انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير الطبريالآيات 76–81

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة آل عمران

الخلاصة من تفسير الطبري · 11 مقطعًا · 3:01:26

  1. 1 الآيات 75–92في هذه الصفحة 15:58

التفسير الصوتي لسورة آل عمران كاملًا (11 مقطعًا)

بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ۝٧٦

وهذا إخبـار من الله عزّ وجلّ عمّن أدّى أمانته إلـى من ائتـمنه علـيها اتقاءَ الله ومراقبَته عنده. فقال جل ثناؤه: لـيس الأمر كما يقول هؤلاء الكاذبون علـى الله من الـيهود، من أنه لـيس علـيهم فـي أموال الأميـين حرج ولا إثم، ثم قال بلـى، ولكن من أوفـى بعهده واتقـى، يعنـي ولكن الذي أوفـى بعهده، وذلك وصيته إياهم، التـي أوصاهم بها فـي التوراة من الإيـمان بـمـحمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به. والهاء فـي قوله: {مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ } عائدة علـى اسم الله فـي قوله:

{ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ }[آل عمران: 75] يقول: بلـى من أوفـى بعهد الله الذي عاهده فـي كتابه، فآمن بـمـحمد صلى الله عليه وسلم وصدّق به. بـما جاء به من الله من أداء الأمانة إلـى من ائتـمنه علـيها، وغير ذلك من أمر الله ونهيه، و{وَٱتَّقَىٰ } يقول: واتقـى ما نهاه الله عنه من الكفر به وسائر معاصيه التـي حرّمها علـيه، فـاجتنب ذلك مراقبة وعيد الله، وخوف عقابه {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ } يعنـي: فإن الله يحبّ الذين يتقونه فـيخافون عقابه، ويحذرون عذابه، فـيجتنبون ما نهاهم عنه، وحرّمه علـيهم، ويطيعونه فـيـما أمرهم به. وقد رُوي عن ابن عبـاس أنه كان يقول: هو اتقاء الشرك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنا معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَٱتَّقَى } يقول: اتقـى الشرك؛ {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ } يقول: الذين يتقون الشرك.

وقد بـينا اختلاف أهل التأويـل فـي ذلك والصواب من القول فـيه بـالأدلة الدالة علـيه فـيـما مضى من كتابنا بـما فـيه الكفـاية عن إعادته.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُو۟لَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٧٧

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: إن الذين يستبدلون بتركهم عهد الله الذي عهد إلـيهم، ووصيته التـي أوصاهم بها فـي الكتب التـي أنزلها الله إلـى أنبـيائه بـاتبـاع مـحمد وتصديقه، والإقرار به، وما جاء به من عند الله وبأيـمانهم الكاذبة التـي يستـحلون بها ما حرّم الله علـيهم من أموال الناس التـي اؤتـمنوا علـيها ثمناً، يعنـي عوضاً وبدلاً خسيساً من عرض الدنـيا وحطامها. {أُوْلَـئِكَ لاَ خَلَـٰقَ لَهُمْ فِى ٱلاْخِرَةِ } يقول: فإن الذين يفعلون ذلك لا حظّ لهم فـي خيرات الآخرة، ولا نصيب لهم من نعيـم الـجنة، وما أعدّ الله لأهلها فـيها. دون غيرهم.

وقد بـينا اختلاف أهل التأويـل فـيـما مضى فـي معنى الـخلاق، ودللنا علـى أولـى أقوالهم فـي ذلك بـالصواب بـما فـيه الكفـاية.

وأما قوله: {وَلاَ يُكَلّمُهُمُ ٱللَّهُ } فإنه يعنـي: ولا يكلـمهم الله بـما يسرّهم ولا ينظر إلـيهم، يقول: ولا يعطف علـيهم بخير مقتاً من الله لهم كقول القائل لآخر: انظر إلـيّ نظر الله إلـيك، بـمعنى:تعطف علـيّ تعطف الله علـيك بخير ورحمة، وكما يقال للرجل: لا سمع الله لك دعاءك، يراد: لا استـجاب الله لك، والله لا يخفـى علـيه خافـية، وكما قال الشاعر:

دَعَوْتُ اللَّهَ حتـى خِفْتُ أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ يَسْمَعُ ما أقُولُ

وقوله {وَلاَ يُزَكّيهِمْ } يعنـي: ولا يطهرهم من دنس ذنوبهم وكفرهم، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } يعنـي: ولهم عذاب موجع.

واختلف أهل التأويـل فـي السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية، ومن عنـي بها؟ فقال بعضهم: نزلت فـي أحبـار من أحبـار الـيهود. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قال: نزلت هذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا } فـي أبـي رافع وكنانة بن أبـي الـحقـيق وكعب بن الأشرف وحيـي بن أخطب.

وقال آخرون: بل نزلت فـي الأشعث بن قـيس وخصم له. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أبو السائب سلـم بن جنادة، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبـي وائل، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مَنْ حَلَفَ عَلَـى يَـمِينٍ هُوَ فِـيها فـاجِرٌ لِـيَقْتَطِعَ بِها مالَ امْرِىءٍ مُسْلِـمٍ، لَقِـيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَـيْهِ غَضْبـانُ فقال الأشعث بن قـيس: فـيّ والله كان ذلك، كان بيني وبـين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدمته إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: {«ألَكَ بَيِّنَةً»؟} قلت: لا، فقال للـيهوديّ: «احْلِفْ»!} قلت: يا رسول الله إذَنْ يحلف فـيذهب مالـي، فأنزل الله عزّ وجلّ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا } الآية.

حدثنا مـجاهد بن موسى قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا جرير بن حازم عن عديّ بن عديّ، عن رجاء بن حيوة والعُرْس، أنهما حدثاه، عن أبيه عديّ بن عميرة، قال: كان بـين امرىء القيس ورجل من حضرموت خصومة، فـارتفعا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال للـحضرمي:

بَـيِّنَتَكَ وَإلاَّ فَـيَـمِينُه! قال: يا رسول الله إن حلف ذهب بأرضي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ حَلَفَ عَلـى يَـمِينٍ كَاذِبَةٍ لـيَقْتَطِعَ بِها حَقَّ أخِيهِ لَقِـيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَـيْهِ غَضْبـان. فقال امرؤ القـيس: يا رسول الله، فما لـمن تركها وهو يعلـم أنها حقّ؟ قال: «الـجنّة»، قال: فإني أشهدك أنـي قد تركتها. قال جرير: فكنت مع أيوب السختـيانـي حين سمعنا هذا الحديث من عديّ، فقال أيوب: إنَّ عدياً قال في حديث العرس بن عميرة: فنزلت هذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا }... إلى آخر الآية، قال جرير: ولم أحفظ يومئذ من عديّ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال آخرون: إن الأشعث بن قـيس اختصم هو ورجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي أرض كانت فـي يده لذلك الرجل أخذها لتعزّزه فـي الـجاهلية، فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

أقِمْ بَـيِّنَتَك قال الرجل: لـيس يشهد لـي أحد علـى الأشعث. قال: فَلَكَ يَـمِينُهُ. فقام الأشعث لـيحلف، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية، فنكل الأشعث وقال: إنـي أشهد الله وأشهدكم أن خصمي صادق. فردّ إلـيه أرضه، وزاده من أرض نفسه زيادة كثـيرة، مخافة أن يبقـى فـي يده شيء من حقه، فهي لعقب ذلك الرجل بعده.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن شقـيق، عن عبد الله، قال: من حلف علـى يـمين يستـحقّ بها مالاً هو فـيها فـاجر لقـي الله وهو علـيه غضبـان، ثم أنزل الله تصديق ذلك: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً } الآية... ثم إن الأشعث بن قـيس خرج إلـينا، فقال: ما حدثكم أبو عبد الرحمن؟ فحدثناه بـما قال، فقال: صدق لفـيّ أنزلت، كانت بـينـي وبـين رجل خصومة فـي بئر، فـاختصمنا إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

شاهِدَاكَ أوْ يَـمِينُه فقلت: إذاً يحلف ولا يبـالـي. فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:مَنْ حَلَفَ عَلَـى يَـمِينٍ يَسْتَـحِقُّ بِها مالاً هُوَ فِـيها فـاجِرٌ لَقِـيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَـيْهِ غَضْبـانُ، ثم أنزل الله عزّ وجلّ تصديق ذلك: «إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْـمانِهِمْ ثَمَنا قَلِـيلاً}... الآية.

وقال آخرون بـما:

حدثنا به مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: أخبرنـي داود بن أبـي هند، عن عامر: أن رجلاً أقام سلعته أوّل النهار، فلـما كان آخره جاء رجل يساومه، فحلف لقد منعها أوّل النهار من كذا وكذا، ولولا الـمساء ما بـاعها به، فأنزل الله عزّ وجلّ: {إِنَّ ٱلَّذِى يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً }.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، عن رجل، عن مـجاهد، نـحوه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً }... الآية، إلـى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أنزلهم الله بـمنزلة السحرة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة أن عمران بن حصين كان يقول: من حلف علـى يـمين فـاجرة يقتطع بها مال أخيه فلـيتبوأ مقعده من النار، فقال له قائل: شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال لهم: إنكم لتـجدون ذلك، ثم قرأ هذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً }... الآية.

حدثنـي موسى بن عبد الرحمن الـمسروقـي، قال: ثنا حسين بن علـيّ، عن زائدة، عن هشام، قال: قال مـحمد عن عمران بن حصين: من حلف علـى يـمين مصبورة فلـيتبوأ بوجهه مقعده من النار، ثم قرأ هذه الآية كلها: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً }.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن الـمسيب، قال: إن الـيـمين الفـاجرة من الكبـائر، ثم تلا: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً }.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أن عبد الله بن مسعود، كان يقول: كنا نرى ونـحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من الذنب الذي لا يغفر يـمين الصبر إذا فجر فـيها صاحبها.

وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُۥنَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَٰبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۝٧٨

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: وإنّ من أهل الكتاب، وهم اليهود الذين كانوا حوالـي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، علـى عهده من بنـي إسرائيل. والهاء والـميـم فـي قوله: {مِنْهُمْ } عائدة علـى أهل الكتاب الذين ذكرهم فـي قوله:

{ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ }[آل عمران: 75]. وقوله: {لَفَرِيقًا } يعنـي: جماعة {يَلْوُونَ } يعنـي: يحرّفون، {أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ } يعنـي: لتظنوا أن الذي يحرّفونه بكلامهم من كتاب الله وتنزيله، يقول الله عزّ وجلّ:وما ذلك الذي لووا به ألسنتهم، فحرَّفوه وأحدثوه من كتاب الله ويزعمون أن ما لووا به ألسنتهم من التحريف والكذب والباطل فألحقوه في كتاب الله من عند الله، يقول: مما أنزله الله على أنبيائه، وما هو من عند الله، يقول: وما ذلك الذي لووا به ألسنتهم، فأحدثوه مما أنزله إلى أحد من أنبيائه، ولكنه مما أحدثوه من قِبَل أنفسهم، افتراء على الله.يقول عزّ وجلّ: {وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } يعنـي بذلك: أنهم يتعمدون قـيـل الكذب علـى الله، والشهادة علـيه بـالبـاطل، والإلـحاق بكتاب الله ما لـيس منه طلبـا للرياسة والـخسيس من حطام الدنـيا.

وبنـحو ما قلنا فـي معنى: {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ } قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ } قال: يحرّفونه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ } حتـى بلغ: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } هم أعداء الله الـيهود حرّفوا كتاب الله وابتدعوا فـيه، وزعموا أنه من عند الله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ } وهم الـيهود كانوا يزيدون فـي كتاب الله ما لـم ينزل الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ } قال: فريق من أهل الكتاب يـلوون ألسنتهم، وذلك تـحريفهم إياه عن موضعه.

وأصل اللـيّ: الفتل والقلب، من قول القائل: لوى فلان يد فلان: إذا فتلها وقلبها، ومنه قول الشاعر:

لَـوَى يَـدَهُ الله الـذِي هُـوَ غَـالِـبُـهْ

يقال منه: لوى يده ولسانه يـلوي لـياً، وما لوى ظهر فلان أحد: إذا لـم يصرعه أحد، ولـم يفتل ظهره إنسان، وإنه لألوى بعيد الـمستـمر: إذا كان شديد الـخصومة صابراً علـيها لا يغلب فـيها، قال الشاعر:

فَلَوْ كَانَ فِـي لَـيـلَـى شَداً مِنْ خُصُومَةٍ لَلَوَّيْتُ أعْنَاقَ الخُصُومِ المَلاوِيَا

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا۟ عِبَادًا لِّى مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا۟ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ۝٧٩

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: وما ينبغي لأحد من البشر، والبشر: جمع بنـي آدم، لا واحد له من لفظه، مثل القوم والـخـلق، وقد يكون اسماً لواحد. {أَنْ يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَـٰبَ } يقول: أن ينزل الله علـيه كتابه، {وَٱلْحُكْمَ } يعنـي: ويعلـمه فصل الـحكمة، {وَٱلنُّبُوَّةَ } يقول: ويعطيه النبوّة، {ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّى مِن دُونِ ٱللَّهِ } يعنـي: ثم يدعو الناس إلـى عبـادة نفسه دون الله، وقد آتاه الله ما آتاه من الكتاب والـحكم والنبوّة، ولكن إذا آتاه الله ذلك فإنـما يدعوهم إلـى العلـم بـالله، ويحدوهم علـى معرفة شرائع دينه، وأن يكونوا رؤساء فـي الـمعرفة بأمر الله ونهيه، وأئمة فـي طاعته وعبـادته بكونهم معلـمي الناس الكتاب، وبكونهم دارسيه.

وقـيـل: إن هذه الآية نزلت فـي قوم من أهل الكتاب قالوا للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: أتدعونا إلـى عبـادتك؟ كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنا ابن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: قال أبو رافع القرظي حين اجتـمعت الأحبـار من الـيهود والنصارى من أهل نـجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلـى الإسلام: أتريد يا مـحمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريـم؟ فقال رجل من أهل نـجران نصرانـي، يقال له الرئيس: أو ذاك تريد منا يا مـحمد وإلـيه تدعونا؟ أو كما قال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مَعَاذَ اللَّهُ أنْ نَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ، أوْ نَأْمُرَ بِعِبـادَةِ غَيْرِهِ، مَا بِذَلِكَ بَعَثَنِـي، وَلا بِذَلِكَ أمَرَنِـي. أو كما قال؛ فأنزل الله عزّ وجلّ فـي ذلك من قولهم: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ }... الآية، إلـى قوله بعد: { إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ }[آل عمران: 80]. وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، قال: ثنـي سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: قال أبو رافع القرظي، فذكر نـحوه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ ٱللَّهِ } يقول: ما كان ينبغي لبشر أن يؤتـيه الله الكتاب والـحكم والنبوّة يأمر عبـاده أن يتـخذوه ربـاً من دون الله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: كان ناس من يهود يتعبدون الناس من دون ربهم، بتـحريفهم كتاب الله عن موضعه، فقال الله عزّ وجلّ: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ ٱللَّهِ } ثم يأمر الناس بغير ما أنزل الله فـي كتابه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ }.

يعنـي جلّ ثناؤه بذلك: ولكن يقول لهم: كونوا ربـانـيـين، فترك القول استغناء بدلالة الكلام علـيه.

وأما قوله: {كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ } فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي تأويـله، فقال بعضهم: معناه: كونوا حكماء علـماء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن أبـي رزين: {كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ } قال: حكماء علـماء.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يـمان، عن سفـيان، عن منصور، عن أبـي رزين: {كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ } قال: حكماء علـماء.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن أبـي رزين، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبـي رزين: {وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ }: حكماء علـماء.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، عن عوف، عن الـحسن فـي قوله: {كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ } قال: كونوا فقهاء علـماء.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ } قال: فقهاء.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي القاسم، عن مـجاهد، قوله: {وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ } قال: فقهاء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ } قال: كونوا فقهاء علـماء.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن منصور بن الـمعتـمر، عن أبـي رزين فـي قوله: {كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ } قال: علـماء حكماء. قال معمر: قال قتادة.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ فـي قوله: {كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ } أما الربـانـيون: فـالـحكماء الفقهاء.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال الربـانـيون: الفقهاء العلـماء، وهم فوق الأحبـار.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ } يقول: كونوا حكماء فقهاء.

حدثت عن الـمنـجاب، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبـي حمزة الثمالـي، عن يحيـى بن عقـيـل فـي قوله الربـانـيون والأحبـار، قال: الفقهاء العلـماء.

حدثت عن الـمنـجاب، قال: ثنا بشر، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنـي ابن سنان القزاز، قال: ثنا الـحسين بن الـحسن الأشقر، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس فـي قوله: {كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ } قال: كونوا حكماء فقهاء.

حدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ } يقول: كونوا فقهاء علـماء.

وقال آخرون: بل هم الـحكماء الأتقـياء. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يحيـى بن طلـحة الـيربوعي، قال: ثنا فضيـل بن عياض، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير، قوله: {كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ } قال: حكماء أتقـياء.

وقال آخرون: بل هم ولاة الناس وقادتهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول فـي قوله: {كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ } قال: الربـانـيون: الذين يربون الناس ولاة هذا الأمر، يربونهم: يـلونهم. وقرأ: {لَوْلاَ يَنْهَـٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلأحْبَارُ } قال: الربـانـيون: الولاة، والأحبـار: العلـماء.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال عندي بـالصواب فـي الربـانـيـين أنهم جمع ربـانـيّ، وأن الربـانـيّ الـمنسوب إلـى الرَّبَّـان: الذي يربُّ الناس، وهو الذي يصلـح أمورهم ويربها، ويقوم بها، ومنه قول علقمة بن عبدة:

وكنتَ امْرأً أفْضَتْ إِلَـيْكَ رِبَـابَتِـيوَقَبْلَكَ رَبَّتْنِـي فَضِعْتُ رُبُوبُ

يعنـي بقوله: «ربّتنـي»: ولـي أمري والقـيام به قبلك من يربه ويصلـحه، فلـم يصلـحوه، ولكنهم أضاعونـي فضعت، يقال منه: ربّ أمري فلان فهو بربُّه رَبًّـا وهو رابُّه، فإذا أريد به الـمبـالغة فـي مدحه قـيـل: هو رَبَّـان، كما يقال: هو نعسان، من قولهم: نَعَس ينعُس، وأكثر ما يجيء من الأسماء علـى فعلان ما كان من الأفعال الـماضية علـى فَعِل مثل قولهم: هو سكران وعطشان وريان، من سَكِرَ يَسْكَر، وعَطِش يَعطش، ورَوِي يَرْوَى، وقد يجيء مـما كان ماضيه علـى فَعَل يَفْعُل، نـحو ما قلنا من نَعَسَ يَنْعُس، ورَبَّ يَرُبُّ.

فإذا كان الأمر فـي ذلك علـى ما وصفنا، وكان الربـان ما ذكرنا، والربـانـي: هو الـمنسوب إلـى من كان بـالصفة التـي وصفت، وكان العالـم بـالفقه والـحكمة من الـمصلـحين، يربّ أمور الناس بتعلـيـمه إياهم الـخير، ودعائهم إلـى ما فـيه مصلـحتهم، وكان كذلك الـحكيـم التقـيّ لله، والولـي الذي يـلـي أمور الناس علـى الـمنهاج الذي ولـيه الـمقسطون من الـمصلـحين أمور الـخـلق بـالقـيام فـيهم، بـما فـيه صلاح عاجلهم وآجلهم، وعائدة النفع علـيهم فـي دينهم ودنـياهم؛ كانوا جميعاً مستـحقـين أنهم مـمن دخـل فـي قوله عزّ وجلّ {وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيّينَ }. فـالربـانـيون إذاً، هم عماد الناس فـي الفقه والعلـم وأمور الدين والدنـيا، ولذلك قال مـجاهد: «وهم فوق الأحبـار»، لأن الأحبـار هم العلـماء. والربـانـي: الـجامع إلـى العلـم والفقه، البصرَ بـالسياسة والتدبـير، والقـيام بأمور الرعية، وما يصلـحهم فـي دنـياهم ودينهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ }.

اختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأه عامة قراء أهل الـحجاز وبعض البصريـين: «بِـمَا كُنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ» بفتـح التاء وتـخفـيف اللام، يعنـي: بعلـمكم الكتاب، ودراستكم إياه وقراءتكم. واعتلّوا لاختـيارهم قراءة ذلك كذلك، بأن الصواب لو كان التشديد فـي اللام وضمّ التاء، لكان الصواب فـي «تدرسون» بضم التاء وتشديد الراء. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفـيـين: {بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ } بضم التاء من تعلِّـمون وتشديد اللام، بـمعنى: بتعلـيـمكم الناس الكتاب، ودراستكم إياه. واعتلّوا لاختـيارهم ذلك بأن من وصفهم بـالتعلـيـم فقد وصفهم بـالعلـم، إذ لا يعلِّـمون إلا بعد علـمهم بـما يعلـمون.

قالوا: ولا موصوف بأنه يعلـم، إلا وهو موصوف بأنه عالـم. قالوا: فأما الـموصوف بأنه عالـم، فغير موصوف بأنه معلـم غيره. قالوا: فأولـى القراءتـين بـالصواب، أبلغهما فـي مدح القوم، وذلك وصفهم بأنهم كانوا يعلِّـمون الناس الكتاب. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يحيـى بن آدم، عن ابن عيـينة، عن حميد الأعرج، عن مـجاهد أنه قرأ: «بِـمَا كُنْتُم تَعْلَـمُونَ الكِتابَ وَبِـمَا كُنْتُـمْ تَدْرُسُونَ» مخففة بنصب التاء. وقال ابن عيـينة: ما عَلَّـموه حتـى عَلِـموه.

وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك قراءة من قرأه بضم التاء وتشديد اللام، لأن الله عزّ وجلّ وصف القوم بأنهم أهل عماد للناس فـي دينهم ودنـياهم، وأهل إصلاح لهم ولأمورهم وتربـية، يقول جلّ ثناؤه: {وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيّينَ } علـى ما بـينا قبل من معنى الربـانـي. ثم أخبر تعالـى ذكره عنهم أنهم صاروا أهل إصلاح للناس، وتربـية لهم بتعلـيـمهم إياهم كتاب ربهم. ودراستهم إياه: تلاوته، وقد قـيـل: دراستهم الفقه.

وأشبه التأويـلـين بـالدراسة ما قلنا من تلاوة الكتاب، لأنه عطف علـى قوله: {تُعَلّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ }، والكتاب: هو القرآن، فلأن تكون الدراسة معنـياً بها دراسة القرآن أولـى من أن تكون معنـياً بها دراسة الفقه الذي لـم يجر له ذكر. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: قال يحيـى بن آدم: قال أبو زكريا: كان عاصم يقرؤها: {بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ } قال: القرآن، {وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ } قال: الفقه.

فمعنى الآية: ولكن يقول لهم: كونوا أيها الناس سادة الناس وقادتهم فـي أمر دينهم ودنـياهم، ربـانـيـين بتعلـيـمكم إياهم كتاب الله، وما فـيه من حلال وحرام، وفرض وندب، وسائر ما حواه من معانـي أمور دينهم، وبتلاوتكم إياه ودراستكموه.

وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا۟ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ۝٨٠

اختلفت القراء في قراءة قوله: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ }، فقرأته عامة قراء الحجاز والمدينة: «وَلاَ يَأْمُرُكُمْ» على وجه الابتداء من الله بالخبر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ لاَ يَأْمُرُكُمْ أيُّها النَّاسُ أنْ تَتَّـخِذُوا الـمَلائِكَةَ وَالنَّبِـيِّـينَ أرْبـابـاً. واستشهد قارئو ذلك كذلك بقراءة ذكروها عن ابن مسعود أنه كان يقرؤها وهي: «ولن يأمركم» فـاستدلوا بدخول لن علـى انقطاع الكلام عما قبله، وابتداء خبر مستأنف. قالوا: فلـما صير مكان «لن» فـي قراءتنا «لا» وجبت قراءته بـالرفع. وقرأه بعض الكوفـيـين والبصريـين: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ } بنصب الراء عطفـاً علـى قوله: {ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ }. وكان تأويـله عندهم: ما كان لبشر أن يؤتـيه الله الكتاب، ثم يقول للناس ولا أن يأمركم، بـمعنى: ولا كان له أن يأمركم أن تتـخذوا الـملائكة والنبـيـين أربـابـاً.

وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ } بـالنصب علـى الاتصال بـالذي قبله، بتأوّل: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ ٱللَّهِ } ولا أن يأمركم أن تتـخذوا الـملائكة والنبـيـين أربـابـاً. لأن الآية نزلت فـي سبب القوم الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريد أن نعبدك؟ فأخبرهم الله جلّ ثناؤه أنه لـيس لنبـيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناس إلـى عبـادة نفسه، ولا إلـى اتـخاذ الـملائكة والنبـيـين أربـابـاً، ولكن الذي له أن يدعوهم إلـى أن يكونوا ربـانـيـين. فأما الذي ادّعى من قرأ ذلك رفعاً أنه فـي قراءة عبد الله: «ولن يأمركم» استشهاداً لصحة قراءته بـالرفع، فذلك خبر غير صحيح سنده، وإنـما هو خبر رواه حجاج عن هارون لا يجوز أن ذلك فـي قراءة عبد الله كذلك. ولو كان ذلك خبراً صحيحاً سنده، لـم يكن فـيه لـمـحتـجّ حجة، لأن ما كان علـى صحته من القراءة من الكتاب الذي جاء به الـمسلـمون وراثة عن نبـيهم صلى الله عليه وسلم لا يجوز تركه لتأويـل علـى قراءة أضيفت إلـى بعض الصحابة بنقل من يجوز فـي نقله الـخطأ والسهو.

فتأويـل الآية إذاً: وما كان للنبـيّ أن يأمر الناس أن يتـخذوا الـملائكة والنبـيـين أربـابـاً، يعنـي بذلك آلهة يعبدون من دون الله، كما لـيس له أن يقول لهم كونوا عبـاداً لـي من دون الله. ثم قال جلّ ثناؤه نافـياً عن نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر عبـاده بذلك: أيأمركم بـالكفر أيها الناس نبـيكم بجحود وحدانـية الله بعد إذ أنتـم مسلـمون، يعنـي بعد إذ أنتـم له منقادون بـالطاعة متذللون له بـالعبودية، أي إن ذلك غير كائن منه أبداً. وقد:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: ولا يأمركم النبـيّ صلى الله عليه وسلم أن تتـخذوا الـملائكة والنبـيـين أربـابـاً.

وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَٰبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِى قَالُوٓا۟ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُوا۟ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ۝٨١

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: واذكروا يا أهل الكتاب إذ أخذ الله ميثاق النبـيـين، يعنـي حين أخذ الله ميثاق النبـيـين، وميثاقهم: ما وثقوا به علـى أنفسهم طاعة الله فـيـما أمرهم ونهاهم. وقد بـينا أصل الـميثاق بـاختلاف أهل التأويـل فـيه بـما فـيه الكفـاية. {لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ } اختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الـحجاز والعراق؛ {لَمَا ءاتَيْتُكُم } بفتـح اللام من «لـما»، إلا أنهم اختلفوا فـي قراءة آتـيتكم، فقرأه بعضهم {ءاتَيْتُكُم } علـى التوحيد، وقرأه آخرون: «آتـيناكم»، علـى الـجمع.

ثم اختلف أهل العربـية إذا قرىء ذلك كذلك، فقال بعض نـحويـي البصرة: اللام التـي مع «ما» فـي أوّل الكلام لام الابتداء، نـحو قول القائل: لزيد أفضل منك، لأن «ما» اسم، والذي بعدها صلة لها، واللام التـي فـي: {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ } لام القسم، كأنه قال: والله لتؤمننّ به، يؤكد فـي أول الكلام وفـي آخره، كما يقال: أما والله أن لو جئتنـي لكان كذا وكذا، وقد يستغنى عنها فـيؤكد فـي لتؤمننّ به بـاللام فـي آخر الكلام، وقد يستغنى عنها، ويجعل خبر «ما آتـيتكم من كتاب وحكمة»، «لتؤمننّ به»، مثل: «لعبدالله والله لا آتـينه»، قال: وإن شئت جعلت خبر «ما» «من كتاب» يريد: لـما آتـيتكم كتابٌ وحكمة، وتكون «من» زائدة. وخطّأ بعض نـحويـي الكوفـيـين ذلك كله، وقال: اللام التـي تدخـل فـي أوائل الـجزاء لا تـجاب بـما ولا «لا» فلا يقال لـمن قام: لا تتبعه، ولا لـمن قام: ما أحسن، فإذا وقع فـي جوابها «ما» و«لا» علـم أن اللام لـيست بتوكيد للأولـى، لأنه يوضع موضعها «ما» و«لا»، فتكون كالأولـى، وهي جواب للأولـى. قال: وأما قوله: {لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ } بـمعنى إسقاط «من» غلط، لأن «من» التـي تدخـل وتـخرج لا تقع مواقع الأسماء، قال: ولا تقع فـي الـخبر أيضاً، إنـما تقع فـي الـجحد والاستفهام والـجزاء.

وأولـى الأقوال فـي تأويـل هذه الآية علـى قراءة من قرأ ذلك بفتـح اللام بـالصواب أن يكون قوله: {لَمَا } بـمعنى: لـمهما، وأن تكون «ما» حرف جزاء أدخـلت علـيها اللام، وصير الفعل معها علـى فَعَل، ثم أجيبت بـما تـجاب به الأيـمان، فصارت اللام الأولـى يـميناً إذ تلقـيت بجواب الـيـمين.

وقرأ ذلك آخرون: «لِـما آتَـيْتُكُمْ» بكسر اللام من «لـما»، وذلك قراءة جماعة من أهل الكوفة.

ثم اختلف قارئو ذلك كذلك فـي تأويـله، فقال بعضهم: معناه إذا قرىء كذلك: وإذ أخذ الله ميثاق النبـيـين للذي آتـيتكم، فما علـى هذه القراءة بـمعنى: الذي عندهم. وكان تأويـل الكلام: وإذ أخذ الله ميثاق النبـيـين من أجل الذي آتاهم من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول: يعنـي: ثم إن جاءكم رسول، يعنـي ذكر مـحمد فـي التوراة، لتؤمنن به، أي لـيكونن إيـمانكم به للذي عندكم فـي التوراة من ذكره.

وقال آخرون منهم: تأويـل ذلك إذا قرىء بكسر اللام من «لِـما». وإذ أخذ الله ميثاق النبـيـين للذي آتاهم من الـحكمة، ثم جعل قوله: لتؤمنن به من الأخذ، أخذ الـميثاق، كما يقال فـي الكلام: أخذت ميثاقك لتفعلن لأن أخذ الـميثاق بـمنزلة الاستـحلاف. فكان تأويـل الكلام عند قائل هذا القول: وإذا استـحلف الله النبـيـين للذي آتاهم من كتاب وحكمة، متـى جاءهم رسول مصدق لـما معهم لـيؤمننّ به ولـينصرنه.

وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأ: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ لَمَا ءاتَيْتُكُم } بفتـح اللام، لأن الله عز وجلّ أخذ ميثاق جميع الأنبـياء بتصديق كل رسول له ابتعثه إلـى خـلقه فـيـما ابتعثه به إلـيهم، كان مـمن آتاه كتابـاً، أو من لـم يؤته كتابـاً. وذلك أنه غير جائز وصف أحد من أنبـياء الله عزّ وجلّ ورسله، بأنه كان مـمن أبـيح له التكذيب بأحد من رسله. فإذا كان ذلك كذلك، وكان معلوماً أن منهم من أنزل علـيه الكتاب، وأن منهم من لـم ينزل علـيه الكتاب، كان بـيِّناً أن قراءة من قرأ ذلك: «لِـمَا آتَـيْتُكُمْ» بكسر اللام، بـمعنى: من أجل الذي آتـيتكم من كتاب، لا وجه له مفهوم إلا علـى تأويـل بعيد، وانتزاع عميق.

ثم اختلف أهل التأويـل فـيـمن أخذ ميثاقه بـالإيـمان بـمن جاءه من رسل الله مصدّقاً لـما معه، فقال بعضهم: إنـما أخذ الله بذلك ميثاق أهل الكتاب، دون أنبـيائهم، واستشهدوا لصحة قولهم بذلك بقوله: {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ } قالوا: فإنـما أمر الذين أرسلت إلـيهم الرسل من الأمـم بـالإيـمان برسل الله، ونصرتها علـى من خالفها. وأما الرسل فإنه لا وجه لأمرها بنصرة أحد، لأنها الـمـحتاجة إلـى الـمعونة علـى من خالفها من كفرة بنـي آدم، فأما هي فإنها لا تعين الكفرة علـى كفرها ولا تنصرها. قالوا: وإذا لـم يكن غيرها وغير الأمـم الكافرة، فمن الذي ينصر النبـيّ، فـيؤخذ ميثاقه بنصرته؟ ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ } قال: هي خطأ من الكاتب، وهي فـي قراءة ابن مسعود: «وَإِذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ».

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ } يقول: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب، وكذلك كان يقرؤها الربـيع: «وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب»، إنـما هي أهل الكتاب، قال: وكذلك كان يقرؤها أبـيّ بن كعب، قال الربـيع: ألا ترى أنه يقول: {ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ } يقول: لتؤمننّ بـمـحمد صلى الله عليه وسلم ولتنصرنه، قال: هم أهل الكتاب.

وقال آخرون: بل الذين أخذ ميثاقهم بذلك الأنبـياء دون أمـمها. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى وأحمد بن حازم قالا: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا سفـيان، عن حبـيب، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: إنـما أخذ الله ميثاق النبـيـين علـى قومهم.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبـيه فـي قوله: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ } أن يصدّق بعضهم بعضاً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن ابن طاووس، عن أبـيه فـي قوله: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ }... الآية، قال: أخذ الله ميثاق الأول من الأنبـياء لـيصدقنّ ولـيؤمننّ بـما جاء به الآخِر منهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: أخبرنا سيف بن عمر، عن أبـي روق، عن أبـي أيوب، عن علـيّ بن أبـي طالب، قال: لـم يبعث الله عزّ وجلّ نبـياً، آدم فمن بعده، إلا أخذ علـيه العهد فـي مـحمد: لئن بعث وهو حيّ لـيؤمننّ به ولـينصرنه، ويأمره فـيأخذ العهد علـى قومه، فقال: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ }... الآية.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كِتَـٰبٍ }... الآية، هذا ميثاق أخذه الله علـى النبـيين أن يصدِّق بعضهم بعضاً، وأن يبلغوا كتاب الله ورسالاته. فبلغت الأنبـياء كتاب الله ورسالاته إلـى قومهم، وأخذ علـيهم فـيـما بلغتهم رسلهم أن يؤمنوا بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، ويصدّقوه وينصروه.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ }... الآية. قال: لـم يبعث الله عزّ وجلّ نبـياً قط من لدن نوح إلا أخذ ميثاقه: لـيؤمننّ بـمـحمد، ولـينصرنه إن خرج وهو حيّ، وإلا أخذ علـى قومه أن يؤمنوا به، ولـينصرنه إن خرج وهم أحياء.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا عبد الكبـير بن عبد الـمـجيد أبو بكر الـحنفـي، قال: ثنا عبـاد بن منصور قال: سألت الـحسن، عن قوله: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ }... الآية كلها، قال: أخذ الله ميثاق النبـيـين: لـيبلغنّ آخركم أولكم ولا تـختلفوا.

وقال آخرون: معنى ذلك: أنه ميثاق النبـيـين وأمـمهم، فـاجتزأ بذكر الأنبـياء عن ذكر أمـمها، لأن فـي ذكر أخذ الـميثاق علـى الـمتبوع دلالة علـى أخذه علـى التبـاع، لأن الأمـم هم تبَّـاع الأنبـياء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: ثم ذكر ما أخذ علـيهم، يعنـي علـى أهل الكتاب، وعلـى أنبـيائهم من الـميثاق بتصديقه، يعنـي بتصديق مـحمد صلى الله عليه وسلم إذا جاءهم، وإقرارهم به علـى أنفسهم، فقال: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ }... إلـى آخر الآية.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، قال: ثنـي سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس، مثله.

وأولـى هذه الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معنى ذلك: الـخبر عن أخذ الله الـميثاق من أنبـيائه بتصديق بعضهم بعضاً، وأخذ الأنبـياء علـى أمـمها، وتبـاعها الـميثاق بنـحو الذي أخذ علـيها ربها، من تصديق أنبـياء الله ورسله بـما جاءتها به، لأن الأنبـياء علـيهم السلام بذلك أرسلت إلـى أمـمها، ولـم يدَّع أحد مـمن صدق الـمرسلـين أن نبـياً أرسل إلـى أمة بتكذيب أحد من أنبـياء الله عزّ وجلّ، وحججه فـي عبـاده، بل كلها، وإن كذّب بعض الأمـم بعض أنبـياء الله بجحودها نبوّته، مقرّ بأن من ثبتت صحة نبوّته، فعلـيها الدينونة بتصديقه فذلك ميثاق مقرّ به جميعهم. ولا معنى لقول من زعم أن الـميثاق إنـما أخذ علـى الأمـم دون الأنبـياء، لأن الله عزّ وجلّ، قد أخبر أنه أخذ ذلك من النبـيـين، فسواء قال قائل: لـم يأخذ ذلك منها ربها، أو قال: لـم يأمرها ببلاغ ما أرسلت، وقد نصّ الله عزّ وجلّ أنه أمرها بتبلـيغه، لأنهما جميعاً خبران من الله عنها، أحدهما أنه أخذ منها، والآخر منهما أنه أمرها، فإن جاز الشكّ فـي أحدهما جاز فـي الآخر. وأما ما استشهد به الربـيع بن أنس علـى أن الـمعنـيّ بذلك أهل الكتاب من قوله: {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ } فإن ذلك غير شاهد علـى صحة ما قال، لأن الأنبـياء قد أمر بعضها بتصديق بعض، وتصديق بعضها بعضاً، نصرة من بعضها بعضاً.

ثم اختلفوا فـي الذين عنوا بقوله: {ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ } فقال بعضهم: الذين عنوا بذلك هم الأنبـياء، أخذت مواثـيقهم أن يصدّق بعضهم بعضاً، وأن ينصروه، وقد ذكرنا الرواية بذلك عمن قاله.

وقال آخرون: هم أهل الكتاب أمروا بتصديق مـحمد صلى الله عليه وسلم إذا بعثه الله وبنصرته، وأخذ ميثاقهم فـي كتبهم بذلك، وقد ذكرنا الرواية بذلك أيضاً عمن قاله.

وقال آخرون مـمن قال الذين عنوا بأخذ الله ميثاقهم منهم فـي هذه الآية هم الأنبـياء، قوله: {ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ } معنـيّ به أهل الكتاب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر. قال: أخبرنا ابن طاووس، عن أبـيه فـي قوله: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ } قال: أخذ الله ميثاق النبـيـين: أن يصدّق بعضهم بعضاً، ثم قال: {ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ } قال: فهذه الآية لأهل الكتاب أخذ الله ميثاقهم أن يؤمنوا بـمـحمد ويصدّقوه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنـي ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، قال: قال قتادة: أخذ الله علـى النبـيـين ميثاقهم أن يصدّق بعضهم بعضاً، وأن يبلغوا كتاب الله ورسالته إلـى عبـاده، فبلَّغت الأنبـياء كتاب الله ورسالاته إلـى قومهم، وأخذوا مواثـيق أهل الكتاب فـي كتابهم، فـيـما بلغتهم رسلهم، أن يؤمنوا بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، ويصدّقوه وينصروه.

وأولـى الأقوال بـالصواب عندنا فـي تأويـل هذه الآية: أن جميع ذلك خبر من الله عزّ وجلّ عن أنبـيائه أنه أخذ ميثاقهم به، وألزمهم دعاء أمـمهم إلـيه والإقرار به، لأن ابتداء الآية خبر من الله عزّ وجلّ عن أنبـيائه أنه أخذ ميثاقهم، ثم وصف الذي أخذ به ميثاقهم، فقال: هو كذا وهو كذا.

وإنـما قلنا إن ما أخبر الله أنه أخذ به مواثـيق أنبـيائه من ذلك، قد أخذت الأنبـياء مواثـيق أمـمها به، لأنها أرسلت لتدعو عبـاد الله إلـى الدينونة، بـما أمرت بـالدينونة به فـي أنفسها من تصديق رسل الله علـى ما قدمنا البـيان قبل. فتأويـل الآية: واذكروا يا معشر أهل الكتاب إذ أخذ الله ميثاق النبـيـين لـمهما آتـيتكم أيها النبـيون من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول من عندي مصدّق لـما معكم لتؤمننّ به، يقول: لتصدقنه ولتنصرنه. وقد قال السديّ فـي ذلك بـما:

حدثنا به مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ قوله: {لَمَا ءاتَيْتُكُم } يقول للـيهود: أخذت ميثاق النبـيـين بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي ذكر فـي الكتاب عندكم.

فتأويـل ذلك علـى قول السديّ الذي ذكرناه: واذكروا يا معشر أهل الكتاب، إذ أخذ الله ميثاق النبـيـين لـما آتـيتكم أيها الـيهود من كتاب وحكمة. وهذا الذي قاله السديّ كان تأويلاً لا وجه غيره لو كان التنزيـل «بـما آتـيتكم»، ولكن التنزيـل بـاللام لـما آتـيتكم، وغير جائز فـي لغة أحد من العرب أن يقال: أخذ الله ميثاق النبـيـين لـما آتـيتكم، بـمعنى: بـما آتـيتكم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قَالَ ءأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِى قَالُواْ أَقْرَرْنَا }.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: وإذ أخذ الله ميثاق النبـيـين بـما ذكر، فقال لهم تعالـى ذكره: أأقررتـم بـالـميثاق الذي واثقتـمونـي علـيه من أنكم مهما أتاكم رسول من عندي، مصدّق لـما معكم، لتؤمننّ به ولتنصرنه، {وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِى } يقول: وأخذتـم علـى ما واثقتـمونـي علـيه من الإيـمان بـالرسل التـي تأتـيكم بتصديق ما معكم من عندي، والقـيام بنصرتهم إصري، يعنـي عهدي ووصيتـي، وقبلتـم فـي ذلك منـي ورضيتـموه. والأخذ: هو القبول فـي هذا الـموضع، والرضا من قولهم: أخذ الوالـي علـيه البـيعة، بـمعنى: بـايعه، وقبل ولايته، ورضي بها. وقد بـينا معنى الإصر بـاختلاف الـمختلفـين فـيه، والصحيح من القول فـي ذلك فـيـما مضى قبل بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. وحذفت الفـاء من قوله: {قَالَ ءأَقْرَرْتُمْ } لأنه ابتداء كلام علـى نـحو ما قد بـينا فـي نظائره فـيـما مضى. وأما قوله: {قَالُواْ أَقْرَرْنَا } فإنه يعنـي به: قال النبـيـيون الذين أخذ الله ميثاقهم بـما ذكر فـي هذه الآية: أقررنا بـما ألزمتنا من الإيـمان برسلك الذين ترسلهم مصدّقـين لـما معنا من كتبك وبنصرتهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ }.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه، قال الله: فـاشهدوا أيها النبـيـيون بـما أخذت به ميثاقكم من الإيـمان بتصديق رسلـي التـي تأتـيكم بتصديق ما معكم من الكتاب والـحكمة، ونصرتهم علـى أنفسكم، وعلـى أتبـاعكم من الأمـم إذ أنتـم أخذتـم ميثاقهم علـى ذلك، وأنا معكم من الشاهدين علـيكم وعلـيهم بذلك. كما:

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: أخبرنا سيف بن عمر، عن أبـي روق، عن أبـي أيوب، عن علـيّ بن أبـي طالب فـي قوله: {قَالَ فَٱشْهَدُواْ } يقول: فـاشهدوا علـى أمـمكم بذلك، {وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } علـيكم وعلـيهم.

الخميس، 22 أكتوبر 2026 11 جمادى الأولى 1448 هـ