انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير الطبريالآيات 114–121

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة آل عمران

الخلاصة من تفسير الطبري · 11 مقطعًا · 3:01:26

  1. 1 الآيات 113–132في هذه الصفحة 16:49

التفسير الصوتي لسورة آل عمران كاملًا (11 مقطعًا)

يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَأُو۟لَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝١١٤ وَمَا يَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُتَّقِينَ ۝١١٥

يعنـي بقوله جلّ وعزّ: {يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاْخِرِ }: يصدّقون بـالله، وبـالبعث بعد الـمـمات، ويعلـمون أن الله مـجازيهم بأعمالهم؛ ولـيسوا كالـمشركين الذين يجحدون وحدانـية الله، ويعبدون معه غيره، ويكذّبون بـالبعث بعد الـمـمات، وينكرون الـمـجازاة علـى الأعمال والثواب والعقاب. وقوله: {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ } يقول: يأمرون الناس بـالإيـمان بـالله ورسوله، وتصديق مـحمد صلى الله عليه وسلم، وما جاءهم به. {وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } يقول: وينهون الناس عن الكفر بـالله، وتكذيب مـحمد، وما جارهم به من عند الله: يعنـي بذلك: أنهم لـيسوا كالـيهود والنصارى، الذي يأمرون الناس بـالكفر، وتكذيب مـحمد فـيـما جارهم به، وينهونهم عن الـمعروف من الأعمال، وهو تصديق مـحمد فـيـما أتاهم به من عند الله: {وَيُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ } يقول: ويبتدرون فعل الـخيرات خشية أن يفوتهم ذلك قبل معاجلتهم مناياهم. ثم أخبر جلّ ثناؤه أن هؤلاء الذين هذه صفتهم من أهل الكتاب هم من عداد الصالـحين، لأن من كان منهم فـاسقاً قد بـاء بغضب من الله، لكفره بـالله وآياته، وقتلهم الأنبـياء بغير حقّ، وعصيانه ربه، واعتدائه فـي حدوده. اختلف القراء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الكوفة: {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ } جميعاً، ردًّا علـى صفة القوم الذين وصفهم جلّ ثناؤه بأنهم يأمرون بـالـمعروف وينهون عن الـمنكر. وقرأته عامة قراء الـمدينة والـحجاز وبعض قراء الكوفة بـالتاء فـي الـحرفـين جميعاً: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفُرُوهُ} بـمعنى: وما تفعلوا أنتـم أيها الـمؤمنون من خير فلن يكفركموه ربكم. وكان بعض قراء البصرة يرى القراءتـين فـي ذلك جائزاً بـالـياء والتاء فـي الـحرفـين.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا: { وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ } بـالـياء فـي الـحرفـين كلـيهما، يعنـي بذلك الـخبر عن الأمة القائمة، التالـية آيات الله. وإنـما اخترنا ذلك، لأن ما قبل هذه الآية من الآيات خبر عنهم، فإلـحاق هذه الآية إذ كان لا دلالة فـيها تدلّ علـى الانصراف عن صفتهم بـمعانـي الآيات قبلها أولـى من صرفها عن معانـي ما قبلها. وبـالذي اخترنا من القراءة كان ابن عبـاس يقرأ.

حدثنـي أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن أبـي عمرو بن العلاء، قال: بلغنـي عن ابن عبـاس أنه كان يقرؤها جميعاً بـالـياء.

فتأويـل الآية إذًا علـى ما اخترنا من القراءة: وما تفعل هذه الأمة من خير، وتعمل من عمل لله فـيه رضا فلن يكفرهم الله ذلك؛ يعنـي بذلك: فلن يبطل الله ثواب عملهم ذلك، ولا يدعهم بغير جزاء منه لهم علـيه، ولكنه يجزل لهم الثواب علـيه، ويُسنـي لهم الكرامة والـجزاء.

وقد دللنا علـى معنى الكفر مضى قبل بشواهده، وأن أصله تغطية الشيء، فكذلك ذلك فـي قوله: {فَلَنْ يُكْفَروهُ }: فلن يغطي علـى ما فعلوا من خير، فـيتركوا بغير مـجازاة، ولكنهم يشكرون علـى ما فعلوا من ذلك، فـيجزل لهم الثواب فـيه.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك من التأويـل تأوّل ذلك من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: «وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفَرُوهُ» يقول: لن يضلّ عنكم.

حُدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، بـمثله.

وأما قوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ } فإنه يقول تعالـى ذكره: والله ذو علـم بـمن اتقاه بطاعته، واجتناب معاصيه، وحافظ أعمالهم الصالـحة حتـى يثـيبهم علـيها، ويجازيهم بها. تبشيراً منه لهم جلّ ذكره فـي عاجل الدنـيا، وحضًّا لهم علـى التـمسك بـالذي هم علـيه من صالـح الأخلاق التـي ارتضاها لهم.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝١١٦

وهذا وعيد من الله عزّ وجلّ للأمة الأخرى الفـاسقة من أهل الكتاب، الذين أخبر عنهم بأنهم فـاسقون وأنهم قد بـاءوا بغضب منه، ولـمن كان من نظرائهم من أهل الكفر بـالله ورسوله، وما جاء به مـحمد صلى الله عليه وسلم من عندالله. يقول تعالـى ذكره: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } يعنـي الذين جحدوا نبوّة مـحمد صلى الله عليه وسلم، وكذبوا به، وبـما جاءهم به من عند الله؛ {لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئًا } يعنـي: لن تدفع أمواله التـي جمعها فـي الدنـيا وأولاده الذين ربـاهم فـيها شيئاً من عقوبة الله يوم القـيامة إن أخرها لهم إلـى يوم القـيامة، ولا فـي الدنـيا إن عجلها لهم فـيها. وإنـما خصّ أولاده وأمواله، لأن أولاد الرجل أقرب أنسبـائه إلـيه، وهو علـى ماله أقرب منه علـى مال غيره، وأمره فـيه أجوز من أمره فـي مال غيره، فإذا لـم يغن عنه ولده لصلبه وماله الذي هو نافذ الأمر فـيه، فغير ذلك من أقربـائه وسائر أنسبـائه وأموالهم أبعد من أن تغنـي عنه من الله شيئاً. ثم أخبر جلّ ثناؤه أنهم هم أهل النار الذين هم أهلها بقوله: {وَأُوْلـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ }؛ وإنـما جعلهم أصحابها، لأنهم أهلها الذين لا يخرجون منها ولا يفـارقونها، كصاحب الرجل الذي لا يفـارقه وقرينه الذي لا يزايـله. ثم وكد ذلك بإخبـاره عنهم أنهم فـيها خالدون، صحبتهم إياها صحبة لا انقطاع لها، إذْ كان من الأشياء ما يفـارق صاحبه فـي بعض الأحوال ويزايـله فـي بعض الأوقات، ولـيس كذلك صحبة الذين كفروا النار التـي أصلوها، ولكنها صحبة دائمة لا نهاية لها ولا انقطاع، نعوذ بـالله منها ومـما قرَّب منها من قول وعمل.

مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِى هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ۝١١٧

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: شبه ما ينفق الذين كفروا: أي شبه ما يتصدق به الكافر من ماله، فـيعطيه من يعطيه علـى وجه القربة إلـى ربه، وهو لوحدانـية الله جاحد ولـمـحمد صلى الله عليه وسلم مكذّب فـي أن ذلك غير نافعه مع كفره، وأنه مضمـحلّ عند حاجته إلـيه ذاهب بعد الذي كان يرجو من عائدة نفعه علـيه، كشبه ريح فـيها برد شديد {أَصَابَتْ } هذه الريح التـي فـيها البرد الشديد {حَرْثَ قَوْمٍ } يعنـي زرع قوم، قد أمَّلوا إدراكه، ورجوا ريعه وعائدة نفعه، {ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } يعنـي أصحاب الزرع، عصوا الله، وتعدّوا حدوده {فَأَهْلَكَتْهُ } يعنـي فأهلكت الريح التـي فـيها الصرّ زرعهم ذلك، بعد الذي كانوا علـيه من الأمل، ورجاء عائدة نفعه علـيهم. يقول تعالـى ذكره: فكذلك فعل الله بنفقة الكافر وصدقته فـي حياته حين يـلقاه يبطل ثوابها، ويخيب رجاءه منها. وخرج الـمثل للنفقة، والـمراد بـالـمثل: صنـيع الله بـالنفقة، فبـين ذلك قوله: {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ } فهو كما قد بـينا فـي مثله من قوله:

{ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً }[البقرة: 17] وما أشبه ذلك.

فتأويـل الكلام: مثل إبطال الله أجر ما ينفقون فـي هذه الـحياة الدنـيا، كمثل ريح فيها صرّ. وإنـما جاز ترك ذكر إبطال الله أجر ذلك لدلالة آخر الكلام علـيه، وهو قوله: {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ } ولـمعرفة السامع ذلك معناه.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى النفقة التـي ذكرها فـي هذه الآية، فقال بعضهم: هي النفقة الـمعروفة فـي الناس. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عزّ وجلّ: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هِـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } قال: نفقة الكافر فـي الدنـيا.

وقال آخرون: بل ذلك قوله الذي يقوله بلسانه مـما لا يصدّقه بقلبه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنـي أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هِـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ } يقول: مثل ما يقول فلا يقبل منه كمثل هذا الزرع إذا زرعه القوم الظالـمون، فأصابه ريح فـيها صرّ أصابته فأهلكته. فكذلك أنفقوا فأهلكهم شِرْكهم.

وقد بـينا أولـى ذلك بـالصواب قبل. وقد تقدم بـياننا تأويـل الـحياة الدنـيا بـما فـيه الكفـاية من إعادته فـي هذا الـموضع. وأما الصرّ، فإنه شدة البرد، وذلك بُعُصوف من الشمال فـي إعصار الطَّلِّ والأنداء فـي صبـيحة معتـمة بعقب لـيـلة مصحية. كما:

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن عثمان بن غياث، قال: سمعت عكرمة يقول: {رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ } قال: برد شديد.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عبـاس: {رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ } قال: برد شديد وزمهرير.

حدثنا علـيّ بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ. عن ابن عبـاس، قوله: {رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ } يقول: برد.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن هارون بن عنترة، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: الصرّ: البرد.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ }: أي برد شديد.

حدثت عن عمار، عن ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ فـي الصرّ: البرد الشديد.

حدثنا مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنا عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ } يقول: ريح فـيها برد.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ } قال: صر بـاردة أهلكت حرثهم. قال: والعرب تدعوها الضَّريب: تأتـي الريح بـاردة فتصبح ضريبـاً قد أحرق الزرع، تقول: «قد ضُرب اللـيـلة» أصابه ضريب تلك الصرّ التـي أصابته.

حدثنـي يحيـى بن أبـي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا جويبر، عن الضحاك: {رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ } قال: ريح فـيها برد.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: وما فعل الله بهؤلاء الكفـار ما فعل بهم، من إحبـاطه ثواب أعمالهم، وإبطاله أجورها ظلـماً منه لهم، يعني: وضعاً منه لـما فعل بهم من ذلك في غير موضعه وعند غير أهله، بل وضع فعله ذلك فـي موضعه، وفعل بهم ما هم أهله، لأن عملهم الذي عملوه لم يكن لله، وهم له بالوحدانية دائنون ولأمره متبعون، ولرسله مصدّقون. بل كان ذلك منهم وهم به مشركون، ولأمره مخالفون، ولرسله مكذّبون، بعد تقدُّم منه إلـيهم أنه لا يقبل عملاً من عامل إلا مع إخلاص التوحيد له، والإقرار بنبوّة أنبـيائه، وتصديق ما جاءوهم به، وتوكيده الـحجج بذلك علـيهم. فلـم يكن بفعله ما فعل بـمن كفر به وخالف أمره فـي ذلك بعد الإعذار إلـيه من إحبـاط وافر عمله له ظالـماً، بل الكافر هو الظالـم نفسه لإكسابها من معصية الله وخلاف أمره ما أوردها به نار جهنـم وأصلاها به سعير سقر.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا۟ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلْـَٔايَٰتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ۝١١٨

يعنـي بذلك تعالـى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، وأقرّوا بـما جاءهم به نبـيهم من عند ربهم، {لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ } يقول: لا تتـخذوا أولـياء وأصدقاء لأنفسكم من دونكم، يقول: من دون أهل دينكم وملتكم، يعنـي من غير الـمؤمنـين. وإنـما جعل البطانة مثلاً لـخـلـيـل الرجل فشبهه بـما ولـي بطنه من ثـيابه لـحلوله منه فـي اطلاعه علـى أسراره، وما يطويه عن أبـاعده وكثـير من أقاربه، مـحلّ ما ولـي جسده من ثـيابه، فنهى الله الـمؤمنـين به أن يتـخذوا من الكفـار به أخلاء وأصفـياء ثم عرّفهم ما هم علـيه لهم منطوون من الغشّ والـخيانة، وبغيهم إياهم الغوائل، فحذّرهم بذلك منهم عن مخالّتهم، فقال تعالـى ذكره: {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } يعنـي لا يستطيعُونَكُمْ شرًّا، من أَلَوْتُ آلُو ألُوًّا، يقال: ما ألا فلان كذا، أي ما استطاع، كما قال الشاعر:

جَهْراءُ لا تأْلُو إذا هِيَ أظْهَرَتْ بَصَراً وَلا مِنْ عَيْـلَةٍ تُغْنِـينـي

يعنـي لا تستطيع عند الظهر إبصاراً.

وإنـما يعنـي جلّ ذكره بقوله: {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } البطانة التـي نهى الـمؤمنـين عن اتـخاذها من دونهم، فقال: إن هذه البطانة لا تترككم طاقتها خبـالاً: أي لا تدع جهدها فـيـما أورثكم الـخبـال. وأصل الـخبـال والـخبـال: الفساد، ثم يستعمل فـي معان كثـيرة، يدلّ علـى ذلك الـخبر عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

مَنْ أُصِيبَ بَخْبلٍ ـ أو جِرَاحٍ

وأما قوله: {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } فإنه يعنـي: ودّوا عنتكم، يقول: يتـمنون لكم العنت والشرّ فـي دينكم وما يسوءكم ولا يسرّكم. وذكر أن هذه الآية نزلت فـي قوم من الـمسلـمين كانوا يخالطون حلفـاءهم من الـيهود وأهل النفـاق منهم، ويصافونهم الـمودة بـالأسبـاب التـي كانت بـينهم فـي جاهلـيتهم قبل الإسلام، فنهاهم الله عن ذلك وأن يستنصحوهم فـي شيء من أمورهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، قال: قال مـحمد بن أبـي مـحمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: كان رجال من الـمسلـمين يواصلون رجالاً من الـيهود لـما كان بـينهم من الـجوار والـحلف فـي الـجاهلـية، فأنزل الله عزّ وجلّ فـيهم، فنهاهم عن مبـاطنتهم تـخوّف الفتنة علـيهم منهم: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ } إلـى قوله:

{ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلّهِ }[آل عمران: 119].

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عزّ وجلّ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } فـي الـمنافقـين من أهل الـمدينة، نهى الله عزّ وجلّ الـمؤمنـين أن يتولوهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } نهى الله عزّ وجلّ الـمؤمنـين أن يستدخـلوا الـمنافقـين أو يؤاخوهم، أي يتولوهم من دون الـمؤمنـين.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ } هم الـمنافقون.

حدثت عن عمار. قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قوله: {يَظْلِمُونَ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } يقول: لا تستدخـلوا الـمنافقـين، تتولوهم دون الـمؤمنـين.

حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيـم، قالا: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا العوام بن حوشب، عن الأزهر بن راشد، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لاتَسْتَضِيئُوا بِنارِ أهْلِ الشِّرْكِ، وَلا تَنْقُشُوا فِـي خَوَاتِـيـمِكُمْ عَرَبِـيًّاقال: فلـم ندر ما ذلك حتـى أتوا الـحسن فسألوه، فقال: نعم، أما قوله: لا تَنْقُشُوا فـي خَوَاتِـيـمِكُمْ عَرَبـيًّا، فإنه يقول: لا تنقشوا في خواتيمكم «مـحمد»؛ وأما قوله: ولا تَسْتَيضِئُوا بَنارِ أهْل الشِّرْكِ، فإنه يعني به الـمشركين، يقول: لا تستشيروهم فـي شيء من أموركم. قال: قال الـحسن: وتصديق ذلك فـي كتاب الله، ثم تلا هذه الآية: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ }.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ } أما البطانة: فهم الـمنافقون.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ }... الآية، قال: لا يستدخـل الـمؤمن الـمنافق دون أخيه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ }... الآية، قال: هؤلاء الـمنافقون، وقرأ قوله: {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَاء مِنْ أَفْوٰهِهِمْ }... الآية.

واختلفوا فـي تأويـل قوله {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } فقال بعضهم معناه: ودّوا ما ضللتـم عن دينكم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } يقول: ما ضللتـم.

وقال آخرون بـما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } يقول فـي دينكم، يعنـي: أنهم يودّون أن تعنتوا فـي دينكم.

فإن قال لنا قائل: وكيف قـيـل: {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } فجاء بـالـخبر عن البطانة بلفظ الـماضي فـي مـحل الـحال والقطع بعد تـمام الـخبر، والـحالات لا تكون إلا بصور الأسماء والأفعال المستقبلة دون الماضية منها؟ قيل: ليس الأمر في ذلك على ما ظننت من أن قوله: {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } حال من البطانة، وإنما هو خبر عنهم ثان، منقطع عن الأوّل غير متصل به. وإنـما تأويل الكلام: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة صفتهم كذا صفتهم كذا. فـالـخبر عن الصفة الثانـية غير متصل بـالصفة الأولـى، وإن كانتا جميعاً من صفة شخص واحد.

وقد زعم بعض أهل العربـية أن قوله: {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } من صلة البطانة، وقد وصلت بقوله: {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } فلا وجه لصلة أخرى بعد تـمام البطانة بصلته، ولكن القول فـي ذلك كما بـينا قبل من أن قوله: {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } خبر مبتدأ عن البطانة غير الـخبر الأوّل، وغير حال من البطانة ولا قطع منها.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَاء مِنْ أَفْوٰهِهِمْ }.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: قد بدت بغضاء هؤلاء الذين نهيتكم أيها الـمؤمنون أن تتـخذوهم بطانة من دونكم لكم بأفواههم، يعنـي بألسنتهم. والذي بدا لهم منهم بألسنتهم إقامتهم علـى كفرهم، وعداوتهم من خالف ما هم علـيه مقـيـمون من الضلالة، فذلك من أوكد الأسبـاب من معاداتهم أهل الإيـمان، لأن ذلك عداوة علـى الدين، والعداوة علـى الدين، العداوة التـي لا زوال لها إلا بـانتقال أحد الـمتعاديـين إلـى ملة الآخر منهما، وذلك انتقال من هدى إلا ضلالة كانت عند الـمنتقل إلـيها ضلالة قبل ذلك، فكان فـي إبدائهم ذلك للـمؤمنـين ومقامهم علـيه أبـين الدلالة لأهل الإيـمان علـى ما هم علـيه من البغضاء والعداوة.

وقد قال بعضهم: معنى قوله: {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَاء مِنْ أَفْوٰهِهِمْ } قد بدت بغضاؤهم لأهل الإيـمان إلـى أولـيائهم من الـمنافقـين وأهل الكفر بإطلاع بعضهم بعضاً علـى ذلك.

وزعم قائلو هذه الـمقالة أن الذين عنوا بهذه الآية: أهل النفـاق، دون من كان مصرّحاً بـالكفر من الـيهود وأهل الشرك. ذكر من قال ذلك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَاء مِنْ أَفْوٰهِهِمْ } يقول: قد بدت البغضاء من أفواه الـمنافقـين إلـى إخوانهم من الكفـار، من غِشّهم للإسلام وأهله وبغضهم إياهم.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَاء مِنْ أَفْوٰهِهِمْ } يقول: من أفواه الـمنافقـين.

وهذا القول الذي ذكرناه عن قتادة قول لا معنى له، وذلك أن الله تعالـى ذكره إنـما نهى الـمؤمنـين أن يتـخذوا بطانة مـمن قد عرفوه بـالغشّ للإسلام وأهله، والبغضاء إما بأدلة ظاهرة دالة علـى أن ذلك من صفتهم، وإما بإظهار الـموصوفـين بذلك العداوة والشنآن والـمناصبة لهم. فأما من لـم يثبتوه معرفة أنه الذي نهاهم الله عزّ وجلّ عن مخالته ومبـاطنته، فغير جائز أن يكونوا نهوا عن مخالته ومصادقته إلا بعد تعريفهم إياهم، إما بأعيانهم وأسمائهم، وإما بصفـات قد عرفوهم بها. وإذ كان ذلك كذلك، وكان إبداء الـمنافقـين بألسنتهم ما فـي قلوبهم من بغضاء الـمؤمنـين إلـى إخوانهم من الكفـار، غير مدرك به الـمؤمنون معرفة ما هم علـيه لهم مع إظهارهم الإيـمان بألسنتهم لهم والتودّد إلـيهم، كان بـيناً أن الذي نهى الله الـمؤمنون عن اتـخاذهم لأنفسهم بطانة دونهم، هم الذين قد ظهرت لهم بغضاؤهم بألسنتهم علـى ما وصفهم الله عزّ وجلّ به، فعرفهم الـمؤمنون بـالصفة التـي نعتهم الله بها، وأنهم هم الذين وصفهم تعالـى ذكره بأنهم أصحاب النار هم فـيها خالدون مـمن كان له ذمة وعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أهل الكتاب، لأنهم لو كانوا الـمنافقـين لكان الأمر فـيهم علـى ما قد بـينا، ولو كانوا الكفـار مـمن قد ناصب الـمؤمنـين الـحرب، لـم يكن الـمؤمنون متـخذيهم لأنفسهم بطانة من دون الـمؤمنـين مع اختلاف بلادهم وافتراق أمصارهم، ولكنهم الذين كانوا بـين أظهر الـمؤمنـين من أهل الكتاب أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، مـمن كان له من رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد وعقد من يهود بنـي إسرائيـل. والبغضاء: مصدر، وقد ذكر أنها فـي قراءة عبد الله بن مسعود: «قد بدا البغضاء من أفواههم»، علـى وجه التذكير، وإنـما جاز ذلك بـالتذكير ولفظه لفظ الـمؤنث، لأن الـمصادر تأنـيثها لـيس بـالتأنـيث اللازم، فـيجوز تذكير ما خرج منها علـى لفظ الـمؤنث وتأنـيثه، كما قال عزّ وجلّ:

{ وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ }[هود: 67] وكما قال: { فَقَدْ جَاءكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ }[الأنعام: 157] وفـي موضع آخر: { وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ }[هود: 67] { جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ }[الأعراف: 73]. وقال: {مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } وإنـما بدا ما بدا من البغضاء بألسنتهم، لأن الـمعنـيّ به الكلام الذي ظهر للـمؤمنـين منهم من أفواههم، فقال: قد بدت البغضاء من أفواههم بألسنتهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ }.

يعنـي تعالـى ذكره بذلك: والذي تـخفـي صدورهم، يعنـي صدور هؤلاء الذين نهاهم عن اتـخاذهم بطانة فتـخفـيه عنكم أيها الـمؤمنون أكبر، يقول: أكبر مـما قد بدا لكم بألسنتهم من أفواههم من البغضاء وأعظم. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ } يقول: وما تـخفـي صدورهم أكبر مـما قد أبدوا بألسنتهم.

حُدثت عن عمار، عن ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قوله: {وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ } يقول: ما تكنّ صدورهم أكبر مـما قد أبدوا بألسنتهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الاْيَـٰتِ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ }.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: قد بـينا لكم أيها الـمؤمنون الآيات، يعنـي بـالآيات: العبر، قد بـينا لكم من أمر هؤلاء الـيهود الذين نهيناكم أن تتـخذوهم بطانة من دون الـمؤمنـين ما تعتبرون وتتعظون به من أمرهم، {إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } يعنـي: إن كنتـم تعقلون عن الله مواعظه وأمره ونهيه، وتعرفون مواقع نفع ذلك منكم ومبلغ عائدته علـيكم.

هَٰٓأَنتُمْ أُو۟لَآءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ عَضُّوا۟ عَلَيْكُمُ ٱلْأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا۟ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝١١٩

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: ها أنتـم أيها الـمؤمنون الذين تـحبونهم، يقول: تـحبون هؤلاء الكفـار الذين نهيتكم عن اتـخاذهم بطانة من دون الـمؤمنـين، فتودّونهم وتواصلونهم، وهم لا يحبونكم، بل ينتظرون لكم العداوة والغش، وتؤمنون بـالكتاب كله. ومعنى الكتاب فـي هذا الـموضع، معنى الـجمع، كما يقال: أكثر الدرهم فـي أيدي الناس، بـمعنى الدراهم، فكذلك قوله: {وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلّهِ }، إنـما معناه: بـالكتب كلها كتابكم الذي أنزل الله إلـيكم، وكتابهم الذي أنزله إلـيهم، وغير ذلك من الكتب التـي أنزلها الله علـى عبـاده.

يقول تعالـى ذكره: فأنتـم إذ كنتـم أيها الـمؤمنون تؤمنون بـالكتب كلها، وتعلـمون أن الذين نهيتكم عن أن تتـخذوهم بطانة من دونكم، كفـار بذلك كله، بجحودهم ذلك كله من عهود الله إلـيهم، وتبديـلهم ما فـيه من أمر الله ونهيه، أولـى بعداوتكم إياهم، وبغضائهم وغشهم منهم بعداوتكم وبغضائكم مع جحودهم بعض الكتب وتكذيبهم ببعضها. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلّهِ }: أي بكتابكم وكتابهم، وبـما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتـم أحقّ بـالبغضاء لهم منهم لكم.

وقال: { هَاأَنتُمْ أُوْلاء } ولـم يقل: «هؤلاء أنتـم»، ففرّق بـين «ها» و«أولاء» بكناية اسم الـمخاطبـين، لأن العرب كذلك تفعل فـي هذا إذا أرادت به التقريب ومذهب النقصان الذي يحتاج إلـى تـمام الـخبر، وذلك مثل أن يقال لبعضهم: أين أنت؟ فـيجيب الـمقول ذلك له: ها أنا ذا، فـيفرّق بـين التنبـيه و«ذا» بـمكْنّـي اسم نفسه، ولا يكادون يقولون: هذا أنا، ثم يثنى ويجمع علـى ذلك، وربـما أعادوا حرف التنبـيه مع ذا، فقالوا: ها أنا هذا ولا يفعلون ذلك إلا فـيـما كان تقريبـاً، فأما إذا كان علـى غير التقريب والنقصان، قالوا: هذا هو، وهذا أنت، وكذلك يفعلون مع الأسماء الظاهرة، يقولون: هذا عمرو قائماً، إن كان هذا تقريبـاً. وإنـما فعلوا ذلك فـي الـمكنـي مع التقريب تفرقة بـين هذا إذا كان بـمعنى الناقص الذي يحتاج إلـى تـمام، وبـينه وبـين ما إذا كان بـمعنى الاسم الصحيح. وقوله: {تُحِبُّونَهُمْ } خبر للتقريب.

وفـي هذه الآية إبـانة من الله عزّ وجلّ عن حال الفريقـين، أعنـي الـمؤمنـين والكافرين، ورحمة أهل الإيـمان ورأفتهم بأهل الـخلاف لهم، وقساوة قلوب أهل الكفر وغلظتهم علـى أهل الإيـمان. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلّهِ } فوالله إن الـمؤمن لـيحبّ الـمنافق ويأوي له ويرحمه، ولو أن الـمنافق يقدر علـى ما يقدر علـيه الـمؤمن منه لأبـاد خضراءه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: الـمؤمن خير للـمنافق من الـمنافق للـمؤمن يرحمه، ولو يقدر الـمنافق من الـمؤمن علـى مثل ما يقدر الـمؤمن علـيه منه لأبـاد خضراءه.

وكان مـجاهد يقول: نزلت هذه الآية فـي الـمنافقـين.

حدثنـي بذلك مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَإذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ }.

يعنـي بذلك تعالـى ذكره: إن هؤلاء الذين نهى الله الـمؤمنـين أن يتـخذوهم بطانة من دونهم، ووصفهم بصفتهم إذا لقوا الـمؤمنـين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعطوهم بألسنتهم تقـية، حذراً علـى أنفسهم منهم، فقالوا لهم: قد آمنا وصدّقنا بـما جاء به مـحمد صلى الله عليه وسلم، وإذا هم خـلوا فصاروا فـي خلاء حيث لا يراهم الـمؤمنون، عضوا علـى ما يرون من ائتلاف الـمؤمنـين، واجتـماع كلـمتهم، وصلاح ذات بـينهم، {أنامِلَهُمْ} وهي أطراف أصابعهم، تغيظاً مـما بهم من الـموجدة علـيهم، وأَسًى علـى ظهر يسندون إلـيه لـمكاشفتهم العداوة ومناجزتهم الـمـحاربة. وبنـحو ما قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَإذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ }: إذا لقوا الـمؤمنـين قالوا آمنا لـيس بهم إلا مخافة علـى دمائهم وأموالهم، فصانعوهم بذلك. {وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلاْنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ } يقول: مـما يجدون فـي قلوبهم من الغيظ والكراهة لـما هم علـيه لو يجدون ريحاً لكانوا علـى الـمؤمنـين، فهم كما نعت الله عزّ وجلّ.

حُدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بـمثله، إلا أنه قال: من الغيظ لكراهتهم الذي هم علـيه، ولـم يقل: لو يجدون ريحاً وما بعده.

حدثنا عبـاس بن مـحمد، قال: ثنا مسلـم، قال: ثنـي يحيـى بن عمرو بن مالك البكري، قال: ثنا أبـي، قال: كان أبو الـجوزاء إذا تلا هذه الآية: { وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَإذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ } قال: هم الإبـاضية.

والأنامل: جمع أَنْـمُلَة، ويقال أُنْـمُلَة، وربـما جمعت أَنْـمُلاً، قال الشاعر:

أوَدُّكُمَا ما بَلَّ حَلْقِـيَ رِيقَتِـي وَما حَمَلَتْ كَفَّـايَ أَنْـمُلِـيَ العَشْرَا

وهي أطراف الأصابع؛ كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، الأنامل: أطراف الأصابع.

حُدثت عن عمار، عن ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، بـمثله.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ }: الأصابع.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيـل، عن أبـي الأحوص، عن عبد الله، قوله: {عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ } قال: عضوا علـى أصابعهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ }.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: قل يا مـحمد لهؤلاء الـيهود الذين وصفت لك صفتهم، وأخبرتك أنهم إذا لقوا أصحابك، قالوا آمنا، وإذا خـلوا عضوا علـيكم الأنامل من الغيظ: موتوا بغيظكم الذي بكم علـى الـمؤمنـين، لاجتـماع كلـمتهم، وائتلاف جماعتهم.

وخرج هذا الكلام مخرج الأمر، وهو دعاء من الله نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم بأن يدعو علـيهم بأن يهلكهم الله كمداً مـما بهم من الغيظ علـى الـمؤمنـين، قبل أن يروا فـيهم ما يتـمنون لهم من العنت فـي دينهم، والضلالة بعد هداهم، فقال لنبـيه صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد، اهلكوا بغيظكم، إن الله علـيـم بذات الصدور، يعنـي بذلك: إن الله ذو علـم بـالذي فـي صدور هؤلاء الذين إذا لقوا الـمؤمنـين، قالوا: آمنا، وما ينطوون لهم علـيه من الغلّ والغمّ، ويعتقدون لهم من العداوة والبغضاء، وبـما فـي صدور جميع خـلقه، حافظ علـى جميعهم ما هو علـيه منطو من خير وشرّ، حتـى يجازي جميعهم علـى ما قدّم من خير وشرّ، واعتقد من إيـمان وكفر، وانطوى علـيه لرسوله وللـمؤمنـين من نصيحة أو غِلّ وغِمْر.

إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا۟ بِهَا وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْـًٔا إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ۝١٢٠

يعنـي بقوله تعالـى ذكره: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ } إنْ تَنالُوا أيها الـمؤمنون سروراً بظهوركم علـى عدوّكم، وتتابع الناس فـي الدخول فـي دينكم، وتصديق نبـيكم، ومعاونتكم علـى أعدائكم، يسؤهم. وإن تنلكم مساءة بإخفـاق سرية لكم، أو بإصابة عدوّ لكم منكم، أو اختلاف يكون بـين جماعتكم يفرحوا بها. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا }، فإذا رأوا من أهل الإسلام ألفة وجماعة وظهوراً علـى عدوّهم، غاظهم ذلك وساءهم، وإذا رأوا من أهل الإسلام فرقة واختلافـاً أو أصيب طرف من أطراف الـمسلـمين سرّهم ذلك وأعجبوا به وابتهجوا به، فهم كلـما خرج منهم قرن أكذب الله أحدوثته وأوطأ مـحلته، وأبطل حجته، وأظهر عورته، فذاك قضاء الله فـيـمن مضى منهم وفـيـمن بقـي إلـى يوم القـيامة.

حُدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قوله: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا } قال: هم الـمنافقون إذا رأوا من أهل الإسلام جماعة وظهوراً علـى عدوّهم، غاظهم ذلك غيظاً شديداً وساءهم، وإذا رأوا من أهل الإسلام فرقة واختلافـاً، أو أصيب طرف من أطراف الـمسلـمين، سرّهم ذلك وأعجبوا به؛ قال الله عزّ وجلّ: {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ }.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ } قال: إذا رأوا من الـمؤمنـين جماعة وألفة ساءهم ذلك، وإذا رأوا منهم فرقة واختلافـاً فرحوا.

وأما قوله: {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } فإنه يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: وإن تصبروا أيها الـمؤمنون علـى طاعة الله، واتبـاع أمره فـيـما أمركم به، واجتناب ما نهاكم عنه، من اتـخاذ بطانة لأنفسكم من هؤلاء الـيهود الذين وصف الله صفتهم من دون الـمؤمنـين، وغير ذلك من سائر ما نهاكم، وتتقوا ربكم، فتـخافوا التقدم بـين يديه فـيـما ألزمكم، وأوجب علـيكم من حقه وحقّ رسوله، لا يضرّكم كيدهم شيئاً: أي كيد هؤلاء الذين وصف صفتهم. ويعنـي بكيدهم: غوائلهم التـي يبتغونها للـمسلـمين ومكرهم بهم لـيصدّوهم عن الهدى وسبـيـل الـحقّ.

واختلف القراء فـي قراءة قوله: {لاَ يَضُرُّكُمْ } فقرأ ذلك جماعة من أهل الـحجاز وبعض البصريـين: «لا يَضِرْكُمْ» مخففة بكسر الضاد من قول القائل: ضارنـي فلان فهو يضيرنـي ضَيْراً، وقد حكي سماعاً من العرب: ما ينفعنـي ولا يضورنـي. فلو كانت قرئت علـى هذه اللغة لقـيـل: لا يضركم كيدهم شيئاً، ولكنـي لا أعلـم أحداً قرأ به، وقرأ ذلك جماعة من أهل الـمدينة وعامة قراء أهل الكوفة: {لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } بضم الضاد وتشديد الراء من قول القائل: ضرّنـي فلان فهو يضرّنـي ضرًّا.

وأما الرفع فـي قوله: {لاَ يَضُرُّكُمْ } فمن وجهين: أحدهما علـى إتبـاع الراء فـي حركتها، إذ كان الأصل فـيها الـجزم، ولـم يـمكن جزمها لتشديدها أقرب حركات الـحروف التـي قبلها، وذلك حركة الضاد، وهي الضمة، فألـحقت بها حركة الراء لقربها منها، كما قالوا: مُدُّ يا هذا. والوجه الآخر من وجهي الرفع فـي ذلك: أن تكون مرفوعة علـى صحة، وتكون «لا» بـمعنى «لـيس»، وتكون الفـاء التـي هي جواب الـجزاء متروكة لعلـم السامع بـموضعها. وإذا كان ذلك معناه، كان تأويـل الكلام: وإن تصبروا وتتقوا فلـيس يضرّكم كيدهم شيئاً، ثم تركت الفـاء من قوله: {لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ } ووجهت «لا» إلـى معنى «لـيس»، كما قال الشاعر:

فإنْ كانَ لا يُرْضِيكَ حتـى تَرُدَّنِـي إلـى قَطَرِيٍّ لا إخالُكَ رَاضِيا

ولو كانت الراء مـحركة إلـى النصب والـخفض كان جائزاً، كما قـيـل: مُدَّ يا هذا، ومُدِّ.

وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } يقول جل ثناؤه: إن الله بـما يعمل هؤلاء الكفـار فـي عبـاده وبلاده من الفساد والصدّ عن سبـيـله والعداوة لأهل دينه وغير ذلك من معاصي الله، مـحيط بجميعه، حافظ له لا يعزب عنه شيء منه، حتـى يوفـيهم جزاءهم علـى ذلك كله ويذيقهم عقوبته علـيه.

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلْقِتَالِ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ۝١٢١

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّىء ٱلْمُؤْمِنِينَ }: وإن تصبروا وتتقوا لا يضرّكم أيها الـمؤمنون كيد هؤلاء الكفار من الـيهود شيئاً، ولكن الله ينصركم علـيهم إن صبرتـم علـى طاعتـي، واتبـاع أمر رسولـي، كما نصرتكم ببدر وأنتـم أذلة. وإن أنتـم خالفتـم أيها الـمؤمنون أمري، ولـم تصبروا علـى ما كلفتكم من فرائضي، ولـم تتقوا ما نهيتكم عنه، وخالفتـم أمري، وأمر رسولـي، فإنه نازل بكم ما نزل بكم بأحد، واذكروا ذلك الـيوم إذ غدا نبـيكم يبوّىء الـمؤمنـين؛ فترك ذكر الـخبر عن أمر القوم إن لـم يصبروا علـى أمر ربهم ولـم يتقوه اكتفـاء بدلالة ما ظهر من الكلام علـى معناه، إذ ذكر ما هو فـاعل بهم من صرف كيد أعدائهم عنهم، إن صبروا علـى أمره، واتقوا مـحارمه، وتعقـيبه ذلك بتذكيرهم ما حلّ بهم من البلاء بأحد، إذ خالف بعضهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنازعوا الرأي بـينهم. وأخرج الـخطاب فـي قوله: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ } علـى وجه الـخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والـمراد بـمعناه الذين نهاهم أن يتـخذ الكفـار من الـيهود بطانة من دون الـمؤمنـين، فقد بـيّن إذاً أن قوله: «وإذ» إنـما جرّها فـي معنى الكلام علـى ما قد بـينت وأوضحت.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي الـيوم الذي عنى الله عزّ وجلّ بقوله: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّىء ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } فقال بعضهم: عَنَى بذلك يَوْمَ أحد. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّىء ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } قال: مشى النبـيّ صلى الله عليه وسلم يومئذٍ علـى رجلـيه يبوّىء الـمؤمنـين.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّىء ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } ذلك يوم أحد، غدا نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم من أهله إلـى أحد يبوىء الـمؤمنـين مقاعد للقتال.

حُدثت عن عمار، عن ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قوله: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّىء ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } فغدا النبـيّ صلى الله عليه وسلم من أهله إلـى أحد يبوّىء الـمؤمنـين مقاعد للقتال.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّىء ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } فهو يوم أحد.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّىء ٱلْمُؤْمِنِينَ } قال: هنا يوم أحد.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: مـما نزل فـي يوم أحد: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّىء ٱلْمُؤْمِنِينَ }.

وقال آخرون: عَنَى بذلك يوم الأحزاب. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سنان القزاز، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، قال: ثنا عبـاد، عن الـحسن فـي قوله: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّىء ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } قال: يعنـي مـحمداً صلى الله عليه وسلم غداً يبوّىء الـمؤمنـين مقاعد للقتال يوم الأحزاب.

وأولـى هذين القولـين بـالصواب، قول من قال: عنى بذلك: يوم أحد؛ لأن الله عزّ وجلّ يقول فـي الآية التـي بعدها:

{ إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ }[آل عمران: 122] ولا خلاف بـين أهل التأويـل أنه عنى بـالطائفتـين بنو سلـمة وبنو حارثة. ولا خلاف بـين أَهل السير والـمعرفة بـمغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الذي ذكر الله من أمرهما إنـما كان يوم أحد دون يوم الأحزاب.

فإن قال لنا قائل: وكيف يكون ذلك يوم أحد ورسول الله صلى الله عليه وسلم إنـما راح إلـى أحد من أهله للقتال يوم الـجمعة بعد ما صلـى الـجمعة فـي أهله بـالـمدينة بـالناس، كالذي:

حدثكم ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن مسلـم بن عبـيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري ومـحمد بن يحيـى بن حبـان، وعاصم بن عمر بن قتادة والـحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علـمائنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم راح حين صلـى الـجمعة إلـى أحد، دخـل فلبس لأمَتَهُ، وذلك يوم الـجمعة حين فرغ من الصلاة، وقد مات فـي ذلك الـيوم رجل من الأنصار، فصلـى علـيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج علـيهم وقال:

ما يَنْبَغِي لنبـيٍّ إذا لَبَسَ لأْمَتَهُ أنْ يَضَعَها حتـى يُقاتِلَ؟.

قـيـل: إن النبـيّ صلى الله عليه وسلم وإن كان خروجه للقوم كان رَواحاً فلـم يكن تبوئته للـمؤمنـين مقاعدهم للقتال عند خروجه، بل كان ذلك قبل خروجه لقتال عدوه؛ وذلك أن الـمشركين نزلوا منزلهم من أحد فـيـما بلغنا يوم الأربعاء، فأقاموا به ذلك الـيوم ويوم الـخميس ويوم الـجمعة، حتـى راح رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـيهم يوم الـجمعة بعد ما صلـى بأصحابه الـجمعة، فأصبح بـالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوّال.

حدثنا بذلك ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن مسلـم الزهري، ومـحمد بن يحيـى بن حبـان، وعاصم بن عمر بن قتادة والـحصين بن عبد الرحمن وغيرهم.

فإن قال: وكيف كانت تبوئته الـمؤمنـين مقاعد للقتال غدوّاً قبل خروجه، وقد علـمت أن التبوئة اتـخاذ الـموضع؟ قـيـل: كانت تبوئته إياهم ذلك قبل مناهضته عدوّه عند مشورته علـى أصحابه بـالرأي الذي رآه لهم بـيوم أو يومين. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لـما سمع بنزول الـمشركين من قريش وأتبـاعها أُحُداً، قال فـيـما:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط عن السديّ لأصحابه: «أشِيرُوا عَلـيَّ ما أصْنَع؟»فقالوا: يا رسول الله اخرج إلـى هذه الأكلب. فقالت الأنصار: يا رسول الله ما غلبنا عدوّ لنا أتانا فـي ديارنا، فكيف وأنت فـينا؟ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبـيّ ابن سلول، ولـم يدعه قط قبلها، فـاستشاره فقال: يا رسول الله اخرج بنا إلـى هذه الأكلب. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يدخـلوا علـيه الـمدينة، فـيقاتَلوا فـي الأزقة، فأتاه النعمان بن مالك الأنصاريّ، فقال: يا رسول الله، لا تـحرمنـي الـجنة، فوالذي بعثك بـالـحقّ لأدخـلنّ الـجنة! فقال له: «بـم؟» قال: بأنـي أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وأنـي لا أفرّ من الزحف. قال: «صَدَقْتَ؟» فقتل يومئذٍ. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بدرعه فلبسها، فلـما رأوه وقد لبس السلاح، ندموا، وقالوا: بئسما صنعنا، نشير علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي يأتـيه! فقاموا واعتذروا إلـيه، وقالوا: اصنع ما رأيت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا يَنْبَغِي لِنَبِـيّ أنْ يَـلْبَسَ لأُمَتَهُ فَـيَضَعَها حتـى يُقاتِلَ

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي ابن شهاب الزهري ومـحمد بن يحيـى بن حبـان وعاصم بن عمر بن قتادة، والـحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علـمائنا قالوا: لـما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم والـمسلـمون بـالـمشركين قد نزلوا منزلهم من أحد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنّـي قَدْ رأيْتُ بَقَراً فأوَّلْتُها خَيْراً، ورأيْتُ فِـي ذُبـابِ سَيْفِـي ثَلْـماً، ورأيْتُ أنّـي أدْخَـلْتُ يَدِي فِـي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، فأوَّلْتُها الـمَدِينَةَ فإنْ رأيْتُـمْ أنْ تُقـيـمُوا بـالـمَدِينَةِ وَتَدَعُوهُمْ حَيْثُ نَزَلُوا، فإنْ أقامُوا أقامُوا بِشَرّ مُقامٍ، وَإنْ هُمْ دَخَـلُوا عَلَـيْنا قاتَلْناهُمْ فِـيها. وكان رأي عبد الله بن أبـيّ ابن سلول مع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرى رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي ذلك أن لا يخرج إلـيهم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الـخروج من الـمدينة، فقال رجال من الـمسلـمين مـمن أكرمهم الله بـالشهادة يوم أحد وغيرهم مـمن كان فـاته بدر وحضروه: يا رسول الله، اخرج بنا إلـى أعدائنا لا يرون أنا جبنّا عنهم وضعفنا! فقال عبد الله بن أبـيّ بن سلول: يا رسول الله أقم بـالـمدينة لا تـخرج إلـيهم، فوالله ما خرجنا منها إلـى عدوّ لنا قط إلا أصاب منا، ولا دخـلها علـينا قط إلا أصبنا منه! فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشرّ مـحبس، وإن دخـلوا قاتلهم الرجال فـي وجوههم، ورماهم النساء والصبـيان بـالـحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبـين كما جاءوا. فلـم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان من أمرهم حبّ لقاء القوم حتـى دخـل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلبس لأمته.

فكانت تبوئة رسول الله صلى الله عليه وسلم الـمؤمنـين مقاعد للقتال، ما ذكرنا من مشورته علـى أصحابه بـالرأي الذي ذكرنا علـى ما وصفه الذين حكينا قولهم؛ يقال منه: بوّأت القوم منزلاً وبوّأته لهم فأنا أبوّئهم الـمنزل تبوئة، وأبوىء لهم منزلاً تبوئة. وقد ذكر أن فـي قراءة عبد الله بن مسعود: «وَإذْ غَدَوْتَ مِنْ أهْلِكَ تُبَوّىءُ الْـمُؤْمِنِـينَ مَقاعِدَ للْقِتالِ» وذلك جائز، كما يقال: رَدِفَكَ وَردِفَ لك، ونقدت لها صداقها ونقدتها، كما قال الشاعر:

أسْتَغْفِرُ اللّهَ ذَنْبـاً لَسْتُ مُـحْصِيَهُ رَبَّ العِبـادِ إلـيهِ الوَجْهِ وَالعَمَلُ

والكلام: أستغفر الله لذنب. وقد حكي عن العرب سماعاً: أبأت القوم منزلاً فأنا أبـيئهم إبـاءة، ويقال منه: أبأت الإبل: إذا رددتها إلـى الـمبـاءة، والـمبـاءة: الـمراح الذي تبـيت فـيه، والـمقاعد: جمع مقعد وهو الـمـجلس. فتأويـل الكلام: واذكر إذ غدوت يا مـحمد من أهلك تتـخذ للـمؤمنـين معسكراً وموضعاً لقتال عدوّهم. وقوله: {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } يعنـي بذلك تعالـى ذكره: والله سميع لـما يقول الـمؤمنون لك، فـيـما شاورتهم فـيه من موضع لقائك ولقائهم عدوّك وعدوّهم من قول من قال: اخرج بنا إلـيهم حتـى نلقاهم خارج الـمدينة، وقول من قال لك: لا تـخرج إلـيهم وأقم بـالـمدينة حتـى يدخـلوها علـينا، علـى ما قد بـينا قبل، ومـما تشير به علـيهم أنت يا مـحمد. علـيـم بأصلـح تلك الآراء لك ولهم، وبـما تـخفـيه صدور الـمشيرين علـيك بـالـخروج إلـى عدوّك، وصدور الـمشيرين علـيك بـالـمقام فـي الـمدينة، وغير ذلك من أمرك وأمورهم. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق فـي قوله: {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }: أي سميع لـما يقولون، علـيـم بـما يخفون.

السبت، 24 أكتوبر 2026 13 جمادى الأولى 1448 هـ