انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يونس

تفسير البغويالآيات 64–109

تفسير سورة يونس آية آية، من تفسير البغوي.

لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ۝٦٤

{لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ}، اختلفوا في هذه البشرى. روي عن عبادة بن الصامت قال: سألتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا}، قال:

هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له».

أخبرنا عبدالواحد، بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد ابن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، حدثني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول:

«لمْ يَبْقَ من النبوةِ إلاّ المُبَشِّرات»، قالوا: وما المبشراتُ؟ قال: «الرؤيا الصالحةُ».

وقيل: البشرى في الدنيا هي: الثناء الحسن وفي الآخرة: الجنة.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا عبدالرزاق بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة عن أبي عمران الجوني قال: سمعتُ عبدالله بن الصامت قال:

قال أبو ذر: يارسول الله الرجل يعمل لنفسه ويحبه الناس؟ قال: «تلكَ عاجِلُ بُشْرَى المؤمن». وأخرج مسلم بن الحجاج هذا الحديث عن يحيى بن يحيى عن حماد بن زياد عن أبي عمران، وقال:ويحمده الناس عليه».

وقال الزهري وقتادة: هي نزول الملائكة بالبشارة من الله تعالى عند الموت، قال الله تعالى:

{ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } } [فصلت: 30].

وقال عطاء عن ابن عباس: البشرى في الدنيا، يريد: عند الموت تأتيهم الملائكة بالبشارة، وفي الآخرة عند خروج نفس المؤمن، يُعْرَجُ بها إلى الله، ويُبشَّر برضوان الله.

وقال الحسن: هي ما بشَّر الله المؤمنين في كتابه من جنته وكريم ثوابه، كقوله:

{ وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ }[البقرة: 25]، { وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }[الأحزاب: 47]، { وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ }[فصلت: 30].

وقيل: بشّرَهم في الدنيا بالكتاب والرسول أنهم أولياء الله، ويبشرهم في القبور وفي كتب أعمالهم بالجنة.

{لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ}، لا تغييّر لقوله: ولا خُلْفَ لوعِده.{ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}.

وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ۝٦٥ أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ۝٦٦ هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ۝٦٧ قَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا سُبْحَٰنَهُۥ هُوَ ٱلْغَنِىُّ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَٰنٍۭ بِهَٰذَآ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۝٦٨ قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ۝٦٩

{وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ}، يعني: قول المشركين، تمَّ الكلام هاهنا ثم ابتدأ، فقال: {إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ} يعني الغلبة والقدرة لله {جَمِيعاً} هو ناصرك، وناصر دينك، والمنتقم منهم.

قال سعيد بن المسيب: إنّ العزّةَ للّهِ جميعاً يعني: أن الله يعزّ من يشاء، كما قال في آية أخرى:

{ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ }[المنافقون: 8]، وعزة الرسول والمؤمنين بالله فهي كلها لله.

{هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}.

{أَلاۤ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَنْ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ}، هو استفهام معناه: وأيّ شيء يتّبع الذين يدعون من دون الله شركاء؟

وقيل: وما يتبعون حقيقة، لأنهم يعبدونها على ظن أنهم شركاء فيشفعون لنا، وليس على ما يظنون، {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ}، يظنون أنها تُقرّبهم إلى الله تعالى، {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ}، يكذبون.

{هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً}، مضيئاً يُبصر فيه، كقولهم: ليل نائم وعيشة راضيةُ. قال قُطرب: تقول العرب: أظلم الليل وأضاء النهار وأبصر، أي: صار ذا ظلمة وضياء وبصر، {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}، سمعَ الاعتبار أنه مما لا يقدر عليه إلاّ عالم قادر.

{قَالُواْ}، يعني: المشركين، {ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً}، وهو قولهم الملائكة بنات الله، {سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ}، عن خلقه، {لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَات وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}، عبيداً وملكاً، {إِنْ عِندَكُمْ}، ما عندكم، {مِّن سُلْطَانٍ}، حجة وبرهان، و«من» صلة {بِهَـٰذَآ أَتقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.

{قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ}، لا ينجون، وقيل: لا يبقون في الدنيا، ولكن.

مَتَٰعٌ فِى ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ۝٧٠ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوٓا۟ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ ٱقْضُوٓا۟ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ ۝٧١ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ۝٧٢

{مَتَاعٌ}، قليل يتمتعون به وبلاغ ينتفعون به إلى انقضاء آجالهم، و«متاع» رفع بإضمار، أي: هو متاع، {فِي ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ}.

قوله تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ}، أي: اقرأ يامحمد على أهل مكة خبر نوح، {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ}، وهم ولد قابيل، {يَٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ}، عَظُمَ وثَقُلَ عليكم، {مَّقَامِي} طول ومكثي فيكم {وَتَذْكِيرِي}، ووَعْظي إيّاكم {بِآيَاتِ ٱللَّهِ}، بحججه وبيناته، فعزمتم على قتلي وطردي {فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ}، أي: أحكموا أمرَكم واعْزِمُوا عليه، {وَشُرَكَآءَكُمْ}، أي: وادعوا شركاءَكم، أي: آلهتكم فاستعينوا بها لتجتمع معكم.

و قال الزجاج: معناه فأجمعوا أمركم مع شركائكم، فلما ترك «مع» انتصب. وقرأ يعقوب: شركاؤكم رفعٌ، أي: فأجمعوا أمركم أنتم وشركاؤكم.

{ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً}، أي: خفيّاً مبهماً، من قولهم: غمَّ الهلال على الناس، أي: أشكل عليهم، {ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ}، أي: أمْضُوا ما في أنفسكم وافرغوا منه، يقال: قضى فلان إذا مات ومضى وقضى دينه إذا فرغ منه.

وقيل: معناه توجهوا إليّ بالقتل والمكروه.

وقيل فاقضوا ما أنتم قاضون، وهذا مثل قول السحرة لفرعون:

{ { فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ } } [طه: 72]، أي: اعمل ما أنت عامل.

{وَلاَ تُنظِرُونَ}، ولا تؤخرون وهذا على طريق التعجيز، أخبر الله عن نوح أنه كان واثقاً بنصر الله تعالى غير خائف من كيد قومه، علماً منه بأنهم وآلهتهم ليس إليهم نفع ولا ضر، إلا أن يشاء الله.

{فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} أعرضتم عن قولي وقَبُولِ نصحي، {فَمَا سَأَلْتُكُمْ}، على تبليغ الرسالة والدعوة، {مِّنْ أَجْرٍ}، جُعِلٍ وعِوَض، {إِنْ أَجْرِيَ}، ما أجري وثوابي، {إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}، أي: من المؤمنين. وقيل: من المستسلمين لأمر الله.

فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَعَلْنَٰهُمْ خَلَٰٓئِفَ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ ۝٧٣ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ بِمَا كَذَّبُوا۟ بِهِۦ مِن قَبْلُ كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ ۝٧٤ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِم مُّوسَىٰ وَهَٰرُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ بِـَٔايَٰتِنَا فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ ۝٧٥ فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوٓا۟ إِنَّ هَٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ۝٧٦ قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هَٰذَا وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّٰحِرُونَ ۝٧٧ قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ۝٧٨

{فَكَذَّبُوهُ}، يعني نوحاً {فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ}، أي: جعلنا الذين معه في الفلك سكان الأرض خلفاء عن الهالكين. {وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ}، أي: آخر أمر الذين أنذرتهم الرسل فلم يؤمنوا.

{ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً} أي: من بعد نوح رسلاً. {إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} بالدلالات الواضحات، {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ}، أي: بما كذب به قوم نوح من قبل، {كَذَلِكَ نَطْبَعُ }، أي: نختم، {عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ}.

{ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ مُّوسَىٰ وَهَـٰرُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ}، يعني: أشراف قومه، {بِآيَـٰتِنَا فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ}.

{فَلَمَّا جَآءَهُمُ}، يعني: جاء فرعون وقومه، {ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ}.

{قَالَ مُوسَىٰ أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هَـٰذَا}، تقدير الكلام: أتقولون للحقِّ لما جاءَكم سحر أسحر هذا فحذف السحر الأول اكتفاءً بدلالة الكلام عليه. {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُونَ}.

{قَالُواْ}، يعني: فرعون وقومه لموسى، {أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا}، لتصرفنا. وقال قتادة لتلوينا، {عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ}، الملك والسلطان، {فِى ٱلأَرْضِ}، أرض مصر وقرأ أبو بكر: «ويكون» بالياء، {وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ}، بمصدّقين.

وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِى بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٍ ۝٧٩ فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلْقُوا۟ مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ ۝٨٠ فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ ٱلسِّحْرُ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ۝٨١ وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ ۝٨٢ فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِۦ عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ ۝٨٣

{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ}.

{فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ}.

{فَلَمَّآ أَلْقُواْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ}، قرأ أبو عمرو وأبو جعفر: «آلسحر»، بالمدّ على الاستفهام وقرأ الآخرون بلا مدّ، يدل عليه قراءة ابن مسعود «ما جئتُم بِهِ سحرٌ» بغير الألف واللام.

{إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ}.

{وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ }، بآياته، {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ}.

{فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ}، لم يصدَّق موسى مع ما آتاهم به من الآيات، {إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ}، اختلفوا في الهاء التي في «قومه»، قيل: هي راجعة إلى موسى، وأراد بهم مؤمني بني إسرائيل الذين كانوا بمصر وخرجوا معه. قال مجاهد: كانوا أولاد الذين أرسل إليهم موسى من بني إسرائيل، هلك الآباء وبقي الأبناء. وقال الآخرون: الهاء راجعة إلى فرعون. وروى عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هم ناسٌ يسيرٌ من قوم فرعون آمنوا، منهم امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأة خازنه، وماشطته، وعن ابن عباس رواية أخرى: أنهم كانوا سبعين ألف بيت من القبط من آل فرعون، وأمهاتهم من بني إسرائيل فجعل الرجل يتبع أمه وأخواله.

وقيل: هم قوم نجوا من قتل فرعون، وذلك أن فرعون لما أمر بقتل أبناء بني إسرائيل كانت المرأة، من بني إسرائيل إذا ولدت إبناً وهبته لقبطية خوفاً من القتل، فنشؤوا عند القبط، وأسلموا في اليوم الذي غُلِبَت السحرة.

قال الفرَّاء: سُمّوا ذرية؛ لأن آباءهم كانوا من القبط وأمهاتهم من بني إسرائيل، كما يقال لأولاد أهل فارس الذين سقطوا إلى اليمن: الأبناء، لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم.

{عَلَىٰ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ}، قيل: أراد بفرعون آل فرعون، أي: على خوف من آل فرعون وملئهم، كما قال:

{ { وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } } [يوسف: 82] أي: أهل القرية. وقيل: إنما قال: «وملئهم» وفرعون واحد لأن الملك إذا ذكر يفهم منه هو وأصحابه، كما يُقال قدم الخليفة يُراد هو ومن معه. وقيل: أراد ملأ الذرية، فإن ملأهم كانوا من قوم فرعون. {أَن يَفْتِنَهُمْ}. أي: يصرفهم عن دينهم ولم يقل يفتنوهم لأنه أخبر عن فرعون وكان قومه على مثل ما كان عليه فرعون، {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ}، لمتكبر، {فِي ٱلأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ}، المجاوزين الحدّ، لأنه كان عبداً فادّعى الربوبية.

وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ۝٨٤ فَقَالُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٨٥ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٨٦ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَٱجْعَلُوا۟ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝٨٧

{وَقَالَ مُوسَى}، لمؤمني قومه: {يَٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ}.

{فَقَالُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا}، اعتمدنا، ثم دعوا فقالوا: {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ}، أي: لا تُظهرْهُم علينا ولا تُهلكنا بأيديهم، فيظنوا أنا لم نكن على الحق فيزدادوا طغياناً. وقال مجاهد: لاتعذبنا بعذابٍ من عندك، فيقول قوم فرعون: لو كانوا على الحق لما عُذّبوا ويظنوا أنهم خير منّا فيُفتتنوا.

{وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِٱلْكَـٰفِرِينَ}.

قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ} هارون، {أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً} يقال: تَبَوّأ فلان لنفسه بيتاً ومضجعاً إذا اتخذه، وبوّأتُه أنا إذا اتخذتُه له، {وَٱجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً}، قال أكثر المفسرين: كانت بنو إسرائيل لا يصلون إلا في كنائسهم وبيَعِهم، وكانت ظاهرة، فلما أُرسل موسى أمر فرعون بتخريبها ومنعهم من الصلاة فأُمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلوا فيها خوفاً من فرعون، وهذا قول إبراهيم وعكرمة عن ابن عباس.

وقال مجاهد: خاف موسى ومن معه من فرعون أن يصلوا في الكنائس الجامعة، فأُمروا بأن يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة، يصلون فيها سرّاً. معناه: واجعلوا بيوتكم إلى القبلة.

وروى ابن جريج عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت الكعبة قِبْلَةَ موسى ومن معه.

{وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، يا محمد.

وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةً وَأَمْوَٰلًا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰٓ أَمْوَٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا۟ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ۝٨٨ قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۝٨٩

قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً}، من متاع الدنيا، {وَأَمْوَالاً فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ}، اختلفوا في هذه اللام، قيل: هي لامُ كي، معناه: آتيتهم كي تفتنهم فيضلوا، ويضلوا، كقوله:

{ { لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } } [الجن: 16].

وقيل: هي لام العاقبة يعني: فيضلوا ويكون عاقبة أمرهم الضلال، كقوله:

{ { فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } } [القصص: 8].

قوله: {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَٰلِهِمْ}، قال مجاهد: أهلِكْها، والطمس: المَحْق.

وقال أكثر أهل التفسير: امسخها وغيِّرها عن هئيتها.

وقال قتادة: صارت أموالهم وحروثُهم وزروعُهم وجواهرهم حجارةً.

وقال محمد بن كعب: جعل سكرَّهم حجارة، وكان الرجل مع أهله في فراشه فصارَا حجرين، والمرأة قائمة تخبز فصارت حجراً.

قال ابن عباس رضي الله عنه: بلغنا أن الدراهم والدنانير صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحاً وأنصافاً وأثلاثاً.

ودعا عمر بن عبدالعزيز بخريطة فيها أشياء من بقايا آل فرعون فأخرج منها البيضة مشقوقة والجوزة مشقوقة وإنها لحجر.

قال السدي: مسخ الله أموالهم حجارة، والنخيل والثمار والدقيق والأطعمة، فكانت إحدى الآيات التسع.

{وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}، أي: أَقْسِهَا واطبعْ عليها حتى لا تلين ولا تنشرح للإِيمان، {فَلاَ يُؤْمِنُواْ}، قيل: هو نصب بجواب الدعاء بالفاء. وقيل: هو عطف على قوله: «ليضلوا»، أي: ليضلوا فلا يؤمنوا. وقال الفراء: هو دعاء محله جزم، فكأنه قال: اللهم فلا يؤمنوا، {حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ}، وهو الغرق. قال السدي: معناه أمِتْهُم على الكفر.

{قَالَ} الله تعالى لموسى وهارون، {قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا}، إنما نسب إليهما والدعاء كان من موسى لأنه رُوي أن موسى كان يدعو وهارون يؤمِّن، والتأمين دعاء. وفي بعض القصص: كان بين دعاء موسى وإجابته أربعون سنة. {فَٱسْتَقِيمَا}، على الرسالة والدعوة، وامضيا لأمري إلى أن يأتيهم العذاب، {وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ}، نهي بالنون الثقيلة، ومحله جزم، يقال في الواحد لا تتبعنَّ بفتح النون لالتقاء الساكنين، وبكسر النون في التثنية لهذه العلة. وقرأ ابن عامر بتخفيف النون. لأن نون التأكيد تثقَّل وتخفف، {سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}، يعني: ولاتسلكا سبيل الذين يجهلون حقيقة وَعْدي، فإن وعدي لا خُلْفَ فيه، ووعيدي نازل بفرعونَ وقومِه.

وَجَٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُۥ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ۝٩٠ ءَآلْـَٰٔنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ ۝٩١

{وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْبَحْرَ}، عبرنا بهم {فَأَتْبَعَهُمْ}، لحقهم وأدركهم، {فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ}، يقال: «أتبعه وتَبِعه» إذا أدركه ولحقه، و«اتّبعه» بالتشديد إذا سار خلفه واقتدى به. وقيل: هما واحد. {بَغْياً وَعَدْواً} أي: ظلماً واعتداءً. وقيل: بغياً في القول وعدواً في الفعل. وكان البحر قد انفلق لموسى وقومه، فلما وصل فرعون بجنوده إلى البحر هابوا دخوله فتقدمهم جبريل على فرس وَدِيْقٍ وخاض البحر، فاقتحمت الخيول خلفه، فلما دخل آخرهم وهمَّ أولهم أن يخرج انطبق عليهم الماء. وقوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ}، أي: غمره الماء وقرب هلاكه، {قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُ}، قرأ حمزة والكسائي «إنه» بكسر الألف أي: آمنت وقلت إنه. وقرأ الآخرون «أنه» بالفتح على وقوع آمنت عليها. {لاۤ إلَٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِى ءَامَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَٰءِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}، فدسّ جبريل في فِيْهِ مِنْ حمأة البحر.

وقال: {آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ}. ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

لما أغرق الله فرعون قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، فقال جبريل عليه السلام: يا محمد فلو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسّه في فِيْهِ مخافةَ أن تدركه الرحمة. فلما أخر موسى قومه بهلاك فرعون وقومه قالت بنو إسرائيل ما مات فرعون فأمر الله البحر فألقى فرعون على الساحل أحمر قصيراً كأنّه ثور فرآه بنو إسرائيل فمن ذلك الوقت لا يقبل الماءُ مَيْتاً، فذلك قوله{فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ}.

فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ ۝٩٢ وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ فَمَا ٱخْتَلَفُوا۟ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۝٩٣

{فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ}، أي نُلقيك على نجوة من الأرض، وهي: المكان المرتفع. وقرأ يعقوب: «نُنْجِيْك» بالتخفيف، {بِبَدَنِكَ}، بجسدك لا روح فيه. وقيل: ببدنك: بدرعك، وكان له درع مشهور مرصّع بالجواهر، فرأوه في درعه فصدّقُوا. {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً}، عِبرةً وعظةً، {وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ ءايَـٰتِنَا لَغَـٰفِلُونَ}.

{وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ} أنزلنا بني إسرائيل بعد هلاك فرعون، {مُبَوَّأَ صِدْقٍ}، منزل صدق، يعني: مصر. وقيل: الأردن وفلسطين، وهي الأرض المقدسة التي كتبَ اللّهُ [ميراثاً] لإِبراهيم وذريته. قال الضحاك: هي مصر والشام، {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ}، الحلالات، {فَمَا ٱخْتَلَفُواْ} يعني اليهود الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في تصديقه وأنه نبي، {حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ}، يعني: القرآن والبيان بأنّه رسولُ الله صدق ودينُه حق.

وقيل: حتى جاءهم معلومهم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، لأنهم كانوا يعلمونه قبل خروجه، فالعلم بمعنى المعلوم كما يقال للمخلوق: خَلْقٌ، قال الله تعالى:

{ { هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ } } [لقمان: 11]، ويقال: هذا الدرهم ضَرْبُ الأمير، أي: مضروبُه.

{إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}، من الدين.

فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ۝٩٤ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ۝٩٥

قوله تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ}، يعني: القرآن {فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ}، فيخبرونك أنه مكتوب عندهم في التوراة.

قيل: هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره على عادة العرب، فإنهم يخاطبون الرجل ويريدون به غيره، كقوله تعالى:

{ { يَۤا أَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ } } [الأحزاب: 1]، خاطب النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به المؤمنون بدليل أنه قال: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}، ولم يقل "بما تعمل"، وقال: { { يَٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ } } [الطلاق: 1].

وقيل: كان الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بين مصدق ومكذب وشاك، فهذا الخطاب مع أهل الشك، معناه: إن كنت أيها الإِنسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان رسولنا محمد، فاسأل الذين يقرؤون الكتابَ من قبلك.

قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: يعني من آمن من أهل الكتاب؛ كعبد الله بن سلام وأصحابه، فيشهدون على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ويخبرونك بنبوته.

قال الفرَّاء: عَلِمَ الله سبحانه وتعالى أن رسوله غيرُ شاكٌّ، لكنه ذكره على عادة العرب، يقول الواحد منهم لعبده: إن كنت عبدي فأطعني، ويقول لولده: افعل كذا وكذا إنْ كنتَ ابني، ولا يكون بذلك على وجه الشك.

{لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ}، من الشاكين.

{وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ}، وهذا كله خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد منه غيره.

إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ۝٩٦ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ۝٩٧ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا۟ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍ ۝٩٨

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ}، وجبتْ عليهم، {كَلِمَةُ رَبِّكَ}، قيل: لعنته. وقال قتادة سخط الله. وقيل: "الكلمة" هي قوله: هؤلاء في النار ولا أُبالي {لاَ يُؤْمِنُونَ}.

{وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ}، دلالة، {حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ}، قال الأخفش: أنّث فِعلَ «كل» لأنه مضاف إلى المؤنث وهي قوله: «آية»، ولفظ «كل» للمذكر والمؤنث سواء.

قوله تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَتْ} أي: فهلا كانت، {قَرْيَةٌ}، ومعناها: فلم تكن قرية لأن في الاستفهام ضرباً من الجحد، أي: أهل قرية، {ءَامَنَتْ}، عند معاينة العذاب، {فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا}، في حالة البأس {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ}، فإنه نفعهم إيمانهم في ذلك الوقت، و«قوم» نصبٌ على الاستثناء المنقطع، تقديره: ولكن قوم يونس، {لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ}، وهو وقت انقضاء آجالهم.

واختلفوا في أنهم هل رأوا العذاب عياناً أم لا؟ فقال بعضهم: رأوا دليل العذاب؟ والأكثرون على أنهم رأوا العذاب عياناً بدليل قوله: «كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْىِ»، والكشف يكون بعد الوقوع أو إذا قَرُب.

وقصة الآية ـ على ما ذكره عبدالله بن مسعود، وسعيد بن جبير، ووهب وغيرهم ـ أن قوم يونس كانوا بنينوى، من أرض الموصل، فأرسل الله إليهم يونس يدعوهم إلى الإِيمان فدعاهم فأبوا، فقيل له: أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث، فأخبرهم بذلك، فقالوا: إنا لم نجرب عليه كذباً فانظرُوا فإن بات فيكم تلك الليلة فليس بشيء، وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم، فلما كان في جوف تلك الليلة خرج يونس من بين أظهرهم، فلما أصبحوا تغشاهم العذاب فكان فوق رؤوسهم قدر ميل. وقال وهب: غامت السماء غيماً أسود هائلاً يدخن دخاناً شديداً، فهبط حتى تغشَّاهم في مدينتهم واسودت سطوحهم، فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك، فطلبوا يونس نبيهم فلم يجدوه، وقذف الله في قلوبهم التوبة، فخرجوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم، ولبسوا المسوح وأظهروا الإِيمان والتوبة، وأخلصوا النية وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والأنعام فحنَّ بعضُها إلى بعض، وعلتِ أصواتها، واختلطتْ أصواتُها بأصواتهم، وعجُّوا وتضرعوا إلى الله عزّ وجلّ، وقالوا: آمنا بما جاء به يونس، فرحمهم ربهم فاستجاب دعاءهم وكشف عنهم العذاب بعد ما أضلهم، وذلك يوم عاشوراء، وكان يونس قد خرج فأقام ينتظر العذاب وهلاك قومه فلم يرَ شيئاً، وكان مَنْ كذّب ولم تكن له بينة قتل، فقال يونس: كيف أرجع إلى قومي وقد كذبتهم؟ فانطلق عاتباً على ربِّه مغاضباً لقومه، فأتى البحر فإذا قوم يركبون سفينة، فعرفوه فحملوه بغير أجر، فلما دخلها وتوسطت بهم ولججت، وقفت السفينة لا ترجع ولا تتقدم، قال أهل السفينة: إن لسفينتنا لشأناً، قال يونس: قد عرفت شأنها ركبها رجل ذو خطيئة عظيمة، قالوا: ومن هو؟ قال: أنا، اقذفوني في البحر، قالوا: ما كنا لنطرحك من بيننا حتى نعذر في شأنك، واسْتَهَمُوا فاقترعُوا ثلاثَ مرات فأدحض سهمه، والحوت عند رِجْل السفينة فاغراً فاه ينتظر أمر ربَّه فيه، فقال يونس: إنكم والله لتهلَكُنَّ جميعاً أو لَتَطْرَحُنَّنِي فيها، فقذفوه فيه وانطلقوا وأخذه الحوت.

ورُوي: أن الله تعالى أوحى إلى حوتٍ عظيم حتى قصد السفينة، فلما رآه أهل السفينة مثل الجبل العظيم وقد فغر فاه ينظر إلى مَنْ في السفينة كأنه يطلب شيئاً خافوا منه، ولما رآه يونس زجّ نفسه في الماء.

وعن ابن عباس: أنه خرج مغاضباً لقومه فأتى بحر الروم فإذا سفينة مشحونة، فركبها فلما لججت السفينة، تكفّأت حتى كادوا أن يغرقوا، فقال الملاَّحون: هاهنا رجل عاصٍ أو عبد آبق، وهذا رسم السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري، ومن رسمنا أن نقترع في مثل هذا فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر ولأَنْ يغرق واحد خير من أن تغرق السفينة بما فيها، فاقترعوا ثلاثَ مرات، فوقعت القرعة في كلها على يونس، فقال يونس: أنا الرجل العاصي والعبد الآبق، فألقى نفسه في الماء فابتلعه حوت، ثم جاء حوت آخر أكبر منه وابتلع هذا الحوت، وأوحى الله إلى الحوت لا تؤذي منه شعرة، فإني جعلت بطنك سجنه ولم أجعله طعاماً لك.

ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نُودي الحوت: إنّا لم نجعل يونس لك قوتاً، إنما جعلنا بطنك له حرزاً ومسجداً.

ورُوي: أنه قام قبل القرعة فقال: أنا العبد العاصي والآبق، قالوا: من أنت؟ قال: أنا يونس بن متى، فعرفوه فقالوا: لا نلقيك يارسول الله، ولكن نُساهِمْ فخرجتِ القرعةُ عليه، فألقى نفسه في الماء.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: ابتلعه الحوت فأهوى به إلى قرار الأرض السابعة، وكان في بطنه أربعين ليلة فسمع تسبيح الحصى، فنادى في الظلمات: أن لا إله إلاّ أنت سبحانَك إني كنتُ مِنَ الظالمين، فأجاب الله له فأمر الحوت، فنبذه على ساحل البحر، وهو كالفرخ الممعط، فأنبت الله عليه شجرةً من يقطين، وهو الدباء، فجعل يستظل تحتها ووكل به وعلة يشرب من لبنها، فيبست الشجرة، فبكى عليها فأوحى الله إليه: تبكي على شجرة يبست، ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون وأردت أن أهلكهم، فخرج يونس فإذا هو بغلام يرعى، فقال: من أنت ياغلام؟ قال: من قوم يونس، قال: إذا رجعتَ إليهم فأخبرهم أني لقيت يونس، فقال الغلام: قد تعلم أنه إن لم تكن لي بينة قُتِلتُ، قال يونس عليه السلام: تشهد لك هذه البقعة وهذه الشجرة، فقال له الغلام: فمُرْها، فقال يونس: إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له، قالتا: نعم، فرجع الغلام، فقال للملك: إني لقيت يونس فأمر الملك بقتله، فقال: إنّ لي بينة، فأرسلوا معي، فأتى البقعة والشجرة، فقال: أنشدكما هل أشهدكما يونس؟ قالتا: نعم، فرجع القوم مذعورين، وقالوا للملك: شهد له الشجرة والأرض، فأخذ الملك بيد الغلام وأجلسه في مجلسه، وقال: أنت أحق بهذا المكان مني، فأقام لهم أمرهم ذلك الغلامُ أربعين سنة.

وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ۝٩٩ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ۝١٠٠ قُلِ ٱنظُرُوا۟ مَاذَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا تُغْنِى ٱلْـَٔايَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ ۝١٠١

قوله تعالى: {وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ}، يامحمد، {لآمَنَ مَن فِى ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}، هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه كان حريصاً على أن يؤمن جميع الناس، فأخبره الله جلّ ذكره: أنه لا يؤمن إلاّ من قد سبق له من الله السعادة، ولا يضل إلاّ من سبق له الشقاوة.

{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ}، وما ينبغي لنفس. وقيل: وما كانت نفس، {أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}، قال ابن عباس: بأمر الله. وقال عطاء: بمشيئة الله. وقيل: بعلم الله. {وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ}، قرأ أبو بكر: «ونجعل» بالنون، والباقون بالياء، أي: ويجعل الله الرجسَ أي: العذاب وهو الرجز، {عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}، عن الله أمره ونهيه.

{قُلِ ٱنظُرُواْ}، أي: قلْ للمشركين الذين يسألونك الآيات انظروا، {مَاذَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}، من الآيات والدلائل والعبر، ففي السموات الشمس والقمر والنجوم وغيرها، وفي الأرض الجبال والبحار والأنهار والأشجار وغيرها، {وَمَا تُغْنِى ٱلآيَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ}، الرسل، {عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ}، وهذا في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون.

فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ ۝١٠٢ ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٠٣ قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٠٤ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۝١٠٥

{فهلْ يَنتَظِرُونَ}، يعني: مشركي مكة، {إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ}، مضوا، {مِن قَبْلِهِمْ}، من مكذبي الأمم، قال قتادة: يعني وقائع الله في قوم نوح وعاد وثمود. والعرب تسمي العذاب أياماً، والنعيم أياماً؛ كقوله:

{ { وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ } } [إبراهيم:5]، وكل ما مضى عليك من خير وشر فهو أيام، {قُلْ فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنَّى مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ}.

{ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا}، قرأ يعقوب «نُنجي» خفيف مختلف عنه، {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ}، معهم عند نزول العذاب معناه: نجينا، مستقبلٌ بمعنى الماضي، {كَذَٰلِكَ}، كما نجيناهم، {حَقّاً}، واجباً، {عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، قرأ الكسائي وحفص ويعقوب «ننجي» بالتخفيف والآخرون بالتشديد، ونَجَّا وأنجى بمعنى واحد.

قوله تعالى: {قُلْ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى}، الذي أدعوكم إليه.

فإن قيل: كيف قال: إن كنتم في شك، وهم كانوا يعتقدون بطلان ما جاء به؟. قيل: كان فيهم شاكّون، فهم، المراد بالآية، أو أنهم لما رأوا الآيات اضطربوا وشكوا في أمرهم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم.

قوله عزّ وجلّ: {فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}، من الأوثان، {وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّاكُمْ}، يُميتكم ويقبض أرواحكم، {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}.

قوله: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً}، قال ابن عباس: عملك. وقيل: استقم على الدين حنيفاً. {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}.

وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٠٦ وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ۝١٠٧ قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ ۝١٠٨ وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ ۝١٠٩

{وَلاَ تَدْعُ}، ولا تعبد، {مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ}، إن أطعته، {وَلاَ يَضُرُّكَ}، إن عصيته، {فَإِن فَعَلْتَ}، فعبدت غيرَ اللّهَ، {فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ}، الضارين لأنفسهم الواضعين للعبادة في غير موضعها.

{وإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ}، أي: يصبك بشدة وبلاء، {فَلاَ كَاشِفَ لَهُ}، فلا دافع له، {إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ}، رخاء ونعمة وسَعة، {فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ}، فلا مانع لرزقه، {يُصِيبُ بِهِ}، بكل واحد من الضر والخير، {مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}.

{قُلْ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ}، يعني: القرآن والإِسلام، {فَمَنُ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا}، أي: على نفسه، ووبالُه عليه، {وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ}، بكفيل، أحفظ أعمالكم. قال ابن عباس: نسختها آية القتال.

{وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ}، بنصرك وقهر عدوك وإظهار دينه، {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ}، فحكم بقتال المشركين وبالجزية على أهل الكتاب يعطونها عن يَدٍ وهم صاغرون.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ