انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير الطبريالآيات 184–193

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة آل عمران

الخلاصة من تفسير الطبري · 11 مقطعًا · 3:01:26

  1. 1 الآيات 172–185في هذه الصفحة 14:11
  2. 2 الآيات 186–200في هذه الصفحة 15:47

التفسير الصوتي لسورة آل عمران كاملًا (11 مقطعًا)

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُو بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُنِيرِ ۝١٨٤

وهذا تعزية من الله جلّ ثناؤه نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم علـى الأذى الذي كان يناله من الـيهود وأهل الشرك بـالله من سائر أهل الـملل. يقول الله تعالـى له: لا يحزنك يا مـحمد كذب هؤلاء الذين قالوا: إن الله فقـير، وقالوا: إن الله عهد إلـينا أن لا نؤمن لرسول حتـى يأتـينا بقربـان تأكله النار، وافتراؤهم علـى ربهم اغتراراً بإمهال الله إياهم، ولا يعظمنّ علـيك تكذيبهم إياك، وادّعاؤهم الأبـاطيـل من عهود الله إلـيهم، فإنهم إن فعلوا ذلك بك فكذّبوك، وكذبوا علـى الله، فقد كذبت أسلافهم من رسل الله قبلك من جاءهم بـالـحجج القاطعة العذر، والأدلة البـاهرة العقل، والآيات الـمعجزة الـخـلق، وذلك هو البـينات. وأما الزبر: فإنه جمع زبور: وهو الكتاب، وكل كتاب فهو زبور، ومنه قول امرىء القـيس:

لَـمِنْ طَلَلٌ أبْصَرْتُهُ فَشَجانِـي كَخَطّ زَبُورٍ فِـي عَسِيبِ يَـمَانِـي

ويعنـي بـالكتاب: التوراة والإنـجيـل، وذلك أن الـيهود كذّبت عيسى وما جاء به وحرّفت ما جاء به موسى علـيه السلام من صفة مـحمد صلى الله عليه وسلم، وبدلت عهده إلـيهم فـيه، وأن النصارى جحدت ما فـي الإنـجيـل من نعته وغيرت ما أمرهم به فـي أمره.

وأما قوله: {ٱلْمُنِيرِ } فإنه يعنـي: الذي ينـير فـيبـين الـحقّ لـمن التبس علـيه ويوضحه، وإنـما هو من النور والإضاءة، يقال: قد أنار لك هذا الأمر، بـمعنى: أضاء لك وتبـين، فهو ينـير إنارة، والشيء الـمنـير. وقد:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } قال: يعزّي نبـيه صلى الله عليه وسلم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } قال: يعزّي نبـيه صلى الله عليه وسلم.

وهذا الـحرف فـي مصاحف أهل الـحجاز والعراق: «والزُّبُرِ» بغير بـاء، وهو فـي مصاحف أهل الشام: «وبـالزبر» بـالبـاء مثل الذي فـي سورة فـاطر.

كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ ۝١٨٥

يعنـي بذلك تعالـى ذكره: أن مصير هؤلاء الـمفترين علـى الله من الـيهود الـمكذبـين برسوله، الذين وصف صفتهم، وأخبر عن جراءتهم علـى ربهم، ومصير غيرهم من جميع خـلقه تعالـى ذكره، ومرجع جميعهم إلـيه، لأنه قد حتـم الـموت علـى جميعهم، فقال لنبـيه صلى الله عليه وسلم: لا يحزنك تكذيب من كذّبك يا مـحمد من هؤلاء الـيهود وغيرهم، وافتراء من افترى علـيّ، فقد كذّب قبلك رسل جاءوا من الآيات والـحجج من أرسلوا إلـيه بـمثل الذي جئت من أرسلت إلـيه، فلك فـيهم أسوة تتعزّى بهم، ومصير من كذّبك، وافترى علـيّ وغيرهم، ومرجعهم إلـيّ، فأوفـي كل نفس منهم جزاء عمله يوم القـيامة، كما قال جلّ ثناؤه: {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } يعنـي أجور أعمالكم إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ. {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ }، يقول: فمن نـحي عن النار وأبعد منها، {فَقَدْ فَازَ } يقول: فقد نـجا وظفر بحاجته، يقال منه: فـاز فلان بطلبته يفوز فوزاً ومفـازاً ومفـازة: إذا ظفر بها.

وإنـما معنى ذلك: فمن نُـحِّـي عن النار فأبعد منها، وأدخـل الـجنة، فقد نـجا وظفر بعظيـم الكرامة. {وَما ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ } يقول: وما لذات الدنـيا وشهواتها، وما فـيها من زينتها وزخارفها، إلا متاع الغرور، يقول: إلا متعة يـمتعكموها الغرور والـخداع الـمضمـحل، الذي لا حقـيقة له عند الامتـحان، ولا صحة له عند الاختبـار، فأنتـم تلتذّون بـما متعكم الغرور من دنـياكم، ثم هو عائد علـيكم بـالفجائع والـمصائب والـمكاره، يقول تعالـى ذكره: لا تركنوا إلـى الدنـيا فتسكنوا إلـيها، فإنـما أنتـم منها فـي غرور تـمتعون، ثم أنتـم عنها بعد قلـيـل راحلون. وقد رُوي فـي تأويـل ذلك ما:

حدثنـي به الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن بكير بن الأخنس، عن عبد الرحمن بن سابط فـي قوله: {وَما ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ } قال: كزاد الراعي، تزوده الكف من التـمر، أو الشيء من الدقـيق، أو الشيء يشرب علـيه اللبن.

فكأن ابن سابط ذهب فـي تأويـله هذا إلـى أن معنى الآية: وما الـحياة الدنـيا إلا متاع قلـيـل، لا يبلغ من تـمتعه ولا يكفـيه لسفره.

وهذا التأويـل وإن كان وجهاً من وجوه التأويـل، فإن الصحيح من القول فـيه هو ما قلنا، لأن الغرور إنـما هو الـخداع فـي كلام العرب، وإذ كان كذلك فلا وجه لصرفه إلـى معنى القلة، لأن الشيء قد يكون قلـيلاً وصاحبه منه فـي غير خداع ولا غرور؛ وأما الذي هو فـي غرور فلا القلـيـل يصح له ولا الكثـير مـما هو منه فـي غرور. والغرور مصدر من قول القائل: غرنـي فلان، فهو يغرنـي غروراً بضم الغين؛ وأما إذا فتـحت الغين من الغرور فهو صفة للشيطان الغرور الذي يغر ابن آدم حتـى يدخـله من معصية الله فـيـما يستوجب به عقوبته. وقد:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبدة وعبد الرحيـم، قالا: ثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو سلـمة، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مَوْضعُ سَوْطٍ فِـي الـجَنَّة خَيْرٌ مِنَ الدُّنْـيا وَما فِـيها، وَاقْرَءُوا إنْ شِئْتُـمْ {وَما ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ }»

لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ ۝١٨٦

يعني بذلك تعالى ذكره: {لَتُبْلَوُنَّ فِى أَمْوٰلِكُمْ } لتـختبرن بالمصائب فـي أموالكم وأنفسكم، يعني: وبهلاك الأقربـاء والعشائر من أهل نصرتكم وملتكم، {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } يعنـي: من الـيهود وقولهم

{ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ } وقولهم { يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ }[المائدة: 64] وما أشبه ذلك من افترائهم علـى الله. {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } يعنـي النصارى، {أَذًى كَثِيراً } والأذى من الـيهود ما ذكرنا، ومن النصارى قولهم: الـمسيح ابن الله، وما أشبه ذلك من كفرهم بـالله. {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ } يقول: وإن تصبروا لأمر الله الذي أمركم به فـيهم وفـي غيرهم من طاعته وتتقوا، يقول: وتتقوا الله فـيـما أمركم ونهاكم، فتعملوا فـي ذلك بطاعته. {فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } يقول: فإن ذلك الصبر والتقوى مـما عزم الله علـيه وأمركم به. وقـيـل إن ذلك كله نزل فـي فنـحاص الـيهودي سيد بنـي قـينقاع. كالذي:

حدثنا به القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عكرمة فـي قوله: {لَتُبْلَوُنَّ فِى أَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً } قال: نزلت هذه الآية فـي النبـي صلى الله عليه وسلم، وفـي أبـي بكر رضوان الله علـيه، وفـي فنـحاص الـيهودي سيد بنـي قـينقاع، قال: بعث النبـي صلى الله عليه وسلم أبـا بكر الصديق رحمه الله إلـى فنـحاص يستـمدُّه، وكتب إلـيه بكتاب، وقال لأبـي بكر:

لا تَفْتَاتَنَّ علـيَّ بِشَيْءٍ حتـى تَرْجِعَ فجاء أبو بكر وهو متوشح بـالسيف، فأعطاه الكتاب، فلـما قرأه قال: قد احتاج ربكم أن نـمده! فهمّ أبو بكر أن يضربه بـالسيف، ثم ذكر قول النبـي صلى الله عليه وسلم: لا تَفْتاتَنَّ عَلـيَّ بِشَيْءٍ حتـى تَرْجعَ فكف؛ ونزلت: { وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ }[آل عمران: 181] وما بـين الآيتـين إلـى قوله: {لَتُبْلَوُنَّ فِى أَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ } نزلت هذه الآيات فـي بنـي قـينقاع، إلـى قوله: { فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ }[آل عمران: 184]. قال ابن جريج: يعزي نبـيه صلى الله عليه وسلم، قال: {لَتُبْلَوُنَّ فِى أَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ } قال: أعلـم الله الـمؤمنـين أنه سيبتلـيهم فـينظر كيف صبرهم علـى دينهم، ثم قال: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } يعنـي: الـيهود والنصارى، {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً } فكان الـمسلـمون يسمعون من الـيهود قولهم: عزير ابن الله، ومن النصارى: الـمسيح ابن الله، فكان الـمسلـمون ينصبون لهم الـحرب، ويسمعون إشراكهم، فقال الله: {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } يقول: من القوة مـما عزم الله علـيه وأمركم به.

وقال آخرون: بل نزلت فـي كعب بن الأشرف، وذلك أنه كان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتشبب بنساء الـمسلـمين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري فـي قوله: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً } قال: هو كعب بن الأشرف، وكان يحرض الـمشركين علـى النبـي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فـي شعره، ويهجو النبـي صلى الله عليه وسلم، فـانطلق إلـيه خمسة نفر من الأنصار فـيهم مـحمد بن مسلـمة، ورجل يقال له أبو عبس. فأتوه وهو فـي مـجلس قومه بـالعوالـي؛ فلـما رآهم ذعر منهم، فأنكر شأنهم، وقالوا: جئناك لـحاجة، قال: فلـيدن إلـيّ بعضكم، فلـيحدثنـي بحاجته! فجاءه رجل منهم فقال: جئناك لنبـيعك أدراعاً عندنا لنستنفق بها، فقال: والله لئن فعلتـم لقد جهدتـم منذ نزل بكم هذا الرجل! فواعدوه أن يأتوه عشاء حين هدأ عنهم الناس. فأتوه، فنادوه، فقالت امرأته: ما طرقك هؤلاء ساعتهم هذه لشيء مـما تـحب! قال: إنهم حدثونـي بحديثهم وشأنهم. قال معمر: فأخبرنـي أيوب عن عكرمة أنه أشرف علـيهم فكلـمهم، فقال: أترهنونـي أبناءكم؟ وأرادوا أن يبـيعهم تـمراً، قال: فقالوا إنا نستـحيـي أن تعير أبناؤنا فـيقال هذا رهينة وَسْق، وهذا رهينة وسقـين! فقال: أترهنونـي نسائكم؟ قالوا: أنت أجمل الناس، ولا نأمنك، وأي امرأة تـمتنع منك لـجمالك؟ ولكنا نرهنك سلاحنا، فقد علـمت حاجتنا إلـى السلاح الـيوم. فقال: ائتونـي بسلاحكم، واحتـملوا ما شئتـم! قالوا: فـانزل إلـينا نأخذ علـيك، وتأخذ علـينا. فذهب ينزل، فتعلقت به امرأته وقالت: أرسل إلـى أمثالهم من قومك يكونوا معك. قال: لو وجدنـي هؤلاء نائماً ما أيقظونـي. قالت: فكلـمهم من فوق البـيت، فأبى علـيها، فنزل إلـيهم يفوح ريحه، قالوا: ما هذه الريح يا فلان؟ قال: هذا عطر أم فلان! امرأته. فدنا إلـيه بعضهم يشم رائحته، ثم اعتنقه، ثم قال: اقتلوا عدو الله! فطعنه أبو عبس فـي خاصرته، وعلاه مـحمد بن مسلـمة بـالسيف، فقتلوه، ثم رجعوا. فأصبحت الـيهود مذعورين، فجاءوا إلـى النبـي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: قتل سيدنا غيـلة! فذكرهم النبـي صلى الله عليه وسلم صنـيعه، وما كان يحض علـيهم، ويحرض فـي قتالهم، ويؤذيهم، ثم دعاهم إلـى أن يكتب بـينه وبـينهم صلـحاً، فقال: فكان ذلك الكتاب مع علـيّ رضوان الله علـيه.

وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ۝١٨٧

يعنـي بذلك تعالـى ذكره: واذكر أيضاً من هؤلاء الـيهود وغيرهم من أهل الكتاب منهم يا مـحمد إذ أخذ الله ميثاقهم، لـيبـيننّ للناس أمرك الذي أخذ ميثاقهم علـى بـيانه للناس فـي كتابهم الذي فـي أيديهم، وهو التوراة والإنـجيـل، وأنك لله رسول مرسل بـالـحقّ، ولا يكتـمونه، {فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ } يقول: فتركوا أمر الله وضيعوه، ونقضوا ميثاقه الذي أخذ علـيهم بذلك، فكتـموا أمرك، وكذبوا بك، {وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً } يقول: وابتاعوا بكتـمانهم ما أخذ علـيهم الـميثاق أن لا يكتـموه من أمر نبوّتك، عوضاً منه، خسيساً قلـيلاً من عرض الدنـيا. ثم ذمّ جلّ ثناؤه شراءهم ما اشتروا به من ذلك، فقال: {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ }.

واختلف أهل التأويـل فـيـمن عُنـي بهذه الآية، فقال بعضهم: عنـي بها الـيهود خاصة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة أنه حدثه، عن ابن عبـاس: «وَإذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَـيُبَـيِّنُنَّهُ للنَّاسِ وَلا يَكْتُـمُونَهُ} إلـى قوله: {عَذَابٌ أَلِيمٌ } يعنـي: فنـحاص وأشيع وأشبـاههما من الأحبـار.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة مولـى ابن عبـاس، مثله.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: «وَإذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَـيُبَـيِّنُنَّهُ للنَّاسِ وَلا يَكْتُـمُونَه فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهورِهِمْ» كان أمرهم أن يتبعوا النبـيّ الأميّ الذي يؤمن بـالله وكلـماته، وقال:

{ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }[الأعراف: 158]. فلـما بعث الله مـحمداً صلى الله عليه وسلم قال: { أَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ }[البقرة: 40] عاهدهم علـى ذلك، فقال حين بعث مـحمداً: صدّقوه، وتلقون الذي أحببتم عندي.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: «وَإذْ أخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَـيُبَـيِّنُنَّهُ للنَّاسِ».. الآية، قال: إن الله أخذ ميثاق الـيهود لـيبـيننه للناس مـحمداً صلى الله عليه وسلم، ولا يكتـمونه، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمناً قلـيلاً.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن أبـي الـجحاف، عن مسلـم البطين، قال: سأل الـحجاج بن يوسف جلساءه عن هذه الآية: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبِ } فقام رجل إلـى سعيد بن جبـير فسأله، فقال: وإذ أخذ الله ميثاق أهل الكتاب يهود، «لَـيُبَـيِّنُنَّهُ للنَّاسِ» مـحمداً صلى الله عليه وسلم ولا يكتـمونه، فنبذوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: «وَإذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لـيُبَـيِّنُنَّهُ للنَّاسِ وَلا يَكْتُـمُونَهُ» قال: وكان فـيه أن الإسلام دين الله الذي افترضه علـى عبـاده، وأن مـحمداً يجدونه مكتوبـاً عندهم فـي التوراة والإنـجيـل.

وقال آخرون: عنـي بذلك كلُّ من أوتـي علـماً بأمر الدين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: «وَإذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَـيُبَـيِّنُنَّهُ للنَّاسِ وَلا يَكْتُـمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ»... الآية، هذا ميثاق أخذ الله علـى أهل العلـم، فمن علـم شيئاً فلـيعلـمه وإياكم، وكتـمان العلـم، فإن كتـمان العلـم هلكة، ولا يتكلفنّ رجل ما لا علـم له به، فـيخرج من دين الله، فـيكون من الـمتكلفـين، كان يقال: مثل علـم لا يقال به: كمثل كنز لا ينفق منه، ومثل حكمة لا تـخرج كمثل صنـم قائم لا يأكل ولا يشرب. وكان يقال: طوبى لعالـم ناطق، وطوبى لـمستـمع واع. هذا رجل علـم علـماً فعلـمه وبذله ودعا إلـيه، ورجل سمع خيراً فحفظه ووعاه، وانتفع به.

حدثنـي يحيـى بن إبراهيـم الـمسعودي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن جده، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن أبـي عبـيدة، قال: جاء رجل إلـى قوم فـي الـمسجد وفـيه عبد الله بن مسعود فقال: إن أخاكم كعبـاً يقرئكم السلام، ويبشركم أن هذه الآية لـيس فـيكم: «وَإذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَـيُبَـيِّنُنَّهُ للنَّاسِ وَلا يَكْتُـمُونَهُ» فقال له عبد الله: وأنت فأقرئه السلام، وأخبره أنها نزلت وهو يهودي.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبـي عبـيدة بنـحوه، عن عبد الله وكعب.

وقال آخرون: معنى ذلك: وإذ أخذ الله ميثاق النبـيـين علـى قومهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيـى بن سعيد، عن سفـيان، قال: ثنـي يحيـى بن أبـي ثابت، عن سعيد بن جبـير، قال: قلت لابن عبـاس: إن أصحاب عبد الله يقرؤون: «وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِيثاقَهُمْ» قال: من النبـيـين علـى قومهم.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا قبـيصة، قال: ثنا سفـيان، عن حبـيب، عن سعيد، قال: قلت لابن عبـاس: إن أصحاب عبد الله يقرؤون {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ }: «وَإذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ النَّبِـيِّـين» قال: فقال: أخذ الله ميثاق النبـيـين علـى قومهم. وأما قوله: «لَـيُبَـيِّنُنَّهُ للنَّاسِ». فإنه كما:

حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنا مـحمد بن ذكوان، قال: ثنا أبو نعامة السعدي، قال: كان الـحسن يفسر قوله: «وَإذْ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَـيُبَـيِّنُنَّهُ للنَّاسِ وَلا يَكْتُـمُونَهُ» لـيتكلـمن بـالـحق ولـيصدقنه بـالعمل.

واختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: {لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } بـالتاء، وهي قراءة عُظْم قراء أهل الـمدينة والكوفة علـى وجه الـمخاطب، بـمعنى: قال لهم: لتبـيننه للناس ولا تكتـمونه وقرأ ذلك آخرون: «لَـيُبَـيِّنُنَّهُ للنَّاسِ وَلا يَكْتُـمُونَهُ» بـالـياء جميعاً علـى وجه الـخبر عن الغائب، لأنهم فـي قوت إخبـار الله نبـيه صلى الله عليه وسلم بذلك عنهم كانوا غير موجودين، فصار الـخبر عنهم كالـخبر عن الغائب. والقول فـي ذلك عندنا: أنهما قراءتان صحيحة وجوههما، مستفـيضتان فـي قراءة الإسلام، غير مختلفتـي الـمعانـي، فبأيتهما قرأ القارىء فقد أصاب الـحق والصواب فـي ذلك. غير أن الأمر فـي ذلك وإن كان كذلك، فإن أحب القراءتـين إلـيّ أن أقرأ بها: «لَـيُبَـيِّنُنَّهُ للنَّاسِ وَلا يَكْتُـمُونَهُ» بـالـياء جميعاً استدلالاً بقوله: {فَنَبَذُوهُ } أنه إذا كان قد خرج مخرج الـخبر عن الغائب علـى سبـيـل قوله: {فَنَبَذُوهُ } حتـى يكون متسقاً كله علـى معنى واحد ومثال واحد، ولو كان الأول بـمعنى الـخطاب لكان أن يقال: فنبذتـموه وراء ظهوركم، أولـى من أن يقال: فنبذوه وراء ظهورهم.

وأما قوله: {فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ } فإنه مثل لتضيـيعهم القـيام بـالـميثاق، وتركهم العمل به.

وقد بـينا الـمعنى الذي من أجله قبل ذلك كذلك فـيـما مضى من كتابنا هذا، فكرهنا إعادته.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا يحيـى بن أيوب البجلـي، عن الشعبـي فـي قوله: {فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ } قال: إنهم قد كانوا يقرءونه إنـما نبذوا العمل به.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ } قال: نبذوا الـميثاق.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا مالك بن مغول، قال: نبئت عن الشعبـي فـي هذه الآية: {فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ } قال: قذفوه بـين أيديهم، وتركوا العمل به.

وأما قوله: {وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً } فإن معناه ما قلنا من أخذهم ما أخذوا علـى كتـمانهم الـحق وتـحريفهم الكتاب. كما:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً } أخذوا طمعاً، وكتـموا اسم مـحمد صلى الله عليه وسلم.

وقوله: {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ } يقول: فبئس الشراء يشترون فـي تضيـيعهم الـميثاق وتبديـلهم الكتاب. كما:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ } قال: تبديـل الـيهود التوراة.

لَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوا۟ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا۟ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا۟ فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝١٨٨

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: عُنِـيَ بذلك قوم من أهل النفـاق كانوا يقعدون خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا العدو، فإذا انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذروا إلـيه، وأحبوا أن يحمدوا بـما لـم يفعلوا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن سهل بن عسكر وابن عبد الرحيم البرقي، قالا: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا محمد بن جعفر بن أبي كثـير، قال: ثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: أن رجالاً من المنافقين كانوا علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا خرج النبـي صلى الله عليه وسلم إلـى الغزو تـخـلفوا عنه وفرحوا بـمقعدهم خلاف رسول الله، وإذا قدم النبـي صلى الله عليه وسلم من السفر اعتذروا إلـيه وأحبوا أن يحمدوا بـما لـم يفعلوا، فأنزل الله تعالـى فـيهم: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ }... الآية.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } قال: هؤلاء الـمنافقون يقولون النبـي صلى الله عليه وسلم: لو قد خرجت لـخرجنا معك، فإذا خرج النبـي صلى الله عليه وسلم تـخـلفوا وكذبوا، ويفرحون بذلك، ويرون أنها حيـلة احتالوا بها.

وقال آخرون: عُنِـي بذلك قوم من أحبـار الـيهود كانوا يفرحون بإضلالهم الناس، ونسبة الناس إياهم إلـى العلـم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، ثنا قال: سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة مولـى ابن عبـاس أو سعيد بن جبـير: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } إلـى قوله {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } يعنـي: فنـحاصاً وأشيع وأشبـاههما من الأحبـار الذين يفرحون بـما يصيبون من الدنـيا علـى ما زينوا للناس من الضلالة {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } أن يقول لهم الناس علـماء ولـيسوا بأهل علـم، لـم يحملوهم علـى هدى ولا خير، ويحبون أن يقول لهم الناس: قد فعلوا.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أنه حدثه عن ابن عبـاس بنـحو ذلك، إلا أنه قال: ولـيسوا بأهل علـم، لـم يحملوهم علـى هدى.

وقال آخرون: بل عُنِـي بذلك قوم من الـيهود فرحوا بـاجتـماع كلـمتهم علـى تكذيب مـحمد صلى الله عليه وسلم، ويحبون أن يحمدوا بأن يقال لهم أهل صلاة وصيام. ذكر من قال ذلك:

حدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، يقول فـي قوله: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ } فإنهم فرحوا بـاجتـماعهم علـى كفرهم بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وقالوا: قد جمع الله كلـمتنا، ولـم يخالف أحد منا أحداً أنه نبـيّ، وقالوا: نـحن أبناء الله وأحبـاؤه، ونـحن أهل الصلاة والصيام. وكذبوا، بل هم أهل كفر وشرك وافتراء علـى الله، قال الله: {يُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ }.

حدثنـي يحيـى بن أبـي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، فـي قوله: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } قال: كانت الـيهود أمر بعضكم بعضاً، فكتب بعضهم إلـى بعض أن مـحمداً لـيس بنبـيّ، فـاجمعوا كلـمتكم، وتـمسكوا بدينكم وكتابكم الذي معكم. ففعلوا وفرحوا بذلك، وفرحوا بـاجتـماعهم علـى الكفر بـمـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: كتـموا اسم مـحمد صلى الله عليه وسلم، ففرحوا بذلك، وفرحوا بـاجتـماعهم علـى الكفر بـمـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي، قال: كتـموا اسم مـحمد صلى الله عليه وسلم، وفرحوا بذلك حين اجتـمعوا علـيه، وكانوا يزكون أنفسهم، فـيقولون: نـحن أهل الصيام وأهل الصلاة وأهل الزكاة، ونـحن علـى دين إبراهيـم صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله فـيهم: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ } من كتـمان مـحمد صلى الله عليه وسلم: {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } أحبوا أن تـحمدهم العرب بـما يزكون به أنفسهم، ولـيسوا كذلك.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن أبـي الـجَحَّاف، عن مسلـم البطين، قال: سأل الـحجاج جلساءه عن هذه الآية: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ } قال سعيد بن جبـير: بكتـمانهم مـحمداً، {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } قال: هو قولهم: نـحن علـى دين إبراهيـم علـيه السلام.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ }: هم أهل الكتاب أنزل علـيهم الكتاب، فحكموا بغير الـحقّ، وحرّفوا الكلـم عن مواضعه، وفرحوا بذلك، وأحبوا أن يحمدوا بـما لـم يفعلوا، فرحوا بأنهم كفروا بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وما أنزل الله، وهم يزعمون أنهم يعبدون الله، ويصومون، ويصلون، ويطيعون الله؛ فقال الله جلّ ثناؤه لـمـحمد صلى الله عليه وسلم: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ } كفروا بـالله وكفروا بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } من الصلاة والصوم، فقال الله جلّ وعزّ لـمـحمد صلى الله عليه وسلم: {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مّنَ ٱلْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تـحسبنّ الذين يفرحون بـما أتوا من تبديـلهم كتاب الله، ويحبون أن يحمدهم الناس علـى ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله تعالـى: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ } قال: يهود، فرحوا بإعجاب الناس بتبديـلهم الكتاب وحمدهم إياهم علـيه، ولا تـملك يهود ذلك.

وقال آخرون: معنى ذلك: أنهم فرحوا بـما أعطى الله تعالـى آل إبراهيـم علـيه السلام. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي الـمعلـى، عن سعيد بن جبـير أنه قال فـي هذه الآية: {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } قال: الـيهود يفرحون بـما آتـى الله إبراهيـم علـيه السلام.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن أبـي الـمعلـى العطار، عن سعيد بن جبـير، قال: هم الـيهود، فرحوا بـما أعطى الله تعالـى إبراهيـم علـيه السلام.

وقال آخرون: بل عُنِـي بذلك قوم من الـيهود سألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكتـموه، ففرحوا بكتـمانهم ذلك إياه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرنـي ابن أبـي ملـيكة أن علقمة بن أبـي وقاص أخبره: أن مروان قال لرافع: اذهب يا رافع إلـى ابن عبـاس فقل له: لئن كان كل امرىء منا فرح بـما أتـى وأحب أن يحمد بـما لـم يفعل معذبـاً، لـيعذبنا الله أجمعين! فقال ابن عبـاس: ما لكم ولهذه؟ إنـما دعا النبـي صلى الله عليه وسلم يهود، فسألهم عن شيء فكتـموه إياه وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استـجابوا لله بـما أخبروه عنه مـما سألهم، وفرحوا بـما أتوا من كتـمانهم إياه. ثم قال:

{ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ }[آل عمران: 187]... الآية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرنـي عبد الله بن أبـي ملـيكة، أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره أن مروان بن الـحكم قال لبوابه: يا رافع اذهب إلـى ابن عبـاس، فقل له: لئن كان كل امرىء منا فرح بـما أتـى وأحبّ أن يحمد بـما لـم يفعل معذّبـاً، لنعذبن جميعاً فقال ابن عبـاس: ما لكم ولهذه الآية؟ إنـما أنزلت فـي أهل الكتاب. ثم تلا ابن عبـاس:

{ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ }[آل عمران: 187] إلـى قوله: {أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } قال ابن عبـاس: سألهم النبـيّ صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتـموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بـما قد سألهم عنه، فـاستـحمدوا بذلك إلـيه، وفرحوا بـما أتوا من كتـمانهم إياه ما سألهم عنه.

وقال آخرون: بل عنـي بذلك قوم من يهود أظهروا النفـاق للنبـيّ صلى الله عليه وسلم مـحبة منهم للـحمد، والله عالـم منهم خلاف ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ذكر لنا أن أعداء الله الـيهود يهود خيبر أتوا نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، فزعموا أنهم راضون بـالذي جاء به، وأنهم متابعوه وهم متـمسكون بضلالتهم، وأرادوا أن يحمدهم نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم بـما لـم يفعلوا، فأنزل الله تعالـى: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ }... الآية.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: إن أهل خيبر أتوا النبـيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقالوا: إنا علـى رأيكم وهيئتكم، وإنا لكم ردء، فأكذبهم الله، فقال: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ }... الآيتـين.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبـي عبـيدة، قال: جاء رجل إلـى عبد الله، فقال: إن كعبـاً يقرأ علـيك السلام، ويقول: إن هذه الآية لـم تنزل فـيكم: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } قال: أخبروه أنها نزلت وهو يهوديّ.

وأولـى هذه الأقوال بـالصواب فـي تأويـل قوله: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ }... الآية، قول من قال: عنـي بذلك أهل الكتاب الذين أخبر الله جلّ وعزّ أنه أخذ ميثاقهم، لـيبـيننّ للناس أمر مـحمد صلى الله عليه وسلم، ولا يكتـمونه، لأن قوله: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ }... الآية فـي سياق الـخبر عنهم، وهو شبـيه بقصتهم مع اتفـاق أهل التأويـل علـى أنهم الـمعنـيون بذلك، فإذ كان ذلك كذلك، فتأويـل الآية: لا تـحسبن يا مـحمد الذين يفرحون بـما أتوا من كتـمانهم الناس أمرك، وأنك لـي رسول مرسل بـالـحقّ، وهم يجدونك مكتوبـاً عندهم فـي كتبهم، وقد أخذت علـيهم الـميثاق بـالإقرار بنبوّتك، وبـيان أمرك للناس، وأن لا يكتـموهم ذلك، وهم مع نقضهم ميثاقـي الذي أخذت علـيهم بذلك، يفرحون بـمعصيتهم إياي فـي ذلك، ومخالفتهم أمري، ويحبون أن يحمدهم الناس بأنهم أهل طاعة لله وعبـادة وصلاة وصوم، واتبـاع لوحيه، وتنزيـله الذي أنزله علـى أنبـيائه، وهم من ذلك أبرياء أخـلـياء لتكذيبهم رسوله، ونقضهم ميثاقه الذي أخذ علـيهم، لـم يفعلوا شيئاً مـما يحبون أن يحمدهم الناس علـيه، فلا تـحسبنهم بـمفـازة من العذاب، ولهم عذاب ألـيـم. وقوله: {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مّنَ ٱلْعَذَابِ } فلا تظنهم بـمنـجاة من عذاب الله الذي أعدّه لأعدائه فـي الدنـيا من الـخسف والـمسخ والرجف والقتل، وما أشبه ذلك من عقاب الله، ولا هم ببعيد منه. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مّنَ ٱلْعَذَابِ } قال: بـمنـجاة من العذاب.

قال أبو جعفر: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } يقول: ولهم عذاب فـي الآخرة أيضاً مؤلـم، مع الذي لهم فـي الدنـيا معجل.

وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝١٨٩

وهذا تكذيب من الله جلّ ثناؤه الذين قالوا:

{ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ }[آل عمران: 181] يقول تعالـى ذكره مكذّبـاً لهم: لله ملك جميع ما حوته السموات والأرض، فكيف يكون أيها الـمفترون علـى الله من كان ملك ذلك له فقـيراً! ثم أخبر جلّ ثناؤه أنه القادر علـى تعجيـل العقوبة لقائلـي ذلك ولكلّ مكذب به ومفتر علـيه وعلـى غير ذلك مـما أراد وأحبّ، ولكنه تفضل بحلـمه علـى خـلقه، فقال: {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } يعنـي: من إهلاك قائل ذلك، وتعجيـل عقوبته لهم، وغير ذلك من الأمور.

إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لَـَٔايَٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ ۝١٩٠

وهذا احتـجاج من الله تعالـى ذكره علـى قائل ذلك وعلـى سائر خـلقه بأنه الـمدبر الـمصرف الأشياء، والـمسخر ما أحب، وإن الإغناء والإفقار إلـيه وبـيده، فقال جل ثناؤه: تدبروا أيها الناس، واعتبروا ففـيـما أنشأته فخـلقته من السموات والأرض لـمعاشكم وأقواتكم وأرزاقكم، وفـيـما عقّبت بـينه من اللـيـل والنهار، فجعلتهما يختلفـان ويعتقبـان علـيكم، تتصرفون فـي هذا لـمعاشكم، وتسكنون فـي هذا راحة لأجسادكم، معتبرٌ ومدَّكر، وآيات وعظات. فمن كان منكم ذا لب وعقل، يعلـم أن من نسبنـي إلـى أنـي فقـير وهو غنـي كاذب مفتر، فإن ذلك كله بـيدي أقلبه وأصرفه، ولو أبطلت ذلك لهلكتـم، فكيف ينسب فقر إلـى من كان كل ما به عيش ما فـي السموات والأرض بـيده وإلـيه! أم كيف يكون غنـياً من كان رزقه بـيد غيره، إذا شاء رزقه، وإذا شاء حرمه! فـاعتبروا يا أولـي الألبـاب.

ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَٰطِلًا سُبْحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ۝١٩١

وقوله: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً } من نعت «أولي الألباب»، و«الذين» في موضع خفض ردّاً على قوله: «لأولي الألباب».

ومعنى الآية: إن فـي خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذاكرين الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، يعني بذلك: قـياماً فـي صلاتهم وقعوداً فـي تشهدهم وفـي غير صلاتهم وعلـى جنوبهم نـياماً. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً }... الآية، قال: هو ذكر الله فـي الصلاة وفـي غير الصلاة، وقراءة القرآن.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ } وهذه حالاتك كلها يا ابن آدم، فـاذكره وأنت علـى جنبك يسراً من الله وتـخفـيفـاً.

فإن قال قائل: وكيف قـيـل: {وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ } فعطف بـ«علـى»، وهي صفة علـى القـيام والقعود وهما اسمان؟ قـيـل: لأن قوله: {وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ } فـي معنى الاسم، ومعناه: ونـياماً أو مضطجعين علـى جنوبهم؛ فحسن عطف ذلك علـى القـيام والقعود لذلك الـمعنى، كما قـيـل:

{ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً }[يونس: 12] فعطف بقوله: {أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا } علـى قوله: {لِجَنبِهِ }، لأن معنى قوله: لـجنبه مضطجعاً، فعطف بـالقاعد والقائم علـى معناه، فكذلك ذلك فـي قوله: {وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ }.

وأما قوله: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } فإنه يعنـي بذلك أنهم يعتبرون بصنعة صانع ذلك، فـيعلـمون أنه لا يصنع ذلك إلا من لـيس كمثله شيء، ومن هو مالك كل شيء ورازقه، وخالق كل شيء ومدبره، من هو علـى كل شيء قدير، وبـيده الإغناء والإفقار، والإعزاز والإذلال، والإحياء والإماتة، والشقاء والسعادة.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }.

يعنـي بذلك تعالـى ذكره: ويتفكرون فـي خـلق السموات والأرض، قائلـين: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً } فترك ذكر قائلـين، إذ كان فـيـما ظهر من الكلام دلالة علـيه؛ وقوله: {مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً } يقول: لـم تـخـلق هذا الـخـلق عبثاً ولا لعبـاً، لـم تـخـلقه إلا لأمر عظيـم من ثواب وعقاب ومـحاسبة ومـجازاة، وإنـما قال: ما خـلقت هذا بـاطلاً، ولـم يقل: ما خـلقت هذه، ولا هؤلاء، لأنه أراد بهذا الـخـلق الذي فـي السموات والأرض، يدل علـى ذلك قوله: {سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } ورغبتهم إلـى ربهم فـي أن يقـيهم عذاب الـجحيـم، ولو كان الـمعنـيّ بقوله: {مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً } السموات والأرض، لـما كان لقول عقـيب ذلك: {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } معنى مفهوم، لأن السموات والأرض أدلة علـى بـارئها، لا علـى الثواب والعقاب، وإنـما الدلـيـل علـى الثواب والعقاب: الأمر والنهي؛ وإنـما وصف جل ثناؤه أولـي الألبـاب الذين ذكرهم فـي هذه الآية، أنهم إذا رأوا الـمأمورين الـمنهيـين، قالوا: يا ربنا لـم تـخـلق هؤلاء بـاطلاً عبثاً سبحانك، يعنـي: تنزيهاً لك من أن تفعل شيئاً عبثاً، ولكنك خـلقتهم لعظيـم من الأمر، لـجنة أو نار. ثم فزعوا إلـى ربهم بـالـمسألة أن يجيرهم من عذاب النار، وأن لا يجعلهم مـمن عصاه وخالف أمره، فـيكونوا من أهل جهنـم.

رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُۥ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ۝١٩٢

اختلف أهل التأويـل فـي ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ربنا إنك من تدخـل النار من عبـادك فتـخـلده فـيها فقد أخزيته، قال: ولا يخزي مؤمن مصيره إلـى الـجنة وإن عذّب بـالنار بعض العذاب. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أبو حفص الـجبـيري ومـحمد بن بشار، قال: أخبرنا الـمؤمل، أخبرنا أبو هلال، عن قتادة، عن أنس، فـي قوله: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } قال: من تُـخـلد.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن رجل، عن ابن الـمسيب: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } قال: هي خاصة لـمن لا يخرج منها.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو النعمان عارم، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: ثنا قبـيصة بن مروان، عن الأشعث الـحملـي، قال: قلت للـحسن: يا أبـا سعيد أرأيت ما تذكر من الشفـاعة حق هو؟ قال: نعم حق. قال: قلت يا أبـا سعيد أرأيت قول الله تعالـى: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } و

{ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا }[المائدة: 37]؟ قال: فقال لـي: إنك والله لا تستطيع علـى شيء، إن للنار أهلاً لا يخرجون منها كما قال الله. قال: قلت يا أبـا سعيد: فـيـمن دخـلوا ثم خرجوا؟ قال: كانوا أصابوا ذنوبـاً فـي الدنـيا، فأخذهم الله بها فأدخـلهم بها، ثم أخرجهم بـما يعلـم فـي قلوبهم من الإيـمان والتصديق به.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } قال: هو من يخـلد فـيها.

وقال آخرون: معنى ذلك: ربنا إنك من تدخـل النار من مخـلد فـيها وغير مخـلد فـيها، فقد أخزي بـالعذاب. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا الـحرث بن مسلـم، عن يحيـى بن عمرو بن دينار، قال: قدم علـينا جابر بن عبد الله فـي عمرة، فـانتهيت إلـيه أنا وعطاء، فقلت: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ }؟ قال: وما إخزاؤه حين أحرقه بـالنار! وإن دون ذلك لـخزياً.

وأولـى القولـين بـالصواب عندي قول جابر: إن من أدخـل النار فقد أخزي بدخوله إياها، وإن أخرج منها. وذلك أن الـخزي إنـما هو هتك ستر الـمخزي وفضيحته، ومن عاقبه ربه فـي الآخرة علـى ذنوبه، فقد فضحه بعقابه إياه، وذلك هو الـخزي.

وأما قوله: {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } يقول: وما لـمن خالف أمر الله فعصاه من ذي نصرة له ينصره من الله فـيدفع عنه عقابه أو ينقذه من عذابه.

رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَٰنِ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِرَبِّكُمْ فَـَٔامَنَّا رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ ۝١٩٣

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل الـمنادي الذي ذكره الله تعالـى فـي هذه الآية، فقال بعضهم: الـمنادي فـي هذا الـموضع القرآن. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا قبـيصة بن عقبة، ثنا سفـيان، عن موسى بن عبـيدة، عن مـحمد بن كعب: {إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَـٰنِ } قال: هو الكتاب، لـيس كلهم لقـي النبـي صلى الله عليه وسلم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا منصور بن حكيـم، عن خارجة، عن موسى بن عبـيدة، عن مـحمد بن كعب القرظي، فـي قوله: {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَـٰنِ } قال: لـيس كل الناس سمع النبـي صلى الله عليه وسلم، ولكن الـمنادي: القرآن.

وقال آخرون: بل هو مـحمد صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَـٰنِ } قال: هو مـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَـٰنِ } قال: ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول مـحمد بن كعب، وهو أن يكون الـمنادي القرآن؛ لأن كثـيراً مـمن وصفهم الله بهذه الصفة فـي هذه الآيات لـيسوا مـمن رأى النبـي صلى الله عليه وسلم ولا عاينه، فسمعوا دعاءه إلـى الله تبـارك وتعالـى ونداءه، ولكنه القرآن. وهو نظير قوله جلّ ثناؤه مخبراً عن الـجن إذ سمعوا كلام الله يتلـى علـيهم أنهم قالوا:

{ إنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَبَاً يَهْدِى إِلَى ٱلرُّشْدِ }[]. وبنـحو ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَـٰنِ } إلـى قوله: {وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلاْبْرَارِ } سمعوا دعوة من الله فأجابوها، فأحسنوا الإجابة فـيها، وصبروا علـيها، ينبئكم الله عن مؤمن الإنس كيف قال، وعن مؤمن الـجنّ كيف قال. فأما مؤمن الـجنّ، فقال:

{ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً }[الجن: 1-2]؛ وأما مؤمن الإنس، فقال: { إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَـٰنِ أَنْ ءامِنُواْ بِرَبّكُمْ فَـئَامَنَّا رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنا}... الآية.

وقيل: {إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَـٰنِ } يعني: ينادي إلـى الإيمان، كما قال تعالى ذكره:

{ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَانَا لِهَـٰذَا }[الأعراف: 43] بمعنى: هدانا إلـى هذا، وكما قال الراجز.

أوْحَى لها القَرَارَ فاسْتَقَرَّتِ وَشَدَّها بالرَّاسياتِ الثُّبَّتِ

بمعنى: أوحى إليها، ومنه قوله: { بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا } [الزلزله: 5].

وقيل: يحتمل أن يكون معناه: إننا سمعنا منادياً للإيـمان ينادي أن آمنوا بربكم.

فتأويـل الآية إذاً: ربنا سمعنا داعياً يدعو إلـى الإيـمان يقول إلـى التصديق بك، والإقرار بوحدانـيتك، واتبـاع رسولك وطاعته، فـيـما أمرنا به، ونهانا عنه، مـما جاء به من عندك فآمنا ربنا، يقول: فصدقنا بذلك يا ربنا، فـاغفر لنا ذنوبنا، يقول: فـاستر علـينا خطايانا، ولا تفضحنا بها فـي القـيامة علـى رؤوس الأشهاد، بعقوبتك إيانا علـيها، ولكن كفرها عنا، وسيئات أعمالنا فـامـحها بفضلك ورحمتك إيانا، وتَوفنا مع الأبرار، يعنـي بذلك: واقبضنا إلـيك إذا قبضتنا إلـيك فـي عداد الأبرار، واحشرنا مـحشرهم ومعهم؛ والأبرار جمع برّ، وهم الذين بروا الله تبـارك وتعالـى بطاعتهم إياه وخدمتهم له، حتـى أرضوه فرضي عنهم.

السبت، 24 أكتوبر 2026 13 جمادى الأولى 1448 هـ