انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير الطبريالآيات 40–46

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة آل عمران

الخلاصة من تفسير الطبري · 11 مقطعًا · 3:01:26

  1. 1 الآيات 33–51في هذه الصفحة 16:36

التفسير الصوتي لسورة آل عمران كاملًا (11 مقطعًا)

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ۝٤٠

يعني أن زكريا قال إذ نادته الملائكة:

{ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ }[آل عمران: 39]: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ وَقَدْ بَلَغَنى ٱلْكِبَرُ } يعنـي: من بلغ من السنّ ما بلغت لـم يولد له؛ {وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌ } والعاقر من النساء: التـي لا تلد، يقال منه: امرأة عاقر، ورجل عاقر، كما قال عامر بن الطفـيـل:

لَبِئْسَ الفَتَـى أنْ كُنْتُ أعْوَرَ عَاقِراً جبَاناً فَمَا عُذْرِي لَدَى كُلّ مـحْضَرِ

وأما الكِبر: فمصدر كَبِرَ فلان فهو يَكْبَرُ كبراً. وقـيـل: «بلغنـي الكبر»، وقد قال فـي موضع آخر: { وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ } [مريم: 8] لأن ما بلغك فقد بلغته، وإنـما معناه: قد كبرت، وهو كقول القائل: وقد بلغنـي الـجهد بـمعنى: أنـي فـي جهد.

فإن قال قائل: وكيف قال زكريا وهو نبـيّ الله: {رَبّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ وَقَدْ بَلَغَنِى ٱلكِبَرُ وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌ } وقد بشرته الـملائكة بـما بشرته به، عن أمر الله إياها به؟ أشك فـي صدقهم؟ فذلك ما لا يجوز أن يوصف به أهل الإيـمان بـالله، فكيف الأنبـياء والمرسلون؟ أم كان ذلك منه استنكارا لقدرة ربه؟ فذلك أعظم فـي البلـية! قـيـل: كان ذلك منه صلى الله عليه وسلم علـى غير ما ظننت، بل كان قـيـله ما قال من ذلك، كما:

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: لـما سمع النداء ـ يعنـي زكريا لـما سمع نداء الـملائكة بالبشارة بـيحيـى ـ جاءه الشيطان فقال له: يا زكريا إن الصوت الذي سمعت لـيس هو من الله، إنـما هو من الشيطان يسخر بك، ولو كان من الله أوحاه إلـيك، كما يوحي إلـيك فـي غيره من الأمر! فشكّ مكانه، وقال: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ } ذَكَرٌ، يقول: ومن أين {وَقَدْ بَلَغَنِى ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌ }.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر، عن عكرمة، قال: فأتاه الشيطان، فأراد أن يكدر علـيه نعمة ربه، فقال: هل تدري من ناداك؟ قال: نعم، نادانـي ملائكة ربـي، قال: بل ذلك الشيطان، لو كان هذا من ربك لأخفـاه إلـيك كما أخفـيت نداءك، فقال: {رَبِّ ٱجْعَل لِّى ءايَةً }.

فكان قوله ما قال من ذلك، ومراجعته ربه فـيـما راجع فـيه بقوله: {أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ }، للوسوسة التـي خالطت قلبه من الشيطان، حتـى خيـلت إلـيه أن النداء الذي سمعه كان نداء من غير الـملائكة، فقال: {رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ } مستثبتاً فـي أمره لتقرّر عنده بآية، يريه الله فـي ذلك أنه بشارة من الله علـى ألسن ملائكته، ولذلك قال: {رَبِّ ٱجْعَل لِّى ءايَةً }. وقد يجوز أن يكون قـيـله ذلك مسألة منه ربه: من أيّ وجه يكون الولد الذي بشر به، أمن زوجته فهي عاقر، أم من غيرها من النساء؟ فـيكون ذلك علـى غير الوجه الذي قاله عكرمة والسديّ، ومن قال مثل قولهما.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قَالَ كَذٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ }.

يعنـي جل ثناؤه بقوله: {كَذٰلِكَ ٱللَّهُ } أي هو ما وصف به نفسه، أنه هين علـيه أن يخـلق ولدا من الكبـير الذي قد يئس من الولد، ومن العاقر التـي لا يرجى من مثلها الولادة، كما خـلقك يا زكريا من قبلُ خـلقَ الولد منك ولـم تك شيئاً، لأنه الله الذي لا يتعذّر علـيه خـلق شيء أراده، ولا يـمتنع علـيه فعل شيء شاءه، لأن قدرته القدرة التـي لا يشبهها قدرة. كما:

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: {كَذٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ } وقد خـلقتك من قبل ولـم تك شيئاً.

قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَٰرِ ۝٤١

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه خبراً عن زكريا، قال زكريا: يا ربّ إن كان هذا النداء الذي نوديته، والصوت الذي سمعته صوت ملائكتك، وبشارة منك لـي، فـاجعل لـي آية! يقول: علامة أن ذلك كذلك، لـيزول عنـي ما قد وسوس إلـيّ الشيطان فألقاه فـي قلبـي، من أن ذلك صوت غير الـملائكة، وبشارة من عند غيرك. كما:

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّى ءايَةً } قال: قال ـ يعنـي زكريا ـ: يا ربـيّ فإن كان هذا الصوت منك، فـاجعل لـي آية.

وقد دللنا فـيـما مضى علـى معنى الآية، وأنها العلامة، بما أغنى عن إعادته.

وقد اختلف أهل العربـية فـي سبب ترك العرب همزها، ومن شأنها همز كل ياء جاءت بعد ألف ساكنة، فقال بعضهم: ترك همزها لأنها كانت أيَّة، فثقل علـيهم التشديد، فأبدلوه ألفـاً لانفتاح ما قبل التشديد، كما قالوا: أيْـما فلان فأخزاه الله.

وقال آخرون منهم: بل هي فـاعلة منقوصة. فسألوا، فقـيـل لهم، فما بـال العرب تصغرها أُيَـيَّةٍ، ولـم يقولوا أُوَيَّة؟ فقالوا: قـيـل ذلك كما قـيـل فـي فـاطمة: هذه فطيـمة، فقـيـل لهم: فإنهم يصغرون فـاعلة علـى فُعَيـلة إذا كان اسما فـي معنى فلان وفلانة، فأما فـي غير ذلك، فلـيس من تصغيرهم فـاعلة علـى فعيـلة.

وقال آخرون: إنه فعلة، صيرت ياؤها الأولـى ألفـاً، كما فعل بحاجة وقامة، فقـيـل لهم: إنـما تفعل العرب ذلك فـي أولاد الثلاثة، وقال من أنكر ذلك من قـيـلهم: لو كان كما قالوا لقـيـل فـي نواة: ناية، وفـي حياة: حاية.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { قَالَ ءايَتُكَ أَلاَّ تُكَلّمَ ٱلنَّاسَ ثَلـَٰثَةَ أَيَّامٍ إلاَّ رَمْزاً }. فعاقبه الله فـيـما ذكر لنا بـمسألته الآية، بعد مشافهة الـملائكة إياه بـالبشارة، فجعل آيته علـى تحقيق ما سمع من البشارة من الـملائكة بـيحيـى أنه من عند الله آية من نفسه، جمع تعالـى ذكره بها العلامة التـي سألها ربه علـى ما يبـين له حقـيقة البشارة أنها من عند الله، وتـمـحيصاً له من هفوته، وخطأ قـيـله ومسألته.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {رَبّ ٱجْعَل لِّى ءايَةً قَالَ ءايَتُكَ أَلاَّ تُكَلّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا } إنـما عوقب بذلك لأن الـملائكة شافهته مشافهة بذلك فبشرته بـيحيـى، فسأل الآية بعد كلام الـملائكة إياه، فأخذ علـيه بلسانه، فجعل لا يقدر علـى الكلام إلا ما أومأ وأشار، فقال الله تعالـى ذكره كما تسمعون: {آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا }.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ مُصَدّقاً } قال: شافهته الـملائكة، فقال: {رَبِّ ٱجْعَل لِّى ءايَةً قَالَ ءايَتُكَ أَلاَّ تُكَلّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا } يقول: إلا إيـماء، وكانت عقوبة عوقب بها، إذ سأل الآية مع مشافهة الـملائكة إياه بـما بشرته به.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله: {رَبّ ٱجْعَل لِّى ءايَةً قَالَ ءايَتُكَ أَلاَّ تُكَلّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا } قال: ذكر لنا والله أعلـم أنه عوقب لأن الـملائكة شافهته مشافهة، فبشرته بـيحيـى، فسأل الآية بعد، فأخذ بلسانه.

حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال: ذكر لنا والله أعلـم أنه عوقب لأن الـملائمة شافهته فبشرته بـيحيـى، قالت: {أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ }، فسأل بعد كلام الـملائكة إياه الآية، فأخذ علـيه لسانه، فجعل لا يقدر علـى الكلام إلا رمزاً، يقول: يومىء إيماء.

حدثني أبو عبـيد الرصافـي، قال: ثنا محمد بن حمير، قال: ثنا صفوان بن عمرو، عن جويبر بن نُفـير فـي قوله: {قَالَ رَبّ ٱجْعَل لِّى ءايَةً قَالَ ءايَتُكَ أَلاَّ تُكَلّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا } قال: ربـا لسانه فـي فـيه حتـى ملأه، ثم أطلقه الله بعد ثلاث.

وإنما اختارت القرّاء النصب فـي قوله: {أَلاَّ تُكَلّمَ ٱلنَّاسَ } لأن معنى الكلام: قال: آيتك أن لا تكلـم الناس فـيـما يستقبل ثلاثة أيام، فكانت أن هي التـي تصحب الاستقبـال دون التـي تصحب الأسماء فتنصبها، ولو كان الـمعنى فـيه: آيتك أنك لا تكلـم الناس ثلاثة أيام: أي أنك علـى هذه الـحال ثلاثة أيام، كان وجه الكلام الرفع، لأن «أن» كانت تكون حينئذ بـمعنى الثقـيـلة خففت، ولكن لـم يكن ذلك جائزاً لـما وصفت من أن ذلك بـالـمعنى الآخر.

وأما الرمز، فإن الأغلب من معانـيه عند العرب: الإيـماء بـالشفتـين، وقد يستعمل فـي الإيـماء بـالـحاجبـين والعينـين أحياناً، وذلك غير كثـير فـيهم، وقد يقال للـخفـيّ من الكلام الذي هو مثل الهمس بخفض الصوت: الرمز، ومنه قول جوبة بن عائذ:

وكانَ يُكَلِّـمُ الأبْطالَ رَمْزاًوَهَمْهَمَةً لَهُمْ مِثْلَ الهَدِيرِ

يقال منه: رَمَزَ فلان فهو يَرْمِزُ وَيَرْمُزُ رَمْزاً، ويترمز ترمُّزاً، ويقال: ضربه ضربة فـارتـمز منها: أي اضطرب للـموت، قال الشاعر:

خَرَرْتُ مِنـها لقـفـايَ أرْتَـمِـزْ

وقد اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنى الذي عنى الله عزّ وجلّ به فـي إخبـاره عن زكريا من قوله: {أَلاَّ تُكَلّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا } وأيّ معانـي الرمز عنى بذلك؟ فقال بعضهم: عنى بذلك: آيتك أن لا تكلـم الناس ثلاثة أيام إلا تـحريكاً بـالشفتـين، من غير أن ترمز بلسانك الكلام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن النضر بن عربـي، عن مـجاهد فـي قوله: {إِلاَّ رَمْزًا } قال: تـحريك الشفتـين.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا } قال: إيـماؤه بشفتـيه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

وقال آخرون: بل عنى الله بذلك الإيـماء والإشارة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سلـمة بن نبـيط، عن الضحاك: {إِلاَّ رَمْزًا } قال: الإشارة.

حدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {إِلاَّ رَمْزًا } قال: الرمز: أن يشير بـيده أو رأسه ولا يتكلـم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {إِلاَّ رَمْزًا } قال: الرمز: أن أُخِذَ بلسانه، فجعل يكلـم الناس بـيده.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {إِلاَّ رَمْزًا } قال: والرمز: الإشارة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {رَبّ ٱجْعَل لِّى ءايَةً قَالَ ءايَتُكَ أَلاَّ تُكَلّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا }... الآية. قال: جعل آيته أن لا يكلـم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً، إلا أنه يذكر الله. والرمز: الإشارة، يشير إلـيهم.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {إِلاَّ رَمْزًا } إلا إيـماء.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {إِلاَّ رَمْزًا } يقول: إشارة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عبد الله بن كثـير: {إِلاَّ رَمْزًا }: إلا إشارة.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، عن عبـاد، عن الـحسن، فـي قوله: {قَالَ ءايَتُكَ أَلاَّ تُكَلّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أيَّامٍ إلاَّ رَمْزاً } قال: أُمسِكَ بلسانه، فجعل يومىء بـيده إلـى قومه: أن سبحوا بكرة وعشياً.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبّحْ بِٱلْعَشِىّ وَٱلإبْكَـٰرِ }.

يعنـي بذلك: قال الله جلّ ثناؤه لزكريا: يا زكريا آيتك أن لا تكلـم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً بغير خرس، ولا عاهة، ولا مرض {وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا } فإنك لا تـمنع ذكره، ولا يحال بـينك وبـين تسبـيحه وغير ذلك من ذكره. وقد:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي معشر، عن مـحمد بن كعب، قال: لو كان الله رخص لأحد فـي ترك الذكر لرخص لزكريا حيث قال: {ءايَتُكَ أَن لا تُكَلّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا } أيضاً.

وأما قوله: {وَسَبّحْ بِٱلْعَشِىّ } فإنه يعنـي: عظم ربك بعبـادته بـالعشيّ. والعشيّ: من حين تزول الشمس إلـى أن تغيب، كما قال الشاعر:

فلا الظلَّ من بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعُهُ ولا الفَـيْءَ من بَرْدِ العَشِيّ تَذُوقُ

فـالفـيء إنـما تبتدىء أوبته عند زوال الشمس، وتتناهى بـمغيبها.

وأما الإبكار: فإنه مصدر من قول القائل: أبكر فلان فـي حاجة، فهو يُبْكِرُ إبكاراً، وذلك إذا خرج فـيها من بـين مطلع الفجر إلـى وقت الضحى، فذلك إبكار، يقال فـيه: أبكر فلان، وبكر يَبْكُرُ بكورا. فمن الإبكار قول عمر بن أبـي ربـيعة:

أمِنْ آلِ نُعْـمٍ أنتَ غادٍ فمُبْكِـرُ

ومن البكور قول جرير:

ألا بَكَرَتْ سَلْـمَى فَجَدَّ بُكُورُها وَشَقَّ العَصَا بعد اجتـماعٍ أميرُها

ويقال من ذلك: بكر النـخـل يبكُر بكوراً، وأبكر يُبْكِر إبكاراً، والبـاكور من الفواكه: أوّلها إدراكاً.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِىّ وَٱلإبْكَـٰرِ } قال: الإبكار: أوّل الفجر، والعشيّ، ميـل الشمس حتـى تغيب.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٤٢

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: والله سميع علـيـم

{ إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرٰنَ رَبِّ إِنّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِى مُحَرَّرًا }[آل عمران: 35]، {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ }.

ومعنى قوله: {ٱصْطَفَـٰكِ } اختارك واجتبـاك لطاعته، وما خصك به من كرامته. وقوله: {وَطَهَّرَكِ } يعنـي: طهر دينك من الريب والأدناس التـي فـي أديان نساء بنـي آدم. {وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَاء ٱلْعَـٰلَمِينَ } يعنـي: اختارك على نساء العالمين فـي زمَانك بطاعتك إياه، ففضلك علـيهم. كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

خَيْرُ نِسائِها مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسائها خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْـلِدٍ يعنـي بقوله: خير نسائها: خير نساء أهل الـجنة.

حدثنـي بذلك الـحسين بن علـيّ الصدائي، قال: ثنا مـحاضر بن الـمورّع، قال: ثنا هشام بن عروة، عن أبـيه، عن عبد الله بن جعفر، قال: سمعت علـياً بـالعراق، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

خَيْرُ نِسائها مَرْيَـمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسائها خَدِيجَةُ

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنـي الـمنذر بن عبد الله الـخزامي، عن هشام بن عروة، عن أبـيه، عن عبد الله بن جعفر بن أبـي طالب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:

خَيْرُ نِساءِ الـجَنَّةِ مَرْيَـمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِساءِ الـجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْـلِدٍ

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَاء ٱلْعَـٰلَمِينَ } ذكر لنا أن نبـيّ الله، كان يقول:

حَسْبُكَ بِـمَرْيَـمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، وَامْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْـلِدٍ، وَفـاطِمَةَ بِنْتِ مُـحَمَّدٍ مِنْ نِساءِ العالَـمِينَ. قال قتادة: ذكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: خَيْرُ نِساءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ صَوَالِـحُ نِساءِ قُرَيْشٍ، أحْناهُ علـى وَلَدٍ فِـي صِغَرِهِ، وأرْعاهُ علـى زَوْجٍ فِـي ذَاتِ يَدِهِ. قال قتادة: وذكر لنا أنه كان يقول: لَوْ عَلِـمْتُ أنَّ مَرْيَـمَ رَكِبَتِ الإبِلَ ما فَضَّلْتُ عَلَـيْهَا أحَداً

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَاء ٱلْعَـٰلَمِينَ } قال: كان أبو هريرة يحدِّث أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال:

خَيْرُ نِساءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ صُلَّـحُ نِساءِ قُرَيْشٍ أحْناهُ علـى وَلَدٍ وأرْعاهُ لِزَوْجٍ فِـي ذَاتِ يَدِهِ قال أبو هريرة: ولـم تركب مريـم بعيراً قط.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه قوله: {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَاء ٱلْعَـٰلَمِينَ } قال: كان ثابت البنانـي يحدّث عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

خَيْرُ نِساءِ العالَـمِينَ أرْبَعٌ: مَرْيَـمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْـلِدٍ، وَفَـاطِمَةُ بِنْتُ مُـحَمَّدٍ

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم العسقلانـي، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا عمرو بن مرّة، قال: سمعت مرّة الهمدانـي يحدّث عن أبـي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كَمُلَ مِنَ الرّجالِ كَثِـيرٌ، وَلَـمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلاَّ مَرْيَـمُ وآسِيَةُ امْرأةُ فِرْعَوْنَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْـلِدٍ وَفـاطِمَةُ بِنْتُ مُـحَمَّدٍ

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو الأسود الـمصري، قال: ثنا ابن لهيعة، عن عمارة بن غزية، عن مـحمد بن عبد الرحمن بن عمرو بن عثمان، أن فـاطمة بنت حسين بن علـيّ حدثته أن فـاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: دخـل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً وأنا عند عائشة، فناجانـي، فبكيت، ثم ناجانـي، فضحكت، فسألتنـي عائشة عن ذلك، فقلت: لقد عجلتِ، أخبرك بسرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم! فتركتنـي، فلـما توفـي رسول الله صلى الله عليه وسلم، سألتها عائشة، فقالت: نعم، ناجانـي فقال:

جِبْرِيـلُ كانَ يُعارِضُ القُرْآنَ كُلَّ عامٍ مَرَّةً، وَإنَّهُ قَدْ عارَضَ القُرْآنَ مَرَّتَـيْنِ، وَإنَّهُ لَـيْسَ مِنْ نَبِـيٍّ إلاَّ عُمِّرَ نِصْفُ عُمْرِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ، وَإنَّ عِيسىَ أخِي كانَ عُمْرُهُ عِشْرِينَ وَمِائَةَ سَنَةٍ، وَهَذِهِ لِـي سِتُّونَ، وأحْسِبُنِـي مَيِّتا فِـي عامِي هَذَا، وَإنَّهُ لَـمْ تُرْزأ امْرأةٌ مِنْ نِساءِ العَالَـمِينَ بِـمِثْلِ مَا رُزِئْتِ، وَلا تَكُونِـي دُونَ امْرأةٍ صَبْراً. قالت: فبكيت، ثم قال: أَنْتِ سَيِّدَةُ نِساءِ أهْلِ الـجَنَّةِ إلاَّ مَرْيَـمَ البَتُولَ فتُوفـي عامه ذلك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو الأسود، قال: ثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن الـحارث، أن أبـا زياد الـحميريّ حدثه، أنه سمع عمار بن سعد يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

فُضّلَتْ خَدِيجَةُ علـى نِساءِ أُمَّتِـي كَما فُضّلَتْ مَرْيَـمُ عَلـى نِساءِ العَالَـمِينَ

وبـمثل الذي قلنا فـي معنى قوله: {وَطَهَّرَكِ }: أنه وطهر دينك من الدنس والريب، قال مـجاهد.

حدثني مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ } قال: جعلك طيبة إيـماناً.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَاء ٱلْعَـٰلَمِينَ } قال: ذلك للعالـمين يومئذ.

وكانت الملائكة فيما ذكر ابن إسحاق تقول ذلك لمريم شفاهاً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثني ابن إسحاق، قال: كانت مريم حبيساً في الكنـيسة، ومعها فـي الكنيسة غلام اسمه يوسف، وقد كان أمه وأبوه جعلاه نذيراً حبـيساً، فكانا فـي الكنـيسة جميعاً، وكانت مريـم إذا نفد ماؤها وماء يوسف، أخذا قلتـيهما فـانطلقا إلـى الـمفـازة التـي فـيها الـماء الذي يستعذبـان منه، فـيـملآن قلتـيهما، ثم يرجعان إلـى الكنـيسة، والـملائكة فـي ذلك مقبلة علـى مريـم: {يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَاء ٱلْعَـٰلَمِينَ } فإذا سمع ذلك زكريا، قال: إن لابنة عمران لشأناً.

يَٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ۝٤٣

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله خبراً عن قـيـل ملائكته لـمريـم: {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبّكِ } أخـلصي الطاعة لربك وحده. وقد دللنا علـى معنى القنوت بشواهده فـيـما مضى قبل.

والإختلاف بـين أهل التأويـل فـيه فـي هذا الـموضع نـحو اختلافهم فـيه هنالك، وسنذكر قول بعضهم أيضاً فـي هذا الـموضع، فقال بعضهم: معنى «اقنتـي»: أطيـلـي الركود. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: { يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبّكِ } قال: أطيـلـي الركود، يعنـي: القنوت.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج {ٱقْنُتِى لِرَبّكِ } قال: قال مـجاهد: أطيـلـي الركود فـي الصلاة، يعنـي: القنوت.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن لـيث، عن مـجاهد، قال: لـما قـيـل لها: {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبّكِ } قامت حتـى ورم كعبـاها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن لـيث، عن مـجاهد، قال: لـما قـيـل لها: { يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبّكِ } قامت حتـى ورمت قدماها.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبـي لـيـلـى، عن مـجاهد: {ٱقْنُتِى لِرَبّكِ } قال: أطيـلـي الركود.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: { يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبّكِ } قال: القنوت: الركود، يقول: قومي لربك فـي الصلاة، يقول: اركدي لربك، أي انتصبـي له فـي الصلاة، واسجدي واركعي مع الراكعين.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفـيان، عن لـيث، عن مـجاهد: { يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبّكِ } قال: كانت تصلـي حتـى ترم قدماها.

حدثنـي ابن البرقـي، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا الأوزاعي: {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبّكِ } قال: كانت تقوم حتـى يسيـل القـيح من قدميها.

وقال آخرون: معناه: أخلصي لربك. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا ابن المبارك، عن شريك، عن سالم، عن سعيد: { يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبّكِ } قال: أخـلصي لربك.

وقال آخرون: معناه: أطيعي ربك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ } قال: أطيعي ربك.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {ٱقْنُتِى لِرَبّكِ } أطيعي ربك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا مـحمد بن حرب، قال: ثنا ابن لهيعة، عن دراج، عن أبـي الهيثم، عن أبـي سعيد الـخدري، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال:

كُلُّ حَرْفٍ يُذْكَرُ فِـيهِ القُنُوتُ مِنَ القُرْآنِ، فَهُوَ طاعَةٌ لِلَّهِ

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، عن عبـاد بن منصور، عن الـحسن، فـي قوله: {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبّكِ } قال: يقول: اعبدي ربك.

قال أبو جعفر: وقد بـينا أيضاً معنى الركوع والسجود بـالأدلة الدالة علـى صحته، وأنهما بـمعنى الـخشوع لله والـخضوع له بـالطاعة والعبودية.

فتأويـل الآية إذاً: يا مريـم أخـلصي عبـادة ربك لوجهه خالصاً، واخشعي لطاعته وعبـادته، مع من خشع له من خـلقه، شكراً له علـى ما أكرمك به من الاصطفـاء والتَّطهير من الأدناس والتفضيـل علـى نساء عالـم دهرك.

ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ۝٤٤

يعنـي جل ثناؤه بقوله: ذلك الأخبـار التـي أخبر بها عبـاده عن امرأة عمران وابنتها مريـم وزكريا، وابنه يحيـى، وسائر ما قصّ فـي الآيات من قوله:

{ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا }[آل عمران: 33] ثم جمع جميع ذلك تعالـى ذكره بقوله ذلك، فقال: هذه الأنبـاء من أنبـاء الغيب: أي من أخبـار الغيب. ويعنـي بـالغيب، أنها من خفـيّ أخبـار القوم التـي لـم تطلع أنت يا مـحمد علـيها ولا قومك، ولـم يعلـمها إلا قلـيـل من أحبـار أهل الكتابـين ورهبـانهم ثم أخبر تعالـى ذكره نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم أنه أوحى ذلك إلـيه حجة علـى نبوّته، وتـحقـيقاً لصدقه، وقطعاً منه به عذر منكري رسالته من كفـار أهل الكتابـين الذين يعلـمون أن مـحمداً لـم يصل إلـى علـم هذه الأنبـاء مع خفـائها ولـم يدرك معرفتها مع خمولها عند أهلها إلا بإعلام الله ذلك إياه، إذ كان معلوماً عندهم أنه مـحمداً صلى الله عليه وسلم أمي لا يكتب فـيقرأ الكتب فـيصل إلـى علـم ذلك من قِبَل الكتب، ولا صاحب أهل الكتب فـيأخذ علـمه من قِبَلهم.

وأما الغيب: فمصدر من قول القائل: غاب فلان عن كذا، فهو يغيب عنه غَيْبـاً وغيبةً.

وأما قوله: {نُوحِيهِ إِلَيْكَ } فإن تأويـله: ننزله إلـيك، وأصل الإيحاء: إلقاء الـموحي إلـى الـموحَى إلـيه، وذلك قد يكون بكتاب وإشارة وإيـماء وبإلهام وبرسالة، كما قال جلّ ثناؤه:

{ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ }[النحل: 68] بـمعنى: ألقـى ذلك إلـيها فألهمها، وكما قال: { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيّينَ }[المائدة: 111] بـمعنى: ألقـيت إلـيهم علـم ذلك إلهاماً، وكما قال الراجز:

أوْحَـى لَـهَـا الـقَـرَارَ فـاسْـتَـقَـرَّتِ

بـمعنى: ألقـى إلـيها ذلك أمراً، وكما قال جلّ ثناؤه: { فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً }[مريم: 11] بـمعنى: فألقـى ذلك إلـيهم أيضاً، والأصل فـيه ما وصفت من إلقاء ذلك إلـيهم. وقد يكون إلقاؤه ذلك إلـيهم إيـماء، ويكون بكتاب، ومن ذلك قوله: { وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ }[الأنعام: 121] يـلقون إلـيهم ذلك وسوسة، وقوله: { وأُوحِىَ إلىَّ هَذَا ٱلقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ }[الأنعام: 19]: ألقـي إلـيّ بـمـجيء جبريـل علـيه السلام به إلـيّ من عند الله عزّ وجلّ. وأما الوحي: فهو الواقع من الـموحِي إلـى الـموحَى إلـيه، ولذلك سمت العرب الـخط والكتاب وحياً، لأنه واقع فـيـما كتب ثابت فـيه، كما قال كعب بن زهير:

أتَـى العُجْمَ والآفـاقَ منهُ قَصائِدٌبَقِـينَ بَقاءَ الوَحْيِ فِـي الـحَجَرِ الأَصَمّ

يعنـي به الكتاب الثابت فـي الـحجر. وقد يقال فـي الكتاب خاصة إذا كتبه الكاتب وَحَى، بغير ألف، ومنه قول رؤبة:

كأنَّهُ بَعْدَ رِياح تَدْهَمَهُ وَمُرْثَعِنَّاتِ الدُّجُونِ تَثِمُهْ إنـجيـلُ أحْبـارٍ وَحَـى مُنَـمْنِـمُهْ

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ }.

يعنـي جل ثناؤه بقوله: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ }: وما كنت يا مـحمد عندهم، فتعلـم ما نعلـمكه من أخبـارهم التـي لـم تشهدها، ولكنك إنـما تعلـم ذلك فتدرك معرفته بتعريفنا.

ومعنى قوله {لَدَيْهِمْ }: عندهم، ومعنى قوله {إِذْ يُلْقُون }: حين يـلقون أقلامهم. وأما أقلامهم فسهامهم التـي استهم بها الـمتسهمون من بنـي إسرائيـل علـى كفـالة مريـم، علـى ما قد بـينا قبل فـي قوله: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا }.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام بن عمرو، عن سعيد، عن قتادة فـي قوله: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ } يعنـي مـحمداً صلى الله عليه وسلم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ }: زكريا وأصحابه استهموا بأقلامهم علـى مريـم حين دخـلت علـيهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ }: كانت مريـم ابنة إمامهم وسيدهم، فتشاحّ علـيها بنو إسرائيـل، فـاقترعوا فـيها بسهامهم أيهم يكفلها، فقرعهم زكريا، وكان زوج أختها، فكفلها زكريا، يقول: ضمها إلـيه.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ } قال: تساهموا علـى مريـم أيهم يكفلها، فقرعهم زكريا.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ }، وإن مريـم لـما وضعت فـي الـمسجد، اقترع علـيها أهل الـمصلـى، وهم يكتبون الوحي، فـاقترعوا بأقلامهم أيهم يكفلها، فقال الله عزّ وجلّ لـمـحمد صلى الله عليه وسلم: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ }.

حدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {إِذْ يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ }: اقترعوا بأقلامهم أيهم يكفل مريـم، فقرعهم زكريا.

حدثنا مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، عن عبـاد، عن الـحسن، فـي قوله: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ } قال: حيث اقترعوا علـى مريـم، وكان غيبـاً عن مـحمد صلى الله عليه وسلم حين أخبره الله.

وإنـما قـيـل: {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } لأن إلقاء الـمستهمين أقلامهم علـى مريـم إنـما كان لـينظروا أيهم أولـى بكفـالتها وأحقّ، ففـي قوله عزّ وجلّ: {إِذْ يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ } دلالة علـى مـحذوف من الكلام، وهو: «لـينظروا أيهم يكفل، ولـيتبـينوا ذلك ويعلـموه».

فإن ظنّ ظانّ أن الواجب فـي «أيهم» النصب، إذ كان ذلك معناه، فقد ظنّ خطأ؛ وذلك أن النظر والتبـين والعلـم مع أيّ يقتضي استفهاماً واستـخبـاراً، وحظّ «أيّ» فـي الاستـخبـار الابتداء، وبطول عمل الـمسألة والاستـخبـار عنه. وذلك أن معنى قول القائل: لأنظرنّ أيهم قام، لأستـخبرنّ الناس أيهم قام؛ وكذلك قولهم: لأعلـمنّ. وقد دللنا فـيـما مضى قبل أن معنى يكفُل يضمّ، بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ }.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: وما كنت يا مـحمد عند قوم مريـم، إذ يختصمون فـيها أيهم أحقّ بها وأولـى، وذلك من الله عزّ وجلّ وإن كان خطابـا لنبـيه صلى الله عليه وسلم، فتوبـيخ منه عزّ وجلّ للـمكذّبـين به من أهل الكتابـين، يقول: كيف يشكّ أهل الكفر بك منهم، وأنت تنبئهم هذه الأنبـاء ولـم تشهدها، ولـم تكن معهم يوم فعلوا هذه الأمور، ولست مـمن قرأ الكتب فعلـم نبأهم، ولا جالس أهلها فسمع خبرهم. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } أي ما كنت معهم إذ يختصمون فـيها يخبره بخفـيّ ما كتـموا منه من العلـم عندهم، لتـحقـيق نبوّته والـحجة علـيهم، لـما يأتـيهم به مـما أخفوا منه.

إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ۝٤٥

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـئِكَةُ } وما كنت لديهم إذ يختصمون، وما كنت لديهم أيضا إذ قالت الـملائكة: يا مريـم إن الله يبشرك. والتبشير: إخبـار الـمرء بـما يسرّه من خبر. وقوله: {بِكَلِمَةٍ مّنْهُ } يعنـي: برسالة من الله، وخبر من عنده، وهو من قول القائل: ألقـى فلان إلـيّ كلـمة سرّنـي بها، بـمعنى: أخبرنـي خبراً فرحت به، كما قال جلّ ثناؤه:

{ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَـٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ }[النساء: 171] يعنـي بشرى الله مريـم بعيسى ألقاها إلـيها.

فتأويـل الكلام: وما كنت يا مـحمد عند القوم إذ قالت الـملائكة لـمريـم: يا مريـم إن الله يبشرك ببشرى من عنده، هي ولد لك، اسمه الـمسيح عيسى ابن مريـم.

وقد قال قوم، وهو قول قتادة: إن الكلـمة التـي قال الله عزّ وجلّ بكلـمة منه، هو قوله: «كن».

حدثنا بذلك الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: {بِكَلِمَةٍ مّنْهُ } قال: قوله: «كن».

فسماه الله عزّ وجلّ كلـمته، لأنه كان عن كلـمته، كما يقال لـما قدر الله من شيء: هذا قدر الله وقضاؤه، يعنـي به: هذا عن قدر الله وقضائه حدث، وكما قال جلّ ثناؤه: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً } يعنـي به: ما أمر الله به، وهو الـمأمور الذي كان عن أمر الله عزّ وجلّ.

وقال آخرون: بل هي اسم لعيسى سماه الله بها كما سمى سائر خـلقه بـما شاء من الأسماء. ورُوي عن ابن عبـاس رضي الله عنه أنه قال: الكلـمة: هي عيسى.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن إسرائيـل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس فـي قوله: {إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ } قال: عيسى هو الكلـمة من الله.

وأقرب الوجوه إلـى الصواب عندي القول الأول: وهو أن الـملائكة بشرت مريـم بعيسى عن الله عزّ وجلّ برسالته وكلـمته التـي أمرها أن تلقـيها إلـيها، أن الله خالق منها ولداً من غير بعل ولا فحل، ولذلك قال عزّ وجلّ: {ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ } فذكَّر، ولـم يقل اسمها فـيؤنث، والكلـمة مؤنثة، لأن الكلـمة غير مقصود بها قصد الاسم الذي هو بـمعنى فلان، وإنـما هي بـمعنى البشارة، فذكرت كنايتها، كما تذكر كناية الذرّية والدابة والألقاب، علـى ما قد بـيناه قبل فـيـما مضى.

فتأويـل ذلك كما قلنا آنفـا، من أن معنى ذلك: إن الله يبشركِ ببشرى، ثم بـين عن البشرى، أنها ولد اسمه الـمسيح.

وقد زعم بعض نـحويـي البصرة، أنه إنـما ذكّر فقال: {ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ }، وقد قال: {بِكَلِمَةٍ مِنْهُ } والكلـمة عنده: هي عيسى، لأنه فـي الـمعنى كذلك، كما قال جلّ ثناؤه:

{ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَىٰ }[الزمر: 56]، ثم قال: { بَلَىٰ قَدْ جَاءتْكَ ءايَـٰتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا }[الزمر: 59] وكما يقال: ذو الثدية، لأن يده كانت قصيرة قريبة من ثديـيه، فجعلها كأن اسمها ثَدْيَة، ولولا ذلك لـم تدخـل الهاء فـي التصغير.

وقال بعض نـحويـي الكوفة نـحو قول من ذكرنا من نـحويـي البصرة، فـي أن الهاء من ذكر الكلـمة، وخالفه فـي الـمعنى الذي من أجله ذكر قوله {ٱسْمُهُ }، والكلـمة متقدمة قبله، فزعم أنه إنـما قـيـل اسمه، وقد قدمت الكلـمة، ولـم يقل اسمها، لأن من شأن العرب أن تفعل ذلك فـيـما كان من النعوت والألقاب والأسماء التـي لـم توضع لتعريف الـمسمى به كفلان وفلان، وذلك مثل الذرّية والـخـلـيفة والدابة، ولذلك جاز عنده أن يقال: ذرّية طيبة، وذرّية طيبـاً؛ ولـم يجز أن يقال: طلـحة أقبلت، ومغيرة قامت. وأنكر بعضهم اعتلال من اعتلّ فـي ذلك بذي الثدية، وقالوا: إنـما أدخـلت الهاء فـي ذي الثدية لأنه أريد بذلك: القطعة من الثدي، كما قـيـل: كنا فـي لـحمة ونبـيذة، يراد به: القطعة منه. وهذا القول نـحو قولنا الذي قلناه فـي ذلك.

وأما قوله: {ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ } فإنه جلّ ثناؤه أنبأ عبـاده عن نسبة عيسى، وأنه ابن أمه مريـم، ونفـى بذلك عنه ما أضاف إلـيه الـملـحدون فـي الله جلّ ثناؤه من النصارى، من إضافتهم بنوته إلـى الله عزّ وجلّ، وما قَذَفَت أُمَّهُ به الـمفتريةُ علـيها من الـيهود. كما:

حدثنـي به ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ }: أي هكذا كان أمره، لا ما يقولون فـيه.

وأما الـمسيح، فإنه فَعِيـل، صرّف من مفعول إلـى فعيـل، وإنـما هو مـمسوح، يعنـي: مسحه الله فطهره من الذنوب، ولذلك قال إبراهيـم: الـمسيح الصديق....

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي عن سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم، مثله وقال آخرون مسح بالبركة.

حدثنا ابن البرقـي، قال: ثنا عمرو بن أبـي سلـمة، قال: قال سعيد: إنـما سمي الـمسيح، لأنه مسح بـالبركة.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَجِيهًا فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلاْخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ }.

يعنـي بقوله «وجيهاً»: ذا وجه ومنزلة عالـية عند الله وشرف وكرامة، ومنه يقال للرجل الذي يشرف وتعظمه الـملوك والناس: وجيه؛ يقال منه: ما كان فلان وجيهاً، ولقد وَجُهَ وجاهةً، وإن له لَوَجْهاً عند السلطان، وجاهاً ووجاهة. والـجاه: مقلوب قلبت واوه من أوّله إلـى موضع العين منه، فقـيـل جاه، وإنـما هو وجه وفعل من الـجاه: جَاهَ يَجُوهُ، مسموع من العرب: أخاف أن يجوهنـي بأكثر من هذا، بـمعنى: أن يستقبلنـي فـي وجهي بأعظم منه. وأما نصب الوجيه فعلـى القطع من عيسى، لأن عيسى معرفة، ووجيه نكرة، وهو من نعته، ولو كان مخفوضاً علـى الردّ علـى الكلـمة كان جائزاً.

وكما قلنا من أن تأويـل ذلك وجيهاً فـي الدنـيا والآخرة عند الله، قال فـيـما بلغنا مـحمد بن جعفر.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {وَجِيهاً } قال: وجيهاً فـي الدنـيا والآخرة عند الله.

وأما قوله: {وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ } فإنه يعنـي: أنه مـمن يقرّبه الله يوم القـيامة، فـيسكنه فـي جواره، ويدنـيه منه. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ } يقول: من الـمقرّبـين عند الله يوم القـيامة.

حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قوله: {وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ } يقول: من الـمقرّبـين عند الله يوم القـيامة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝٤٦

أما قوله: {وَيُكَلّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ } فإن معناه: أن الله يبشرك بكلـمة منه اسمه الـمسيح عيسى بن مريـم، وجيهاً عند الله، ومكلـماً الناس فـي الـمهد. فـ«يكلّـم» وإن كان مرفوعاً، لأنه فـي صورة «يَفْعَلُ» بـالسلامة من العوامل فـيه، فإنه فـي موضع نصب، وهو نظير قول الشاعر:

بِتُّ أُعَشِّيها بِعَضْبٍ بـاتِرِ يَقْصِدُ فـي أسْوُقِها وَجائِرِ

وأما الـمهد: فإنه يعنـي به مضجع الصبـيّ فـي رضاعه. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {وَيُكَلّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ } قال: مضجع الصبـيّ فـي رضاعه.

وأما قوله: {وَكَهْلاً } فإندده ومـحتَنِكاً فوق الغلومة ودون الشيخوخة، يقال منه: رجل كهل، وامرأة كهلة، كما قال الراجز:

وَلا أَعُودُ بَعْدَهَا كَرِيَّا أُمَارِسُ الكَهْلَةَ وَالصَّبِـيَّا

وإنـما عنى جلّ ثناؤه بقوله: {وَيُكَلّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً }: ويكلـم الناس طفلاً فـي الـمهد، دلالة علـى براءة أمه مـما قذفها به الـمفترون علـيها، وحجة له علـى نبوّته، وبـالغاً كبـيراً بعد احتناكه بوحي الله الذي يوحيه إلـيه، وأمره ونهيه، وما تقوّل علـيه من كتابه. وإنـما أخبر الله عزّ وجلّ عبـاده بذلك من أمر الـمسيح، وأنه كذلك كان، وإن كان الغالب من أمر الناس أنهم يتكلـمون كهولاً وشيوخاً، احتـجاجاً به علـى القائلـين فـيه من أهل الكفر بـالله من النصارى بـالبـاطل، وأنه كان فـي معاناة أشياء مولوداً طفلاً، ثم كهلاً يتقلَّب فـي الأحداث، ويتغير بـمرور الأزمنة علـيه والأيام، من صغر إلـى كبر، ومن حال إلـى حال، وأنه لو كان كما قال الـملـحدون فـيه، كان ذلك غير جائز علـيه، فكذب بذلك ما قاله الوفد من أهل نـجران، الذين حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فـيه، واحتـجّ به علـيهم لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم، وأعلـمهم أنه كان كسائر بنـي آدم، إلا ما خصه الله به من الكرامة التـي أبـانه بها منهم. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {وَيُكَلّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } يخبرهم بحالاته التـي يتقلب بها فـي عمره كتقلب بنـي آدم فـي أعمارهم صغارا وكبـارا، إلا أن الله خصه بـالكلام فـي مهده آية لنبوّته، وتعريفـا للعبـاد مواقع قدرته.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَيُكَلّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } يقول: يكلـمهم صغيراً وكبـيراً.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً } قال: يكلـمهم صغيراً وكبـيراً.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَكَهْلاً وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } قال: الكهل: الـحلـيـم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: كلـمهم صغيراً وكبـيراً وكهلاً. وقال ابن جريج، وقال مـجاهد: الكهل: الـحلـيـم.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، عن عبـاد، عن الـحسن فـي قوله: {وَيُكَلّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً } قال: كلـمهم فـي الـمَهْدِ صَبِـيًّا، وكلـمهم كبـيراً.

وقال آخرون: معنى قوله: {وَكَهْلاً }: أنه سيكلـمهم إذا ظهر. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعته ـ يعنـي ابن زيد ـ يقول فـي قوله: {وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً } قال: قد كلـمهم عيسى فـي الـمهد، وسيكلـمهم إذا قتل الدجال، وهو يومئذٍ كهل.

ونصب كهلاً عطفـاً علـى موضع: ويكلـم الناس. وأما قوله: {وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } فإنه يعنـي: من عدادهم وأولـيائهم لأن أهل الصلاح بعضهم من بعض فـي الدين والفضل.

الخميس، 22 أكتوبر 2026 11 جمادى الأولى 1448 هـ