انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير الطبريالآيات 26–35

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة آل عمران

الخلاصة من تفسير الطبري · 11 مقطعًا · 3:01:26

  1. 1 الآيات 15–32في هذه الصفحة 17:24
  2. 2 الآيات 33–51في هذه الصفحة 16:36

التفسير الصوتي لسورة آل عمران كاملًا (11 مقطعًا)

قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٢٦

أما تأويـل قوله {قُلِ اللَّهُمَّ } فإنه قل يا مـحمد: يا الله.

واختلف أهل العربـية فـي نصب ميـم {اللَّهُمَّ } وهو منادى، وحكم الـمنادى الـمفرد غير الـمضاف الرفع، وفـي دخول الـميـم فـيه، وهو فـي الأصل «الله» بغير ميـم. فقال بعضهم: إنـما زيدت فـيه الـميـمان لأنه لا ينادى بـ«يا» كما ينادى الأسماء التـي لا ألف فـيها، وذلك أن الأسماء التـي لا ألف ولا لام فـيها تنادى بـ«يا»، كقول القائل: يا زيد ويا عمرو، قال: فجعلت الـميـم فـيه خـلفـا من «يا»، كما قالوا: فم ودم وهم وزُرْقُم وسُتْهُم، وما أشبه ذلك من الأسماء والنعوت التـي يحذف منها الـحرف، ثم يبدل مكانه ميـم، قال: فكذلك حذفت من اللهم «يا» التـي ينادى بها الأسماء التـي علـى ما وصفنا، وجعلت الـميـم خـلفـاً منها فـي آخر الاسم. وأنكر ذلك من قولهم آخرون، وقالوا: قد سمعنا العرب تنادي: اللهمّ بـ«يا»، كما تناديه، ولا ميـم فـيه. قالوا: فلو كان الذي قال هذا القول مصيبـاً فـي دعواه لـم تدخـل العرب «يا»، وقد جاءوا بـالـخـلف منها. وأنشدوا فـي ذلك سماعا من العرب:

وَما عَلَـيْكِ أنْ تَقُولـي كُلَّـما صَلَّـيْتِ أوْ كَبَّرْتِ يا اللَّهُمَّ ارْدُدْ إلـينا شَيْخَنَا مُسَلَّـما

ويروى: «سبحت أو كبرت». قالوا: ولـم نر العرب زادت مثل هذه الـميـم إلا مخففة فـي نواقص الأسماء مثل فم ودم وهم قالوا: ونـحن نرى أنها كلـمة ضمّ إلـيها «أمَّ» بـمعنى «يا الله أمّنا بخير»، فكثرت فـي الكلام فـاختلطت به. قالوا: فـالضمة التـي فـي الهاء من همزة «أم» لـما تركت انتقلت إلـى ما قبلها. قالوا: ونرى أن قول العرب هلـمّ إلـينا مثلها، إنـما كان هلـمّ «هل» ضمّ إلـيها «أمّ» فتركت علـى نصبها. قالوا: ومن العرب من يقول إذا طرح الـميـم: يا ألله اغفر لـي»، و«يا الله اغفر لـي»، بهمز الألف من الله مرّة، ووصلها أخرى، فمن حذفها أجراها علـى أصلها لأنها ألف ولام، مثل الألف واللام اللتـين يدخلان فـي الأسماء الـمعارف زائدتـين. ومن همزها توهم أنها من الـحرف، إذ كانت لا تسقط منه. وأنشدوا فـي همز الألف منها:

مُبـارَكٌ هُوَ وَمَنْ سَمَّاهُ علـى اسمكَ اللَّهُمَّ يا أللَّهُ

قالوا: وقد كثرت اللهمّ فـي الكلام حتـى خففت ميـمها فـي بعض اللغات، وأنشدوا:

كحَلْفَةٍ مِنْ أبـي رِباحٍ يَسْمَعُها اللَّهُمُ الكُبـارُ

والرواة تنشد ذلك: «يَسْمَعُـها لاهُهُ الكُبـارُ».

وقد أنشده بعضهم: «يَسْمَعُهـا اللَّهُ والكُبـارُ».

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {مَـالِكَ المُلْكِ تُؤْتِى المُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ }. يعنـي بذلك: يا مالك الـملك، يا من له ملك الدنـيا والآخرة خالصا دون غيره. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير قوله: {قُلِ اللَّهُمَّ مَـالِكَ المُلْكِ } أي ربّ العبـاد الـملك لا يقضي فـيهم غيرك.

وأما قوله: {تُؤْتِى الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ } فإنه يعنـي: تعطي الـملك من تشاء فتـملِّكه وتسلطه علـى من تشاء. وقوله: {وَتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ } أن تنزعه منه، فترك ذكر «أن تنزعه منه» اكتفـاء بدلالة قوله: {وَتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ } علـيه، كما يقال: خذ ما شئت، وكن فـيـما شئت، يراد: خذ ما شئت أن تأخذه، وكن فـيـما شئت أن تكون فـيه، وكما قال جل ثناؤه: {فِي أيّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ } يعنـي: فـي أيّ صورة شاء أن يركبك فـيها ركبك. وقـيـل: إن هذه الآية نزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم جوابـا لـمسألته ربه أن يجعل ملك فـارس والروم لأمته. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة؛ وذكر لنا أن نبـيّ صلى الله عليه وسلم سأل ربه جلّ ثناؤه أن يجعل له ملك فـارس والروم فـي أمته، فأنزل الله عزّ وجلّ: {قُلِ اللَّهُمَّ مَـالِكَ المُلْكِ تُؤْتِى المُلْكَ مَن تَشَاء }... إلـى: {إِنَّكَ عَلَى كُلّ شَىْء قَدِيرٌ }.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن قتادة، قال: ذكر لنا ولله أعلـم أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه عزّ وجلّ أن يجعل ملك فـارس والروم فـي أمته، ثم ذكر مثله.

وروي عن مـجاهد أنه كان يقول: معنى الـملك فـي هذا الـموضع النبوّة. ذكر الرواية عنه بذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنزِعُ المُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ } قال: النبوّة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ }. يعنـي جلّ ثناؤه: وتعزّ من تشاء بإعطائه الـملك والسلطان وبسط القدرة له، وتذلّ من تشاء بسلبك ملكه وتسلـيط عدوّ علـيه. {بِيَدِكَ الخَيْرُ } أي كلّ ذلك بـيدك وإلـيك، لا يقدر علـى ذلك أحد؛ لأنك علـى كل شيء قدير، دون سائر خـلقك، ودون من اتـخذه الـمشركون من أهل الكتاب والأميـين من العرب إلهاً وربـاً يعبدونه من دونك، كالـمسيح والأنداد التـي اتـخذها الأميون ربًّـا. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير قوله: {تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ }... الآية، أي إن ذلك بيدك لا إلى غيرك، {إِنَّكَ عَلَى كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } أي لا يقدر على هذا غيرك بسلطانك وقدرتك.

تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ۝٢٧

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {تُولِجُ } تدخـل، يقال منه: قد ولـج فلان منزله: إذا دخـله، فهو يَـلِـجُهُ وَلْـجا وَوُلُوجا ولِـجَةً، وأولـجته أنا: إذا أدخـلته. ويعنـي بقوله: {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ } تدخـل ما نقصت من ساعات اللـيـل فـي ساعات النهار، فتزيد من نقصان هذا فـي زيادة هذا. {وَتُولِجُ النَّهَارَ في اللَّيْلِ } وتدخـل ما نقصت من ساعات النهار فـي ساعات اللـيـل، فتزيد فـي ساعات اللـيـل ما نقصت من ساعات النهار. كما:

حدثنـي موسى، قال ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ } حتـى يكون اللـيـل خمس عشرة ساعة والنهار تسع ساعات، وتدخـل النهار فـي اللـيـل، حتـى يكون النهار خمس عشرة ساعة واللـيـل تسع ساعات.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا حفص بن عمر، عن الـحكم بن أبـان، عن عكرمة، عن ابن عبـاس قال: ما نقص من النهار يجعله فـي اللـيـل، وما نقص من اللـيـل يجعله فـي النهار.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {تُولِجُ اللَّيْلَ في الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ } قال: ما ينقص من أحدهما يدخـل فـي الآخر متعاقبـان ـ أو يتعاقبـان، شكّ أبو عاصم ـ ذلك من الساعات.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ } ما ينقص من أحدهما فـي الآخر يتعاقبـان فـي ذلك من الساعات.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الـحسن قوله: {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ } نقصان اللـيـل فـي زيادة النهار، ونقصان النهار فـي زيادة اللـيـل.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ } قال: هو نقصان أحدهما فـي الآخر.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن قتادة فـي قوله: {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ } قال: يأخذ اللـيـل من النهار، ويأخذ النهار من اللـيـل. يقول: نقصان اللـيـل فـي زيادة النهار، ونقصان النهار فـي زيادة اللـيـل.

حدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ } يعنـي أنه يأخذ أحدهما من الآخر، فـيكون اللـيـل أحياناً أطول من النهار، والنهار أحياناً أطول من اللـيـل.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {تُولِجُ اللَّيْلَ فِى الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِى اللَّيْلِ } قال: هذا طويـل، وهذا قصير، أخذ من هذا فأولـجه فـي هذا حتـى صار هذا طويلاً وهذا قصيراً.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ }.

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: تأويـل ذلك: أنه يخرج الشيء الـحيّ من النطفة الـميتة، ويخرج النطفة الـميتة من الشيء الـحيّ. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيـم، عن عبد الله فـي قوله: {تُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الْحيّ } قال: هي النطفة تـخرج من الرجل وهي ميتة، وهو حيّ، ويخرج الرجل منها حياً وهي ميتة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عزّ وجلّ: {تُخْرِجُ الْحيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الْحيِّ} قال: الناس الأحياء من النطف والنطف ميتة، ويخرجها من الناس الأحياء والأنعام.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سلـمة بن نبـيط، عن الضحاك فـي قوله: {تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ } فذكر نـحوه.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ } فـالنطفة ميتة تكون تـخرج من إنسان حيّ، ويخرج إنسان حيّ من نطفة ميتة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو وابن علـي عن عطاء الـمقدمي، قال: ثنا أشعث السجستانـي، قال: ثنا شعبة، عن إسماعيـل بن أبـي خالد فـي قوله: {تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ } قال تـخرج النطفة من الرجل، والرجل من النطفة.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {تُخْرِجُ الْحيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ } قال: تـخرج الـحيّ من هذه النطفة الـميتة، وتـخرج هذه النطفة الـميتة من الـحيّ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد فـي قوله: {تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الْحيِّ }... الآية، قال: الناس الأحياء من النطف، والنطف ميتة من الناس الأحياء، ومن الأنعام والنبت كذلك. قال ابن جريج، وسمعت يزيد بن عويـمر يخبّر عن سعيد بن جبـير، قال: إخراجه النطفة من الإنسان، وإخراجه الإنسان من النطفة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الْحيِّ } قال: النطفة ميتة، فتـخرج منها أحياء. {وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ } تـخرج النطفة من هؤلاء الأحياء، والـحبّ ميتة تـخرج منه حياً. {وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الْحَيّ } تـخرج من هذا الـحيّ حبـاً ميتاً.

وقال آخرون: معنى ذلك: أنه يخرج النـخـلة من النواة، والنواة من النـخـلة، والسنبل من الـحبّ والـحبّ من السنبل، والبـيض من الدجاج، والدجاج من البـيض. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تـميـلة، قال: ثنا عبد الله، عن عكرمة قوله: {تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ } قال: هي البـيضة تـخرج من الـحيّ وهي ميتة، ثم يخرج منها الـحيّ.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا حفص بن عمر، عن الـحكم بن أبـان، عن عكرمة فـي قوله: {تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الْحيِّ } قال: النـخـلة من النواة، والنواة من النـخـلة، والـحبة من السنبلة، والسنبلة من الـحبة.

وقال آخرون: معنى ذلك: أنه يخرج الـمؤمن من الكافر، والكافر من الـمؤمن. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الـحسن فـي قوله: {تُخْرِجُ الْحيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الْحيِّ } يعنـي الـمؤمن من الكافر، والكافر من الـمؤمن، والـمؤمن عبد حيّ الفؤاد، والكافر عبد ميت الفؤاد.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال الـحسن فـي قوله: {تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيِّتَ مِنَ الْحَيّ } قال: يخرج الـمؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من الـمؤمن.

حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث، عن سعيد بن عمرو، عن الـحسن قرأ: {تُخْرِجُ الْحيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الْحَيّ } قال: تـخرج الـمؤمن من الكافر، وتـخرج الكافر من الـمؤمن.

حدثنـي حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن الـمفضل، قال: ثنا سلـيـمان التـيـمي، عن أبـي عثمان، عن سلـمان، أو عن ابن مسعود ـ وأكبر ظنـي أنه عن سلـمان ـ قال: إن الله عزّ وجلّ خمَّر طينة آدم أربعين لـيـلة ـ أو قال: أربعين يوماً ـ ثم قال بـيده فـيه، فخرج كل طيب فـي يـمينه، وخرج كل خبـيث فـي يده الأخرى، ثم خـلط بـينهما، ثم خـلق منها آدم، فمن ثم يخرج الـحيّ من الـميت ويخرج الـميت من الـحيّ، يخرج الـمؤمن من الكافر ويخرج الكافر من الـمؤمن.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري: أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم دخـل علـى بعض نسائه، فإذا بـامرأة حسنة النَّعْمة، فقال:

مَنْ هَذِهِ؟ قالت: إحدى خالاتك، قال: إنَّ خالاتِـي بِهَذِهِ البَلَدَةِ لغَرَائِب وأيّ خالاتِـي هَذِهِ؟ قالت: خـلْدة ابنة الأسود بن عبد يغوث، قال: سُبْحانَ الَّذِي يُخْرِجُ الـحَيَّ مِنَ الـمَيِّتِ وكانت امرأة صالـحة، وكان أبوها كافراً.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، قال: ثنا عبـاد بن منصور، عن الـحسن فـي قوله: {تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الْحَيّ } قال: هل علـمتـم أن الكافر يـلد مؤمناً، وأن الـمؤمن يـلد كافراً؟ فقال: هو كذلك.

وأولـى التأويلات التـي ذكرناها فـي هذه الآية بـالصواب تأويـل من قال: يخرج الإنسان الـحيّ والأنعام والبهائم الأحياء من النطف الـميتة، وذلك إخراج الـحيّ من الـميت، ويخرج النطفة الـميتة من الإنسان الـحيّ والأنعام والبهائم الأحياء، وذلك إخراج الـميت من الـحيّ، وذلك أن كل حيّ فـارقه شيء من جسده، فذلك الذي فـارقه منه ميت، فـالنطفة ميتة لـمفـارقتها جسد من خرجت منه، ثم ينشىء الله منها إنساناً حياً وبهائم وأنعاماً أحياء، وكذلك حكم كل شيء حيّ زايـله شيء منه، فـالذي زايـله منه ميت، وذلك هو نظير قوله:

{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [البقرة: 28].

وأما تأويـل من تأوّله بـمعنى الـحبة من السنبلة، والسنبلة من الـحبة، والبـيضة من الدجاجة، والدجاجة من البـيضة، والـمؤمن من الكافر، والكافر من الـمؤمن، فإن ذلك وإن كان له وجه مفهوم، فلـيس ذلك الأغلب الظاهر فـي استعمال الناس فـي الكلام، وتوجيه معانـي كتاب الله عزّ وجلّ إلـى الظاهر الـمستعمل فـي الناس، أولـى من توجيهها إلـى الـخفـيّ القلـيـل فـي الاستعمال.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته جماعة منهم: {تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الْحَيّ } بـالتشديد وتثقـيـل الـياء من الـميت، بـمعنى أنه يخرج الشيء الـحيّ من الشيء الذي قد مات، ومـما لـم يـمت. وقرأت جماعة أخرى منهم: «تُـخْرِجُ الـحَيَّ مِنَ الـمَيْتِ وَتُـخْرِجُ الْـمَيْتَ مِنَ الـحَيّ» بتـخفـيف الـياء من الـميت. بـمعنى أنه يخرج الشيء الـحيّ من الشيء الذي قد مات دون الشيء الذي لـم يـمت، وتـخرج الشيء الـميت دون الشيء الذي لـم يـمت من الشيء الـحيّ، وذلك أن الـميت مثقل الـياء عند العرب ما لـم يـمت وسيـموت وما قد مات. وأما الـميْت مخففـاً: فهو الذي قد مات، فإذا أرادوا النعت قالوا: إنك مائت غداً وإنهم مائتون، وكذلك كل ما لـم يكن بعد، فإنه يخرج علـى هذا الـمثال الاسم منه، يقال: هو الـجائد بنفسه والطائبة نفسه بذلك، وإذا أريد معنى الاسم قـيـل: هو الـجواد بنفسه والطيبة نفسه. فإذا كان ذلك كذلك، فأولـى القراءتـين فـي هذه الآية بـالصواب قراءة من شّدد الـياء من الـميِّت، لأن الله جلّ ثناؤه يخرج الـحيّ من النطفة التـي قد فـارقت الرجل، فصارت ميتة، وسيخرجه منها بعد أن تفـارقه وهي فـي صلب الرجل، ويخرج الـميت من الـحيّ، النطفة التـي تصير بخروجها من الرجل الـحيّ ميتاً، وهي قبل خروجها منه حية، فـالتشديد أبلغ فـي الـمدح أكمل فـي الثناء.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ }.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: أنه يعطي من يشاء من خـلقه، فـيجود علـيه بغير مـحاسبة منه لـمن أعطاه، لأنه لا يخاف دخول انتقاص فـي خزائنه، ولا الفناء علـى ما بـيده. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله: {وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ } قال: يخرج الرزق من عنده بغير حساب، لا يخاف أن ينقص ما عنده تبـارك وتعالـى.

فتأويـل الآية إذا: اللهمّ يا مالك الـملك، تؤتـي الـملك من تشاء، وتنزع الـملك مـمن تشاء، وتعزّ من تشاء، وتذلّ من تشاء، بـيدك الـخير إنك علـى كل شيء قدير، دون من ادّعى الـملـحدون أنه لهم إلٰه ورب وعبدوه دونك، واتـخذوه شريكاً معك، أو أنه لك ولد وبـيدك القدرة التـي تفعل هذه الأشياء، وتقدر بها علـى كل شيء، تولـج اللـيـل فـي النهار، وتولـج النهار فـي اللـيـل، فتنقص من هذا وتزيد فـي هذا، وتنقص من هذا وتزيد فـي هذا، وتـخرج من ميت حياً، ومن حيّ ميتاً، وترزق من تشاء بغير حساب من خـلقك، لا يقدر علـى ذلك أحد سواك، ولا يستطيعه غيرك. كما:

حدثنـي ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {تُولِجُ اللَّيْلَ فِى الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِى اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتُ مِنَ الْحَيّ } أي بتلك القدرة، يعنـي بـالقدرة التـي تؤتـي الـملك بها من تشاء وتنزعه مـمن تشاء، وترزق من تشاء بغير حساب، لا يقدر علـى ذلك غيرك ولا يصنعه إلا أنت. أي فإن كنت سلطت عيسى علـى الأشياء التـي بها يزعمون أنه إلٰه، من إحياء الـموتـى، وإبراء الأسقام، والـخـلق للطير من الطين، والـخبر عن الغيوب لتـجعله آية للناس، وتصديقاً له فـي نبوّته التـي بعثته بها إلـى قومه، فإنّ من سلطانـي وقدرتـي ما لـم أعطه، كتـملـيك الـملوك، وأمر النبوّة ووضعها حيث شئت، وإيلاج اللـيـل فـي النهار، والنهار فـي اللـيـل، وإخراج الـحيّ من الـميت، والـميت من الـحيّ، ورزق من شئت من برّ أو فـاجر بغير حساب، فكل ذلك لـم أسلط عيسى علـيه، ولـم أملكه إياه، فلـم يكن لهم فـي ذلك عبرة وبـينة، إذ لو كان إلٰهاً لكان ذلك كله إلـيه وهو فـي علـمهم يهرب من الـملوك، وينتقل منهم فـي البلاد من بلد إلـى بلد.

لَّا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُوا۟ مِنْهُمْ تُقَىٰةً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ۝٢٨

وهذا نهي من الله عزّ وجلّ الـمؤمنـين أن يتـخذوا الكفـار أعواناً وأنصاراً وظهوراً، ولذلك كسر «يتـخذ» لأنه فـي موضع جزم بـالنهي، ولكنه كسر الذال منه للساكن الذي لقـيه وهي ساكنة. ومعنى ذلك: لا تتـخذوا أيها الـمؤمنون الكفـار ظهراً وأنصاراً، توالونهم علـى دينهم، وتظاهرونهم علـى الـمسلـمين من دون الـمؤمنـين، وتدلونهم علـى عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك فلـيس من الله فـي شيء؛ يعنـي بذلك، فقد برىء من الله، وبرىء الله منه بـارتداده عن دينه، ودخوله فـي الكفر، إلا أن تتقوا منهم تقاة، إلا أن تكونوا فـي سلطانهم، فتـخافوهم علـى أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم علـى ما هم علـيه من الكفر، ولا تعينوهم علـى مسلـم بفعل. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ، عن ابن عبـاس قوله: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } قال: نهى الله سبحانه الـمؤمنـين أن يلاطفوا الكفـار، أو يتـخذوهم ولـيجة من دون الـمؤمنـين، إلا أن يكون الكفـار علـيهم ظاهرين، فـيظهرون لهم اللطف، ويخالفونهم فـي الدين. وذلك قوله: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً }.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس قال: كان الـحجاج بن عمرو حلـيف كعب بن الأشرف وابن أبـي الـحقـيق، وقـيس بن زيد، قد بطنوا بنفر من الأنصار لـيفتنوهم عن دينهم. فقال رفـاعة بن الـمنذر بن زبـير وعبد الله بن جبـير وسعد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء الـيهود، واحذروا لزومهم ومبـاطنتهم، لا يفتنوكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر إلا مبـاطنتهم ولزومهم، فأنزل الله عزّ وجل: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }... إلـى قوله: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ }.

حدثنا محمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عبـاد بن منصور، عن الحسن فـي قوله: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } يقول: لا يتـخذ الـمؤمن كافراً ولـياً من دون الـمؤمنـين.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } إلـى: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً } أما أولـياء: فـيوالـيهم فـي دينهم، ويظهرهم علـى عورة الـمؤمنـين، فمن فعل هذا فهو مشرك، فقد برىء الله منه، إلا أن يتقـي منهم تقاة، فهو يظهر الولاية لهم فـي دينهم والبراءة من الـمؤمنـين.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا قبـيصة بن عقبة، قال: ثنا سفـيان، عن ابن جريج، عمن حدثه، عن ابن عبـاس: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً } قال: التقاة: التكلـم بـاللسان، وقلبه مطمئنّ بـالإيـمان.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا الـحكم بن أبـان، عن عكرمة فـي قوله: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً } قال: ما لـم يهرق دم مسلـم، وما لـم يستـحل ماله.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } إلا مصانعة فـي الدنـيا ومخالقة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } إلـى: {إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً } قال: قال أبو العالـية: التقـية بـاللسان ولـيس بـالعمل.

حدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ قال: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً } قال: التقـية بـاللسان مَنْ حُمِلَ علـى أمر يتكلـم به وهو لله معصية، فتكلـم مخافة علـى نفسه، وقلبه مطمئنّ بـالإيـمان، فلا إثم علـيه، إنـما التقـية بـاللسان.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس فـي قوله: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً } فـالتقـية بـاللسان: من حمل علـى أمر يتكلـم به وهو معصية لله فـيتكلـم به مخافة الناس وقلبه مطمئنّ بـالإيـمان، فإن ذلك لا يضرّه، إنـما التقـية بـاللسان.

وقال آخرون: معنى: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً } إلا أن يكون بـينك وبـينه قرابة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً } نهى الله الـمؤمنين أن يوادّوا الكفـار أو يتولوهم دون المؤمنين، وقال الله: {إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً } الرحم من المشركين من غير أن يتولوهم فـي دينهم، إلا أن يصل رحماً له فـي المشركين.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء } قال: لا يحلّ لـمؤمن أن يتـخذ كافراً ولـياً فـي دينه، وقوله: {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً } قال: أن يكون بـينك وبـينه قرابة، فتصله لذلك.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، قال: ثنا عبـاد بن منصور، عن الـحسن فـي قوله: {إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً } قال: صاحبهم فـي الدنـيا معروفـاً الرحم وغيره، فأما فـي الدين فلا.

وهذا الذي قاله قتادة تأويـل له وجه، ولـيس بـالوجه الذي يدلّ علـيه ظاهر الآية: إلا أن تتقوا من الكافرين تقاة.

فـالأغلب من معانـي هذا الكلام: إلا أن تـخافوا منهم مخافة. فـالتقـية التـي ذكرها الله فـي هذه الآية إنـما هي تقـية من الكفـار، لا من غيرهم، ووجهه قتادة إلـى أن تأويـله: إلا أن تتقوا الله من أجل القرابة التـي بـينكم وبينهم تقاة، فتصلون رحمها. ولـيس ذلك الغالب علـى معنى الكلام والتأويـل فـي القرآن علـى الأغلب الظاهر من معروف كلام العرب الـمستعمل فيهم.

وقد اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً } فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار: {إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً } علـى تقدير فعلة مثل تـخمة وتؤدة وتكأة من اتقـيت، وقرأ ذلك آخرون: «إلاَّ أنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تَقِـيَّةً» علـى مثال فعيـلة.

والقراءة التـي هي القراءة عندنا، قراءة من قرأها: {إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً } لثبوت حجة ذلك بأنه القراءة الصحيحة، بـالنقل الـمستفـيض الذي يـمتنع منه الـخطأ.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَيُحَذّرْكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ }.

يعنـي تعالـى ذكره بذلك: ويخوّفكم الله من نفسه أن تركبوا معاصيه أو توالوا أعداءه، فإن لله مرجعكم ومصيركم بعد مـماتكم، ويوم حشركم لـموقـف الـحساب، يعنـي بذلك: متـى صرتـم إلـيه، وقد خالفتـم ما أمركم به، وأتـيتـم ما نهاكم عنه من اتـخاذ الكافرين أولـياء من دون الـمؤمنـين، نالكم من عقاب ربكم ما لا قبل لكم به، يقول: فـاتقوه واحذوره أن ينالكم ذلك منه، فإنه شديد العذاب.

قُلْ إِن تُخْفُوا۟ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٢٩

يعني بذلك جلّ ثناؤه: قل يا محمد للذين أمرتهم أن لا يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، إن تخفوا ما في صدوركم من موالاة الكفار فتسرّوه، أو تبدوا ذلكم من أنفسكم بألسنتكم وأفعالكم، فتظهروه يعلمه الله فلا يخفـى علـيه؛ يقول: فلا تضمروا لهم مودّة، ولا تظهروا لهم موالاة، فـينالكم من عقوبة ربكم ما لا طاقة لكم به، لأنه يعلـم سركم وعلانـيتكم، فلا يخفـى علـيه شيء منه، وهو مـحصيه علـيكم حتـى يجازيكم علـيه بـالإحسان إحساناً، وبـالسيئة مثلها. كما:

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي، قال: أخبرهم أنه يعلـم ما أسرّوا من ذلك وما أعلنوا، فقال: {إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ }.

وأما قوله: {وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلاْرْضِ } فإنه يعنـي أنه إذ كان لا يخفـى علـيه شيء هو فـي سماء أو أرض أو حيث كان، فكيف يخفـى علـيه أيها القوم الذين يتـخذون الكافرين أولـياء من دون الـمؤمنـين، ما فـي صدوركم من الـميـل إلـيهم بـالـمودّة والـمـحبة، أو ما تبدونه لهم بـالـمعونة فعلاً وقولاً.

وأما قوله: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فإنه يعنـي: والله قدير علـى معاجلتكم بـالعقوبة علـى موالاتكم إياهم، ومظاهرتكموهم علـى الـمؤمنـين، وعلـى ما يشاء من الأمور كلها، لا يتعذّر علـيه شيء أراده، ولا يـمتنع علـيه شيء طلبه.

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ ۝٣٠

يعني بذلك جلّ ثناؤه: ويحذّركم الله نفسه، فـي يوم تـجد كل نفس ما عملت من خير مـحضراً موفراً، وما عملت من سوء {تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا }: يعنـي: غاية بعيدة، فإن مصيركم أيها القوم يومئذٍ إلـيه، فـاحذوره علـى أنفسكم من ذنوبكم. وكان قتادة يقول فـي معنى قوله: {مُّحْضَرًا } ما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا } يقول موفّراً.

وقد زعم أهل العربـية أن معنى ذلك: واذكر يوم تـجد، وقال: إن ذلك إنـما جاء كذلك، لأن القرآن إنـما نزل للأمر والذكر، كأنه قـيـل لهم: اذكروا كذا وكذا، لأنه فـي القرآن فـي غير موضع، واتقوا يوم كذا وحين كذا. وأما «ما» التـي مع عملت فبـمعنى الذي، ولا يجوز أن تكون جزاء لوقوع «تـجد» علـيه.

وأما قوله: {وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ } فإنه معطوف علـى قوله: «ما» الأولـى، و«عملت» صلة بـمعنى الرفع، لـمّا قـيـل «تود». فتأويـل الكلام: يوم تـجد كل نفس الذي عملت من خير مـحضراً، والذي عملت من سوء، تودّ لو أن بـينها وبـينه أمداً. والأمد: الغاية التـي ينتهي إلـيها، ومنه قول الطرماح:

كلّ حَيّ مُسْتَكْمِلٌ عِدَّةَ العُمْـ ـرِ ومُودٍ إذَا انْقَضَى أمَدُهْ

يعنـي: غاية أجله. وقد:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي قوله: {وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا } مكاناً بعيداً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {أَمَداً بَعِيدًا } قال: أجلاً.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، قال: ثنا عبـاد بن منصور، عن الـحسن فـي قوله: {وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيدًا } قال: يسرّ أحدهم أن لا يـلقـى عمله ذاك أبداً يكون ذلك مناه، وأما فـي الدنـيا فقد كانت خطيئته يستلذّها.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَٱللَّهُ رَءوفٌ بِٱلْعِبَادِ }. يقول جلّ ثناؤه: ويحذّركم الله نفسه أن تسخطوها علـيكم بركوبكم ما يسخطه علـيكم، فتوافونه، يوم تـجد كل نفس ما عملت من خير مـحضراً، وما عملت من سوء تودّ لو أنَّ بـينها وبـينه أمداً بعيداً، وهو علـيكم ساخط، فـينالكم من ألـيـم عقابه ما لا قبل لكم به. ثم أخبر عزّ وجلّ أنه رؤوف بعبـاده رحيـم بهم، ومن رأفته بهم تـحذيره إياهم نفسه، وتـخويفهم عقوبته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معاصيه. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن عيـينة، عن عمرو بن الـحسن فـي قوله: {وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَٱللَّهُ رَءوفٌ بِٱلْعِبَادِ } قال: من رأفته بهم أن حذّرهم نفسه.

قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٣١

اختلف أهل التأويـل فـي السبب الذي أنزلت هذه الآية فـيه، فقال بعضهم: أنزلت فـي قوم قالوا علـى عهد النبـيّ صلى الله عليه وسلم: إنا نـحبّ ربنا، فأمر الله جلّ وعزّ نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم:

إنْ كُنْتُـمْ صَادِقِـينَ فِـيـما تَقُولُونَ فـاتَّبِعُونِـي، فَـإِنَّ ذَلِكَ عَلامَةُ صِدْقِكُمْ فِـيـما قُلْتُـمْ مِنْ ذَلِكَ. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن عبد الله، عن بكر بن الأسود، قال: سمعت الـحسن يقول: قال قوم علـى عهد النبـيّ صلى الله عليه وسلم: يا مـحمد إنا نـحبّ ربنا! فأنزل الله عزّ وجلّ: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } فجعل اتبـاع نبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم علـما لـحبه، وعذاب من خالفه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا علـيّ بن الهيثم، قال: ثنا عبد الوهاب، عن أبـي عبـيدة، قال: سمعت الـحسن، يقول: قال أقوام علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا مـحمد إنا لنـحبّ ربنا! فأنزل الله جلّ وعزّ بذلك قرآنا: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } فجعل الله اتبـاع نبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم علـماً لـحبه، وعذاب من خالفه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج قوله: {إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ } قال: كان قوم يزعمون أنهم يحبون الله، يقولون: إنا نـحبُّ ربنا، فأمرهم الله أن يتبعوا مـحمداً صلى الله عليه وسلم، وجعل اتبـاع مـحمد علـماً لـحبه.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، قال: ثنا عبـاد بن منصور، عن الـحسن فـي قوله: {إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ }... الآية، قال: إن أقواما كانوا علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يزعمون أنهم يحبون الله، فأراد الله أن يجعل لقولهم تصديقاً من عمل، فقال: {إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ }... الآية. كان اتبـاع مـحمد صلى الله عليه وسلم تصديقاً لقولهم.

وقال آخرون: بل هذا أمر من الله نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم أن يقول لوفد نـجران الذين قدموا علـيه من النصارى: إن كان الذي يقولونه فـي عيسى من عظيـم القول إنـما يقولونه تعظيـماً لله وحبـاً له، فـاتبعوا مـحمداً صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير. {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ } أي إن كان هذا من قولكم ـ يعنـي فـي عيسى ـ حبـاً لله وتعظيـماً له {فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } أي ما مضى من كفركم {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.

قال أبو جعفر: وأولـى القولـين بتأويـل الآية، قول مـحمد بن جعفر بن الزبـير، لأنه لـم يجز لغير وفد نـجران فـي هذه السورة، ولا قبل هذه الآية ذكر قوم ادّعوا أنهم يحبون الله، ولا أنهم يعظمونه، فـيكون قوله: {إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى } جوابـاً لقولهم علـى ما قاله الـحسن.

وأما ما روى الـحسن فـي ذلك مـما قد ذكرناه، فلا خبر به عندنا يصحّ، فـيجوز أن يقال: إن ذلك كذلك، وإن لـم يكن فـي السورة دلالة علـى أنه كما قال إلا أن يكون الـحسن أراد بـالقوم الذين ذكر أنهم قالوا ذلك علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نـجران من النصارى، فـيكون ذلك من قوله نظير إخبـارنا، فإذا لـم يكن بذلك خبر علـى ما قلنا، ولا فـي الآية دلـيـل علـى ما وصفنا، فأولـى الأمور بنا أن نلـحق تأويـله بـالذي علـيه الدلالة من آي السورة، وذلك هو ما وصفنا، لأن ما قبل هذه الآية من مبتدإ هذه السورة وما بعدها خبر عنهم، واحتـجاج من الله لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم، ودلـيـل علـى بطول قولهم فـي الـمسيح، فـالواجب أن تكون هي أيضا مصروفة الـمعنى إلـى نـحو ما قبلها، ومعنى ما بعدها.

فإذ كان الأمر علـى ما وصفنا، فتأويـل الآية: قل يا مـحمد للوفد من نصارى نـجران: إن كنتـم تزعمون أنكم تـحبون الله، وأنكم تعظمون الـمسيح وتقولون فـيه ما تقولون، حبـاً منكم ربكم، فحققوا قولكم الذي تقولونه، إن كنتـم صادقـين بـاتبـاعكم إياي، فإنكم تعلـمون أنـي لله رسول إلـيكم، كما كان عيسى رسولاً إلـى من أرسل إلـيه، فإنه إن اتبعتـمونـي وصدقتـمونـي علـى ما أتـيتكم به من عند الله، يغفر لكم ذنوبكم، فـيصفح لكم عن العقوبة علـيها ويعفو لكم عما مضى منها، فإنه غفور لذنوب عبـاده الـمؤمنـين رحيـم بهم وبغيرهم من خـلقه.

قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٣٢

يعني بذلك جل ثناؤه: قل يا محمد لهؤلاء الوفد من نصارى نجران: اطيعوا الله والرسول محمداً، فإنكم قد علـمتـم يقـيناً أنه رسولـي إلـى خـلقـي ابتعثته بـالـحق تـجدونه مكتوبـاً عندكم فـي الإنـجيـل، {فَإِن تَوَلَّوْاْ } فـاستدبروا عما دعوتهم إلـيه من ذلك، وأعرضوا عنه، فأعلـمهم أن الله لا يحب من كفر بجحد ما عرف من الـحق، وأنكره بعد علـمه، وأنهم منهم بجحودهم نبوّتك وإنكارهم الـحقّ الذي أنت علـيه بعد علـمهم بصحة أمرك وحقـيقة نبوّتك. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ } فأنتـم تعرفونه ـ يعنـي الوفد من نصارى نـجران ـ وتـجدونه فـي كتابكم. {فَإِن تَوَلَّوْاْ } علـى كفرهم، {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ }.

إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٣٣

يعني بذلك جل ثناؤه: إن الله اجتبى آدم ونوحاً، واختارهما لدينهما، { وآلَ إِبْرَاهِيمَ وآلَ عِمْرَانَ } لدينهم الذي كانوا علـيه، لأنهم كانوا أهل الإسلام. فأخبر الله عزّ وجلّ أنه اختار دين من ذكرنا علـى سائر الأديان التي خالفته. وإنما عنى بآل إبراهيم وآل عمران المؤمنـين.

وقد دللنا على أن آل الرجل أتبـاعه وقومه ومن هو علـى دينه. وبـالذي قلنا فـي ذلك روي القول عن ابن عبـاس أنه كان يقوله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إِبْرٰهِيمَ وَءالَ عِمْرٰنَ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } قال: هم الـمؤمنون من آل إبراهيـم وآل عمران وآل ياسين وآل مـحمد، يقول الله عزّ وجلّ:

{ إِنَّ أَوْلى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَٰهِيمَ للَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ }[آل عمران: 68] وهم الـمؤمنون.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إِبْرٰهِيمَ وَءالَ عِمْرٰنَ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } رجلان نبـيان اصطفـاهما الله علـى العالـمين.

حدثنا الـحسن بن يحيـى قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إِبْرٰهِيمَ وَءالَ عِمْرٰنَ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } قال: ذكر الله أهل بـيتـين صالـحين ورجلـين صالـحين ففضلهم علـى العالـمين، فكان مـحمد من آل إبراهيـم.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، قال: ثنا عبـاد، عن الـحسن فـي قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إِبْرٰهِيمَ } إلـى قوله:

{ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }[آل عمران: 34] قال: فضلهم الله علـى العالـمين بـالنبوة علـى الناس كلهم كانوا هم الأنبـياء الأتقـياء الـمطيعين لربهم.

ذُرِّيَّةًۢ بَعْضُهَا مِنۢ بَعْضٍ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ۝٣٤

يعنـي بذلك: أن الله اصطفـى آل إبراهيـم وآل عمران {ذُرّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ } فـالذرّية منصوبة علـى القطع من آل إبراهيـم وآل عمران: لأن «الذرّية» نكرة، و«آل عمران» معرفة، ولو قيل نصبت على تكرير الاصطفـاء لكان صوابـاً، لأن المعنى: اصطفى ذرّية بعضها من بعض. وإنـما جعل «بعضهم من بعض» فـي الـموالاة في الدين والـموازرة علـى الإسلام والحق، كما قال جلّ ثناؤه:

{ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ }[التوبة: 71] وقال فـي موضع آخر: { ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَاتُ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ }[التوبة: 67] يعنـي أن دينهم واحد وطريقتهم واحدة، فكذلك قوله: {ذُرّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ } إنـما معناه: ذرّية دين بعضها دين بعض، وكلـمتهم واحدة، وملتهم واحدة فـي توحيد الله وطاعته. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {ذُرّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ } يقول: فـي النـية والعمل والإخلاص والتوحيد له.

وقوله: {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } يعنـي بذلك: والله ذو سمع لقول امرأة عمران، وذو علـم بـما تضمره فـي نفسها، إذ نذرت له ما فـي بطنها مـحرّراً.

إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَٰنَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ۝٣٥

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرٰنَ رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنّي } فـ«إذْ» من صلة «سميع». وأما امرأة عمران. فهي أمّ مريـم ابنة عمران أم عيسى ابن مريـم صلوات الله علـيه، وكان اسمها فـيـما ذكر لنا حنة ابنة فـاقوذ بن قتـيـل. كذلك:

حدثنا به مـحمد بن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق فـي نسبه. وقال غير ابن حميد: ابنة فـاقود ـ بـالدال ـ ابن قتـيـل.

فأما زوجها فإنه عمران بن ياشهم بن آمنون بن منبن بن حزقـيا بن أحريق بن يويـم بن عزاريا بن أمصيا بن ياوش بن احريهو بن يازم بن يهفـاشاط بن اشابرابـان بن رحبعم بن سلـيـمان بن داود بن إيشا. كذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، فـي نسبه.

وأما قوله: {رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا } فإن معناه: إنـي جعلت لك يا ربّ نذراً أن لك الذي فـي بطنـي مـحرّراً لعبـادتك، يعنـي بذلك: حبسته علـى خدمتك وخدمة قدسك فـي الكنـيسة، عتـيقة من خدمة كل شيء سواك، مفرغة لك خاصة. ونصب «مـحرّراً» علـى الـحال من «ما» التـي بـمعنى «الذي». {فَتَقَبَّلْ مِنّي } أي فتقبل منـي ما نذرت لك يا ربّ. {إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } يعنـي: إنك أنت يا ربّ السميع لـما أقول وأدعو، العلـيـم لـما أنوي فـي نفسي وأريد، لا يخفـى علـيك سرّ أمري وعلانـيته. وكان سبب نذر حنة ابنة فـاقوذ امرأة عمران الذي ذكره الله فـي هذه الآية فـيـما بلغنا، ما:

حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي مـحمد بن إسحاق، قال: تزوّج زكريا وعمران أختـين، فكانت أمّ يحيـى عند زكريا، وكانت أمّ مريـم عند عمران، فهلك عمران وأمّ مريـم حامل بـمريـم، فهي جنـين فـي بطنها. قال: وكانت فـيـما يزعمون قد أمسك عنها الولد حتـى أسنّت، وكانوا أهل بـيت من الله جل ثناؤه بـمكان. فبـينا هي فـي ظلّ شجرة نظرت إلـى طائر يطعم فرخاً له، فتـحرّكت نفسها للولد، فدعت الله أن يهب لها ولداً، فحملت بـمريـم وهلك عمران. فلـما عرفت أن فـي بطنها جنـيناً، جعلته لله نذيرة؛ والنذيرة أن تعبِّده لله، فتـجعله حبساً فـي الكنـيسة، لا ينتفع به بشيء من أمور الدنـيا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير، قال: ثم ذكر امرأة عمران، وقولها: {رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا } أي نذرته، تقول: جعلتُه عتـيقا لعبـادة الله لا ينتفع به بشيء من أمور الدنـيا. {فَتَقَبَّلْ مِنّي إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ }.

حدثنـي عبد الرحمن بن الأسود الطُّفـاوي، قال: ثنا مـحمد بن ربـيعة، قال: ثنا النضر بن عربـي، عن مـجاهد فـي قوله: {مُحَرَّرًا } قال: خادما للبِـيعة.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن النضر بن عربـي، عن مـجاهد، قال: خادماً للكنـيسة.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا إسماعيـل، عن الشعبـي فـي قوله: {إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا } قال: فرّغته للعبـادة.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا إسماعيـل بن أبـي خالد، عن الشعبـي فـي قوله: {إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا } قال: جعلته فـي الكنـيسة، وفرّغته للعبـادة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن إسماعيـل، عن الشعبـي، نـحوه.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا } قال: للكنـيسة يخدمها.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن خصيف، عن مـجاهد: {إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا } قال: خالصاً لا يخالطه شيء من أمر الدنـيا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جبـير: {إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا } قال: للبـيعة والكنـيسة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحمانـي، قال: ثنا شريك، عن سالـم، عن سعيد: {إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا } قال: مـحرّراً للعبـادة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرٰنَ رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا }... الآية. كانت امرأة عمران حرّرت لله ما فـي بطنها، وكانوا إنـما يحررون الذكور، وكان الـمـحرر إذا حرّر جعل فـي الكنـيسة لا يبرحها، يقوم علـيها ويكنسها.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا } قال: نذرت ولدها للكنـيسة.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرٰنَ رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنّي إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } قال: وذلك أن امرأة عمران حملت، فظنت أن ما فـي بطنها غلام، فوهبته لله لا يعمل فـي الدنـيا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال: كانت امرأة عمران حرّرت لله ما فـي بطنها. قال: وكانوا إنـما يحرّرون الذكور، فكان الـمـحرّر إذا حرر جعل فـي الكنـيسة لا يبرحها، يقوم علـيها ويكنسها.

حدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك فـي قوله: {إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا } قال: جعلت ولدها لله وللذين يدرسون الكتاب ويتعلـمونه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن القاسم بن أبـي بزة أنه أخبره عن عكرمة وأبـي بكر، عن عكرمة: أن امرأة عمران كانت عجوزاً عاقرا تسمى حنة، وكانت لا تلد. فجعلت تغبط النساء لأولادهن، فقالت: اللهمَّ إن علـي نذراً شكراً إن رزقتنـي ولداً أن أتصدّق به علـى بـيت الـمقدس، فـيكون من سَدَنته وخدامه. قال: وقوله: {نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا } إنها للـحرّة ابنة الـحرائر مـحرّراً للكنـيسة يخدمها.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، عن عبـاد بن منصور، عن الـحسن فـي قوله: {إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرٰنَ }... الآية كلها، قال: نذرت ما فـي بطنها ثم سَيَّبَتْها.

السبت، 24 أكتوبر 2026 13 جمادى الأولى 1448 هـ