انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير الطبريالآيات 8–14

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة آل عمران

الخلاصة من تفسير الطبري · 11 مقطعًا · 3:01:26

  1. 1 الآيات 1–14في هذه الصفحة 13:01

التفسير الصوتي لسورة آل عمران كاملًا (11 مقطعًا)

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ ۝٨

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: أن الراسخين فـي العلـم يقولون: آمنا بـما تشابه من آي كتاب الله، وأنه والـمـحكم من آيه من تنزيـل ربنا ووحيه، ويقولون أيضا: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } يعنـي أنهم يقولون رغبة منهم إلـى ربهم، فـي أن يصرف عنهم ما ابتلـى به الذين زاغت قلوبهم من اتبـاع متشابه آي القرآن ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويـله الذي لا يعلـمه غير الله، يا ربنا لا تـجعلنا مثل هؤلاء الذين زاغت قلوبهم عن الـحقّ فصدّوا عن سبـيـلك، {لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا } لا تـملها فتصرفها عن هداك {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } له، فوفقتنا للإيـمان بـمـحكم كتابك ومتشابهه، {وَهَبْ لَنَا } يا ربنا {مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً } يعنـي من عندك رحمة، يعنـي بذلك: هب لنا من عندك توفـيقاً وثبـاتاً للذي نـحن علـيه، من الإقرار بـمـحكم كتابك ومتشابهه؛ {إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ } يعنـي: إنك أنت الـمعطي عبـادك التوفـيق والسداد، للثبـات علـى دينك، وتصديق كتابك ورسلك. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } أي لا تـمل قلوبنا وإن ملنا بأحداثنا، {وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً }.

وفـي مدح الله جل ثناؤه هؤلاء القوم بـما مدحهم به من رغبتهم إلـيه فـي أن لا يزيغ قلوبهم، وأن يعطيهم رحمة منه معونة لهم للثبـات علـى ما هم علـيه من حسن البصيرة بـالـحقّ الذي هم علـيه مقـيـمون، ما أبـان عن خطأ قول الـجهلة من القدرية، أن إزاغة الله قلب من أزاغ قلبه من عبـاده عن طاعته، وإمالته له عنها جَوْرٌ، لأن ذلك لو كان كما قالوا لكان الذين قالوا: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } بـالذم أولـى منهم بـالـمدح، لأن القول لو كان كما قالوا، لكان القوم إنـما سألوا ربهم مسألتهم إياه أن لا يزيغ قلوبهم، أن لا يظلـمهم ولا يجور علـيهم، وذلك من السائل جهل؛ لأن الله جل ثناؤه لا يظلـم عبـاده ولا يجور علـيهم، وقد أعلـم عبـاده ذلك، ونفـاه عن نفسه بقوله: {وَمَا رَبُّكَ بِظلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ } ولا وجه لـمسألته أن يكون بـالصفة التـي قد أخبرهم أنه بها، وفـي فساد ما قالوا من ذلك الدلـيـل الواضح، علـى أن عدلاً من الله عزّ وجلّ إزاغة من أزاغ قلبه من عبـاده عن طاعته، فلذلك استـحقّ الـمدح من رغب إلـيه فـي أن لا يزيغه لتوجيهه الرغبة إلـى أهلها ووضعه مسألته موضعها، مع تظاهر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم برغبته إلـى ربه فـي ذلك مع مـحله منه، وكرامته علـيه.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن عبد الـحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أم سلـمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِـي علـى دِينِكَ ثم قرأ: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا }...» إلـى آخر الآية.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن عبد الـحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أسماء، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج بن الـمنهال، قال: ثنا عبد الـحميد بن بهرام الفزاري، قال: ثنا شهر بن حوشب، قال: سمعتُ أم سلـمة تـحدّث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر فـي دعائه أن يقول:

اللَّهُمَّ مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِـي علـى دِينِك! قال: قلت يا رسول الله، وإن القلب لـيقلَّب؟ قال: نَعَمْ، مَا خَـلَقَ اللَّهُ مِنْ بَشَرٍ مِنْ بَنِـي آدَمَ إلاَّ وَقَلْبُهُ بَـيْنَ أصْبُعَيْنِ مِنْ أصابعه، فإنْ شاءَ أقامَهُ، وَإنْ شاءَ أزَاغَهُ، فَنَسألُ اللَّهُ رَبَّنَا أنْ لا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَانا، ونسألُهُ أنْ يَهَبَ لَنا مِنْ لَدُنْهُ رَحْمَةً إنَّهُ هُوَ الوَهَّابُ. قالت: قلت يا رسول الله، ألا تعلـمنـي دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: بلـى، قولـي: اللَّهُمَّ رَبَّ النَّبِـيِّ مُـحَمَّدٍ، اغْفِرْ لِـي ذَنْبِـي، وأذْهِبْ غَيْظَ قَلْبِـي، وأجِرْنِـي مِنْ مُضِلاَّتِ الفِتَنِ

حدثنـي مـحمد بن منصور الطوسي، قال: ثنا مـحمد بن عبد الله الزبـيري، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش عن أبـي سفـيان، عن جابر، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول:

يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِـي عَلـى دِينِكَ! فقال له بعض أهله: يخاف علـينا وقد آمنا بك وبـما جئت به؟ قال: إِنَّ القَلْبَ بَـيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أصَابِعِ الرَّحْمَنِ تَبـارَكَ وَتَعَالَـى يَقُولُ بِهِ هَكَذَا؛ وحرّك أبو أحمد أصبعيه. قال أبو جعفر: وإن الطوسي وسَقَ بـين أصبعيه.

حدثنـي سعيد بن يحيـى الأموي، قال: ثنا أبو معاوية، قال: ثنا الأعمش عن أبـي سفـيان، عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثـيرا ما يقول:

يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِـي عَلَـى دِينِكَ! قلنا: يا رسول الله قد آمنا بك، وصدقنا بـما جئت به، فـيخافُ علـينا؟ قال:نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَـيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُها تَبَـارَكَ وَتَعَالَـى

حدثنـي مـحمد بن عبد الله بن عبد الـحكم، قال: ثنا بشر بن بكر، وحدثنـي علـيّ بن سهل، قال: ثنا أيوب بن بشر جميعا، عن ابن جابر، قال: سمعت بشر بن عبـيد الله، قال: سمعت أبـا إدريس الـخولانـي يقول: سمعت النواس بن سمعان الكلابـي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

مَا مِنْ قَلْبٍ إِلاَّ بَـيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أصَابِعِ الرَّحْمَنِ إِنْ شَاءَ أقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أزَاغَهُ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا علـى دِينِكَ، وَالـمِيزانُ بِـيَدِ الرَّحْمَنِ يَرْفَعُ أقْوَاماً وَيَخْفِضُ آخَرِينَ إِلَـى يَوْمِ القِـيَامَةِ

حدثنـي عمر بن عبد الـملك الطائي، قال: ثنا مـحمد بن عبـيدة، قال: ثنا الـجرّاح بن ملـيح البهرانـي، عن الزبـيدي، عن جويبر، عن سمرة بن فـاتك الأسدي ـ وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:

الـمَوَازِينُ بِـيَدِ اللَّهِ يَرْفَعُ أقْوَاماً وَيَضَعُ أقْوَاماً، وَقَلْبُ ابْنِ آدَمَ بَـيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أصَابِعِ الرَّ ْحمَنِ، إِنْ شَاءَ أزَاغَهُ وَإِنْ شَاءَ أقَامَهُ

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن حيوة بن شريح، قال: أخبرنـي أبو هانىء الـخولانـي أنه سمع أبـا عبد الرحمن الـحبلـي يقول: سمعت عبدالله بن عمرو بن العاص يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

إِنَّ قُلُوبَ بَنِـي آدَمَ كُلَّها بَـيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرَّفُ كَيْفَ يَشَاءُ. ثم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:اللَّهُمَّ مُصَرّفَ القُلُوبِ صَرّفْ قُلُوبُنَا إلـى طَاعَتِكَ

حدثنا الربـيع بن سلـيـمان، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا عبد الـحميد بن بهرام، قال: ثنا شهر بن حوشب، قال: سمعت أم سلـمة تـحدّث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر فـي دعائه أن يقول:

اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَلْبِـي علـى دِينِكَ. قالت: قلت يا رسول الله، وإن القلوب لتقلب؟ قال: نَعَمْ، ما مِنْ خَـلْقِ اللَّهِ مِنْ بَنِـي آدَمَ بَشَرٌ إِلاَّ أنَّ قَلْبَهُ بَـيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أصَابِعِ اللَّهِ إِنْ شَاءَ أقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ أزَاغَهُ، فَنَسألُ اللَّهَ رَبَّنَا أنْ لا يَزِيغَ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا، وَنسألُهُ أنْ يَهَبَ لَنا مِنْ لَدُنْهُ رَحْمَةً إِنَّهُ هُوَ الوَهَّابُ».

رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ۝٩

يعنـي بذلك جل ثناؤه: أنهم يقولون أيضا مع قولهم آمنا بـما تشابه من آي كتاب ربنا كل الـمـحكم والـمتشابه الذي فـيه من عند ربنا يا ربنا إنك جامع الناس لـيوم لا ريب فـيه، إن الله لا يخـلف الـميعاد. وهذا من الكلام الذي استغنـي بذكر ما ذكر منه عما ترك ذكره. وذلك أن معنى الكلام: ربنا إنك جامع الناس لـيوم القـيامة فـاغفر لنا يومئذٍ، واعف عنا، فإنك لا تـخـلف وعدك، أن من آمن بك، واتبع رسولك، وعمل بـالذي أمرته به فـي كتابك أنك غافره يومئذٍ. وإنـما هذا من القوم مسألة ربهم أن يثبتهم علـى ما هم علـيه من حسن بصرتهم بـالإيـمان بـالله ورسوله، وما جاءهم به من تنزيـله، حتـى يقبضهم علـى أحسن أعمالهم وإيـمانهم، فإنه إذا فعل ذلك بهم وجبت لهم الـجنة، لأنه قد وعد من فعل ذلك به من عبـاده أنه يدخـله الـجنة، فـالآية وإن كانت قد خرجت مخرج الـخبر، فإن تأويـلها من القوم مسألة ودعاء ورغبة إلـى ربهم.

وأما معنى قوله: {لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } فإنه لا شك فـيه. وقد بـينا ذلك بـالأدلة علـى صحته فـيـما مضى قبل.

ومعنى قوله: {لِيَوْمٍ } فـي يوم، وذلك يوم يجمع الله فـيه خـلقه لفصل القضاء بـينهم فـي موقـف العرض والـحساب، والـميعاد: الـمفعال من الوعد.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ ۝١٠

يعنـي جل ثناؤه بقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } إن الذين جحدوا الـحقّ الذي قد عرفوه من نبوّة مـحمد صلى الله عليه وسلم من يهود بنـي إسرائيـل ومنافقـيهم، ومنافقـي العرب وكفـارهم الذين فـي قلوبهم زيغ، فهم يتبعون من كتاب الله الـمتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويـله، {لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلاَ أَولادُهُم مّنَ اللَّهِ شَيْئًا } يعنـي بذلك: أن أموالهم وأولادهم لن تنـجيهم من عقوبة الله إن أحلها بهم عاجلاً فـي الدنـيا علـى تكذيبهم بـالـحقّ بعد تبينّهم، واتبـاعهم الـمتشابه طلب اللبس فتدفعها عنهم، ولا يغنـي ذلك عنهم منها شيئا. {وَهُمْ فِى الآخِرَةِ وَقُودُ النَّارِ } يعنـي بذلك حطبها.

كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ۝١١

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: إن الذين كفروا لن تغنـي عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا عند حلول عقوبتنا بهم، كسنة آل فرعون وعادتهم، والذين من قبلهم من الأمـم الذين كذبوا بآياتنا، فأخذناهم بذنوبهم فأهلكناهم حين كذبوا بآياتنا، فلن تغنـي عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا حين جاءهم بأسنا كالذي عوجلوا بـالعقوبة علـى تكذيبهم ربهم من قبل آل فرعون من قوم نوح وقوم هود وقوم لوط وأمثالهم.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ } فقال بعضهم: معناه: كسنتهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق بن الـحجاج، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ } يقول: كسنتهم.

وقال بعضهم: معناه: كعملهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا سفـيان جميعاً، عن جويبر، عن الضحاك: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ } قال: كعمل آل فرعون.

حدثنا يحيـى بن أبـي طالب، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا جويبر. عن الضخاك فـي قوله: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ } قال: كعمل آل فرعون.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ } قال: كفعلهم كتكذيبهم حين كذبوا الرسل. وقرأ قول الله:

{ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ }[غافر: 31] أن يصيبكم مثل الذي أصابهم علـيه من عذاب الله. قال: الدأب: العمل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو تـميـلة يحيـى بن واضح، عن أبـي حمزة، عن جابر، عن عكرمة ومـجاهد فـي قوله: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ } قال: كفعل آل فرعون، كشأن آل فرعون.

حدثت عن الـمنـجاب، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس فـي قوله: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ } قال: كصنع آل فرعون.

وقال آخرون: معنى ذلك: كتكذيب آل فرعون. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِأَيَـاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ } ذكر الذين كفروا وأفعال تكذيبهم كمثل تكذيب الذين من قبلهم فـي الـجحود والتكذيب.

وأصل الدأب من دأبت فـي الأمر دأْبـاً: إذا أدمنت العمل والتعب فـيه. ثم إن العرب نقلت معناه إلـى الشأن والأمر والعادة، كما قال امرؤ القـيس بن حجر:

وَإِنَّ شِفـائي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةٌ فَهَلْ عندَ رَسْمٍ دَارِسٍ من مُعَوَّلِ كَدأْبِكَ مِنْ أُم الـحُوَيْرِث قَبْلَها وَجارَتِها أُمّ الرَّبـابِ بِـمأْسَلِ

يعنـي بقوله كدأبك: كشأنك وأمرك وفعلك، يقال منه: هذا دأبـي ودأبك أبداً، يعنـي به: فعلـي وفعلك وأمري وأمرك، وشأنـي وشأنك، يقال منه: دأبت دؤوبـاً ودَأْبـاً. وحكي عن العرب سماعاً: دأبت دَأَبـاً مثقلة مـحركة الهمزة، كما قـيـل هذا شعَر وبهَر، فتـحرك ثانـيه لأنه حرف من الـحروف الستة، فألـحق الدأب إذ كان ثانـيه من الـحروف الستة، كما قال الشاعر:

لَهُ نَعْلٌ لاَ يَطَّبِـي الكَلْبَ رِيحُهاوَإِنْ وُضِعَتْ بَـيْنَ الـمَـجالِسِ شُمَّتِ

وأما قوله: {وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ } فإنه يعنـي به: والله شديد عقابه لـمن كفر به وكذّب رسله بعد قـيام الـحجة علـيه.

قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ۝١٢ قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِۦ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَٰرِ ۝١٣

اختلفت القراء في ذلك فقرأه بعضهم: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ } بالتاء على وجه الخطاب للذين كفروا بأنهم سيغلبون. واحتجوا لاختيارهم قراءة ذلك بالتاء بقوله: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ } قالوا: ففي ذلك دليل على أن قوله: {سَتُغْلَبُونَ } كذلك خطاب لهم. وذلك هو قراءة عامة قرّاء الـحجاز والبصرة وبعض الكوفـيـين. وقد يجوز لـمن كانت نـيته فـي هذه الآية أن الـموعودين بأن يغلبوا هم الذين أمر النبـيّ صلى الله عليه وسلم بأن يقول ذلك لهم أن يقرأه بـالـياء والتاء، لأن الـخطاب الوحي حين نزل لغيرهم، فـيكون نظير قول القائل فـي الكلام: قلت للقوم إنكم مغلوبون، وقلت لهم إنهم مغلوبون. وقد ذكر أن فـي قراءة عبد الله: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ تَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَكُمْ} وهي فـي قراءتنا: {إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ }. وقرأت ذلك جماعة من قراء أهل الكوفة: «سيغلبون ويحشرون» علـى معنى: قل للـيهود سيغلب مشركو العرب ويحشرون إلـى جهنـم. ومن قرأ ذلك كذلك علـى هذا التأويـل لـم يجز فـي قراءته غير الـياء.

والذي نـختار من القراءة فـي ذلك قراءة من قرأه بـالتاء، بـمعنى: قل يا مـحمد للذين كفروا من يهود بنـي إسرائيـل الذين يتبعون ما تشابه من آي الكتاب الذي أنزلته إلـيك ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويـله، ستغلبون وتـحشرون إلـى جهنـم وبئس الـمهاد.

وإنـما اخترنا قراءة ذلك كذلك علـى قراءته بـالـياء لدلالة قوله: {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ} علـى أنهم بقوله ستغلبون مخاطبون خطابهم بقوله: قد كان لكم، فكان إلـحاق الـخطاب بـمثله من الـخطاب أولـى من الـخطاب بخلافه من الـخبر عن غائب. وأخرى أن:

أبـا كريب حدثنا، قال: ثنا يونس بن بكير، عن مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد، عن سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: لـما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا يوم بدر فقدم الـمدينة، جمع يهود فـي سوق بنـي قـينقاع فقال:

يا مَعْشَرَ يَهُودَ، أسْلِـمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكُمْ مِثْل ما أصَابَ قُرَيشا، فقالوا: يا مـحمد لا تغرّنك نفسك إنك قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نـحن الناس، وأنك لـم تأت مثلنا! فأنزل الله عزّ وجلّ فـي ذلك من قولهم: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِهَادُ } إلـى قوله: {لأُوْلِى الأبْصَـارِ }.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنا مـحمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: لما أصاب الله قريشاً يوم بدر، جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود في سوق بني قـينقاع حين قدم الـمدينة، ثم ذكر نحو حديث أبي كريب، عن يونس.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: كان من أمر بنـي قـينقاع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم بسوق بنـي قـينقاع، ثم قال:

يا مَعْشَرَ الـيَهُودِ احْذَرُوا مِنَ اللَّهِ مِثْلَ مَا نَزَلَ بِقُرَيْشٍ مِنَ النّقْمَةِ، وَأَسْلِـمُوا فَـإِنّكُمْ قَدْ عَرَفْتُـمْ أنّـي نَبِـيٌّ مُرْسَلٌ تَـجِدُونَ ذلك فـي كِتابِكُمْ، وعَهْدِ الله إِلَـيْكُم! فقالوا: يا مـحمد إنك ترى أنا كقومك، لا يغرنَّك أنك لقـيت قوماً لا علـم لهم بـالـحرب فأصبت فـيهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلـمنّ أنا نـحن الناس!

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى آل زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: ما نزلت هؤلاء الآيات إلا فـيهم: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِهَادُ } إلـى: {لأُوْلِي الأبْصَـارِ }.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة فـي قوله: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِهَادُ } قال فنـحاص الـيهودي فـي يوم بدر: لا يغرنّ مـحمدا أن غلب قريشا وقتلهم، إن قريشا لا تـحسن القتال! فنزلت هذه الآية: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِهَادُ }.

قال أبو جعفر: فكل هذه الأخبـار تنبىء عن أن الـمخاطبـين بقوله: {سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِهَادُ } هم الـيهود الـمقول لهم: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ }... الآية، وتدل علـى أن قراءة ذلك بـالتاء أولـى من قراءته بـالـياء. ومعنى قوله: {وَتُحْشَرُونَ } وتـجمعون فتـجلبون إلـى جهنـم. وأما قوله: {وَبِئْسَ المِهَادُ } وبئس الفراش جهنـم التـي تـحشرون إلـيها. وكان مـجاهد يقول كالذي:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح عن مـجاهد فـي قوله: {وَبِئْسَ المِهَادُ } قال: بئسما مَهَدوا لأنفسهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

القول في تأويل قوله تعالى:

{قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ }

يعني بذلك جل ثناؤه: قل يا محمد للذين كفروا من الـيهود الذين بين ظهراني بلدك: قد كان لكم آية يعنـي علامة ودلالة علـى صدق ما أقول إنكم ستغلبون وعبرة، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ } عبرة وتفكر.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله، إلا أنه قال: ومتفكَّر {فِي فِئَتَيْنِ } يعنـي فـي فرقتـين وحزبـين. والفئة: الـجماعة من الناس التقتا للـحرب، وإحدى الفئتـين رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كان معه مـمن شهد وقعة بدر، والأخرى مشركو قريش، فئة تقاتل فـي سبـيـل الله، جماعة تقاتل فـي طاعة الله وعلـى دينه، وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأخرى كافرة وهم مشركو قريش. كما:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التَقَتَا فِئَةٌ تُقَـاتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ } أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر، {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ } فئة قريش الكفـار.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التَقَتَا فِئَةٌ تُقَـاتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ } مـحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ }: قريش يوم بدر.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ } قال: فـي مـحمد وأصحابه ومشركي قريش يوم بدر.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِا الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَـاتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ } قال ذلك يوم بدر، التقـى الـمسلـمون والكفـار.

ورفعت {فِئَةٌ تُقَـاتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ } وقد قـيـل قبل ذلك فـي فئتـين، بـمعنى: إحداهما تقاتل فـي سبـيـل الله علـى الاب، كما قال الشاعر:

فكنتُ كَذِي رِجْلَـيْنِ رِجْلٌ صحيحةٌ وَرِجْلٌ رَمَى فِـيها الزَّمانُ فَشَلَّتِ

وكما قال ابن مفرغ:

فكنتُ كذِي رِجْلَـيْنِ رِجْلٌ صحيحةٌ ورِجْلٌ بِها رَيْبٌ من الـحَدَثَانِ فَأمَّا التـي صَحَّتْ فأزْدُشَنُوءةٍ وَأمَّا التـي شَلَّتْ فأزد عُمَانِ

وكذلك تفعل العرب فـي كل مكرر علـى نظير له قد تقدمه إذا كان مع الـمكرر خبر ترده علـى إعراب الأول مرة وتستأنفه ثانـية بـالرفع، وتنصبه فـي التام من الفعل والناقص، وقد جُرَّ ذلك كلُّه، فخفض علـى الرد علـى أول الكلام، كأنه يعنـي إذا خفض ذلك فكنت كذي رِجْلـين كذي رِجْل صحيحة ورجل سقـيـمة. وكذلك الـخفض فـي قوله: «فئة»، جائز علـى الرد علـى قوله: «فـي فئتـين التقتا»، فـي فئة تقاتل فـي سبـيـل الله. وهذا وإن كان جائزاً فـي العربـية، فلا أستـجيز القراءة به لإجماع الـحجة من القراء علـى خلافه، ولو كان قوله: «فئة» جاء نصبـاً كان جائزاً أيضاً علـى قوله: قد كان لكم آية فـي فئتـين التقتا مختلفتـين.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ العَيْنِ }.

اختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأته قراء أهل الـمدينة: «ترونهم» بـالتاء، بـمعنى: قد كان لكم أيها الـيهود آية فـي فئتـين التقتا، فئة تقاتل فـي سبـيـل الله، والأخرى كافرة، ترون الـمشركين مثلـي الـمسلـمين رأي العين. يريد بذلك عظتهم. يقول: إن لكم عبرة أيها الـيهود فـيـما رأيتـم من قلة عدد الـمسلـمين، وكثرة عدد الـمشركين، وظفر هؤلاء مع قلة عددهم بهؤلاء مع كثرة عددهم. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة والبصرة وبعض الـمكيـين: {يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ } بـالـياء، بـمعنى: يرى الـمسلـمون الذين يقاتلون فـي سبـيـل الله الـجماعة الكافرة مثلـي الـمسلـمين فـي القدر. فتأويـل الآية علـى قراءتهم: قد كان لكم يا معشر الـيهود عبرة ومتفكَّر فـي فئتـين التقتا، فئة تقاتل فـي سبـيـل الله، وأخرى كافرة، يرى هؤلاء الـمسلـمون مع قلة عددهم هؤلاء الـمشركين فـي كثرة عددهم.

فإن قال قائل: وما وجه تأويـل قراءة من قرأ ذلك بـالـياء، وأي الفئتـين رأت صاحبتها مثلـيها؟ الفئة الـمسلـمة هي التـي رأت الـمشركة مثلـيها، أم الـمشركة هي التـي رأت الـمسلـمة كذلك، أم غيرهما رأت إحداهما كذلك؟ قـيـل: اختلف أهل التأويـل فـي ذلك، فقال بعضهم: الفئة التـي رأت الأخرى مثلـي أنفسها الفئة الـمسلـمة، رأت عدد الفئة الـمشركة مثلـي عدد الفئة الـمسلـمة، قلّلها الله عز وجل فـي أعينها حتـى رأتها مثلـي عدد أنفسها، ثم قللها فـي حال أخرى، فرأتها مثل عدد أنفسها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي فـي خبر ذكره عن مرة الهمدانـي، عن ابن مسعود: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التَقَتَا فِئَةٌ تُقَـاتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ العَيْنِ } قال: هذا يوم بدر، قال عبد الله بن مسعود: قد نظرنا إلـى الـمشركين، فرأيناهم يضعفون علـينا، ثم نظرنا إلـيهم فما رأيناهم يزيدون علـينا رجلاً واحداً، وذلك قول الله عز وجل:

{ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ } [الأنفال: 44].

فمعنى الآية علـى هذا التأويـل: قد كان لكم يا معشر الـيهود آية فـي فئتـين التقتا: إحداهما مسلـمة، والأخرى كافرة، كثـير عدد الكافرة، قلـيـل عدد الـمسلـمة، ترى الفئة القلـيـل عددها، الكثـير عددها أمثالاً لها أنها تكثرها من العدد بـمثل واحد، فهم يرونهم مثلـيهم، فـيكون أحد الـمثلـين عند ذلك، العدد الذي هو مثل عدد الفئة التـي رأتهم، والـمثل الآخر: الضعف الزائد علـى عددهم، فهذا أحد معنـيـي التقلـيـل الذي أخبر الله عز وجل الـمؤمنـين أنه قللهم فـي أعينهم؛ والـمعنى الآخر منه: التقلـيـل الثانـي علـى ما قاله ابن مسعود، وهو أن أراهم عدد الـمشركين مثل عددهم لا يزيدون علـيهم، فذلك التقلـيـل الثانـي الذي قال الله جل ثناؤه:

{ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً } [الأنفال: 44].

وقال آخرون من أهل هذه الـمقالة: إن الذين رأوا الـمشركين مثلـي أنفسهم هم الـمسلـمون، غير أن الـمسلـمين رأوهم علـى ما كانوا به من عددهم، لـم يقللوا فـي أعينهم، ولكن الله أيدهم بنصره. قالوا: ولذلك قال الله عز وجل للـيهود: قد كان لكم فـيهم عبرة؛ يخوفهم بذلك أن يحل بهم منهم، مثل الذي حل بأهل بدر علـى أيديهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَـاتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ }. أنزلت فـي التـخفـيف يوم بدر، فإنّ الـمؤمنـين كانوا يومئذٍ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وكان الـمشركون مثلـيهم، فأنزل الله عز وجل: {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَـاتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ العَيْنِ } وكان الـمشركون ستة وعشرين وستـمائة، فأيد الله الـمؤمنـين، فكان هذا الذي فـي التـخفـيف علـى الـمؤمنـين.

وهذه الرواية خلاف ما تظاهرت به الأخبـار عن عدة الـمشركين يوم بدر، وذلك أن الناس إنـما اختلفوا فـي عددهم علـى وجهين، فقال بعضهم: كان عددهم ألفـاً، وقال بعضهم: ما بـين التسعمائة إلـى الألف. ذكر من قال كان عددهم ألفـاً:

حدثنـي هارون بن إسحاق الهمدانـي، قال: ثنا مصعب بن الـمقدام، قال: ثنا إسرائيـل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن حارثة، عن علـي، قال: سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـى بدر، فسبقنا الـمشركين إلـيها، فوجدنا فـيها رجلـين، منهم رجل من قريش، ومولـى لعقبة بن أبـي معيط؛ فأما القرشي فـانفلت، وأما مولـى عقبة، فأخذناه، فجعلنا نقول: كم القوم؟ فـيقول: هم والله كثـير شديد بأسهم. فجعل الـمسلـمون إذا قال ذلك صدّقوه، حتـى انتهوا به إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له:

«كَمِ القَوْمُ؟» فقال: هم والله كثـير شديد بأسهم. فجهد النبـي صلى الله عليه وسلم علـى أن يخبرهم كم هم، فأبى. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله: «كَمْ تَنْـحَرُون مِنَ الـجُزُرِ؟» قال: عشرة كل يوم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القَوْمُ ألْفٌ»

حدثنـي أبو سعيد بن يوشع البغدادي، قال: ثنا إسحاق بن منصور، عن إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن أبـي عبـيدة عن عبد الله، قال: أسرنا رجلاً منهم ـ يعنـي من الـمشركين يوم بدر ـ فقلنا: كم كنتـم؟ قال: ألفـاً.

ذكر من قال: كان عددهم ما بـين التسعمائة إلـى الألف:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: قال ابن إسحاق: ثنـي يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبـير قال: بعث النبـي صلى الله عليه وسلم نفراً من أصحابه إلـى ماء بدر يـلتـمسون الـخبر له علـيه، فأصابوا راوية من قريش فـيها أسلـم غلام بنـي الـحجاج، وعريض أبو يسار غلام بنـي العاص، فأتوا بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما:

«كَمِ القَوْم؟» قالا: كثـير. قال: «ما عِدّتُهُمْ؟» قالا: لا ندري. قال: «كَمْ تَنْـحَرُونَ كُلَّ يَوْمٍ؟» قالا: يوماً تسعاً ويوماً عشراً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القَوْمُ مَا بَـيْنَ التِّسْعِمَائَةِ إلـى الألْفِ»

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَـاتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْىَالعَيْنِ } ذلكم يوم بدر ألف الـمشركون، أو قاربوا، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ } إلـى قوله: {رَأْىَ العَيْنِ } قال: يضعفون علـيهم فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين يوم بدر.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله: {قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَـاتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ العَيْنِ } قال: كان ذلك يوم بدر، وكان الـمشركون تسعمائة وخمسين، وكان أصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وثلاثة عشر.

حدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وبضعة عشر، والـمشركون ما بـين التسعمائة إلـى الألف.

فكل هؤلاء الذين ذكرنا مخالفون القول الذي رويناه عن ابن عبـاس فـي عدد الـمشركين يوم بدر. فإذا كان ما قاله من حكيناه مـمن ذكر أن عددهم كان زائدا علـى التسعمائة، فـالتأويـل الأول الذي قلناه علـى الرواية التـي روينا عن ابن مسعود أولـى بتأويـل الآية.

وقال آخرون: كان عدد الـمشركين زائدا علـى التسعمائة، فرأى الـمسلـمون عددهم علـى غير ما كانوا به من العدد، وقالوا: أرى الله الـمسلـمين عدد الـمشركين قلـيلاً آية للـمسلـمين. قالوا: وإنـما عنى الله عز وجل بقوله: {يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ } الـمخاطبـين بقوله: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ } قالوا: وهم الـيهود غير أنه رجع من الـمخاطبة إلـى الـخبر عن الغائب، لأنه أمر من الله جل ثناؤه لنبـيه صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك لهم، فحسن أن يخاطب مرة، ويخبر عنهم علـى وجه الـخبر مرة أخرى، كما قال:

{ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ }[يونس: 22].

وقالوا: فإن قال لنا قائل: فكيف قـيـل: {يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ العَيْنِ } وقد علـمتـم أن الـمشركين كانوا يومئذٍ ثلاثة أمثال الـمسلـمين؟ قلنا لهم: كما يقول القائل وعنده عبد: أحتاج إلـى مثله، أنا مـحتاج إلـيه وإلـى مثله، ثم يقول: أحتاج إلـى مثلـيه، فـيكون ذلك خبراً عن حاجته إلـى مثله وإلـى مثلـي ذلك الـمثل، وكما يقول الرجل: معي ألف وأحتاج إلـى مثلـيه، فهو مـحتاج إلـى ثلاثة؛ فلـما نوى أن يكون الألف داخلاً فـي معنى الـمثل، صار الـمثل أشرف والاثنان ثلاثة، قال: ومثله فـي الكلام: أراكم مثلكم، كما يقال: إن لكم ضعفكم، وأراكم مثلـيكم، يعنـي أراكم ضعفـيكم، قالوا: فهذا علـى معنى ثلاثة أمثالهم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن الله أرى الفئة الكافرة عدد الفئة الـمسلـمة مثلـي عددهم. وهذا أيضاً خلاف ما دل علـيه ظاهر التنزيـل، لأن الله جل ثناؤه قال فـي كتابه:

{ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ }[الأنفال: 44] فأخبر أن كلاً من الطائفتـين قُلل عددهم فـي مرأى الأخرى.

وقرأ آخرون ذلك: «تُرَوْنَهم» بضم التاء، بـمعنى: يريكموهم الله مثلـيهم.

وأولـى هذه القراءات بـالصواب قراءة من قرأ: {يَرَوْنَهُمْ } بـالـياء، بـمعنى: وأخرى كافرة، يراهم الـمسلـمون مثلـيهم، يعنـي: مثلـي عدد الـمسلـمين، لتقلـيـل الله إياهم فـي أعينهم فـي حال، فكان حزرهم إياهم كذلك، ثم قللهم فـي أعينهم عن التقلـيـل الأول، فحزروهم مثل عدد الـمسلـمين، ثم تقلـيلاً ثالثاً، فحزروهم أقل من عدد الـمسلـمين. كما:

حدثنـي أبو سعيد البغدادي، قال: ثنا إسحاق بن منصور، عن إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن أبـي عبـيدة، عن عبد الله، قال: لقد قللوا فـي أعيننا يوم بدر حتـى قلت لرجل إلـى جنبـي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة. قال: فأسرنا رجلاً منهم، فقلنا كم كنتـم؟ قال: ألفـاً.

وقد رُوي عن قتادة أنه كان يقول: لو كانت «تُرونهم»، لكانت «مثلـيكم».

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنـي عبد الرحمن بن أبـي حماد، عن ابن الـمعرك، عن معمر، عن قتادة بذلك.

ففـي الـخبرين اللذين روينا عن عبد الله بن مسعود ما أبـان عن اختلاف حزر الـمسلـمين يومئذٍ عدد الـمشركين فـي الأوقات الـمختلفة، فأخبر الله عز وجل ـ عما كان من اختلاف أحوال عددهم عند الـمسلـمين ـ الـيهود علـى ما كان به عندهم، مع علـم الـيهود بـمبلغ عدد الفئتـين، إعلاماً منه لهم أنه مؤيد الـمؤمنـين بنصره، لئلا يغتروا بعددهم وبأسهم، ولـيحذروا منه أن يحل بهم من العقوبة علـى أيدي الـمؤمنـين، مثل الذي أحل بأهل الشرك به من قريش علـى أيديهم ببدرهم.

وأما قوله: {رَأْىَ العَيْنِ } فإنه مصدر رأيته، يقال: رأيته رَأْياً ورؤية، ورأيت فـي الـمنام رؤيَا حسنة غير مُـجْراة، يقال: هو منـي رأي العين ورأي العين بـالنصب والرفع، يراد حيث يقع علـيه بصري، وهو من الرائي مثله، والقوم رأوا إذا جلسوا حيث يرى بعضهم بعضاً. فمعنى ذلك: يرونهم حيث تلـحقهم أبصارهم، وتراهم عيونهم مثلـيهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَاللَّهُ يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِى ذلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِى الأبْصَـارِ }.

يعنـي بقوله جل ثناؤه: {وَاللَّهُ يُوءَيِّد}: يقوِّي بنصره من يشاء، من قول القائل: قد أيدت فلاناً بكذا: إذا قويته وأعنته، فأنا أؤيده تأيـيداً، و«فعلت» منه: إدْتُه فأنا أئيده أيداً؛ ومنه قول الله عز وجل: {وَاذْكُرْ عَبْدَنا دَاوُدَ ذَا الأيْدِ } يعنـي ذا القوة.

وتأويـل الكلام: قد كان لكم آية يا معشر الـيهود فـي فئتـين التقتا: إحداهما تقاتل فـي سبـيـل الله، وأخرى كافرة، يراهم الـمسلـمون مثلـيهم رأي أعينهم، فأيدنا الـمسلـمة وهم قلـيـل عددهم، علـى الكافرة وهم كثـير عددهم حتـى ظفروا بهم معتبر ومتفكر، والله يقوي بنصره من يشاء. وقال جل ثناؤه: إن فـي ذلك: يعنـي إن فـيـما فعلنا بهؤلاء الذين وصفنا أمرهم من تأيـيدنا الفئة الـمسلـمة مع قلة عددهم، علـى الفئة الكافرة مع كثرة عددها {لَعِبْرَةً } يعنـي لـمتفكراً ومتعظاً لـمن عقل وادّكر فأبصر الـحق. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {إِنَّ فِى ذلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِى الأبْصَـارِ } يقول: لقد كان لهم فـي هؤلاء عبرة وتفكر، أيدهم الله ونصرهم علـى عدوهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع مثله.

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَٰمِ وَٱلْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلْمَـَٔابِ ۝١٤

يعنـي تعالـى ذكره: (زين للناس مـحبة ما يشتهون من النساء والبنـين وسائر ما عدّ. وإنـما أراد بذلك توبـيخ الـيهود الذين آثروا الدنـيا وحبّ الرياسة فـيها علـى اتبـاع مـحمد صلى الله عليه وسلم بعد علـمهم بصدقه. وكان الـحسن يقول: من زَيْنها ما أحدٌ أشدّ لها ذما من خالقها.)

حدثنـي بذلك أحمد بن حازم: قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا أبو الأشعث، عنه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن أبـي بكر بن حفص بن عمر بن سعد، قال: قال عمر: لـما نزل: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ } قلت: الآن يا ربّ حين زينتها لنا‍! فنزلت:

{ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ }[آل عمران: 15] ... الآية.

وأما القناطير: فإنها جمع القنطار.

واختلف أهل التأويـل فـي مبلغ القنطار، فقال بعضهم: هو ألف ومائتا أوقـية. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي حصين، عن سالـم بن أبـي الـجعد، عن معاذ بن جبل، قال: القنطار: ألف ومائتا أوقـية.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: ثنا أبو حصين، عن سالـم بن أبـي الـجعد، عن معاذ، مثله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا، يعنـي حفص بن ميسرة، عن أبـي مروان، عن أبـي طيبة، عن ابن عمر، قال: القنطار: ألف ومائتا أوقـية.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا قاسم بن مالك الـمزنـي، قال: أخبرنـي العلاء بن الـمسيب، عن عاصم بن أبـي النَّـجود، قال: القنطار: ألف ومائتا أوقـية.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: ثنا حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبـي صالـح، عن أبـي هريرة، مثله.

حدثنـي زكريا بن يحيـى الصديق، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا مخـلد بن عبد الواحد، عن علـيّ بن زيد عن عطاء بن أبـي ميـمونة، عن زرّ بن حبـيش، عن أبـيّ بن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

القِنْطَارُ ألْفُ أُوقِـيَّةٍ وَمِائَتا أُوقِـيَّة

وقال آخرون: القنطار: ألف دينار ومائتا دينار. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: ثنا يونس عن الـحسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

القِنْطَارُ ألْفٌ وَمِائَتا دِينارٍ

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا يونس، عن الـحسن، قال: القنطار: ألف ومائتا دينار.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنا أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قال: القنطار ألف ومائتا دينار، ومن الفضة ألف ومائتا مثقال.

حدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: أخبرنا عبـيد بن سلـمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: القناطير الـمقنطرة، يعنـي: الـمال الكثـير من الذهب والفضة، والقنطار: ألف ومائتا دينار، ومن الفضة: ألف ومائتا مثقال.

وقال آخرون: القنطار: اثنا عشر ألف درهم، أو ألف دينار. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قال: القنطار: اثنـي عشر ألف درهم، أو ألف دينار.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن جويبر، عن الضحاك، قال: القنطار: ألف دينار، ومن الورِق: اثنا عشر ألف درهم.

حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الـحسن: أن القنطار اثنا عشر ألفـاً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا عوف، عن الـحسن: القنطار: اثنا عشر ألفـاً.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عوف، عن الـحسن: اثنا عشر ألفـاً.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الـحسن بـمثل.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن عوف، عن الـحسن، قال: القنطار: ألف دينار، دية أحدكم.

وقال آخرون: هو ثمانون ألفـاً من الدراهم، أو مائة رطل من الذهب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار ومـحمد بن الـمثنى، قالا: ثنا يحيـى بن سعيد، عن سلـيـمان التـيـمي، عن قتادة، عن سعيد بن الـمسيب، قال: القنطار، ثمانون ألفـا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن علـي بن زيد، عن سعيد بن الـمسيب، قال: القنطار: ثمانون ألفـاً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كنا نـحدث أن القنطار مائة رطل من ذهب، أو ثمانون ألفـاً من الورِق.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: القنطار: مائة رطل من ذهب، أو ثمانون ألف درهم من وَرِق.

حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا سفـيان، عن إسماعيـل، عن أبـي صالـح، قال: القنطار: مائة رطل.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: القنطار يكون مائة رطل، وهو ثمانـية آلاف مثقال.

وقال آخرون: القنطار سبعون ألفـا. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {وَالقَنَـاطِيرِ المُقَنطَرَةِ } قال: القنطار: سبعون ألف دينار.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عمر بن حوشب، قال: سمعت عطاء الـخراسانـي، قال: سئل ابن عمر عن القنطار، فقال: سبعون ألفـاً.

وقال آخرون: هي ملء مَسْك ثور ذهبـاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سالـم بن نوح، قال: ثنا سعيد الـجريري، عن أبـي نضرة، قال: ملء مسك ثور ذهبـاً.

حدثنـي أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا أبو الأشعث، عن أبـي نضرة: ملء مسك ثور ذهبـاً.

وقال آخرون: هو الـمال الكثـير. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس، قال: {القَنَـاطِيرِ المُقَنطَرَةِ }: الـمال الكثـير بعضه علـى بعض.

وقد ذكر بعض أهل العلـم بكلام العرب أن العرب لا تـحدّ القنطار بـمقدار معلوم من الوزن، ولكنها تقول: هو قدر ووزن. وقد ينبغي أن يكون ذلك كذلك، لأن ذلك لو كان مـحدودا قدره عندها لـم يكن بـين متقدمي أهل التأويـل فـيه كل هذا الاختلاف.

فـالصواب فـي ذلك أن يقال: هو الـمال الكثـير، كما قال الربـيع بن أنس، ولا يحدّ قدر وزنه بحدّ علـى تعنف، وقد قـيـل ما قـيـل مـما روينا. وأما الـمقنطرة: فهي الـمضعفة، وكأن القناطير ثلاثة والـمقنطرة تسعة، وهو كما قال الربـيع بن أنس: الـمال الكثـير بعضه علـى بعض. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: القناطير الـمقنطرة من الذهب والفضة: والـمقنطرة الـمال الكثـير بعضه علـى بعض.

حدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: أخبرنا عبـيد بن سلـمان، قال: سمعت الضحاك فـي قوله: {القَنَـاطِيرِ المُقَنطَرَةِ }: يعنـي الـمال الكثـير من الذهب والفضة.

وقال آخرون: معنى الـمقنطرة: الـمضروبة دراهم أو دنانـير. ذكر من قال ذلك:

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: أما قوله: {المُقَنطَرَةِ } فـيقول: الـمضروبة حتـى صارت دنانـير أو دراهم.

وقد رُوي عن النبـي صلى الله عليه وسلم فـي قوله:

{ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً }[النساء: 20] خبر لو صح سنده لـم نعده إلـى غيره، وذلك ما:

حدثنا به ابن عبد الرحمن البرقـي، قال: ثنـي عمرو بن أبـي سلـمة، قال: ثنا زهير بن مـحمد، قال: ثنـي أبـان بن أبـي عياش وحميد الطويـل، عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

{ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً }[النساء: 20] قال: ألْفَـا مِئِين. يعنـي ألفـين.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {والخَيْلُ المُسَوَّمَةِ }.

اختلف أهل التأويـل فـي معنى الـمسوّمة، فقال بعضهم: هي الراعية. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن حبـيب بن أبـي ثابت، عن سعيد بن جبـير: الـخيـل الـمسوّمة، قال: الراعية التـي ترعى.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن حبـيب، عن سعيد بن جبـير، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا سفـيان، عن حبـيب، عن سعيد بن جبـير، مثله.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا سفـيان، عن حبـيب بن أبـي ثابت، عن سعيد بن جبـير: هي الراعية، يعنـي السائمة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن طلـحة القناد، قال: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى يقول: الراعية.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {وَالخَيْلِ المُسَوَّمَةِ } قال: الراعية.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الـحسن: {والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ } الـمسرّحة فـي الرعي.

حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع قوله: {وَالخَيْلِ المُسَوَّمَةِ } قال: الـخيـل الراعية.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن لـيث، عن مـجاهد أنه كان يقول: الـخيـل الراعية.

وقال آخرون: الـمسوّمة: الـحسان. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن حبـيب، قال: قال مـجاهد: الـمسوّمة: الـمطهمة.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن حبـيب بن أبـي ثابت، عن مـجاهد فـي قوله: {وَالخَيْلِ المُسَوَّمَةِ } قال: الـمطهمة الـحسان.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {وَالخَيْلِ المُسَوَّمَةِ } قال: الـمطهمة حسناً.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا سفـيان، عن حبـيب، عن مـجاهد: الـمطهمة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو عبد الرحمن الـمقري، قال: ثنا سعيد بن أبـي أيوب، عن بشير بن أبـي عمرو الـخولانـي، قال: سألت عكرمة عن الـخيـل الـمسوّمة، قال: تسويـمها: حسنها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي سعيد بن أبـي أيوب، عن بشر بن أبـي عمرو الـخولانـي، قال: سمعت عكرمة يقول: {الخَيْلِ المُسَوَّمَةِ } قال: تسويـمها: الـحسن.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {والخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأنْعَـامِ } الرائعة.

وقد حدثنـي بهذا الـحديث عن عمرو بن حماد غير موسى، قال: الراعية.

وقال آخرون: {الخَيْلِ المُسَوَّمَةِ } الـمعلـمة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {وَالخَيْلِ المُسَوَّمَةِ } يعنـي: الـمعلـمة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَالخَيْلِ المُسَوَّمَةِ } وسيـماها شِيَتها.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {وَالخَيْلِ المُسَوَّمَةِ } قال: شية الـخيـل فـي وجوهها.

وقال غيرهم: الـمسوّمة: الـمعدّة للـجهاد. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد {وَالخَيْلِ المُسَوَّمَةِ } قال: الـمعدة للـجهاد.

قال أبو جعفر: أولـى هذه الأقوال بـالصواب فـي تأويـل قوله: {وَالخَيْلِ المُسَوَّمَةِ } الـمعلـمة بـالشيات الـحسان الرائعة حسناً من رآها، لأن التسويـم فـي كلام العرب: هو الإعلام، فـالـخيـل الـحسان معلـمة بإعلام الله إياها بـالـحسن من ألوانها وشياتها وهيئاتها، وهي الـمطهمة أيضاً، ومن ذلك قول نابغة بنـي ذبـيان فـي صفة الـخيـل:

بِسُمْرٍ كالْقِدَاحٍ مُسَوَّماتٍ علـيها مَعْشَرٌ أشبـاهُ جِنِّ

يعنـي بـالـمسوّمات: الـمعلـمات؛ وقول لبـيد:

وَغَدَاةَ قَاعِ القُرْنَتَـيْنِ أتَـيْنَهُمْ زُجَلاً يَلُوحُ خِلالَها التَّسْويـمُ

فمعنى تأويـل من تأول ذلك: الـمطهمة، والـمعلـمة، والرائعة واحد. وأما قول من تأوّله بـمعنى الراعية فإنه ذهب إلـى قول القائل: أسَمْتُ الـماشية فأنا أُسيـمها إسامة: إذا رعيتها الكلأ والعشب، كما قال الله عزّ وجلّ: { وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ }[النحل: 10] بـمعنى ترعون، ومنه قول الأخطل:

مثلِ ابن بَزْعَةَ أو كآخَرَ مِثْلِهِ أوْلى لكَ ابنَ مُسِيمَةِ الأجْمالِ

يعني بذلك راعية الأجمال، فإذا أريد أن الماشية هي التي رعت، قيل: سامت الماشية تسوم سوماً، ولذلك قيل: إبل سائمة، بـمعنى راعية، غير أنه مستفيض فـي كلامهم سوّمت الـماشية، بـمعنى أرعيتها، وإنـما يقال إذا أريد ذلك: أسمتها. فإذا كان ذلك كذلك، فتوجيه تأويـل الـمسوّمة إلـى أنها الـمعلـمة بـما وصفنا من الـمعانـي التـي تقدم ذكرها أصحّ. وأما الذي قاله ابن زيد من أنها الـمعدّة فـي سبـيـل الله، فتأويـل من معنى الـمسوّمة بـمعزل.

القول فـي تأويـل قوله تعالى: {وَالأنْعَـامِ والْحَرْثِ }.

فالأنعام جمع نعم: وهي الأزواج الثمانـية التـي ذكرها فـي كتابه من الضأن والـمعز والبقر والإبل. وأما الـحرث: فهو الزرع. وتأويـل الكلام: زين للناس حبّ الشهوات من النساء ومن البنـين، ومن كذا ومن كذا، ومن الأنعام والـحرث.)

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ذلِكَ مَتَـاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المآبِ }.

يعنـي بقوله جل ثناؤه: ذلك جميع ما ذكر فـي هذه الآية من النساء والبنـين، والقناطير الـمقنطرة من الذهب والفضة، والـخيـل الـمسوّمة، والأنعام والـحرث، فكنى بقوله «ذلك» عن جميعهن، وهذا يدلّ علـى أن «ذلك» يشتـمل علـى الأشياء الكثـيرة الـمختلفة الـمعانـي، ويكنى به عن جميع ذلك. وأما قوله: {مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } فإنه خبر من الله عن أن ذلك كله مـما يستـمتع به فـي الدنـيا أهلها أحياء، فـيتبلغون به فـيها، ويجعلونه وصلة فـي معايشهم، وسببـاً لقضاء شهواتهم، التـي زين لهم حبها، فـي عاجل دنـياهم، دون أن يكون عدّة لـمعادهم، وقربة لهم إلـى ربهم، إلا ما أسلك فـي سبـيـله، وأنفق منه فـيـما أمر به.

وأما قوله: {وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ المآبِ } فإنه يعنـي بذلك جل ثناؤه: وعند الله حسن الـمآب، يعنـي حسن الـمرجع. كما:

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ المآبِ } يقول: حسن الـمنقلب، وهي الـجنة.

وهو مصدر علـى مثال مفْعَل، من قول القائل: آب الرجل إلـينا: إذا رجع، فهو يؤوب إيابـاً وأوبة وأيبة ومآبـاً، غير أن موضع الفـاء منها مهموز، والعين مبدلة من الواو إلـى الألف بحركتها إلـى الفتـح، فلـما كان حظها الـحركة إلـى الفتـح، وكانت حركتها منقولة إلـى الـحرف الذي قبلها وهو فـاء الفعل انقلبت فصارت ألفـاً، كما قـيـل: قال: فصارت عين الفعل ألفـاً، لأن حظها الفتـح والـمآب، مثل الـمقال والـمعاد والـمـحال، كل ذلك مَفْعَلْ، منقولة حركة عينه إلـى فـائه، فتصير واوه أو ياؤه ألفـاً لفتـحة ما قبلها.

فإن قال قائل: وكيف قـيـل: {وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ } وقد علـمت ما عنده يومئذٍ من ألـيـم العذاب وشديد العقاب؟ قـيـل: إن ذلك معنـيّ به خاصّ من الناس، ومعنى ذلك: والله عنده حسن الـمآب للذين اتقوا ربهم، وقد أنبأنا عن ذلك فـي هذه الآية التـي تلـيها. فإن قال: وما حسن الـمآب؟ قـيـل: هو ما وصفه به جلّ ثناؤه، وهو الـمرجع إلـى جنات تـجري من تـحتها الأنهار مخـلداً فـيها، وإلـى أزواج مطهرة ورضوان من الله.

الخميس، 22 أكتوبر 2026 11 جمادى الأولى 1448 هـ