انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير الطبريالآيات 65–75

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة آل عمران

الخلاصة من تفسير الطبري · 11 مقطعًا · 3:01:26

  1. 1 الآيات 52–74في هذه الصفحة 17:02
  2. 2 الآيات 75–92في هذه الصفحة 15:58

التفسير الصوتي لسورة آل عمران كاملًا (11 مقطعًا)

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوْرَىٰةُ وَٱلْإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعْدِهِۦٓ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝٦٥

قال أبو جعفر: يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ }: يا أهل التوراة والإنـجيـل {لِمَ تُحَاجُّونَ } لـم تـجادلون {فِى إِبْرٰهِيمَ } وتـخاصمون فـيه، يعنـي فـي إبراهيـم خـلـيـل الرحمن صلوات الله علـيه. وكان حجاجهم فـيه: ادّعاء كل فريق من أهل هذين الكتابـين أنه كان منهم، وأنه كان يدين دين أهل نـحلته، فعابهم الله عزّ وجل بـادّعائهم ذلك، ودلّ علـى مناقضتهم ودعواهم، فقال: وكيف تدّعون أنه كان علـى ملتكم ودينكم، ودينكم إما يهودية أو نصرانـية، والـيهودي منكم يزعم أن دينه إقامة التوراة والعمل بـما فـيها، والنصرانـيّ منكم يزعم أن دينه إقامة الإنـجيـل وما فـيه، وهذان كتابـان لـم ينزلا إلا بعد حين من مَهْلك إبراهيـم ووفـاته، فكيف يكون منكم؟ فماوجه اختصامكم فـيه وادعائكم أنه منكم، والأمر فـيه علـى ما قد علـمتـم، وقـيـل: نزلت هذه الآية فـي اختصام الـيهود والنصارى فـي إبراهيـم، وادّعاء كل فريق منهم أنه كان منهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنـي مـحمد بن إسحاق، وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، قال: ثنـي سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: اجتـمعت نصارى نـجران وأحبـار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبـار: ما كان إبراهيـم إلا يهودياً، وقالت النصارى: ما كان إبراهيـم إلا نصرانـياً. فأنزل الله عزّ وجلّ فـيهم: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِى إِبْرٰهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإْنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }؟ قالت النصارى: كان نصرانـياً، وقالت الـيهود: كان يهودياً، فأخبرهم الله أن التوراة والإنـجيـل ما أنزلا إلا من بعده، وبعده كانت الـيهودية والنصرانـية.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِى إِبْرٰهِيمَ } يقول: لـم تـحاجون فـي إبراهيـم، وتزعمون أنه كان يهودياً أو نصرانـياً، وما أنزلت التوراة والإنـجيـل إلا من بعده، فكانت الـيهودية بعد التوراة، وكانت النصرانـية بعد الإنـجيـل أفلا تعقلون.

وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية فـي دعوى الـيهود إبراهيـم أنه منهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم دعا يهود أهل الـمدينة إلـى كلـمة السواء، وهم الذين حاجوا فـي إبراهيـم، وزعموا أنه مات يهودياً. فأكذبهم الله عزّ وجلّ، ونفـاهم منه، فقال: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِى إِبْرٰهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإْنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عزّ وجلّ: { يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِى إِبْرٰهِيمَ } قال: الـيهود والنصارى برأه الله عزّ وجلّ منهم حين ادَّعَتْ كل أمة أنه منهم، وألـحق به الـمؤمنـين من كان من أهل الـحنـيفـية.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد مثله.

وأما قوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } فإنه يعنـي: أفلا تعقلون: تفقهون خطأ قـيـلكم إن إبراهيـم كان يهودياً أو نصرانـياً، وقد علـمتـم أن الـيهودية والنصرانـية حدثت من بعد مهلكه بحين؟.

هَٰٓأَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ حَٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِۦ عِلْمٌ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ۝٦٦

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: {ها أَنتُمْ } هؤلاء القوم الذين خاصمتـم وجادلتـم فـيـما لكم به علـم من أمر دينكم الذي وجدتـموه فـي كتبكم، وأتتكم به رسل الله من عنده، وفـي غير ذلك مـما أوتـيتـموه، وثبتت عندكم صحته، فلـم تـحاجون: يقول: فلـم تـجادلون وتـخاصمون فـيـما لـيس لكم به علـم، يعنـي الذي لا علـم لكم به من أمر إبراهيـم ودينه، ولـم تـجدوه فـي كتب الله، ولا أتتكم به أنبـياؤكم، ولا شاهدتـموه فتعلـموه. كما:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { هأَنتُمْ هَـٰؤُلاء حَـٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ }: أما الذي لهم به علـم: فما حرم علـيهم وما أمروا به، وأما الذي لـيس لهم به علـم: فشأن إبراهيـم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { هأَنتُمْ هَـٰؤُلاء حَـٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ } يقول: فـيـما شهدتـم ورأيتـم وعاينتـم، {فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } فـيـما لـم تشاهدوا ولـم تروا ولـم تعاينوا، والله يعلـم وأنتـم لا تعلـمون.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

وقوله: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } يقول: والله يعلـم ما غاب عنكم فلـم تشاهدوه ولـم تروه ولـم تأتكم به رسله من أمر إبراهيـم وغيره من الأمور، ومـما تـجادلون فـيه، لأنه لا يغيب عنه شيء، ولا يعزب عنه علـم شيء فـي السموات ولا فـي الأرض، وأنتـم لا تعلـمون من ذلك إلا ما عاينتـم فشاهدتـم، أو أدركتـم علـمه بـالإخبـار والسماع.

مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۝٦٧

وهذا تكذيب من الله عزّ وجلّ دعوى الذين جادلوا فـي إبراهيـم وملته من الـيهود والنصارى، وادعوا أنه كان علـى ملتهم، وتبرئة لهم منه، وأنهم لدينه مخالفون، وقضاء منه عزّ وجلّ لأهل الإسلام، ولأمة مـحمد صلى الله عليه وسلم أنهم هم أهل دينه، وعلـى منهاجه وشرائعه دون سائر أهل الـملل والأديان غيرهم. يقول الله عزّ وجلّ {مَا كَانَ إِبْرٰهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } الذين يعبدون الأصنام والأوثان، أو مخـلوقاً دون خالقه، الذي هو إلٰه الـخـلق وبـارئهم، {وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا } يعنـي: متبعاً أمر الله وطاعته، مستقـيـماً علـى مـحجة الهدى التـي أمر بلزومها، {مُسْلِمًا } يعنـي: خاشعاً لله بقلبه، متذللاً له بجوارحه، مذعناً لـما فرض علـيه وألزمه من أحكامه.

وقد بـينا اختلاف أهل التأويـل فـي معنى الـحنـيف فـيـما مضى، ودللنا علـى القول الذي هو أولـى بـالصحة من أقوالهم بـما أغنى عن إعادته.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك من التأويـل، قال أهل التأويـل: ذكر من قال ذلك:

حدثنـي إسحاق بن شاهين الواسطي، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر، قال: قالت الـيهود: إبراهيـم علـى ديننا، وقالت النصارى: هو علـى ديننا، فأنزل الله عزّ وجلّ: {مَا كَانَ إِبْرٰهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا }... الآية. فأكذبهم الله، وأدحض حجتهم، يعنـي الـيهود الذين ادّعوا أن إبراهيـم مات يهودياً.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي يعقوب بن عبد الرحمن الزهري عن موسى بن عقبة، عن سالـم بن عبد الله ـ لا أراه إلا يحدّثه عن أبـيه ـ: أن زيد بن عمرو بن نفـيـل خرج إلـى الشام يسأل عن الدين، ويتبعه، فلقـي عالـماً من الـيهود، فسأله عن دينه، وقال: إنـي لعلـي أن أدين دينكم، فأخبرنـي عن دينكم! فقال له الـيهودي: إنك لن تكون علـى ديننا حتـى تأخذ بنصيبك من غضب الله. قال زيد: ما أفرّ إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئاً أبداً، وأنا لا أستطيع، فهل تدلنـي علـى دين لـيس فـيه هذا؟ قال: ما أعلـمه إلا أن تكون حنـيفـاً، قال: وما الـحنـيف؟ قال: دين إبراهيـم، لـم يك يهودياً وَلاَ نَصرانـياً، وكان لا يعبد إلا الله. فخرج من عنده، فلقـي عالـماً من النصارى، فسأله عن دينه، فقال: إنـي لعلـي أن أدين دينكم، فأخبرنـي عن دينكم! قال: إنك لن تكون علـى ديننا حتـى تأخذ بنصيبك من لعنة الله. قال: لا أحتـمل من لعنة الله شيئاً، ولا من غضب الله شيئاً أبداً، وأنا لا أستطيع، فهل تدلنـي علـى دين لـيس فـيه هذا؟ فقال له نـحواً مـما قاله الـيهودي: لا أعلـمه إلا أن تكون حنـيفـاً. فخرج من عنده، وقد رضي الذي أخبراه والذي اتفقا علـيه من شأن إبراهيـم، فلـم يزل رافعاً يديه إلـى الله وقال: اللهمّ إنـي أشهدك أنـي علـى دين إبراهيـم.

إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝٦٨

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرٰهِيمَ } إن أحقّ الناس بإبراهيـم ونصرته وولايته، {لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ } يعنـي الذين سلكوا طريقه ومنهاجه، فوحدوا الله مخـلصين له الدين، وسنوا سننه، وشرعوا شرائعه وكانوا لله حنفـاء مسلـمين غير مشركين به. {وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ } يعنـي مـحمداً صلى الله عليه وسلم. {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }. يعنـي والذين صدّقوا مـحمداً، وبـما جاءهم به من عند الله. {وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ } يقول: والله ناصر الـمؤمنـين بـمـحمد الـمصدقـين له فـي نبوّته، وفـيـما جاءهم به من عنده علـى من خالفهم من أهل الـملل والأديان.

وبـمثل الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل: ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ } يقول: الذين اتبعوه علـى ملته وسنته ومنهاجه وفطرته، {وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ} وهو نبـيّ الله مـحمد. {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ } وهم الـمؤمنون الذين صدّقوا نبـيّ الله واتبعوه، كان مـحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه من الـمؤمنـين أولـى الناس بإبراهيـم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى وجابر بن الكردي والـحسن بن أبـي يحيـى الـمقدسي، قالوا: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن أبـيه، عن أبـي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ لِكُلّ نَبِـيّ وُلاةً مِنَ النَّبِـيِّـينَ، وَإنَّ وَلِـيِّـي مِنْهُمْ أبـي وَخَـلِـيـلُ رَبّـي، ثم قرأ: {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا أبو نعيـم الفضل بن دكين، قال: ثنا سفـيان، عن أبـيه، عن أبـي الضحى، عن عبد الله، أراه قال عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فذكر نـحوه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: يقول الله سبحانه: {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ } وهم الـمؤمنون.

وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ۝٦٩

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {وَدَّت }: تـمنت {طَائِفَةٌ } يعنـي جماعة {مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } وهم أهل التوراة من الـيهود، وأهل الإنـجيـل من النصارى {لَوْ يُضِلُّونَكُمْ } يقول: لو يصدّونكم أيها الـمؤمنون عن الإسلام، ويردّونكم عنه إلـى ما هم علـيه من الكفر، فـيهلكونكم بذلك. والإضلال فـي هذا الـموضع: الإهلاك من قول الله عزّ وجلّ:

{ وَقَالُوۤاْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ }[السجده: 10] يعنـي: إذا هلكنا. ومنه قول الأخطل فـي هجاء جرير:

كُنْتَ القَذَى فِـي مَوْجٍ أكْدَرَ مُزْبِدٍ قَذَفَ الأتِـيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلالا

يعنـي: هلك هلاكاً، وقول نابغة بنـي ذبـيان:

[شع] حفآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِـيَّةٍ وغُودِرَ بـالـجَوْلانِ حَزْمٌ وَنائِلُ

يعنـي مهلكوه.

{وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ }: وما يهلكون بـما يفعلونه من مـحاولتهم صدّكم عن دينكم أحداً غير أنفسهم، يعنـي بأنفسهم: أتبـاعهم وأشياعهم علـى ملتهم وأديانهم، وإنـما أهلكوا أنفسهم وأتبـاعهم بـما حاولوا من ذلك لاستـيجابهم من الله بفعلهم ذلك سخطه، واستـحقاقهم به غضبه ولعنته، لكفرهم بـالله، ونقضهم الـميثاق الذي أخذ الله علـيهم فـي كتابهم فـي اتبـاع مـحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه، والإقرار بنبوّته. ثم أخبر جلّ ثناءه عنهم أنهم يفعلون ما يفعلون، من مـحاولة صدّ الـمؤمنـين عن الهدى إلـى الضلالة، والردى علـى جهل منهم، بـما الله بهم مـحلّ من عقوبته، ومدّخر لهم من ألـيـم عذابه، فقال تعالـى ذكره: {وَمَا يَشْعُرُونَ } أنهم لا يضلون إلا أنفسهم بـمـحاولتهم إضلالكم أيها الـمؤمنون؛ ومعنى قوله: {وَمَا يَشْعُرُونَ }: وما يدرون ولا يعلـمون، وقد بـينا تأويـل ذلك بشواهده فـي غير هذا الـموضع فأغنى ذلك عن إعادته.

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ۝٧٠

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: {مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } من الـيهود والنصارى، {لِمَ تَكْفُرُونَ } يقول: لِـمَ تَـجحدون {بِآياتِ اللَّهِ} يعنـي: بـما فـي كتاب الله، الذي أنزله إلـيكم، علـى ألسن أنبـيائكم من آيه وأدلته، {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } أنه حقّ من عند ربكم. وإنـما هذا من الله عزّ وجلّ توبـيخ لأهل الكتابـين علـى كفرهم بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وجحودهم نبوّته، وهم يجدونه فـي كتبهم مع شهادتهم أن ما فـي كتبهم حقّ، وأنه من عند الله. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِأَيَـٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } يقول: تشهدون أن نعت مـحمد نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم فـي كتابكم، ثم تكفرون به وتنكرونه، ولا تؤمنون به وأنتـم تـجدونه مكتوبـاً عندكم فـي التوراة والإنـجيـل، النبـيّ الأميّ الذي يؤمن بـالله وكلـماته.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: { يأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِأَيَـٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } يقول: تشهدون أن نعت مـحمد فـي كتابكم، ثم تكفرون به ولا تؤمنون به، وأنتـم تـجدونه عندكم فـي التوراة والإنـجيـل النبـيّ الأميّ.

حدثنـي مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { يأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِأَيَـٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } آيات الله: مـحمد، وأما تشهدون: فـيشهدون أنه الـحقّ يجدونه مكتوبـا عندهم.

حدثنا (القاسم قال، ثنا) الـحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قوله: { يأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِأَيَـٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } أن الدين عند الله الإسلام، لـيس لله دين غيره.

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝٧١

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: يا أهل التوراة والإنـجيـل، لـم تلبسون، يقول: لـم تـخـلطون الـحقّ بـالبـاطل. وكان خـلطهم الـحقّ بـالبـاطل: إظهارهم بألسنتهم من التصديق بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند الله، غير الذي فـي قلوبهم من الـيهودية والنصرانـية. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: قال عبد الله بن الصيِّف وعديّ بن زيد والـحارث بن عوف بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بـما أنزل علـى مـحمد وأصحابه غدوة، ونكفر به عشية، حتـى نلبس علـيهم دينهم، لعلهم يصنعون كما نصنع، فـيرجعوا عن دينهم. فأنزل الله عزّ وجلّ فـيهم: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ }... إلـى قوله:

{ وَٱللَّهُ وٰسِعٌ عَلِيمٌ } [آل عمران: 73].

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: { يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ } يقول: لـم تلبسون الـيهودية والنصرانـية بـالإسلام، وقد علـمتـم أن دين الله الذي لا يقبل غيره الإسلام ولا يجزي إلا به.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بـمثله، إلا أنه قال: الذي لا يقبل من أحد غيره الإسلامُ، ولـم يقلْ: ولا يجزي إلا به.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: { يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ }: الإسلام بـالـيهودية والنصرانـية.

وقال آخرون فـي ذلك بـما:

حدثنـي به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قول الله عزّ وجلّ: {لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ } قال: الـحقّ: التوراة التـي أنزل الله علـى موسى، والبـاطل: الذي كتبوه بأيديهم.

قال أبو جعفر: وقد بـينا معنى اللبس فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ }.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: ولـم تكتـمون يا أهل الكتاب الـحقّ؟ والـحقّ الذي كتـموه ما فـي كتبهم من نعت مـحمد صلى الله عليه وسلم ومبعثه ونبوّته. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ }: كتـموا شأن مـحمد، وهم يجدونه مكتوبـاً عندهم فـي التوراة والإنـجيـل، يأمرهم بـالـمعروف، وينهاهم عن الـمنكر.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قوله: {وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } يقول: يكتـمون شأن مـحمد صلى الله عليه وسلم، وهم يجدونه مكتوبـاً عندهم فـي التوراة والإنـجيـل، يأمرهم بـالـمعروف، وينهاهم عن الـمنكر.

حدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {تَكْتُمُونَ ٱلْحَقّ }: الإسلام، وأمر مـحمد صلى الله عليه وسلم، وأنتـم تعلـمون أن مـحمداً رسول الله، وأن الدين الإسلام.

وأما قوله: {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } فإنه يعنـي به: وأنتـم تعلـمون أن الذي تكتـمونه من الـحقّ حقّ، وأنه من عند الله. وهذا القول من الله عزّ وجلّ خبر عن تعمد أهل الكتاب الكفر به، وكتـمانهم ما قد علـموا من نبوّة مـحمد صلى الله عليه وسلم، ووجدوه فـي كتبهم وجاءتهم به أنبـياؤهم.

وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ ءَامِنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوٓا۟ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ۝٧٢

اختلف أهل التأويـل فـي صفة الـمعنى الذي أمرت به هذه الطائفة من أمرت به من الإيـمان وجه النهار، والكفر آخره، فقال بعضهم: كان ذلك أمراً منهم إياهم بتصديق النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي نبوّته، وما جاء به من عند الله وأنه حقّ، فـي الظاهر من غير تصديقه فـي ذلك بـالعزم واعتقاد القلوب علـى ذلك، وبـالكفر به وجحود ذلك كله فـي آخره. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {ءامِنُواْ بِٱلَّذِى أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وٱَكْفُرُواْ ءَاخِرَهُ} فقال بعضهم لبعض: أعطوهم الرضا بدينهم أوّل النهار، واكفروا آخره، فإنه أجدر أن يصدّقوكم، ويعلـموا أنكم قد رأيتـم فـيهم ما تكرهون، وهو أجدر أن يرجعوا عن دينهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا معلـى بن أسد، قال: ثنا خالد، عن حصين، عن أبـي مالك فـي قوله: { ءامِنُواْ بِٱلَّذِى أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وٱَكْفُرُواْ ءَاخِرَه} قال: قالت الـيهود: آمنوا معهم أوّل النهار، واكفروا آخره، لعلهم يرجعون معكم.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ ءامِنُواْ بِٱلَّذِي أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُواْ ءاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } كان أحبـار قرى عَرَبِيَّة اثنـي عشر حبراً، فقالوا لبعضهم: ادخـلوا فـي دين مـحمد أول النهار، وقولوا نشهد أن مـحمداً حقّ صادق، فإذا كان آخر النهار فـاكفروا وقولوا: إنا رجعنا إلـى علـمائنا وأحبارنا فسألناهم، فحدثونا أن مـحمداً كاذب، وأنكم لستـم علـى شيء، وقد رجعنا إلـى ديننا فهو أعجب إلـينا من دينكم، لعلهم يشكون، يقولون: هؤلاء كانوا معنا أوّل النهار، فما بـالهم؟ فأخبر الله عزّ وجلّ رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن حصين، عن أبـي مالك الغفـاري، قال: قالت الـيهود بعضهم لبعض: أسلـموا أوّل النهار، وارتدّوا آخره، لعلهم يرجعون. فأطلع الله علـى سرّهم، فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ ءامِنُواْ بِٱلَّذِى أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُواْ ءاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }.

وقال آخرون: بل الذي أمرت به من الإيـمان: الصلاة، وحضورها معهم أوّل النهار، وترك ذلك آخره. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عزّ وجلّ {ءامِنُواْ بِٱلَّذِى أُنزِلَ على لَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ } يهود تقوله صلت مع مـحمد صلاة الصبح، وكفروا آخر النهار مكراً منهم، لـيرُوا الناس أن قد بدت لهم منه الضلالة بعد أن كانوا اتبعوه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، بـمثله.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ ءامِنُواْ بِٱلَّذِى أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ }... الآية. وذلك أن طائفة من الـيهود قالوا: إذا لقـيتـم أصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم أول النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فصلوا صلاتكم لعلهم يقولون: هؤلاء أهل الكتاب، وهم أعلـم منا، لعلهم ينقلبون عن دينهم، ولا تؤمنوا إلا لـمن تبع دينكم.

فتأويـل الكلام إذاً: وقالت طائفة من أهل الكتاب، يعنـي من الـيهود الذين يقرءون التوراة: {ءامِنُواْ } صدّقوا بـالذي أنزل علـى الذين آمنوا، وذلك ما جاءهم به مـحمد صلى الله عليه وسلم من الدين الـحقّ وشرائعه وسننه. {وَجْهَ ٱلنَّهَارِ } يعنـي أوّل النهار، وسمي أوله وجهاً له لأنه أحسنه، وأوّل ما يواجه الناظر فـيراه منه، كما يقال لأوّل الثوب وجهه، وكما قال ربـيع بن زياد:

مَنْ كانَ مَسْرُوراً بِـمَقْتَلِ مالِكٍ فَلْـيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهارِ

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَجْهَ ٱلنَّهَارِ }: أوّل النهار.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {وَجْهَ ٱلنَّهَارِ }: أول النهار {وَٱكْفُرُواْ ءاخِرَهُ } يقول: آخر النهار.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {ِ ءامِنُواْ بِٱلَّذِي أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وٱكْفُرُواْ ءَاخِرَهُ} قال: قال صلوا معهم الصبح، ولا تصلوا معهم آخر النهار، لعلكم تستزلونهم بذلك.

وأما قوله: {وَٱكْفُرُواْ ءاخِرَهُ } فإنه يعنـي به أنهم قالوا: واجحدوا ما صدَّقتـم به من دينهم فـي وجه النهار فـي آخر النهار {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }: يعنـي بذلك: لعلهم يرجعون عن دينهم معكم ويدعونه. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } يقول: لعلهم يدعون دينهم، ويرجعون إلـى الذي أنتـم علـيه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

حدثنا مـحمد بن سعد، قال: ثنا أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }: لعلهم ينقلبون عن دينهم.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } لعلهم يشكون.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } قال: يرجعون عن دينهم.

وَلَا تُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىٰٓ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ۝٧٣

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: ولا تصدّقوا إلا من تبع دينكم فكان يهودياً. وهذا خبر من الله عن قول الطائفة الذين قالوا لإخوانهم من الـيهود:

{ِ { ءامِنُواْ بِٱلَّذِي أُنزِلَ على ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ }[آل عمران: 72]. واللام التـي فـي قوله: {لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } نظيرة اللام التـي فـي قوله: {عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم } بـمعنى: ردفكم {بَعْضُ ٱلَّذِى تَسْتَعْجِلُونَ }.

وبنـحو ما قلنا فـي تأويـل ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } هذا قول بعضهم لبعض.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } قال: لا تؤمنوا إلا لـمن تبع الـيهودية.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب: قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } قال: لا تؤمنوا إلا لـمن آمن بدينكم لا من خالفه، فلا تؤمنوا به.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ }.

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: قوله: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ } اعترض به فـي وسط الكلام خبراً من الله عن أن البـيان بـيانه والهدى هداه. قالوا: وسائر الكلام بعد ذلك متصل بـالكلام الأوّل خبراً عن قـيـل الـيهود بعضها لبعض. فمعنى الكلام عندهم: ولا تؤمنوا إلا لـمن تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يؤتـى أحد مثل ما أوتـيتـم، أو أن يحاجوكم عند ربكم: أي ولا تؤمنوا أن يحاجكم أحد عند ربكم. ثم قال الله عزّ وجلّ لنبـيه صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد إن الفضل بـيد الله يؤتـيه من يشاء، وإن الهدى هدى الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ }: حسداً من يهود أن تكون النبوّة فـي غيرهم، وإرادة أن يتبعوا علـى دينهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

وقال آخرون: تأويـل ذلك: قل يا مـحمد إن الهدى هدى الله، إن البـيان بـيان الله أن يؤتـى أحد، قالوا: ومعناه: لا يؤتـى أحد من الأمـم مثل ما أوتـيتـم، كما قال:

{ يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ }[النساء: 176] بـمعنى لا تضلون، وكقوله: { كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ }[الشعراء: 200] يعنـي: أن لا يؤمنوا {مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ }. يقول: مثل ما أوتـيت أنت يا مـحمد وأمتك من الإسلام والهدى، أو يحاجوكم عند ربكم. قالوا: ومعنى «أو» إلا: أي إلا أن يحاجوكم، يعنـي إلا أن يجادلوكم عند ربكم عند ما فعل بهم ربكم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: قال الله عزّ وجلّ لـمـحمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ } يقول: مثل ما أوتـيتـم يا أمة مـحمد، أو يحاجوكم عند ربكم، تقول الـيهود: فعل الله بنا كذا وكذا من الكرامة، حتـى أنزل علـينا الـمنّ والسلوى، فإن الذي أعطيتكم أفضل، فقولوا: {إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ }... الآية.

فعلـى هذا التأويـل جميع هذا الكلام (أَمْر) من الله لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم أن يقوله للـيهود، وهو متلاصق بعضه ببعض لا اعتراض فـيه، والهدى الثانـي ردّ علـى الهدى الأوّل، و«أن» فـي موضع رفع علـى أنه خبر عن الهدى.

وقال آخرون: بل هذا أمر من الله لنبـيه أن يقوله للـيهود، وقالوا: تأويـله: قل يا مـحمد إن الهدى هدى الله، أن يؤتـى أحد من الناس مثل ما أوتـيتـم، يقول: مثل الذي أوتـيتـموه أنتـم يا معشر الـيهود من كتاب الله، ومثل نبـيكم، فلا تـحسدوا الـمؤمنـين علـى ما أعطيتهم، مثل الذي أعطيتكم من فضلـي، فإن الفضل بـيدي أوتـيه من أشاء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ } يقول:لـما أنزل الله كتابـاً مثل كتابكم، وبعث نبـياً مثل نبـيكم حسدتـموهم علـى ذلك؛ {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ }... الآية.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

وقال آخرون: بل تأويل ذلك: قل يا محمد إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أنتم يا معشر اليهود من كتاب الله. قالوا: وهذا آخر القول الذي أمر الله به نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقول لليهود من هذه الآية، قالوا: وقوله: {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ } مردود علـى قوله: {وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ }. وتأويـل الكلام علـى قول أهل هذه الـمقالة: ولا تؤمنوا إلا لـمن تبع دينكم، فتتركوا الـحقّ أن يحاجوكم به عند ربكم من اتبعتـم دينه، فـاخترتـموه أنه مـحقّ، وأنكم تـجدون نعته فـي كتابكم. فـيكون حينئذ قوله: {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ } مردوداً علـى جواب نهي متروك علـى قول هؤلاء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ } يقول: هذا الأمر الذي أنتـم علـيه أن يؤتـى أحد مثل ما أوتـيتـم، أو يحاجوكم عند ربكم، قال: قال بعضهم لبعض: لا تـخبروهم بـما بـين الله لكم فـي كتابه لـيحاجوكم، قال: لـيخاصموكم به عند ربكم.

{قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ } معترض به، وسائر الكلام متسق علـى سياق واحد. فـيكون تأويـله حينئذ: ولا تؤمنوا إلا لـمن اتبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يؤتـى أحد مثل ما أوتـيتـم، بـمعنى: لا يؤتـى أحد بـمثل ما أوتـيتـم، {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ } بـمعنى: أو أن يحاجكم عند ربكم أحد بإيـمانكم، لأنكم أكرم علـى الله منهم بـما فضلكم به علـيهم. فـيكون الكلام كله خبراً عن قول الطائفة التـي قال الله عزّ وجلّ

{ وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ ءامِنُواْ بِٱلَّذِي أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ } } [آل عمران: 72] سوى قوله: {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ } ثم يكون الكلام مبتدأ بتكذيبهم فـي قولهم: قل يا مـحمد للقائلـين ما قالوا من الطائفة التـي وصفت لك قولها لتبّـاعها من الـيهود {إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ } إن التوفـيق توفـيق الله، والبـيان بـيانه، وإن الفضل بـيده يؤتـيه من يشاء، لا ما تـمنـيتـموه أنتـم يا معشر الـيهود. وإنـما اخترنا ذلك من سائر الأقوال التـي ذكرناها، لأنه أصحها معنى، وأحسنها استقامة علـى معنى كلام العرب، وأشدّها اتساقاً علـى نظم الكلام وسياقه، وما عدا ذلك من القول، فـانتزاع يبعد من الصحة علـى استكراه شديد الكلام.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَٱللَّهُ وٰسِعٌ عَلِيمٌ }.

يعنـي بذلك جل ثناؤه: قل يا مـحمد لهؤلاء الـيهود الذين وصفت قولهم لأولـيائهم: إن الفضل بـيد الله، إن التوفـيق للإيـمان، والهداية للإسلام بـيد الله، وإلـيه دونكم ودون سائر خـلقه، {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ } من خـلقه، يعنـي: يعطيه من أراد من عبـاده تكذيبـاً من الله عزّ وجلّ لهم فـي قولهم لتبَّـاعهم: لا يؤتـى أحد مثل ما أوتـيتـم. فقال الله عزّ وجلّ لنبـيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم: لـيس ذلك إلـيكم، إنـما هو إلـى الله الذي بـيده الأشياء كلها، وإلـيه الفضل، وبـيده يعطيه من يشاء. {وَٱللَّهُ وٰسِعٌ عَلِيمٌ } يعنـي: والله ذو سعة بفضله علـى من يشاء أن يتفضل علـيه علـيـم ذو علـم بـمن هو منهم للفضل أهل.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك قراءة عن ابن جريج، فـي قوله: {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } قال: الإسلام.

يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ۝٧٤

يعنـي بقوله: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ } يفتعل من قول القائل: خصصت فلاناً بكذا، أخصه به. وأما رحمته فـي هذا الـموضع: فـالإسلام والقرآن مع النبوّة. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ } قال: النبوّة يخصّ بها من يشاء.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ } قال: يختصّ بـالنبوّة من يشاء.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك قراءة، عن ابن جريج: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ } قال: القرآن والإسلام.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج مثله.

{وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ } يقول: ذو فضل يتفضل به علـى من أحبّ وشاء من خـلقه. ثم وصف فضله بـالعظم، فقال: فضله عظيـم لأنه غير مشبه فـي عظم موقعه مـمن أفضله علـيه أفضال خـلقه، ولا يقاربه فـي جلالة خطره ولا يدانـيه.

وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۝٧٥

وهذا الخبر من الله عزّ وجلّ أن من أهل الكتاب، وهم الـيهود من بنـي إسرائيـل أهل أمانة يؤدونها ولا يخونونها، ومنهم الـخائن أمانته، الفـاجر فـي يـمينه الـمستـحلُّ.

فإن قال قائل: وما وجه إخبـار الله عزّ وجلّ بذلك نبـيه صلى الله عليه وسلم، وقد علـمت أن الناس لـم يزالوا كذلك منهم الـمؤدّي أمانته والـخائنها؟ قـيـل: إنـما أراد جلّ وعزّ بإخبـاره الـمؤمنـين خبرهم علـى ما بـينه فـي كتابه بهذه الآيات تـحذيرهم أن يأتـمنوهم علـى أموالهم، وتـخويفهم الاغترار بهم، لاستـحلال كثـير منهم أموال الـمؤمنـين. فتأويـل الكلام: ومن أهل الكتاب الذي إن تأمنه يا مـحمد علـى عظيـم من الـمال كثـير، يؤدّه إلـيك، ولا يخنك فـيه؛ ومنهم الذي إن تأمنه علـى دينار يخنك فـيه، فلا يؤدّه إلـيك إلا أن تلـحّ علـيه بـالتقاضي والـمطالبة. والبـاء فـي قوله: {بِدِينَارٍ }، وعلـى يتعاقبـان فـي هذا الـموضع، كما يقال: مررت به، ومررت علـيه.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } فقال بعضهم: إلا ما دمت له متقاضياً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا }: إلا ما طلبته واتبعته.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } قال: تقتضيه إياه.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } قال: مواظبـاً.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

وقال آخرون: معنى ذلك: إلا ما دمت علـيه قائماً علـى رأسه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } يقول: يعترف بأمانته ما دمت قائماً علـى رأسه، فإذا قمت ثم جئت تطلبه كافَرَك الذي يؤدي، والذي يجحد.

وأولـى القولـين بتأويـل الآية قول من قال: معنى ذلك: إلا ما دمت علـيه قائماً بـالـمطالبة والاقتضاء، من قولهم: قام فلان بحقـي علـى فلان حتـى استـخرجه لـي، أي عمل فـي تـخـلـيصه، وسعى فـي استـخراجه منه حتـى استـخرجه، لأن الله عزّ وجلّ إنـما وصفهم بـاستـحلالهم أموال الأميـين، وأن منهم من لا يقضي ما علـيه إلا بـالاقتضاء الشديد والـمطالبة، ولـيس القـيام علـى رأس الذي علـيه الدين، بـموجب له النقلة عما هو علـيه من استـحلال ما هو له مستـحلّ، ولكن قد يكون ـ مع استـحلاله الذهاب بـما علـيه لربّ الـحق ـ إلـى استـخراجه السبـيـلُ بـالاقتضاء والـمـحاكمة والـمخاصمة، فذلك الاقتضاء: هو قـيام ربّ الـمال بـاستـخراج حقه مـمن هو علـيه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلأُمّيِينَ سَبِيلٌ }.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: أن من استـحلّ الخيانة من الـيهود وجحود حقوق العربـي التـي هي له علـيه، فلـم يؤدّ ما ائتـمنه العربـي علـيه إلـيه إلا ما دام له متقاضياً مطلبـاً؛ من أجل أنه يقول: لا حرج علـينا فـيـما أصبنا من أموال العرب، ولا إثم، لأنهم علـى غير الـحقّ، وأنهم مشركون.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم نـحو قولنا فـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلأُمّيِينَ سَبِيلٌ }... الآية، قالت الـيهود: لـيس علـينا فـيـما أصبنا من أموال العرب سبـيـل.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلأُمّيِينَ سَبِيلٌ } قال لـيس علـينا فـي الـمشركين سبـيـل، يعنون: من لـيس من أهل الكتاب.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلأُمّيِينَ سَبِيلٌ } قال: يقال له: ما بـالك لا تؤدّي أمانتك؟ فـيقول: لـيس علـينا حرج فـي أموال العرب، قد أحلها الله لنا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبـير/ لـما نزلت: {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا } قال: قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

كَذَبَ أعْدَاءُ اللَّهِ ما مِنْ شَيْءٍ كانَ فِـي الـجَاهِلـيةِ إلاَّ وَهُوَ تَـحْتَ قَدَمَيَّ، إلاَّ الأمانَةَ فإنَّهَا مُؤَدَّاة إلـى البَرّ والفاجِرِ

حدثني الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام بن عبـيد الله، عن يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبـير، قال: لـما قالت الـيهود: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلأُمّيِينَ سَبِيلٌ } يعنون أخذ أموالهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر نـحوه، إلا أنه قال:

إلاَّ وَهُوَ تَـحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَـيْنِ، إلاَّ الأمانَةَ فَإنَّها مُؤَدَّاة ولـم يزد علـى ذلك.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلأُمّيِينَ سَبِيلٌ } وذلك أن أهل الكتاب كانوا يقولون: لـيس علـينا جناح فـيـما أصبنا من هؤلاء، لأنهم أميون، فذلك قوله: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلأُمّيِينَ سَبِيلٌ }... إلـى آخر الآية.

وقال آخرون فـي ذلك ما:

حدثنا به القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلأُمّيِينَ سَبِيلٌ } قال: بـايع الـيهود رجال من الـمسلـمين فـي الـجاهلـية فلـما أسلـموا تقاضوهم ثمن بـيوعهم، فقالوا: لـيس لكم علـينا أمانة، ولا قضاء لكم عندنا، لأنكم تركتـم دينكم الذي كنتـم علـيه، وادّعوا أنهم وجدوا ذلك فـي كتابهم، فقال الله عزّ وجلّ: {وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن صعصعة، قال: قلت لابن عبـاس: إنا نغزو أهل الكتاب، فنصيب من ثمارهم؟ قال: وتقولون كما قال أهل الكتاب: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلأُمّيِينَ سَبِيلٌ }.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أبـي إسحاق الهمدانـي، عن صعصعة: أن رجلاً سأل ابن عبـاس فقال: إنا نصيب فـي الغزو ـ أو العذق، الشكّ من الـحسن ـ من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة، فقال ابن عبـاس: فتقولون ماذا؟ قال نقول: لـيس علـينا بذلك بأس. قال: هذا كما قال أهل الكتاب: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلأُمّيِينَ سَبِيلٌ } إنهم إذا أدّوا الـجزية لـم تـحلّ لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }.

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: إن القائلـين منهم لـيس علـينا فـي أموال الأميـين من العرب حرج أن نـختانهم إياه، يقولون ـ بقـيـلهم: إن الله أحلّ لنا ذلك، فلا حرج علـينا فـي خيانتهم إياه، وترك قضائهم ـ الكذبَ علـى الله عامدين الإثم بقـيـل الكذب علـى الله أنه أحلّ ذلك لهم، وذلك قوله عزّ وجلّ: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ }. كما:

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: فـيقول علـى الله الكذب، وهو يعلـم، يعنـي الذي يقول منهم إذا قـيـل له: ما لك لا تؤدّي أمانتك؟ لـيس علـينا حرج فـي أموال العرب، قد أحلها الله لنا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }: يعنـي ادّعاءهم أنهم وجدوا فـي كتابهم قولهم: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلأُمّيِينَ سَبِيلٌ }.

الخميس، 22 أكتوبر 2026 11 جمادى الأولى 1448 هـ