انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير الطبريالآيات 15–25

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة آل عمران

الخلاصة من تفسير الطبري · 11 مقطعًا · 3:01:26

  1. 1 الآيات 15–32في هذه الصفحة 17:24

التفسير الصوتي لسورة آل عمران كاملًا (11 مقطعًا)

قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ ۝١٥

يعنـي جلّ ثناؤه: قل يا مـحمد للناس الذين زين لهم حبّ الشهوات، من النساء والبنـين، وسائر ما ذكر جلّ ثناؤه: {أَؤنبّئكم } أأخبركم وأعلـمكم {بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ } يعنـي بخير وأفضل لكم. {مِنْ ذَلِكُمُ } يعنـي مـما زين لكم فـي الدنـيا حبّ شهوته من النساء والبنـين والقناطير الـمقنطرة من الذهب والفضة، وأنواع الأموال التـي هي متاع الدنـيا.

ثم اختلف أهل العربـية فـي الـموضع الذي تناهى إلـيه الاستفهام من هذا الكلام، فقال بعضهم: تناهى ذلك عند قوله: {مِنْ ذَلِكُمْ} ثم ابتدأ الـخبر عما {لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ } فقـيـل: للذين اتقوا عند ربهم جنات تـجري من تـحتها الأنهار خالدين فـيها، فلذلك رفع «الـجنات». ومن قال هذا القول، لـم يُجِز فـي قوله: {جَنَّـاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهَـارُ } إلا الرفع، وذلك أنه خبر مبتدأ غير مردود علـى قوله بخير، فـيكون الـخفض فـيه جائزاً. وهو وإن كان خبراً مبتدأ عندهم، ففـيه إبـانة عن معنى الـخير الذي أمر الله عزّ وجلّ نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس أؤنبئكم به؟ والـجنات علـى هذا القول مرفوعة بـاللام التـي فـي قوله: {لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ }.

وقال آخرون منهم بنـحو من هذا القول، إلا أنهم قالوا: إن جعلت اللام التـي فـي قوله «للذين» من صلة الإنبـاء جاز فـي الـجنات الـخفض والرفع: الـخفض علـى الردّ علـى «الـخير»، والرفع علـى أن يكون قوله: {لِلَّذِينَ اتَّقُوا } خبر مبتدأ علـى ما قد بـيناه قبل.

وقال آخرون: بل منتهى الاستفهام قوله: {عِنْدَ رَبِّهِمْ } ثم ابتدأ: {جَنَّـاتٌ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأنْهَـارُ } وقالوا: تأويـل الكلام: قل أؤنبئكم بخير من ذلكم؟ للذين اتقوا عند ربهم، ثم كأنه قـيـل: ماذا لهم، أو ما ذاك؟ أو علـى أنه يقال: ماذا لهم أو ما ذاك؟ فقال: هو جنات تـجري من تـحتها الأنهار... الآية.

وأولـي هذه الأقوال عندي بـالصواب قول من جعل الاستفهام متناهياً عند قوله: {بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ } والـخبر بعده مبتدأ عمن له الجنات بقوله: {لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهنْ جَنَّـاتٌ } فـيكون مخرج ذلك مخرج الـخبر، وهو إبـانة عن معنى الـخير الذي قال: أنبئكم به؟ فلا يكون بـالكلام حينئذ حاجة إلـى ضمير.

قال أبو جعفر مـحمد بن جرير الطبري: وأما قوله: {خَـالِدِينَ فِيهَا } فمنصوب علـى القطع؛ ومعنى قوله: {لِلَّذِينَ اتَّقَوْا} للذين خافوا الله فأطاعوه، بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه. {عِندَ رَبِّهِمْ } يعنـي بذلك: لهم جنات تـجري من تـحتها الأنهار عند ربهم، والجنات: البساتين، وقد بينا ذلك بالشواهد فيما مضى، وأن قوله: {تَجرِي مِن تَحتِهَا الأنْهَـارُ } يعني به: من تحت الأشجار، وأن الخلود فيها دوام البقاء فـيها، وأن الأزواج المطهرة: هن نساء الـجنة اللواتـي طهرن من كل أذى يكون بنساء أهل الدنيا من الـحيض والـمنـي والبول والنفاس وما أشبه ذلك من الأذى، بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. وقوله: {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ } يعنـي: ورضا الله، وهو مصدر من قول القائل: رضي الله عن فلان، فهو يرضى عنه رضاً منقوص، ورُضْواناً وَرِضْواناً ومرضاة. فأما الرُّضوان بضم الراء فهو لغة قـيس، وبه كان عاصم يقرأ. وإنـما ذكر الله جل ثناؤه فـيـما ذكر للذين اتقوا عنده من الـخير: رضوانه، لأن رضوانه أعلـى منازل كرامة أهل الـجنة. كما:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنـي أبو أحمد الزبـيري، قال: ثنا سفـيان، عن مـحمد بن الـمنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: إذا دخـل أهل الـجنة الـجنة، قال الله تبـارك وتعالـى: أعطيكم أفضل من هذا! فـيقولون: أي ربنا أي شيء أفضل من هذا؟ قال: رضوانـي.

وقوله: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ } يعنـي بذلك، والله ذو بصر بـالذي يتقـيه من عبـاده، فـيخافه فـيطيعه، ويؤثر ما عنده مـما ذكر أنه أعده للذين اتقوه علـى حب ما زين له فـي عاجل الدنـيا من شهوات النساء والبنـين وسائر ما عدد منها تعالـى ذكره، وبـالذي لا يتقـيه فـيخافه، ولكنه يعصيه، ويطيع الشيطان، ويؤثر ما زين له فـي الدنـيا من حب شهوة النساء والبنـين والأموال، علـى ما عنده من النعيـم الـمقـيـم، عالـم تعالـى ذكره بكل فريق منهم، حتـى يجازي كلهم عند معادهم إليه جزاءهم، المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.

ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ۝١٦

ومعنى ذلك: قل هل أنبئكم بخير من ذلكم؟ للذين اتقوا يقولون ربنا آمنا، فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار. وقد يحتمل «الذين يقولون» وجهين من الإعراب: الخفض على الرد على «الذين» الأولى، والرفع على الإبتداء، إذ كان في مبتدأ آية أخرى غير التي فيها «الذين» الأولى، فيكون رفعها نظير قول الله عز وجل:

{ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ }[التوبة: 111] ثم قال في مبتدإ الآية التي بعدها { التَّـائِبُونَ العَـابِدونَ }، ولو كان جاء ذلك مخفوضاً كان جائزاً.

ومعنى قوله: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنا } الذين يقولون: إننا صدقنا بك وبنبـيك، وما جاء به من عندك؛ {فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } يقول: فـاستر علـينا بعفوك عنها وتركك عقوبتنا علـيها؛ {وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } ادفع عنا عذابك إيانا بـالنار أن تعذبنا بها. وإنـما معنى ذلك: لا تعذبنا يا ربنا بـالنار. وإنـما خصوا الـمسألة بأن يقـيهم عذاب النار، لأن من زحزح يومئذ عن النار فقد فـاز بـالنـجاة من عذاب النار وحسن مآبه. وأصل قوله «قِنا»: من قول القائل: وقـى الله فلاناً كذا، يراد به: دفع عنه فهو يقـيه، فإذا سأل بذلك سائل قال: قنـي كذا.

ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلْقَٰنِتِينَ وَٱلْمُنفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلْأَسْحَارِ ۝١٧

يعنـي بقوله: {الصَّابِرِينَ } الذين صبروا فـي البأساء والضراء وحين البأس. ويعنـي بـالصادقـين: الذين صدقوا الله فـي قولهم بتـحقـيقهم الإقرار به وبرسوله، وما جاء به من عنده بـالعمل بـما أمره به والانتهاء عما نهاه عنه. ويعنـي بـالقانتـين: الـمطيعين له. وقد أتـينا علـى الإبـانة عن كل هذه الـحروف ومعانـيها بـالشواهد علـى صحة ما قلنا فـيها، وبـالإخبـار عمن قال فـيها قولاً فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع، وقد كان قتادة يقول فـي ذلك بـما:

حدثنا به بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {الصَّـابِرِينَ والصَّادِقِينَ وَالقَـانِتِينَ وَالمُنفِقِينَ } الصادقـين: قوم صدقت أفواههم، واستقامت قلوبهم وألسنتهم، وصدقوا فـي السر والعلانـية. والصابرين: قوم صبروا علـى طاعة الله، وصبروا عن مـحارمه. والقانتون: هم الـمطيعون لله.

وأما الـمنفقون: فهم الـمؤتون زكوات أموالهم، وواضعوها علـى ما أمرهم الله بإتـيانها، والـمنفقون أموالهم فـي الوجوه التـي أذن الله لهم جلّ ثناؤه بإنفـاقها فـيها. وأما الصابرين والصادقـين وسائر هذه الـحروف فمخفوض ردًّا علـى قوله:

{ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا }[آل عمران: 16] والـخفض فـي هذه الـحروف يدلّ علـى أن قوله: { ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ }[آل عمران: 16] خفض ردًّا علـى قوله: { لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ }[آل عمران: 15].

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ }.

اختلف أهل التأويـل فـي القوم الذين هذه الصفة صفتهم، فقال بعضهم: هم الـمصلون بـالأسحار. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ } هم أهل الصلاة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن قتادة: {وَالمُسْتَغْفِرِينَ بالأسْحارِ } قال: يصلون بـالأسحار.

وقال آخرون: هم الـمستغفرون. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع قال: ثنا أبـي، عن حريث بن أبـي مطر، عن إبراهيـم بن حاطب، عن أبـيه، قال: سمعت رجلاً فـي السحر فـي ناحية الـمسجد وهو يقول: رب أمرتنـي فأطعتك، وهذا سحر فـاغفر لـي! فنظرت فإذا ابن مسعود.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا الولـيد بن مسلـم، قال: سألت عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن قول الله عز وجل: {وَالمُسْتَغْفِرِينَ بالأسحارِ } قال: حدثنـي سلـيـمان بن موسى، قال: ثنا نافع: أن ابن عمر كان يحيـي اللـيـل صلاةً، ثم يقول: يا نافع أَسْحَرْنَا؟ فـيقول: لا. فـيعاود الصلاة، فإذا قلت: نعم، قعد يستغفر ويدعو حتـى يصبح.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن بعض البصريـين، عن أنس بن مالك قال: أُمرنا أن نستغفر بـالأسحار سبعين استغفـارة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا زيد بن الـحبـاب، قال: ثنا أبو يعقوب الضبـي، قال: سمعت جعفر بن مـحمد يقول: من صلـى من اللـيـل ثم استغفر فـي آخر اللـيـل سبعين مرة كتب من الـمستغفرين بـالأسحار.

وقال آخرون: هم الذين يشهدون الصبح فـي جماعة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسماعيـل بن مسلـمة أخو القعنبـي قال: ثنا يعقوب بن عبد الرحمن، قال: قلت لزيد بن أسلـم من الـمستغفرين بـالأسحار؟ قال: هم الذين يشهدون الصبح.

وأولـى هذه الأقوال بتأويـل قوله: {والمُسْتَغْفِرِينَ بالأسْحارِ } قول من قال: هم السائلون ربهم أن يستر علـيهم فضيحتهم بها بـالأسحار، وهي جمع سَحَر. وأظهر معانـي ذلك أن تكون مسألتهم إياه بـالدعاء، وقد يحتـمل أن يكون معناه: تعرضهم لـمغفرته بـالعمل والصلاة، غير أن أظهر معانـيه ما ذكرنا من الدعاء.

شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝١٨

يعنـي بذلك جل ثناؤه: شهد الله أنه لا إله إلا هو، وشهدت الـملائكة، وأولو العلـم. فـالـملائكة معطوف بهم علـى اسم الله، و«أنه» مفتوحة بشهد.

وكان بعض البصريـين يتأول قوله شهد الله: قضى الله، ويرفع «الـملائكة»، بـمعنى: والـملائكة شهود وأولو العلـم. وهكذا قرأت قراء أهل الإسلام بفتـح الألف من أنه علـى ما ذكرت من إعمال «شهد» فـي «أنه» الأولـى وكسر الألف من «إنّ» الثانـية وابتدائها، سوى أن بعض الـمتأخرين من أهل العربـية كان يقرأ ذلك جميعا بفتـح ألفـيهما، بـمعنى: شهد الله أنه لا إلٰه إلا هو، وأن الدين عند الله الإسلام، فعطف بأنّ الدين علـى «أنه» الأولـى، ثم حذف واو العطف وهي مرادة فـي الكلام. واحتـج فـي ذلك بأن ابن عبـاس قرأ ذلك: «شَهِدَ اللَّهُ إنَّهُ لا إلٰهَ إلاَّ هُوَ»... الآية، ثم قال:

{ إِنَّ ٱلدِّينَ }[آل عمران: 19] بكسر «إن» الأولـى وفتـح «أنّ» الثانـية بإعمال «شهد» فـيها، وجعل «أن» الأولـى اعتراضا فـي الكلام غير عامل فـيها «شهد»؛ وأن ابن مسعود قرأ: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } بفتـح «أنّ»، وكسر «إنّ» من: { إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ }[آل عمران: 19] علـى معنى إعمال الشهادة فـي «أن» الأولـى و«أنَّ» الثانـية مبتدأة، فزعم أنه أراد بقراءته إياهما بـالفتـح جمع قراءة ابن عبـاس وابن مسعود. فخالف بقراءته ما قرأ من ذلك علـى ما وصفت جميع قراء أهل الإسلام الـمتقدمين منهم والـمتأخرين، بدعوى تأويـل علـى ابن عبـاس وابن مسعود زعم أنهما قالاه وقرآ به، وغير معلوم ما ادعى علـيهما برواية صحيحة، ولا سقـيـمة. وكفـى شاهدا علـى خطإ قراءته خروجها من قراءة أهل الإسلام. فـالصواب إذ كان الأمر علـى ما وصفنا من قراءة ذلك فتـح الألف من «أنه» الأولـى، وكسر الألف من «إنَّ» الثانـية، أعنـي من قوله: { إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ }[آل عمران: 19] ابتداء.

وقد رُوي عن السدي فـي تأويـل ذلك قول كالدّال علـى تصحيح ما قرأ به فـي ذلك من ذكرنا قوله من أهل العربـية فـي فتـح «أن» من قوله:

{ إِنَّ ٱلدِّينَ }[آل عمران: 19] وهو ما:

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط عن السدي: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَالملائِكَةُ } إلـى: {لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } فإن الله يشهد هو والـملائكة والعلـماء من الناس أن الدين عند الله الإسلام.

فهذا التأويـل يدل علـى أن الشهادة إنـما هي عامة فـي «أن» الثانـية التـي فـي قوله: {إِنَّ الدّينَ عِندَ اللَّهِ الإسْلام } فعلـى هذا التأويـل جائز فـي «أن» الأولـى وجهان من التأويـل: أحدهما أن تكون الأولـى منصوبة علـى وجه الشرط، بـمعنى: شهد الله بأنه واحد، فتكون مفتوحة بـمعنى الـخفض فـي مذهب بعض أهل العربـية، وبـمعنى النصب فـي مذهب بعضهم، والشهادة عاملة فـي «أنّ» الثانـية، كأنك قلت: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام، لأنه واحد، ثم تقدم «لأنه واحد» فتفتـحها علـى ذلك التأويـل.

والوجه الثانـي: أن تكون «إن» الأولـى مكسورة بـمعنى الابتداء لأنها معترض بها، والشهادة واقعة علـى «أن» الثانـية، فـيكون معنى الكلام: شهد الله فإنه لا إلٰه إلا هو والـملائكة، أن الدين عند الله الإسلام، كقول القائل: أشهد ـ فإنـي مـحق ـ أنك مـما تعاب به بريء، فـ«إنّ» الأولـى مكسورة لأنها معترضة، والشهادة واقعة علـى «أن» الثانـية.

وأما قوله: {قَائِمَاً بالقِسْطِ } فإنه بـمعنى أنه الذي يـلـي العدل بـين خـلقه. والقسط: هو العدل، من قولهم: هو مقسط، وقد أقسط، إذا عدل، ونصب «قائما» علـى القطع.

وكان بعض نـحويـي أهل البصرة يزعم أنه حال من «هو» التـي فـي «لا إلٰه إلا هو».

وكان بعض نـحويـي الكوفة يزعم أنه حال من اسم الله الذي مع قوله: {شَهِدَ اللَّهُ } فكان معناه: شهد الله القائم بـالقسط أنه لا إلٰه إلا هو. وقد ذكر أنها فـي قراءة ابن مسعود كذلك: «وأولُو العِلْـمِ القَائِمُ بـالقِسْطِ»، ثم حذفت الألف واللام من القائم فصار نكرة وهو نعت لـمعرفة، فنصب.

وأولـى القولـين بـالصواب فـي ذلك عندي قول من جعله قطعا علـى أنه من نعت الله جل ثناؤه، لأن الـملائكة وأولـي العلـم معطوفون علـيه، فكذلك الصحيح أن يكون قوله «قائماً» حالاً منه.

وأما تأويـل قوله: {لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ } فإنه نفـى أن يكون شيء يستـحق العبودة غير الواحد الذي لا شريك له فـي ملكه. ويعنـي بـالعزيز: الذي لا يـمتنع علـيه شيء أراده، ولا ينتصر منه أحد عاقبة أو انتقم منه، الـحكيـم فـي تدبـيره، فلا يدخـله خـلل.

وإنـما عنى جل ثناؤه بهذه الآية نفـي ما أضافت النصارى الذين حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي عيسى من البنوة، وما نسب إلـيه سائر أهل الشرك من أن له شريكا، واتـخاذهم دونه أربـابـا. فأخبرهم الله عن نفسه أنه الـخالق كل ما سواه، وأنه رب كل ما اتـخذه كل كافر وكل مشرك ربـاً دونه، وأن ذلك مـما يشهد به هو وملائكته وأهل العلـم به من خـلقه. فبدأ جل ثناؤه بنفسه تعظيـماً لنفسه، وتنزيهاً لها عما نسب الذين ذكرنا أمرهم من أهل الشرك به ما نسبوا إلـيها، كما سن لعبـاده أن يبدءوا فـي أمورهم بذكره قبل ذكر غيره، مؤدبـا خـلقه بذلك.

والـمراد من الكلام: الـخبر عن شهادة من ارتضاهم من خـلقه فقدموه من ملائكته وعلـماء عبـاده، فأعلـمهم أن ملائكته ـ التـي يعظمها العابدون غيره من أهل الشرك ويعبدها الكثـير منهم ـ وأهلَ العلـم منهم منكرون ما هم علـيه مقـيـمون من كفرهم، وقولهم فـي عيسى وقول من اتـخذ ربـاً غيره من سائر الـخـلق، فقال شهدت الـملائكة وأولو العلـم أنه لا إلٰه إلا هو، وأن كل من اتـخذ ربـاً دون الله فهو كاذب؛ احتـجاجا منه لنبـيه علـيه الصلاة والسلام علـى الذين حاجوه من وفد نـجران فـي عيسى، واعترض بذكر الله وصفته علـى ما نبـينه، كما قال جل ثناؤه:

{ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ }[الأنفال: 41] افتتاحا بـاسمه الكلام، فكذلك افتتـح بـاسمه والثناء علـى نفسه الشهادة بـما وصفنا من نفـي الألوهة من غيره وتكذيب أهل الشرك به. فأما ما قال الذي وصفنا قوله من أنه عَنَى بقوله شهد: قضى، فمـما لا يعرف فـي لغة العرب ولا العجم، لأن الشهادة معنى، والقضاء غيرها.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك رُوي عن بعض الـمتقدمين القول فـي ذلك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَالملائِكَةُ وَأُولُو العِلْمِ } بخلاف ما قالوا، يعنـي: بخلاف ما قال وفد نـجران من النصارى، {قَائِمَاً بالقِسْطِ } أي بـالعدل.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {بالقِسْطِ } بـالعدل.

إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَٰمُ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ۝١٩

ومعنى الدين فـي هذا الـموضع: الطاعة والذلة، من قول الشاعر:

ويوْمُ الـحَزْنِ إذْ حَشَدَتْ مَعَدٌّ وكانَ النَّاسُ إلاَّ نَـحنُ دِينَا

يعنـي بذلك: مطيعين علـى وجه الذل؛ ومنه قول القطامي:

كانَتْ نَـوَارُ تَدِينُكَ الأدْيانَا

يعنـي تذلّك. وقول الأعشى ميـمون بن قـيس:

هُوَ دَان الرِّبـابِ إذْ كَرِهُوا الدِّ يــنَ دِرَاكا بغَزْوَةٍ وَصيالِ

يعنـي بقوله «دان»: ذلل، وبقوله «كرهوا الدين»: الطاعة. وكذلك الإسلام، وهو الانقـياد بـالتذلل والـخشوع والفعل منه أسلـم، بـمعنى: دخـل فـي السلـم، كما يقال أقحط القوم: إذا دخـلوا فـي القحط، وأربعوا: إذا دخـلوا فـي الربـيع، فكذلك أسلـموا: إذا دخـلوا فـي السلـم، وهو الانقـياد بـالـخضوع وترك الـمـمانعة. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويـل قوله: {إِنَّ الدّينَ عِندَ اللَّهِ الإسلامُ } إن الطاعة التـي هي الطاعة عنده الطاعة له، وإقرار الألسن والقلوب له بـالعبودية والذلة، وانقـيادها له بـالطاعة فـيـما أمر ونهى، وتذللها له بذلك من غير استكبـار علـيه ولا انـحراف عنه دون إشراك غيره من خـلقه معه فـي العبودية والألوهية.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإسْلام } والإسلام: شهادة أن لا إلٰه إلا الله، والإقرار بـما جاء به من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودل علـيه أولـياءه، لا يقبل غيره ولا يجزى إلا به.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال: ثنا أبو العالـية فـي قوله: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإسْلام } قال: الإسلام: الإخلاص لله وحده وعبـادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر الفرائض لهذا تبع.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {أَسْلَمْنَا } قال: دخـلنا فـي السلـم وتركنا الـحرب.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {إِنَّ الدينَ عندَ اللَّهِ الإسْلامَ }: أي ما أنت علـيه يا مـحمد من التوحيد للربّ والتصديق للرسل.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الكِتَـابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ }.

يعنـي بذلك جل ثناؤه: وما اختلف الذين أوتوا الإنـجيـل، وهو الكتاب الذي ذكره الله فـي هذه الآية فـي أمر عيسى، وافترائهم علـى الله فـيـما قالوه فـيه من الأقوال التـي كثر بها اختلافهم بـينهم وتشتت بها كلـمتهم، وبـاين بها بعضهم بعضاً، حتـى استـحلّ بها بعضهم دماء بعض، {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ } يعنـي: إلا من بعد ما علـموا الـحقّ فـيـما اختلفوا فـيه من أمره وأيقنوا أنهم فـيـما يقولون فـيه من عظيـم الفرية مبطلون. فأخبر الله عبـاده أنهم أتوا ما أتوا من البـاطل وقالوا ما قالوا من القول الذي هو كفر بـالله علـى علـم منهم بخطإ ما قالوه، وأنهم لـم يقولوا ذلك جهلاً منهم بخطئه، ولكنهم قالوه واختلفوا فـيه الاختلاف الذي هم علـيه، تعدّيا من بعضهم علـى بعض، وطلب الرياسات والـملك والسلطان. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الكِتَـابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ } قال: قال أبو العالـية: إلا من بعدما جاءهم الكتاب والعلـم بغياً بـينهم، يقول: بغياً علـى الدنـيا وطلب ملكها وسلطانها، فقتل بعضهم بعضا علـى الدنـيا، من بعد ما كانوا علـماء الناس.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، عن ابن عمر: أنه كان يكثر تلاوة هذه الآية: {إِنَّ الدّينَ عِندَ اللَّهِ الإسلام وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الكِتَـابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ } يقول: بغياً علـى الدنـيا، وطلب ملكها وسلطانها، من قِبَلها واللّه أُتـينا! ما كان علـينا من يكون، بعد أن يأخذ فـينا كتاب الله وسنة نبـيه، ولكنا أُتـينا من قبلها.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال: إن موسى لـما حضره الـموت دعا سبعين حبراً من أحبـار بنـي إسرائيـل، فـاستودعهم التوراة، وجعلهم أمناء علـيه، كل حبر جزءاً منه، واستـخـلف موسى يوشع بن نون. فلـما مضى القرن الأوّل، ومضى الثانـي، ومضى الثالث، وقعت الفرقة بـينهم، وهم الذين أوتوا العلـم من أبناء أولئك السبعين، حتـى أهراقوا بـينهم الدماء، ووقع الشّر والاختلاف، وكان ذلك كله من قبل الذين أوتوا العلـم بغياً بـينهم علـى الدنـيا، طلبـاً لسلطانها وملكها وخزائنَها وزخرفها، فسلط الله علـيهم جبـابرتهم، فقال الله: {إِنَّ الدّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلامِ } إلـى قوله:

{ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ }[آل عمران: 15].

فقول الربـيع بن أنس هذا يدلّ علـى أنه كان عنده أنه معنـيّ بقوله: {وَمَا اختَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَـابَ } الـيهود من بنـي إسرائيـل دون النصارى منهم ومن غيرهم. وكان غيره يوجه ذلك إلـى أن الـمعنـيّ به النصارى الذين أوتوا الإنـجيـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {وَمَا اختَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الكِتَـابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العِلْمُ } الذي جاءك، أي أن الله الواحد الذي لـيس له شريك، {بَغْياً بَيْنَهُمْ } يعنـي بذلك: النصارى.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَـاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهِ سَرِيعُ الحِسابِ }. يعنـي بذلك: ومن يجحد حجج الله وأعلامه التـي نصبها ذكرى لـمن عقل، وأدلة لـمن اعتبر وتذكر، فإن الله مـحص علـيه أعماله التـي كان يعملها فـي الدنـيا، فمـجازيه بها فـي الآخرة، فإنه جلّ ثناؤه سريع الـحساب، يعنـي: سريع الإحصاء. وإنـما معنى ذلك: أنه حافظٌ علـى كل عامل عمله، لا حاجة به إلـى عقد، كما يعقده خـلقه بأكفهم، أو يعونه بقلوبهم، ولكنه يحفظ ذلك علـيهم بغير كلفة ولا مؤونة، ولا معاناة لـما يعانـيه غيره من الـحساب.

وبنـحو الذي قلنا فـي معنى {سَرِيعُ الحِسابِ } كان مـجاهد يقول.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح عن مـجاهد فـي قول الله عزّ وجلّ: {وَمَن يَكْفُرْ بِآيَـاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهِ سَرِيعُ الحِسَابِ } قال: إحصاؤه علـيهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح عن مـجاهد: {وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهِ سَرِيعُ الحِسَابِ } إحصاؤه.

فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا۟ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ ۝٢٠

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: فإن حاجَّك يا مـحمد النفر من نصارى أهل نـجران فـي أمر عيسى صلوات الله علـيه، فخاصموك فـيه بـالبـاطل، فقل: انقدت لله وحده بلسانـي وقلبـي وجميع جوارحي، وإنـما خصّ جلّ ذكره بأمره بأن يقول: أسلـمت وجهي لله، لأن الوجه أكرم جوارح ابن آدم علـيه، وفـيه بهاؤه وتعظيـمه فإذا خضع وجهه لشيء، فقد خضع له الذي هو دونه فـي الكرامة علـيه من جوارح بدنه. وأما قوله: {وَمَنِ اتَّبَعَنِي } فإنه يعنـي: وأسلـم من اتبعنـي أيضاً وجهه لله معي، ومن معطوف بها علـى التاء فـي «أسلـمت». كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {فَإنْ حَاجُّوكَ } أي بـما يأتونك به من البـاطل من قولهم: خـلقنا، وفعلنا، وجعلنا، وأمرنا، فإنـما هي شبه بـاطلة قد عرفوا ما فـيها من الـحقّ، فقل: أسلـمت وجهي لله ومن اتبعنـي.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـابَ وَالأمِّيِّينَ أأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدُوا }.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: وقل يا مـحمد للذين أوتوا الكتاب من الـيهود والنصارى، والأميـين الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب أأسلـمتـم؟ يقول: قل لهم: هل أفردتـم التوحيد، وأخـلصتـم العبـادة والألوهة لربّ العالـمين دون سائر الأنداد والأشراك التـي تشركونها معه فـي عبـادتكم إياهم، وإقراركم بربوبـيتهم، وأنتـم تعلـمون أنه لا ربّ غيره، ولا إله سواه، فإن أسلـموا يقول: فإن انقادوا لإفراد الوحدانـية لله، وإخلاص العبـادة والألوهة له، فقد اهتدوا، يعنـي: فقد أصابوا سبـيـل الـحقّ، وسلكوا مـحجة الرشد.

فإن قال قائل: وكيف قـيـل: فإن أسلـموا فقد اهتدوا عقـيب الاستفهام، وهل يجوز علـى هذا فـي الكلام أن يقال لرجل: هل تقوم؟ فإن تقم أكرمك؟. قـيـل: ذلك جائز إذا كان الكلام مراداً به الأمر، وإن خرج مخرج الاستفهام، كما قال جلّ ثناؤه:

{ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ }[المائدة: 91] يعنـي انتهوا، وكما قال جل ثناؤه مخبراً عن الـحواريـين أنهم قالوا لعيسى: { يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }[المائدة: 112]. وإنـما هو مسألة، كما يقول الرجل: هل أنت كافّ عنا؟ بـمعنى: اكفف عنا، وكما يقول الرجل للرجل: أين أين؟ بـمعنى؟ أقم فلا تبرح، ولذلك جُوزي فـي الاستفهام كما جوزي فـي الأمر فـي قراءة عبد الله: «هَلْ أدُلُّكُمْ علـى تِـجارَةٍ تُنْـجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ ألِـيـمٍ؟ آمِنُوا» ففسرها بـالأمر، وهي فـي قراءتنا علـى الـخبر؛ فـالـمـجازاة فـي قراءتنا علـى قوله: {هَلْ أَدُلُّكُمْ } وفـي قراءة عبد الله علـى قوله: «آمِنُوا» علـى الأمر، لأنه هو التفسير.

وبنـحو معنى ما قلنا فـي ذلك قال بعض أهل التأويـل.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتَـابَ وَالأميِّينَ } الذين لا كتاب لهم: {أأسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا }... الآية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ } قال: الأميون: الذين لا يكتبون.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بالعِبَادِ }.

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {وَإِن تَوَلَّوْا } وإن أدبروا معرضين عما تدعوهم إلـيه من الإسلام، وإخلاص التوحيد لله ربّ العالـمين، فإنـما أنت رسول مبلغ، ولـيس علـيك غير إبلاغ الرسالة إلـى من أرسلتك إلـيه من خـلقـي، وأداء ما كلفتك من طاعتـي. {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بالعِبَادِ } يعنـي بذلك، والله ذو علـم بـمن يقبل من عبـاده ما أرسلتك به إلـيه، فـيطيعك بـالإسلام، وبـمن يتولـى منهم عنه معرضاً، فـيردّ علـيك ما أرسلتك به إلـيه فـيعصيك بإبـائه الإسلام.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ۝٢١ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ۝٢٢

يعني بذلك جلّ ثناؤه: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَـاتِ اللَّهِ } أي يجحدون حجج الله وأعلامه فيكذّبون بها من أهل الكتابين التوراة والإنجيل. كما:

حدثنـي ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن جعفر بن الزبـير، قال: ثم جمع أهل الكتابـين جميعاً، وذكر ما أحدثوا وابتدعوا من الـيهود والنصارى، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيـاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقّ } إلـى قوله: {قُلِ اللَّهُمَّ مَـالِكَ المُلْكِ تُؤْتِى المُلْكَ مَن تَشَاءُ }.

وأما قوله: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ } فإنه يعنـي بذلك أنهم كانوا يقتلون رسل الله الذين كانوا يرسلون إلـيهم بـالنهي عما يأتون من معاصي الله، وركوب ما كانوا يركبونه من الأمور التـي قد تقدم الله إلـيهم فـي كتبهم بـالزجر عنها، نـحو زكريا وابنه يحيـى وما أشبههما من أنبـياء الله.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بالقِسْطِ مِنَ النَّاسِ }.

اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأه عامة أهل الـمدينة والـحجاز والبصرة والكوفة وسائر قرّاء الأمصار: {وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بالْقِسْطِ } بـمعنى القتل. وقرأه بعض الـمتأخرين من قرّاء الكوفة: «ويقاتلون»، بـمعنى القتال تأوّلاً منه قراءة عبد الله بن مسعود، وادّعى أن ذلك فـي مصحف عبد الله: «وقاتلوا»، فقرأ الذي وصفنا أمره من القراء بذلك التأويـل «ويقاتلون».

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا، قراءة من قرأه: {وَيَقْتُلُونَ } لإجماع الـحجة من القراء علـيه به، مع مـجيء التأويـل من أهل التأويـل بأن ذلك تأويـله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن معقل بن أبـي مسكين فـي قول الله صلى الله عليه وسلم: {وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ } قال: كان الوحي يأتـي إلـى بنـي إسرائيـل فـيذكِّرون، ولـم يكن يأتـيهم كتاب، فـيُقتَلون، فـيقوم رجال مـمن اتبعهم وصدّقهم، فـيذكِّرون قومهم فـيقتلون، فهم الذين يأمرون بـالقسط من الناس.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن قتادة فـي قوله: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ } قال: هؤلاء أهل الكتاب، كان أتبـاع الأنبـياء ينهونهم ويذكرونهم فـيقتلونهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج فـي قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ } قال: كان ناس من بنـي إسرائيـل مـمن لـم يقرأ الكتاب كان الوحي يأتـي إلـيهم، فـيذكِّرون قومهم فـيقتلون علـى ذلك، فهم الذين يأمرون بـالقسط من الناس.

حدثنـي أبو عبـيد الرصافـي مـحمد بن جعفر، قال: ثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو الـحسن مولـى بنـي أسد، عن مكحول، عن قبـيصة بن ذؤيب الـخزاعي، عن أبـي عبـيدة بن الـجرّاح، قال: قلت يا رسول الله، أيّ الناس أشدّ عذابـا يوم القـيامة؟ قال:

رَجُلٌ قَتَلَ نَبِـيًّا، أوْ رَجُلٌ أمَرَ بـالـمُنْكَرِ وَنَهَى عَنِ الـمَعْرُوفِ. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الَّذِينَ يَقْتُلُونَ النَّبِـيِّـينَ بِغَيْرِ حَقّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِـالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ» إلـى أن انتهى إلـى: {وَمَا لَهُم مّن نَّـاصِرِينَ }. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبـا عُبَـيْدَةَ قَتَلَتْ بَنُو إسْرَائِيـلَ ثَلاَثَةً وَأرْبَعِينَ نَبِـيًّا مِنْ أَوَّلِ النَّهارِ فِـي سَاعَةٍ وَاحِدَةً، فَقَامَ مِائَةُ رَجُلٍ وَاثْنَا عَشَرَ رَجُلاً مِنْ عُبَّـادِ بَنِـي إسْرَائِيـلَ، فأمَرُوا مَنْ قَتَلَهُمْ بِـالـمَعْرُوفِ وَنَهَوْهُمْ عَنِ الـمُنْكَرِ فَقُتِلُوا جَمِيعاً مِنْ آخِرِ النَّهَارِ فِـي ذَلِكَ الـيَوْمِ، وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ

فتأويـل الآية إذا: إن الذين يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبـيـين بغير حقّ، ويقتلون آمريهم بـالعدل فـي أمر الله ونهيه، الذين ينهونهم عن قتل أنبـياء الله وركوب معاصيه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ أُولَـئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَـالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِنْ نَـاصِرِينَ }.

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } فأخبرهم يا مـحمد، وأعلـمهم أن لهم عند الله عذابـاً مؤلـماً لهم، وهو الـموجع.

وأما قوله: {أُولَـئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ } فإنه يعنـي بقوله: {أُوْلَـئِكَ } الذين يكفرون بآيات الله. ومعنى ذلك: أن الذين ذكرناهم، هم الذين حبطت أعمالهم، يعنـي بطلت أعمالهم فـي الدنـيا والآخرة. فأما قوله: {فِى الدُّنْيَا } فلـم ينالوا بها مـحمدة ولا ثناء من الناس، لأنهم كانوا علـى ضلال وبـاطل، ولـم يرفع الله لهم بها ذكراً، بل لعنهم وهتك أستارهم، وأبدى ما كانوا يخفون من قبـائح أعمالهم علـى ألسن أنبـيائه ورسله فـي كتبه التـي أنزلها علـيهم، فأبقـى لهم ما بقـيت الدنـيا مذمة، فذلك حبوطها فـي الدنـيا. وأما فـي الآخرة، فإنه أعدّ لهم فـيها من العقاب ما وصف فـي كتابه، وأعلـم عبـاده أن أعمالهم تصير بوراً لا ثواب لها، لأنها كانت كفراً بـالله، فجزاء أهلها الـخـلود فـي الـجحيـم.

وأما قوله: {وَمَا لَهُم مّن ناصِرِينَ } فإنه يعنـي: وما لهؤلاء القوم من ناصر ينصرهم من الله إذا هو انتقم منهم بـما سلف من إجرامهم واجترائهم علـيه، فـيستنقذهم منه.

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ ۝٢٣

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: {أَلَمْ تَرَ } يا مـحمد {إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتَـابِ } يقول: الذين أُعطوا حظاً من الكتاب، يدعون إلـى كتاب الله.

واختلف أهل التأويـل فـي الكتاب الذي عنى الله بقوله: {يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَـابِ اللَّهِ } فقال بعضهم: هو التوراة دعاهم إلـى الرضا بـما فـيها، إذ كانت الفرق الـمنتـحلة الكتب تُقِرّ بها وبـما فـيها أنها كانت أحكام الله قبل أن ينسخ منها ما نسخ. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس، قال: ثنا مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، قال: ثنـي سعيد بن جبـير وعكرمة، عن ابن عبـاس، قال: دخـل رسول الله صلى الله عليه وسلم بـين الـمدراس علـى جماعة من يهود، فدعاهم إلـى الله، فقال له نعيـم بن عمرو والـحارث بن زيد: علـى أيّ دين أنت يا مـحمد؟ فقال:

علـى مِلّة إبْراهِيـم ودِينِه، فقالا: فإن إبراهيـم كان يهوديا، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم:فَهَلُـمُّوا إلـى التَّوْرَاةِ فَهِيَ بَـيْنَنَا وَبَـيْنَكُمْ. فأبَوْا عَلَـيْهِ، فأنزل الله عزّ وجلّ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتَـابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَـابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مّنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ }... إلـى قوله: {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى آل زيد، عن سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: دخـل رسول الله صلى الله عليه وسلم بـيت الـمدراس، فذكر نـحوه، إلا أنه قال: فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم:

فَهَلُـمَّا إلـى التَّوْرَاةِ، وقال أيضا: فأنزل الله فـيهما: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتَـابِ } وسائر الـحديث مثل حديث أبـي كريب.

وقال بعضهم: بل ذلك كتاب الله الذي أنزله علـى مـحمد، وإنـما دعيت طائفة منهم إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم لـيحكم بـينهم بـالـحقّ، فأبت. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتَـابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَـابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُم مُعْرِضُونَ } أولئك أعداء الله الـيهود، دعوا إلـى كتاب الله لـيحكم بـينهم، وإلـى نبـيه لـيحكم بـينهم وهم يجدونه مكتوبـاً عندهم فـي التوراة والإنـجيـل، ثم تولوا عنه وهم معرضون.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن قتادة: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتَـابِ }... الآية، قال: هم الـيهود دعوا إلـى كتاب الله وإلـى نبـيه، وهم يجدونه مكتوبـاً عندهم، ثم يتولون وهم معرضون.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِنَ الْكِتَـابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَـابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } قال: كان أهل الكتاب يدعون إلـى كتاب الله لـيحكم بـينهم بـالـحقّ يكون وفـي الـحدود، وكان النبـيّ صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلـى الإسلام، فـيتولون عن ذلك.

وأولـى الأقوال فـي تأويـل ذلك عندي بـالصواب أن يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر عن طائفة من الـيهود الذين كانوا بـين ظهرانـي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي عهده، مـمن قد أوتـي علـماً بـالتوراة أنهم دعوا إلـى كتاب الله الذي كانوا يقرّون أنه من عند الله وهو فـي التوراة فـي بعض ما تنازعوا فـيه هم ورسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد يجوز أن يكون تنازعهم الذي كانوا تنازعوا فـيه ثم دعوا إلـى حكم التوراة فـيه، فـامتنعوا من الإجابة إلـيه، كان أمر مـحمد صلى الله عليه وسلم وأمر نبوّته. ويجوز أن يكون ذلك كان أمر إبراهيـم خـلـيـل الرحمن ودينه. ويجوز أن يكون ذلك ما دعوا إلـيه من أمر الإسلام، والإقرار به. ويجوز أن يكون ذلك كان فـي حدّ، فإن كل ذلك مـما قد كانوا نازعوا فـيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاهم فـيه إلـى حكم التوراة، فأبى الإجابة فـيه، وكتـمه بعضهم. ولا دلالة فـي الآية علـى أن ذلك كان مـمن أبى، فـيجوز أن يقال: هو هذا دون هذا. ولا حاجة بنا إلـى معرفة ذلك، لأن الـمعنى الذي دعوا إلـيه جملته هو مـما كان فرضاً علـيهم الإجابة إلـيه فـي دينهم، فـامتنعوا منه. فأخبر الله جل ثناؤه عنهم بردّتهم وتكذيبهم بـما فـي كتابهم وجحودهم، ما قد أخذ علـيهم عهودهم ومواثـيقهم بإقامته والعمل به، فلن يعدوا أن يكونوا فـي تكذيبهم مـحمداً وما جاء به من الـحقّ مثلُهم فـي تكذيبهم موسى وما جاء به، وهم يتولونه ويقرّون به.

ومعنى قوله: {ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ } ثم يستدبر عن كتاب الله الذي دعا إلـى حكمه معرضاً عنه منصرفـاً، وهو بحقـيقته وحجته عالـم.

وإنـما قلنا إن ذلك الكتاب هو التوراة، لأنهم كانوا بـالقرآن مكذّبـين وبـالتوراة بزعمهم مصدّقـين، فكانت الـحجة علـيهم بتكذيبهم بـما هم به فـي زعمهم مقرّون أبلغ وللعذر أقطع.

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَٰتٍ وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ۝٢٤

يعنـي جل ثناؤه بقوله: {بِأَنَّهُمْ قَالُوا} بأن هؤلاء الذين دعوا إلـى كتاب الله لـيحكم بـينهم بـالـحقّ فـيـما نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنـما أبوا الإجابة فـي حكم التوراة، وما فـيها من الـحقّ من أجل قولهم: {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُوداتٍ } وهي أربعون يوماً، وهنّ الأيام التـي عبدوا فـيها العجل، ثم يخرجنا منها ربنا. اغتراراً منهم بـما كانوا يفترون، يعنـي بـما كانوا يختلقون من الأكاذيب والأبـاطيـل فـي ادّعائهم أنهم أبناء الله وأحبـاؤه، وأن الله قد وعد أبـاهم يعقوب أن لا يدخـل أحداً من ولده النار إلا تَـحِلّة القسم. فأكذبهم الله علـى ذلك كله من أقوالهم، وأخبر نبـيه مـحمدا صلى الله عليه وسلم أنهم هم أهل النار، هم فـيها خالدون، دون الـمؤمنـين بـالله ورسله وما جاءوا به من عنده.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ } قالوا: لن تـمسنا النار إلا تـحلة القسم التـي نصبنا فـيها العجل، ثم ينقطع القسم والعذاب عنا. قال الله عزّ وجلّ: {وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي قالوا: نـحن أبناء الله وأحبـاؤه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله: {ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَّعْدُوداتٍ }... الآية، قال: قالوا: لن نعذّب فـي النار إلا أربعين يوماً. قال: يعنـي الـيهود. قال: وقال قتادة مثله، وقال: هي الأيام التـي نصبوا فـيها العجل. يقول الله عزّ وجلّ: {وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } حين قالوا: {نَحْنُ أَبْنَاء اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُه }.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مـجاهد: قوله: {وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } قال: غرّهم قولهم: {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَّعْدُوداتٍ }.

فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَٰهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ۝٢٥

يعني بقوله جلّ ثناؤه: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـاهُمْ } فأيّ حال يكون حال هؤلاء القوم الذين قالوا هذا القول، وفعلوا ما فعلوا من إعراضهم عن كتاب الله واغترارهم بربهم، وافترائهم الكذب. وذلك من الله عزّ وجلّ وعيد لهم شديد، وتهديد غلـيظ. وإنـما يعنـي بقوله: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـاهُمْ }... الآية: فما أعظم ما يـلقون من عقوبة الله وتنكيـله بهم إذا جمعهم لـيوم يوفـى كل عامل جزاء عمله علـى قدر استـحقاقه غير مظلوم فـيه، لأنه لا يعاقب فـيه إلا علـى ما اجترم، ولا يؤاخذ إلا بـما عمل، يجزي الـمـحسن بإحسانه، والـمسيء بإساءته، لا يخاف أحد من خـلقه يومئذ ظلـماً ولا هضماً.

فإن قال قائل: وكيف قـيـل: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } ولـم يقل: فـي يوم لا ريب فـيه؟ قـيـل: لـمخالفة معنى اللام فـي هذا الـموضع معنى فـي، وذلك أنه لو كان مكان اللام «فـي» لكان معنى الكلام: فكيف إذا جمعناهم فـي يوم القـيامة ماذا يكون لهم من العذاب والعقاب، ولـيس ذلك الـمعنى فـي دخول اللام، ولكن معناه مع اللام، فكيف إذا جمعناهم لـما يحدث فـي يوم لا ريب فـيه، ولـما يكون فـي ذلك الـيوم من فصل الله القضاء بـين خـلقه، ماذا لهم حينئذ من العقاب وألـيـم العذاب؟ فمع اللام فـي: {لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } نـية فعل وخبر مطلوب قد ترك ذكره، أجزأت دلالة دخول اللام فـي الـيوم علـيه منه، ولـيس ذلك مع «فـي» فلذلك اختـيرت اللام فأدخـلت فـي «لـيوم» دون «فـي».

وأما تأويـل قوله: {لاَ رَيْبَ فِيهِ } فإنه لا شكّ فـي مـجيئه، وقد دللنا علـى أنه كذلك بـالأدلة الكافـية، مع ذكر من قال ذلك فـي تأويـله فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته. وعنى بقوله: {وَوُفّيَتْ } ووفـى الله {كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } يعنـي ما عملت من خير وشرّ، {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } يعنـي أنه لا يبخس الـمـحسن جزاء إحسانه، ولا يعاقب مسيئاً بغير جرمه.

السبت، 24 أكتوبر 2026 13 جمادى الأولى 1448 هـ