انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير الطبريالآيات 141–147

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة آل عمران

الخلاصة من تفسير الطبري · 11 مقطعًا · 3:01:26

  1. 1 الآيات 133–152في هذه الصفحة 17:49

التفسير الصوتي لسورة آل عمران كاملًا (11 مقطعًا)

وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَمْحَقَ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝١٤١

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }: ولـيختبر الله الذين صدقوا الله ورسوله فـيبتلـيهم بإدالة الـمشركين منهم حتـى يتبـين الـمؤمن منهم الـمخـلص الصحيح الإيـمان من الـمنافق. كما:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله، فـي قوله: {وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } قال: لـيبتلـي.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، عن عبـاد، عن الـحسن فـي قوله: {وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } قال: لـيـمـحص الله الـمؤمن حتـى يصدق.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } يقول: يبتلـي الـمؤمنـين.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } قال: يبتلـيهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } فكان تـمـحيصاً للـمؤمنـين، ومـحقاً للكافرين.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }: أي يختبر الذين آمنوا حتـى يخـلصهم بـالبلاء الذي نزل بهم، وكيف صبرهم ويقـينهم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } قال: يـمـحق من مُـحق فـي الدنـيا، وكان بقـية من يـمـحق فـي الآخرة فـي النار.

وأما قوله: {وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } فإنه يعنـي به: أنه ينقصهم ويفنـيهم، يقال منه: مـحق فلان هذا الطعام: إذا نقصه أو أفناه، يـمـحقه مـحقاً، ومنه قـيـل لـمـحاق القمر: مُـحاق، وذلك نقصانه وفناؤه. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } قال: ينقصهم.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، عن عبـاد، عن الـحسن فـي قوله: {وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } قال: يـمـحق الكافر حتـى يكذبه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي يبطل من الـمنافقـين قولهم بألسنتهم ما لـيس فـي قلوبهم، حتـى يظهر منهم كفرهم الذي يستترون به منكم.

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ ۝١٤٢

يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: أم حسبتـم يا معشر أصحاب مـحمد، وظننتـم أن تدخـلوا الـجنة، وتنالوا كرامة ربكم، وشرف الـمنازل عنده؛ {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ } يقول: ولـما يتبـين لعبـادي الـمؤمنـين، الـمـجاهد منكم فـي سبـيـل الله، علـى ما أمره به. وقد بـينت معنى قوله: {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ }: ولـيعلـم الله، وما أشبه ذلك بأدلته فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته وقوله: {وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } يعنـي: الصابرين عند البأس علـى ما ينالهم فـي ذات الله من جرح وألـم ومكروه. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ } وتصيبوا من ثوابـي الكرامة، ولـم أختبركم بـالشدّة، وأبتلـيكم بـالـمكاره، حتـى أعلـم صدق ذلك منكم الإيـمان بـي، والصبر علـى ما أصابكم فـيّ.

ونصب {وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } علـى الصرف، والصرف أن يجتـمع فعلان ببعض حروف النسق، وفـي أوله ما لا يحسن إعادته مع حرف النسق، فـينصب الذي بعد حرف العطف علـى الصرف، لأنه مصروف عن معنى الأوّل، ولكن يكون مع جحد أو استفهام أو نهي فـي أول الكلام، وذلك كقولهم: لا يسعنـي شيء ويضيق عنك، لأن «لا» التـي مع «يسعنـي» لا يحسن إعادتها مع قوله: «ويضيق عنك»، فلذلك نصب. والقراء فـي هذا الـحرف علـى النصب؛ وقد روى عن الـحسن أنه كان يقرأ: «وَيَعْلَـمِ الصَّابِرِينَ» فـيكسر الـميـم من «يعلـم»، لأنه كان ينوي جزمها علـى العطف به علـى قوله: {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ }.

وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ۝١٤٣

يعنـي بقوله جلّ ثناؤه: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ }: ولقد كنتـم يا معشر أصحاب مـحمد تـمنون الـموت يعنـي أسبـاب الـموت وذلك القتال؛ {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ } فقد رأيتـم ما كنتـم تـمنونه. والهاء فـي قوله «رأيتـموه»، عائدة علـى الـموت، ومعنى: {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } يعنـي: قد رأيتـموه بـمرأى منكم ومنظر: أي بقرب منكم. وكان بعض أهل العربـية يزعم أنه قـيـل: {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } علـى وجه التوكيد للكلام، كما يقال: رأيته عياناً، ورأيته بعينـي، وسمعته بأذنـي؛ وإنـما قـيـل: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ } لأن قوماً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مـمن لـم يشهد بدراً، كانوا يتـمنون قبل أُحد يوماً مثل يوم بدر، فـيِبلوا الله من أنفسهم خيراً، وينالوا من الأجر مثل ما نال أهل بدر؛ فلـما كان يوم أُحد فرّ بعضهم وصبر بعضهم، حتـى أوفـى بـما كان عاهد الله قبل ذلك، فعاتب الله من فرّ منهم، فقال: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ }... الآية، وأثنى علـى الصابرين منهم والـموفـين بعهدهم. ذكر الأخبـار بـما ذكرنا من ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } قال: غاب رجال عن بدر، فكانوا يتـمنون مثل يوم بدر أن يـلقوه، فـيصيبوا من الـخير والأجر مثل ما أصاب أهل بدر. فلـما كان يوم أُحد ولـى من ولـى، فعاتبهم الله ـ أو فعابهم، أو فعتبهم ـ علـى ذلك، شك أبو عاصم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد نـحوه، إلا أنه قال: فعاتبهم الله علـى ذلك، ولـم يشكّ.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ }: أناس من الـمؤمنـين لـم يشهدوا يوم بدر والذي أعطى الله أهل بدر من الفضل والشرف والأجر، فكانوا يتـمنون أن يرزقوا قتالاً فـيقاتلوا، فسيق إلـيهم القتال حتـى كان فـي ناحية الـمدينة يوم أُحد، فقال الله عزّ وجلّ كما تسمعون: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ } حتـى بلغ: {ٱلشَّـٰكِرِينَ }.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ } قال: كانوا يتـمنون أن يـلقوا الـمشركين فـيقاتلوهم، فلـما لقوهم يوم أُحد ولّوا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال: إن أناساً من الـمؤمنـين لـم يشهدوا يوم بدر والذي أعطاهم الله من الفضل، فكانوا يتـمنون أن يروا قتالاً فـيقاتلوا، فسيق إلـيهم القتال، حتـى كان بناحية الـمدينة يوم أُحد، فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ }... الآية.

حدثنـي مـحمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الـحسن، قال: بلغنـي أن رجالاً من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: لئن لقـينا مع النبـيّ صلى الله عليه وسلم لنفعلنّ ولنفعلنّ! فـابتلوا بذلك، فلا والله ما كلهم صدق، فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ }.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: كان ناس من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم لـم يشهدوا بدراً، فلـما رأوا فضيـلة أهل بدر، قالوا: اللهمّ إنا نسألك أن ترينا يوماً كيوم بدر، نبلـيك فـيه خيراً! فرأوا أُحداً، فقال لهم: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ }.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ }: أي لقد كنتـم تـمنون الشهادة علـى الذي أنتـم علـيه من الـحقّ قبل أن تلقوا عدوكم، يعنـي الذين حملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى خروجه بهم إلـى عدوّهم لـما فـاتهم من الـحضور فـي الـيوم الذي كان قبله ببدر، رغبة فـي الشهادة التـي قد فـاتتهم به يقول: {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ }: أي الـموت بـالسيوف فـي أيدي الرجال، قد حلّ بـينكم وبـينهم، وأنتـم تنظرون إلـيهم، فصددتـم عنهم.

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًٔا وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ ۝١٤٤

يعنـي تعالـى ذكره بذلك: وما مـحمد إلا رسول كبعض رسل الله الذين أرسلهم إلـى خـلقه داعياً إلـى الله وإلـى طاعته، الذين حين انقضت آجالهم ماتوا وقبضهم الله إلـيه يقول. جلّ ثناؤه: فمـحمد صلى الله عليه وسلم إنـما هو فـيـما الله به صانع من قبضه إلـيه عند انقضاء مدة أجله كسائر مدة رسله إلـى خـلقه الذين مضوا قبله وماتوا عند انقضاء مدة آجالهم. ثم قال لأصحاب مـحمد معاتبهم علـى ما كان منهم من الهلع والـجزع حين قـيـل لهم بـأُحد: إن مـحمداً قتل، ومقبحاً إلـيهم انصراف من انصرف منهم عن عدوّهم وانهزامه عنهم: {أَفَإِيْن مَّاتَ } مـحمد أيها القوم لانقضاء مدة أجله، أو قتله عدوّكم، {ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ } يعنـي ارتددتـم عن دينكم الذي بعث الله مـحمداً بـالدعاء إلـيه، ورجعتـم عنه كفـاراً بـالله بعد الإيـمان به، وبعد ما قد وضحت لكم صحة ما دعاكم مـحمد إلـيه، وحقـيقة ما جاءكم به من عند ربه. {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ } يعنـي بذلك: ومن يرتدد منكم عن دينه ويرجع كافراً بعد إيـمانه، {فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً } يقول: فلن يوهن ذلك عزّة الله ولا سلطانه، ولا يدخـل بذلك نقص فـي ملكه، بل نفسه يضرّ بردته، وحظّ نفسه ينقص بكفره. {وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ } يقول: وسيثـيب الله من شكره علـى توفـيقه وهدايته إياه لدينه بنبوّته علـى ما جاء به مـحمد صلى الله عليه وسلم إن هو مات أو قتل واستقامته علـى منهاجه، وتـمسكه بدينه وملته بعده. كما:

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن هاشم، قال: أخبرنا سيف بن عمر، عن أبـي روق، عن أبـي أيوب، عن علـيّ فـي قوله: {وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ }: الثابتـين علـى دينهم أبـا بكر وأصحابه. فكان علـيّ رضي الله عنه يقول: كان أبو بكر أمين الشاكرين وأمين أحبـاء الله، وكان أشكرهم وأحبهم إلـى الله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن العلاء بن بدر، قال: إن أبـا بكر أمين الشاكرين. وتلا هذه الآية: {وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ }.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ }: أي من أطاعه وعمل بأمره.

وذكر أن هذه الآية أنزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم فـيـمن انهزم عنه بـأُحد من أصحابه. ذكر الأخبـار الواردة بذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ } إلـى قوله: {وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ } ذاكم يوم أُحد حين أصابهم القرح والقتل، ثم تنازعوا نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم بقـية ذلك، فقال أناس: لو كان نبـياً ما قتل. وقال أناس من علـية أصحاب نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم: قاتلوا علـى ما قاتل علـيه مـحمد نبـيكم، حتـى يفتـح الله لكم، أو تلـحقوا به. فقال الله عزّ وجلّ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ } يقول: إن مات نبـيكم، أو قتل، ارتددتـم كفـاراً بعد إيـمانكم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بنـحوه، وزاد فـيه: قال الربـيع: وذكر لنا والله أعلـم أن رجلاً من الـمهاجرين مر علـى رجل من الأنصار وهو يتشحط فـي دمه، فقال: يا فلان أشعرت أن مـحمداً قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان مـحمد قد قتل، فقد بلَّغ، فقاتلوا عن دينكم! فأنزل الله عز وجل: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ } يقول: ارتددتـم كفـاراً بعد إيـمانكم.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي، قال: لـما برز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد إلـيهم ـ يعنـي إلـى الـمشركين ـ أمر الرماة فقاموا بأصل الـجبل فـي وجه خيـل الـمشركين، وقال:

لا تَبْرَحُوا مَكانَكُمْ إنْ رأيْتُـمُونا قَدْ هَزَمْناهُمْ، فإنَّا لَنْ نَزَالَ غالِبِـينَ ما ثَبَتُّـمْ مَكانَكُمْ وأمَّر علـيهم عبد الله بن جبـير أخا خوات بن جبـير. ثم شد الزبـير بن العوام والـمقداد بن الأسود علـى الـمشركين، فهزماهم، وحمل النبـي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فهزموا أبـا سفـيان؛ فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين قدم، فرمته الرماة فانقمع. فلما نظر الرماة إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهونه، بادروا الغنيمة، فقال بعضهم: لا نترك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم! فانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر؛ فلما رأى خالد قلة الرماح، صاح فـي خيـله، ثم حمل فقتل الرماة، وحمل علـى أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فلـما رأى الـمشركون أن خيـلهم تقاتل، تبـادروا فشدّوا علـى الـمسلـمين فهزموهم وقتلوهم، فأتـى ابن قميئة الـحارثـي أحد بنـي الـحارث بن عبد مناف بن كنانة، فرمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر أنفه وربـاعيته، وشجّه فـي وجهه فأثقله، وتفرّق عنه أصحابه، ودخـل بعضهم الـمدينة، وانطلق بعضهم فوق الـجبل إلـى الصخرة، فقاموا علـيها، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس:إلـيَّ عبـادَ اللَّه! إلـيَّ عِبـادَ اللَّه! فـاجتـمع إلـيه ثلاثون رجلاً، فجعلوا يسيرون بـين يديه، فلـم يقـف أحد إلا طلـحة وسهل بن حنـيف، فحماه طلـحة، فُرمي بسهم فـي يده فـيبست يده، وأقبل أبـيّ بن خـلف الـجمـحيّ ـ وقد حلف لـيقتلنّ النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:بَلْ أنا أقْتُلُكَ ـ فقال: يا كَذّاب أين تفرّ؟ فحمل علـيه فطعنه النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي جنب الدرع، فجرح جرحاً خفـيفـاً، فوقع يخور خوران الثور، فـاحتـملوه وقالوا: لـيس بك جراحة، قال: ألـيس قال: لأقتلنك؟ لو كانت لـجميع ربـيعة ومضر لقتلتهم. ولـم يـلبث إلا يوماً أو بعض يوم حتـى مات من ذلك الـجرح. وفشا فـي الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، فقال بعض أصحاب الصخرة: لـيت لنا رسولاً إلـى عبد الله بن أبـيّ، فنأخذ لنا أمنة من أبـي سفـيان! يا قوم إن مـحمداً قد قتل، فـارجعوا إلـى قومكم قبل أن يأتوكم فـيقتلوكم! قال أنس بن النضر: يا قوم إن كان مـحمد قد قتل، فإنّ ربّ مـحمد لـم يقتل، فقاتلوا علـى ما قاتل علـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم! اللهمّ إنـي أعتذر إلـيك مـما يقول هؤلاء، وأبرأ إلـيك مـما جاء به هؤلاء. ثم شدّ بسيفه فقاتل حتـى قتل. وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس حتـى انتهى إلـى أصحاب الصخرة؛ فلـما رأوه وضع رجل سهماً فـي قوسه فأراد أن يرميه، فقال: «أنا رَسُولُ الله»، ففرحوا حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حياً، وفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أن فـي أصحابه من يـمتنع. فلـما اجتـمعوا وفـيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذهب عنهم الـحزن، فأقبلوا يذكرون الفتـح وما فـاتهم منه ويذكرون أصحابه الذين قتلوا، فقال الله عزّ وجلّ للذين قالوا: إن مـحمداً قد قتل فـارجعوا إلـى قومكم: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً وسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّكِرِينَ }.

حدثني مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ } قال: يرتد.

حدثني مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن أبـيه؛ وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن أبـيه: أن رجلاً من الـمهاجرين مرّ علـى رجل من الأنصار وهو يتشحط فـي دمه، فقال: يا فلان أشعرت أن مـحمداً قد قتل؟ فقال الأنصاريّ: إن كان مـحمد قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي ابن إسحاق، قال: ثنـي القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بنـي عبد النـجار، قال: انتهى أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك إلـى عمر وطلـحة بن عبـيد الله فـي رجال من الـمهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قد قتل مـحمد رسول الله. قال: فما تصنعون بـالـحياة بعده؟ قوموا فموتوا علـى ما مات علـيه رسول الله! واستقبل القوم فقاتل حتـى قتل. وبه سمي أنس بن مالك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قال: نادى مناد يوم أحد حين هزم أصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم: ألا إن مـحمداً قد قتل، فـارجعوا إلـى دينكم الأوّل! فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ }... الآية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قال: ألقـي فـي أفواه الـمسلـمين يوم أُحد أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قد قُتِل، فنزلت هذه الآية: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ }... الآية.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتزل هو وعصابة معه يومئذ علـى أكمة، والناس يفرّون، ورجل قائم علـى الطريق يسألهم: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وجعل كلـما مرّوا علـيه يسألهم، فـيقولون: والله ما ندري ما فعل! فقال: والذي نفسي بـيده لئن كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم قتل لنعطينهم بأيدينا، إنهم لعشائرنا وإخواننا! وقالوا: إن مـحمداً إن كان حياً لـم يهزم، ولكنه قد قتل، فترخصوا فـي الفرار حينئذ، فأنزل الله عزّ وجلّ علـى نبـيه صلى الله عليه وسلم: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ }... الآية.

حدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ }... الآية: ناس من أهل الارتـياب والـمرض والنفـاق، قالوا يوم فرّ الناس عن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، وشجّ فوق حاجبه، وكسرت ربـاعيته: قتل مـحمد، فـالـحقوا بدينكم الأوّل! فذلك قوله: {أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُم}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُم}؟ قال: ما بـينكم وبـين أن تدعو الإسلام وتنقلبوا علـى أعقابكم، إلا أن يـموت مـحمد أو يقتل، فسوف يكون أحد هذين، فسوف يـموت أو يقتل.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ } إلـى قوله: {وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ }: أي لقول الناس قتل مـحمد، وانهزامهم عند ذلك وانصرافهم عن عدوّهم، أي أفَئِنْ مات نبـيكم أو قتل رجعتـم عن دينكم كفـاراً كما كنتـم، وتركتـم جهاد عدوكم وكتاب الله، وما قد خـلف نبـيه من دينه معكم وعندكم؛ وقد بـين لكم فـيـما جاءكم عنـي أنه ميت ومفـارقكم؟ {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ }: أي يرجع عن دينه، {فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً }: أي لن ينقص ذلك من عزّ الله ولا ملكه ولا سلطانه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: قال: أهل الـمرض والارتـياب والنفـاق، حين فرّ الناس عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم: قد قتل مـحمد، فألـحقوا بدينكم الأول! فنزلت هذه الآية.

ومعنى الكلام: وما مـحمد إلا رسول قد خـلت من قبله الرسل، أفتنقلبون علـى أعقابكم إن مات مـحمد أو قتل؟ ومن ينقلب علـى عقبـيه فلن يضرّ الله شيئا! فجعل الاستفهام فـي حرف الـجزاء، ومعناه أن يكون فـي جوابه (خبر) وكذلك كل استفهام دخـل علـى جزاء، فمعناه أن يكون فـي جوابه (خبر) لأن الـجواب خبر يقوم بنفسه والـجزاء شرط لذلك الـخبر ثم يجزم جوابه وهو كذلك، ومعناه الرفع لـمـجيئه بعد الـجزاء، كما قال الشاعر:

حَلَفْتُ لَهُ إنْ تُدلِـجِ اللَّـيـلَ لا يَزلْ أمامَك بَـيْتٌ مِنْ بَـيُوِتـيَ سائِرُ

فمعنى «لا يزل» رفع، ولكنه جزم لـمـجيئه بعد الـجزاء فصار كالـجواب. ومثله: {أفَئِنْ مُتَّ فَهُمُ الخالدون } و{فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ } ولو كان مكان فهم الـخالدون يخـلدون؛ وقـيـل: أفَئِنْ متّ يخـلدوا جاز الرفع فـيه والـجزم، وكذلك لو كان مكان «انقلبتـم» «تنقلبوا» جاز الرفع والـجزم لـما وصفت قبل. وتركت إعادة الاستفهام ثانـية مع قوله: «انقلبتـم» اكتفـاء بـالاستفهام فـي أول الكلام، وأن الاستفهام فـي أوله دالّ علـى موضعه ومكانه. وقد كان بعض القراء يختار فـي قوله: {أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ } ترك إعادة الاستفهام مع «أئنا»، اكتفـاء بـالاستفهام فـي قوله: {أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً }، ويستشهد علـى صحة وجه ذلك بـاجتـماع القراء علـى تركهم إعادة الاستفهام مع قوله: «انقلبتـم»، اكتفـاء بـالاستفهام فـي قوله: {أفَئِنْ مَّاتَ } إذا كان دالاًّ علـى معنى الكلام وموضع الاستفهام منه، وكان يفعل مثل ذلك فـي جميع القرآن، وسنأتـي علـى الصواب من القول فـي ذلك إن شاء الله إذا انتهينا إلـيه.

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ كِتَٰبًا مُّؤَجَّلًا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلْـَٔاخِرَةِ نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَسَنَجْزِى ٱلشَّٰكِرِينَ ۝١٤٥

يعنـي تعالـى ذكره بذلك: وما يـموت مـحمد ولا غيره من خـلق الله إلا بعد بلوغ أجله الذي جعله الله غاية لـحياته وبقائه، فإذا بلغ ذلك من الأجل الذي كتبه الله له وأذن له بـالـموت فحينئذ يـموت، فأما قبل ذلك فلن تـموت بكيد كائد ولا بحيـلة مـحتال. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَـٰباً مُّؤَجَّلاً }: أي أن لـمـحمد أجلاً هو بـالغه إذا أذن الله له فـي ذلك كان.

وقد قـيـل: إن معنى ذلك: وما كانت نفس لتـموت إلا بإذن الله.

وقد اختلف أهل العربـية فـي معنى الناصب قوله: {كِتَـٰباً مُّؤَجَّلاً }؛ فقال بعض نـحويـي البصرة: هو توكيد، ونصبه علـى: كتب الله كتابـاً مؤجلاً، قال: وكذلك كل شيء فـي القرآن من قوله «حقًّا»، إنـما هو: أحقّ ذلك حقًّا، وكذلك: {وَعَدَ ٱللَّهُ } و{رَحْمَةً مّن رَّبِّكَ } وَ{صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْء } و{كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } إنـما هو: صنع الله هكذا صنعاً، فهكذا تفسير كل شيء فـي القرآن من نـحو هذا، فإنه كثـير.

وقال بعض نـحويـي الكوفة فـي قوله: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } معناه: كتب الله آجال النفوس، ثم قـيـل: كتابـاً مؤجلاً، فأخرج قوله: كتابـاً مؤجلاً، نصبـاً من الـمعنى الذي فـي الكلام، إذ كان قوله: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } قد أدّى عن معنى «كتب»، قال: وكذلك سائر ما فـي القرآن من نظائر ذلك، فهو علـى هذا النـحو.

وقال آخرون منهم: قول القائل: زيد قائم حقاً، بـمعنى: أقول زيد قائم حقاً، لأن كل كلام قول، فأدّى الـمقول عن القول، ثم خرج ما بعده منه، كما تقول: أقول قولاً حقًّا، وكذلك ظنًّا ويقـيناً، وكذلك وَعْدَ الله، وما أشبهه.

والصواب من القول فـي ذلك عندي، أن كل ذلك منصوب علـى الـمصدر من معنى الكلام الذي قبله، لأن فـي كل ما قبل الـمصادر التـي هي مخالفة ألفـاظها ألفـاظ ما قبلها من الكلام معانـي ألفـاظ الـمصادر وإن خالفها فـي اللفظ فنصبها من معانـي ما قبلها دون ألفـاظه.

القول في تأويل قوله جلّ ثناؤه:

«ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين».

يعني بذلك جلّ ثناؤه: من يرد منكم أيها الـمؤمنون بعمله جزاء منه بعض أعراض الدنـيا دون ما عند الله من الكرامة، لـمن ابتغى بعمله ما عنده {نُؤْتِهِ مِنْهَا } يقول: نعطه منها، يعنـي: من الدنـيا، يعنـي: أنه يعطيه منها ما قسم له فـيها من رزق أيام حياته، ثم لا نصيب له فـي كرامة الله التـي أعدّها لـمن أطاعه، وطلب ما عنده فـي الآخرة. {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلأَخِرَةِ } يقول: ومن يرد منكم بعمله جزاء منه ثواب الآخرة، يعنـي ما عند الله من كرامته التـي أعدّها للعاملـين له فـي الآخرة، {نُؤْتِهِ مِنْهَا } يقول: نعطه منها، يعنـي من الآخرة؛ والـمعنى: من كرامة الله التـي خصّ بها أهل طاعته فـي الآخرة. فخرج الكلام علـى الدنـيا والآخرة، والـمعنى ما فـيهما. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلأَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا }: أي فمن كان منكم يريد الدنـيا لـيست له رغبة فـي الآخرة، نؤته ما قسم له منها من رزق، ولا حظّ له فـي الآخرة، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها ما وعده مع ما يُجْرَى علـيه من رزقه فـي دنـياه.

وأما قوله: {وَسَنَجْزِى ٱلشَّـٰكِرِينَ } يقول: وسأثـيب من شكر لـي ما أولـيته من إحسانـي إلـيه بطاعته إياي وانتهائه إلـى أمري وتـجنبه مـحارمي فـي الآخرة، مثل الذي وعدت أولـيائي من الكرامة علـى شكرهم إياي. وقال ابن إسحاق فـي ذلك بـما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَسَنَجْزِى ٱلشَّـٰكِرِينَ } أي ذلك جزاء الشاكرين، يعنى بذلك: إعطاء الله إياه ما وعده فـي الآخرة مع ما يجرى علـيه من الرزق فـي الدنـيا.

وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ ۝١٤٦

اختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: {وَكَأَيِّن } بهمز الألف وتشديد الـياء وقرأه آخرون: بـمدّ الألف وتـخفـيف الـياء. وهما قراءتان مشهورتان فـي قراءة الـمسلـمين، ولغتان معروفتان لا اختلاف فـي معناهما، فبأيّ القراءتـين قرأ ذلك قارىء فمصيب، لاتفـاق معنى ذلك وشهرتهما فـي كلام العرب. ومعناه: وكم من نبـيّ.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ }.

اختلفت القراء فـي قراءة قوله: {قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ }؛ فقرأ ذلك جماعة من قراء الـحجاز والبصرة: «قُتِل» بضم القاف، وقرأه جماعة أخرى بفتـح القاف وبـالألف، وهي قراءة جماعة من قراء الـحجاز والكوفة. فأما من قرأ {قَاتَلَ } فإنه اختار ذلك لأنه قال: لو قتلوا لـم يكن لقوله: {فَمَا وَهَنُواْ } وجه معروف، لأنه يستـحيـل أن يوصفوا بأنهم لـم يهنوا ولـم يضعفوا بعد ما قتلوا. وأما الذين قرؤوا ذلك: «قتل»، فإنهم قالوا: إنـما عنى بـالقتل النبـيّ وبعض من معه من الربـيـين دون جميعهم، وإنـما نفـى الوهن والضعف عمن بقـي من الربـيـين مـمن لـم يقتل.

وأولـى القراءتين فـي ذلك عندنا بـالصواب، قراءة من قرأ بضمّ القاف: «قُتِل مَعَهُ رِبِّـيُون كَثِـيرٌ» لأن الله عزّ وجلّ إنـما عاتبَ بهذه الآية، والآيات التي قبلها من قوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ } الذين انهزموا يوم أُحد، وتركوا القتال، أو سمعوا الصائح يصيح: إن مـحمداً قد قتل، فعذلهم الله عزّ وجلّ علـى فرارهم وتركهم القتال، فقال: أفَئِنْ مات مـحمد أو قتل أيها الـمؤمنون ارتددتـم عن دينكم، وانقلبتـم علـى أعقابكم؟ ثم أخبرهم عما كان من فعل كثـير من أتبـاع الأنبـياء قبلهم وقال لهم: هلا فعلتـم كما كان أهل الفضل والعلـم من أتبـاع الأنبـياء قبلكم يفعلونه إذا قتل نبـيهم من الـمضيّ علـى منهاج نبـيهم والقتال علـى دينه أعداء دين الله علـى نـحو ما كانوا يقاتلون مع نبـيهم، ولـم تهنوا ولـم تضعفوا كما لـم يضعف الذين كانوا قبلكم من أهل العلـم والبصائر من أتبـاع الأنبـياء إذا قتل نبـيهم، ولكنهم صبروا لأعدائهم حتـى حكم الله بـينهم وبـينهم! وبذلك من التأويـل جاء تأويـل الـمتأوّل.

وأما «الرّبِّـيُّون»، فإنهم مرفوعون بقوله: «معه»، لا بقوله: «قتل».

وإنـما تأويـل الكلام: وكائن من نبـيّ قتل ومعه ربـيون كثـير، فما وهنوا لـما أصابهم فـي سبـيـل الله. وفـي الكلام إضمار واو، لأنها واو تدلّ علـى معنى حال قتل النبـيّ صلى الله عليه وسلم، غير أنه اجتزأ بدلالة ما ذكر من الكلام علـيها من ذكرها، وذلك كقول القائل فـي الكلام: قتل الأمير معه جيش عظيـم، بـمعنى: قتل ومعه جيش عظيـم.

وأما الرّبِّـيُّون، فإن أهل العربـية اختلفوا فـي معناه، فقال بعض نـحويـي البصرة: هم الذين يعبدون الربّ واحدهم رِبّـيّ. وقال بعض نـحويـي الكوفة: لو كانوا منسوبـين إلـى عبـادة الربّ لكانوا «رَبّـيون» بفتـح الراء، ولكنه العلـماء والألوف، والرِّبِّـيُّونَ عندنا: الـجماعة الكثـيرة، واحدهم رِبِّـي، وهم جماعة.

واختلف أهل التأويـل فـي معناه، فقال بعضهم مثل ما قلنا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله: الربـيون: الألوف.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا سفـيان، عن الثوري، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، مثله.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري وابن عيـينة، عن عاصم بن أبـي النـجود، عن زر بن حبـيش، عن عبد الله، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عمرو بن عاصم، عن زر، عن عبد الله، مثله.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا عوف عمن حدثه، عن ابن عبـاس فـي قوله: {رِبّيُّونَ كَثِيرٌ } قال: جموع كثـيرة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ } قال: جموع.

حدثنـي حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن الـمفضل، قال: ثنا شعبة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله: «وكأيِّنْ مِنْ نَبِـيّ قُتِل مَعَهُ رِبِّـيُون كَثِـيرٌ» قال: الألوف.

وقال آخرون بـما:

حدثنـي به سلـيـمان بن عبد الـجبـار، قال: ثنا مـحمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: «وكأيِّنْ مِنْ نَبِـيٍّ قُتِل مَعَهُ رِبِّـيُون كَثِـيرٌ» قال: علـماء كثـير.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا عوف، عن الـحسن فـي قوله: «وكأيِّنْ مِنْ نَبِـيٍّ قُتِل مَعَهُ رِبِّـيُون كَثِـيرٌ» قال: فقهاء علـماء.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية. عن أبـي رجاء، عن الـحسن، فـي قوله: «وكأيِّنْ مِنْ نَبـيّ قُتِل مَعَهُ رِبِّـيُون كَثِـيرٌ» قال: الـجموع الكثـيرة. قال يعقوب: وكذلك قرأها إسماعيـل: «قُتِل مَعَهُ رِبِّـيُون كَثِـيرٌ».

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: «وكأيِّنْ مِنْ نَبِـيّ قُتِل مَعَهُ رِبِّـيُون كَثِـيرٌ» يقول: جموع كثـيرة.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الـحسن فـي قوله: «قُتِل مَعَهُ رِبِّـيُون كَثِـيرٌ» قال: علـماء كثـيرة. وقال قتادة: جموع كثـيرة.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيـينة، عن عمرو، عن عكرمة فـي قوله: {رِبّيُّونَ كَثِيرٌ } قال: جموع كثـيرة.

حدثنـي عمرو بن عبد الـحميد الآملـي، قال: ثنا سفـيان، عن عمرو، عن عكرمة، مثله.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عزّ وجلّ: «قُتِل مَعَهُ رِبِّـيُّون كَثِـيرٌ» قال: جموع كثـيرة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: «قُتِل مَعَهُ رِبِّـيُّون كَثِـيرٌ» يقول: جموع كثـيرة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك فـي قوله: «وكأيِّنْ مِنْ نَبَـيّ قُتِل مَعَهُ رِبِّـيُّون كَثِـيرٌ» يقول: جموع كثـيرة قتل نبـيهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن جعفر بن حبـان، والـمبـارك عن الـحسن فـي قوله: «وكأيِّنْ مِنْ نَبِـيّ قاتَل مَعَهُ رِبِّـيُّون كَثِـيرٌ» قال جعفر: علـماء صبروا. وقال ابن الـمبـارك: أتقـياء صبروا.

حدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: «قُتِل مَعَهُ رِبِّـيُّون كَثِـيرٌ» يعنـي الـجموع الكثـيرة قتل نبـيهم.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ } يقول: جموع كثـيرة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قوله: «وكأيِّنْ مِنْ نَبِـيٍّ قُتِل مَعَهُ رِبِّـيُون كَثِـيرٌ» قال: وكأين من نبيٍّ أصابه القتل، ومعه جماعات.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: «وكأيِّنْ مِنْ نَبِـيٍّ قُتِل مَعَهُ رِبِّـيُّون كَثِـيرٌ» الربـيون: الـجموع الكثـيرة.

وقال آخرون: الربـيون: الإتباع. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: «وكأيِّنْ مِنْ نَبِـيّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّـيُّونَ كَثِـيرٌ» قال: الربـيون: الأتبـاع، والربـانـيون: الولاة، والربّـيون: الرعية. وبهذا عاتبهم الله حين انهزموا عنه، حين صاح الشيطان إن مـحمداً قد قتل، قال: كانت الهزيـمة عند صياحه فـي سنـينة صاح: أيها الناس إن مـحمداً رسول الله قد قتل، فـارجعوا إلـى عشائركم يؤمنوكم.

القول فـي تأويـل قوله: {فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ }.

يعنـي بقوله تعالـى ذكره: {فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ }: فما عجزوا لـما نالهم من ألـم الـجراح الذي نالهم فـي سبـيـل الله، ولا لقتل من قتل منهم عن حرب أعداء الله، ولا نكلوا عن جهادهم. {وَمَا ضَعُفُواْ } يقول: وما ضعفت قواهم لقتل نبـيهم. {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ } يعنـي: وما ذلوا فـيتـخشعوا لعدوّهم بـالدخول فـي دينهم، ومداهنتهم فـيه، خيفة منهم، ولكن مضوا قدماً علـى بصائرهم ومنهاج نبـيهم، صبراً علـى أمر الله وأمر نبـيهم وطاعة الله، واتبـاعاً لتنزيـله ووحيه. {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ } يقول: والله يحبّ هؤلاء وأمثالهم من الصابرين لأمره وطاعته، وطاعة رسوله، فـي جهاد عدوّه، لا من فشل ففرّ عن عدوّه، ولا من انقلب علـى عقبـيه فذلّ لعدوّه لأن قتل نبـيه أو مات، ولا من دخـله وهن عن عدوّه وضعف لفقد نبـيه.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ } يقول: ما عجزوا، وما تضعضعوا لقتل نبـيهم، {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ } يقول: ما ارتدّوا عن نصرتهم ولا عن دينهم، بل قاتلوا علـى ما قاتل علـيه نبـيّ الله حتـى لـحقوا بـالله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله: {فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ } يقول: ما عجزوا، وما ضعفوا لقتل نبـيهم، {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ } يقول: وما ارتدّوا عن نصرتهم، قاتلوا علـى ما قاتل علـيه نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم حتـى لـحقوا بـالله.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {فَمَا وَهَنُواْ }: فما وهن الربـيون لـما أصابهم فـي سبـيـل الله، من قتل النبـيّ صلى الله عليه وسلم؛ {وَمَا ضَعُفُواْ } يقول: ما ضعفوا فـي سبـيـل الله لقتل النبـيّ؛ {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ } يقول: ما ذلوا حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

اللَّهُمَّ لَـيْسَ لَهُمْ أنْ يَعْلُونا، {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {فَمَا وَهَنُواْ } لفقد نبـيهم، {وَمَا ضَعُفُواْ } عن عدوهم، {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ } لـما أصابهم فـي الـجهاد عن الله، وعن دينهم، وذلك الصبر {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ }.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ } قال: تـخشعوا.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ } قال: ما استكانوا لعدوّهم؛ {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ }.

وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىٓ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝١٤٧

يعني تعالى ذكره بقوله: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ }: وما كان قول الربيين. والهاء والـميـم من ذكر أسماء الربيين. {إِلاَّ أَن قَالُواْ } يعني ما كان لهم قول سوى هذا القول إذ قتل نبيهم. وقوله: {ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } يقول: لم يعتصموا إذ قتل نبـيهم إلا بـالصبر على ما أصابهم، ومـجاهدة عدوّهم، وبمسألة ربهم الـمغفرة والنصر علـى عدوّهم. ومعنى الكلام: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا }. وأما الإسراف: فإنه الإفراط فـي الشيء، يقال منه: أسرف فلان فـي هذا الأمر إذا تـجاوز مقداره فأفرط، ومعناه ههنا: اغفر لنا ذنوبنا الصغار منها وما أسرفنا فـيه منها فتـخطينا إلـى العظام. وكان معنى الكلام: اغفر لنا ذنوبنا، الصغائر منها والكبـائر. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس فـي قول الله: {وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا } قال: خطايانا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا }: خطايانا وظلـمنا أنفسنا.

حدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: أخبرنا عبـيد الله بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك فـي قوله: {وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا } يعنـي: الـخطايا الكبـار.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو تـميـلة، عن عبـيد بن سلـيـمان، عن الضحاك بن مزاحم، قال: الكبـائر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا } قال: خطايانا.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا } يقول: خطايانا.

وأما قوله: {وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا } فإنه يقول: اجعلنا مـمن يثبت لـحرب عدوّك وقتالهم، ولا تـجعلنا مـمن ينهزم فـيفرّ منهم، ولا يثبت قدمه فـي مكان واحد لـحربهم. {وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } يقول: وانصرنا علـى الذين جحدوا وحدانـيتك ونبوّة نبـيك. وإنـما هذا تأنـيب من الله عزّ وجلّ عبـاده الذين فرّوا عن العدوّ يوم أحد وتركوا قتالهم، وتأديب لهم، يقول الله عزّ وجلّ: هلا فعلتـم إذ قـيـل لكم: قتل نبـيكم، كما فعل هؤلاء الربـيون، الذين كانوا قبلكم من أتبـاع الأنبـياء، إذ قتلت أنبـياؤهم، فصبرتـم لعدوكم صبرهم، ولـم تضعفوا وتستكينوا لعدوكم، فتـحاولوا الارتداد علـى أعقابكم، كما لـم يضعف هؤلاء الربـيون ولـم يستكينوا لعدوّهم، وسألتـم ربكم النصر والظفر كما سألوا، فـينصركم الله علـيهم كما نصروا، فإن الله يحبّ من صبر لأمره وعلـى جهاد عدوّه، فـيعطيه النصر والظفر علـى عدوّه. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ }: أي فقولوا كما قالوا، واعلـموا أنـما ذلك بذنوب منكم، واستغفروا كما استغفروا، وامضوا علـى دينكم كما مضوا علـى دينهم، ولا ترتدّوا علـى أعقابكم راجعين، واسألوه كما سألوه أن يثبت أقدامكم، واستنصروه كما استنصروه علـى القوم الكافرين. فكل هذا من قولهم قد كان وقد قتل نبـيهم، فلـم يفعلوا كما فعلتـم.

والقراءة التـي هي القراءة فـي قوله: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ } النصب لإجماع قراء الأمصار علـى ذلك نقلاً مستفـيضاً وراثة عن الـحجة. وإنـما اختـير النصب فـي القول، لأن «إلا أن» لا تكون إلا معرفة، فكانت أولـى بأن تكون هي الاسم دون الأسماء التـي قد تكون معرفة أحياناً ونكرة أحياناً، ولذلك اختـير النصب فـي كل اسم ولـي «كان» إذا كان بعده «أن» الـخفـيفة، كقوله:

{ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ }[العنكبوت: 24] وقوله: { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ }[الأنعام: 23]. فأما إذا كان الذي يـلـي كان اسماً معرفة، والذي بعده مثله، فسواء الرفع والنصب فـي الذي ولـي «كان»، فإن جعلت الذي ولـي «كان» هو الاسم رفعته ونصبت الذي بعده، وإن جعلت الذي ولـي «كان» هو الـخبر نصبته ورفعت الذي بعده، وذلك كقوله جلّ ثناؤه: { ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤأَىٰ }[الروم: 10] إن جعلت «العاقبة» الاسم رفعتها، وجعلت «السوأى» هي الـخبر منصوبة، وإن جعلت «العاقبة» الـخبر نصبت، فقلت: وكان عاقبة الذين أساؤوا السوأى، وجعلت السوأى هي الاسم، فكانت مرفوعة، وكما قال الشاعر:

لقدْ عَلِـمَ الأقوَامُ ما كانَ دَاءَها بَثهْلانَ إلا الـخِزْيُ مِـمَّنْ يَقُودُها

رُوى أيضاً: «ما كان داؤها بثهلان إلا الـخزيَ»، نصبـاً ورفعاً، علـى ما قد بـينت، ولو فعل مثل ذلك مع «أن» كان جائزاً، غير أن أفصح الكلام ما وصفت عند العرب.
الجمعة، 23 أكتوبر 2026 12 جمادى الأولى 1448 هـ