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ }[الروم: 33]، والناس بـمعنى واحد، وذلك جائز عندهم فـيـما لـم يقصد فـيه قصد واحد.

وإنـما الصواب من القول عندي فـي قراءة ذلك أنهما قراءتان معروفتان، أعنـي التاء والـياء، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، وذلك أنه لا اختلاف فـي معنى ذلك بـاختلاف القرائين، وهما جميعاً فصيحتان عند العرب، وذلك أن الـملائكة إن كان مراداً بها جبريـل كما روي عن عبد الله فإن التأنـيث فـي فعلها فصيح فـي كلام العرب للفظها إن تقدمها الفعل، وجائز فـيه التذكير لـمعناها. وإن كان مراداً بها جمع الـملائكة فجائز فـي فعلها التأنـيث، وهو من قبلها للفظها، وذلك أن العرب إذا قدمت علـى الكثـير من الـجماعة فعلها أنثته، فقالت: قالت النساء، وجائز التذكير فـي فعلها بناء علـى الواحد إذا تقدم فعله، فـيقال: قال الرجال.

وأما الصواب من القول فـي تأويـله، فأن يقال: إن الله جلّ ثناؤه، أخبر أن الـملائكة نادته، والظاهر من ذلك أنها جماعة من الـملائكة دون الواحد وجبريـل واحد، فلن يجوز أن يحمل تأويـل القرآن إلا علـى الأظهر الأكثر من الكلام الـمستعمل فـي ألسن العرب، دون الأقلّ ما وجد إلـى ذلك سبـيـل، ولـم يضطرنا حاجة إلـى صرف ذلك إلـى أنه بـمعنى واحد، فـيحتاج له إلـى طلب الـمخرج بـالـخفـيّ من الكلام والـمعانـي.

وبـما قلنا فـي ذلك من التأويـل قال جماعة من أهل العلـم، منهم قتادة والربـيع بن أنس وعكرمة ومـجاهد وجماعة غيرهم. وقد ذكرنا ما قالوا من ذلك فـيـما مضى.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَـىٰ }.

وتأويـل قوله {وَهُوَ قَائِمٌ }: فنادته الـملائكة فـي حال قـيامه مصلـياً. فقوله: {وَهُوَ قَائِمٌ } خبر عن وقت نداء الـملائكة زكريا؛ وقوله: {يُصَلِّي } فـي موضع نصب علـى الـحال من القـيام، وهو رفع بـالـياء. وأما الـمـحراب: فقد بـينا معناه، وأنه مقدّم الـمسجد.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكَ }، فقرأته عامّة القرّاء: {إِنَّ ٱللَّهَ } بفتـح الألف من «أن» بوقوع النداء علـيها بـمعنى فنادته الـملائكة بذلك. وقرأه بعض قرّاء أهل الكوفة: «إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ» بكسر الألف بـمعنى: قالت الـملائكة: إن الله يبشرك، لأن النداء قول؛ وذكروا أنها فـي قراءة عبد الله: «فنادته الـملائكة وهو قائم يصلـي فـي الـمـحراب يا زكريا إن الله يبشرك»؛ قالوا: إذا بطل النداء أن يكون عاملاً فـي قوله: «يا زكريا»، فبـاطل أيضا أن يكون عاملاً فـي «إن».

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا: {إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشّرُكَ } بفتـح أن بوقوع النداء علـيه، بـمعنى: فنادته الـملائكة بذلك، ولـيست العلة التـي اعتلّ بها القارئون بكسر إن، من أن عبد الله كان يقرؤها كذلك، وذلك أن عبد الله إن كان قرأ ذلك كذلك، فإنـما قرأها بزعمهم. وقد اعترض بـ«يا زكريا» بـين «إن» وبـين قوله: «فنادته»، وإذا اعترض به بـينهما، فإن العرب تعمل حينئذ النداء فـي «أنّ»، وتبطله عنها. أما الإبطال، فإنه بطل عن العمل فـي الـمنادى قبله، فأسلكوا الذي بعده مسلكه فـي بطول عمله. وأما الإعمال، فلأن النداء فعل واقع كسائر الأفعال. وأما قراءتنا فلـيس نداء زكريا بـ«يا زكريا»، معترضا به بـين «أن» وبـين قوله: «فنادته»، وإذا لـم يكن ذلك بـينهما، فـالكلام الفصيح من كلام العرب إذ نصبت بقول: ناديت اسم الـمنادى، وأوقعوه علـيه أن يوقعوه كذلك علـى «أنّ» بعده وإن كان جائزاً إبطال عمله، فقوله: «نادته»، قد وقع علـى مكنيِّ زكريا؛ فكذلك الصواب أن يكون واقعاً على «أنّ» وعاملاً فيها، مع أن ذلك هو القراءة المستفيضة فـي قراءة أمصار الإسلام، ولا يعترض بالشاذّ علـى الـجماعة التي تـجيء مجيء الـحجة.

وأما قوله: {يُبَشِّرُكِ } فإن القرّاء اختلفت فـي قراءته، فقرأته عامة قراء أهل الـمدينة والبصرة: {إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ } بتشديد الشين وضمّ الـياء علـى وجه تبشير الله زكريا بـالولد، من قول الناس: بشّرت فلاناً البشرى بكذا وكذا، أي أتته بشارات البشرى بذلك.

وقرأ ذلك جماعة من قرّاء الكوفة وغيرهم: «أنَّ اللَّهَ يَبْشُرُكَ» بفتـح الـياء وضمّ الشين وتـخفـيفها، بـمعنى: أن الله يسرّك بولد يهبه لك، من قول الشاعر:

بَشَرْتُ عِيالـي إذْ رأيْتُ صَحِيفَةً أتَتْكَ مِنَ الـحَجَّاجِ يُتْلَـى كِتابُها

وقد قـيـل: إن «بَشَرت» لغة أهل تهامة من كنانة وغيرهم من قريش، وأنهم يقولون: بَشَرت فلاناً بكذا فأنا أَبْشُرُه بَشْراً، وهل أنت بـاشرٌ بكذا؟ وينشد لهم البـيت فـي ذلك:

وإذَا رأيْتُ البـاهِشِينَ إلـى العُلا غُبْراً أكُفُّهُمْ بقاعٍ مُـمْـحِلِ فأعِنْهُمُ وَابْشَرْ بِـمَا بَشِرُوا بِهِ وَإذَا هُمُ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فـانْزِلِ

فإذا صاروا إلـى الأمر، فـالكلام الصحيح من كلامهم بلا ألف، فـيقال: ٱبْشَرْ فلاناً بكذا، ولا يكادون يقولون: بشِّره بكذا، ولا أبْشِرْه.

وقد رُوي عن حميد بن قـيس أنه كان يقرأ: «يُبْشِركَ» بضم الـياء وكسر الشين وتـخفـيفها. وقد:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبـي حماد، عن معاد الكوفـي، قال: من قرأ «يبشِّرهم» مثقلة، فإنه من البشارة، ومن قرأ «يَبْشُرُهم» مخففة بنصب الـياء، فإنه من السرور، يسرّهم.

والقراءة التـي هي القراءة عندنا فـي ذلك ضم الـياء وتشديد الشين، بـمعنى التبشير، لأن ذلك هي اللغة السائرة، والكلام الـمستفـيض الـمعروف فـي الناس، مع أن جميع قرّاء الأمصار مـجمعون فـي قراءة: {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ } علـى التشديد. والصواب فـي سائر ما فـي القرآن من نظائره أن يكون مثله فـي التشديد وضم الـياء.

وأما ما رُوي عن معاذ الكوفـي من الفرق بـين معنى التـخفـيف والتشديد فـي ذلك، فلـم نـجد أهل العلـم بكلام العرب يعرفونه من وجه صحيح، فلا معنى لـما حكي من ذلك عنه، وقد قال جرير بن عطية:

يا بِشْرُ حُقَّ لِبشْرِكَ التَّبْشِيرُ هَلاَّ غَضِبتَ لَنا وأنْتَ أمِيرُ

فقد علم أنه أراد بقوله «التبشير»: الجمال والنضارة والسرور، فقال «التبشير» ولم يقل «البشر»، فقد بين ذلك أن معنى التخفيف والتثقيل في ذلك واحد.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: {أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ } قال: بشرته الـملائكة بذلك.

وأما قوله: {بِيَحْيَـىٰ } فإنه اسم أصله يَفْعَل، من قول القائل: حي فلان فهو يحيا، وذلك إذا عاش فـيحيـى «يَفْعَل» من قولهم «حيـي». وقـيـل: إن الله جلّ ثناؤه سماه بذلك لأنه يتأوّل اسمه أحياه بـالإيـمان. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ } يقول: عبد أحياه الله بـالإيـمان.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن قتادة قوله: {أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ } قال: إنَّـمَا سمي يحيـى، لأن الله أحياه بـالإيـمان.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ ٱللَّهِ }.

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: إن الله يبشرك يا زكريا بـيحيـى ابناً لك، {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } يعنـي بعيسى ابن مريـم. ونصب قوله «مصدّقاً» علـى القطع من يحيـى، لأن «مصدقاً» نعت له وهو نكرة، و«يحيـى» غير نكرة.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي عبد الرحمن بن الأسود الطفـاوي، قال: ثنا مـحمد بن ربـيعة، قال: ثنا النضر بن عربـيّ، عن مـجاهد قال: قالت امرأة زكريا لـمريـم: إنـي أجد الذي فـي بطنـي يتـحرّك للذي فـي بطنك، قال: فوضعت امرأة زكريا يحيـى، ومريـم عيسى. ولذا قال: {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ ٱللَّهِ } قال يحيـى: مصدّق بعيسى.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن الرقاشي فـي قول الله: {يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } قال: مصدّقاً بعيسى ابن مريـم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سلـيـمان، قال: ثنا أبو هلال، قال: ثنا قتادة فـي قوله: {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ ٱللَّهِ } قال: مصدّقاً بعيسى.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ ٱللَّهِ } يقول: مصدّق بعيسى ابن مريـم، وعلـى سننه ومنهاجه.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ ٱللَّهِ } يعنـي عيسى ابن مريـم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن قتادة: {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } يقول: مصدّقاً بعيسى ابن مريـم، يقول: علـى سننه ومنهاجه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ ٱللَّهِ } قال: كان أوّل رجل صدّق عيسى وهو كلـمة من الله وروح.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ ٱللَّهِ } يصدّق بعيسى.

حدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } فإن يحيـى أوّل من صدّق بعيسى، وشهد أنه كلـمة من الله، وكان يحيـى ابن خالة عيسى، وكان أكبر من عيسى.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن إسرائيـل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس قوله: {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ ٱللَّهِ } قال عيسى ابن مريـم: هو الكلـمة من الله اسمه الـمسيح.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: أخبرنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: قوله: {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ ٱللَّهِ } قال: كان عيسى ويحيـى ابنـي خالة، وكانت أم يحيـى تقول لـمريـم: إنـي أجد الذي فـي بطنـي يسجد للذي فـي بطنك، فذلك تصديقه بعيسى، سجوده فـي بطن أمه، وهو أوّل من صدّق بعيسى وكلـمة عيسى، ويحيـى أكبر من عيسى.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ ٱللَّهِ } قال: الكلـمة التـي صدّق بها عيسى.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي، قال: لقـيَتْ أمّ يحيـى أمّ عيسى، وهذه حامل بـيحيـى وهذه حامل بعيسى، فقالت امرأة زكريا: يا مريـم استشعرت أنـي حبلـى، قالت مريـم: استشعرت أنـي أيضاً حبلـى. قالت امرأة زكريا: فإنـي وجدت ما فـي بطنـي يسجد لـما فـي بطنك. فذلك قوله: {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ ٱللَّهِ }.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، عن عبـاد، عن الـحسن فـي قول الله: {أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } قال: مصدّقاً بعيسى ابن مريـم.

وقد زعم بعض أهل العلـم بلغات العرب من أهل البصرة أن معنى قوله: {مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } بكتاب من الله، من قول العرب: أنشدنـي فلان كلـمة كذا، يراد به قصيدة كذا. جهلاً منه بتأويـل الكلـمة، واجتراءً علـى ترجمة القرآن برأيه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَسَيّدًا }.

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {وَسَيّدًا }: وشريفـا فـي العلـم والعبـادة، ونصب «السيد» عطفـا علـى قوله «مصدّقاً».

وتأويـل الكلام: إن الله يبشرك بـيحيـى مصدّقاً بهذا وسيداً، والسيد: الفَـيْعِل، من قول القائل: ساد يسود. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَسَيّدًا }: إي والله، لسيد فـي العبـادة والـحلـم والعلـم والورع.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مسلـم، قال: ثنا أبو هلال، قال: ثنا قتادة فـي قوله: {وَسَيّدًا } قال: السيد لا أعلـمه إلا قال فـي العلـم والعبـادة.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن قتادة، قال: السيد: الـحلـيـم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن شريك، عن سالـم الأفطس، عن سعيد بن جبـير: {وَسَيّدًا } قال: الـحلـيـم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحمانـي، قال: ثنا شريك، عن سالـم، عن سعيد بن جبـير: {وَسَيّدًا } قال: السيد: التقـيّ.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عزّ وجلّ {وَسَيّدًا } قال: السيد: الكريـم علـى الله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، قال: زعم الرقاشي أن السيد: الكريـم علـى الله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن جويبر، عن الضحاك فـي قول الله عزّ وجلّ: {وَسَيّدًا } قال: السيد: الـحلـيـم التقـيّ.

حدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَسَيّدًا } قال: يقول: تقـياً حلـيـماً.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفـيان فـي قوله: {وَسَيّدًا } قال: حلـيـما تقـيا.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد فـي قوله: {وَسَيّدًا } قال: السيد: الشريف.

حدثنـي سعيد بن عمرو السكونـي، قال: ثنا بقـية بن الولـيد، عن عبد الـملك، عن يحيـى بن سعيد، عن سعيد بن الـمسيب فـي قول الله عزّ وجلّ: {وَسَيّدًا } قال: السيد: الفقـيه العالـم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {وَسَيّدًا } قال: يقول: حلـيـماً تقـياً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر، عن عكرمة: {وَسَيّدًا } قال: السيد الذي لا يغلبه الغضب.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ }.

يعنـي بذلك: مـمتنعا من جماع النساء من قول القائل: حصرت من كذا أحصر: إذا امتنع منه؛ ومنه قولهم: حصر فلان فـي قراءته: إذا امتنع من القراءة فلـم يقدر علـيها، وكذلك حصر العدوّ: حبسهم الناس ومنعهم إياهم التصرّف، ولذلك قـيـل للذي لا يُخرِج مع ندمائه شيئا: حصور، كما قال الأخطل:

وَشارِبٍ مُرْبِحٍ بـالكأْسِ نادَمَنِي لا بالحَصُورِ ولا فِيها بسَوَّارِ

ويروى «بسَّار». ويقال أيضاً للذي لا يخرج سرّه ويكتله حصور، لأنه يـمنع سرّه أن يظهر، كما قال جرير:

وَلَقَدْ تَسَقَّطَنِـي الوُشاةُ فصادَفُوا حَصِراً بِسِرّكِ يا أُمَيْـمَ ضَنِـينا

وأصل جميع ذلك واحد، وهو الـمنع والـحبس.

وبـمثل الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن خـلف، قال: ثنا حماد بن شعيب، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله فـي قوله: {وَسَيّدًا وَحَصُورًا } قال: الـحصور: الذي لا يأتـي النساء.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن يحيـى بن سعيد، عن سعيد بن الـمسيب أنه قال ثنـي ابن العاص، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

كُلُّ بَنِـي آدَمَ يَأْتِـي يَوْمَ القِـيامَةِ وَلَهُ ذَنْبٌ، إلاَّ ما كانَ مِنْ يَحْيَـى بْنِ زَكَرِيَّا، قال: ثم دلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم يده إلـى الأرض، فأخذ عويداً صغيراً، ثم قال: وَذَلكَ أنَّهُ لَـمْ يَكُنْ لَهُ ما للرّجالِ إلاَّ مِثْلَ هَذَا العودِ، وبذلك سماه الله سيداً وحصوراً

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا أنس بن عياض، عن يحيـى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن الـمسيب، يقول: لـيس أحد إلا يـلقـى الله يوم القـيامة ذا ذنب إلا يحيـى بن زكريا، كان حصوراً، معه مثل الهدبة.

حدثنا أحمد بن الولـيد القرشي، قال: ثنا عمر بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يحيـى بن سعيد، عن سعيد بن الـمسيب، قال: قال ابن العاص ـ إما عبد الله، وإما أبوه ـ: ما أحد يـلقـى الله إلا وهو ذو ذنب، إلا يحيـى بن زكريا. قال: وقال سعيد بن الـمسيب: {وَسَيّدًا وَحَصُورًا } قال: الـحصور: الذي لا يغشى النساء، ولـم يكن ما معه إلا مثل هدبة الثوب.

حدثنـي سعيد بن عمرو السكونـي، قال: ثنا بقـية بن الولـيد، عن عبد الـملك، عن يحيـى بن سعيد، عن سعيد بن الـمسيب فـي قوله: {وَحَصُورًا } قال: الـحصور؛ الذي لا يشتهي النساء، ثم ضرب بـيده إلى الأرض فأخذ نواة فقال: ما كان معه إلا مثل هذه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير، قال: الـحصور: الذي لا يأتـي النساء.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد، مثله.

حدثنـي عبد الرحمن بن الأسود، قال: ثنا مـحمد بن ربـيعة، قال: ثنا النضر بن عربـي، عن مـجاهد: {وَحَصُورًا } قال: الذي لا يأتـي النساء.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: الـحصور: لا يقرب النساء.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، قال: زعم الرقاشي: الـحصور: الذي لا يقرب النساء.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيـم، عن جويبر، عن الضحاك: الـحصور: الذي لا يولد له، ولـيس له ماء.

حدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَحَصُورًا } قال: هو الذي لا ماء له.

حدثنا بشر، قال: ثنا سويد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَحَصُورًا } كنا نـحدَّث أن الـحصور الذي لا يقرب النساء.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سلـيـمان، قال: ثنا أبو هلال، قال: ثنا قتادة فـي قوله: {وَسَيّدًا وَحَصُورًا } قال: الـحصور: الذي لا يأتـي النساء.

حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن قتادة، مثله.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن قابوس، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: الـحصور: الذي لا ينزل الـماء.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد: {وَحَصُورًا } قال: الـحصور: الذي لا يأتـي النساء.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَحَصُورًا } قال: الـحصور: الذي لا يريد النساء.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، عن عبـاد، عن الـحسن: {وَحَصُورًا } قال: لا يقرب النساء.

وأما قوله: {وَنَبِيًّا مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } فإنه يعنـي: رسولاً لربه إلـى قومه، ينبئهم عنه بأمره ونهيه، وحلاله وحرامه، ويبلغهم عنه ما أرسله به إلـيهم. ويعنـي بقوله: {مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } من أنبـيائه الصالـحين. وقد دللنا فـيـما مضى علـى معنى النبوّة وما أصلها بشواهد ذلك، والأدلة الدالة علـى الصحيح من القول فـيه بـما أغنى عن إعادته.

الخميس، 22 أكتوبر 2026 11 جمادى الأولى 1448 هـ