انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة البقرة

تفسير الطبريالآيات 255–256

تفسير سورة البقرة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة البقرة

الخلاصة من تفسير الطبري · 20 مقطعًا · 5:38:46

  1. 1 الآيات 253–262في هذه الصفحة 19:10

التفسير الصوتي لسورة البقرة كاملًا (20 مقطعًا)

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفْظُهُمَا وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ ۝٢٥٥

قد دللنا فـيـما مضى علـى تأويـل قوله: «اللَّهُ».

وأما تأويـل قوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } فإن معناه: النهي عن أن يعبد شيء غير الله {الـحيّ القـيوم} الذي صفته ما وصف به نفسه تعالـى ذكره فـي هذه الآية. يقول: «الله» الذي له عبـادة الـخـلق «الـحيّ القـيوم»، لا إله سواه، لا معبود سواه، يعنـي: ولا تعبدوا شيئا سواه الـحَيّ القَـيُّوم الذي لا تَأخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ، والذي صفته ما وصف فـي هذه الآية. وهذه الآية إبـانة من الله تعالـى ذكره للـمؤمنـين به وبرسوله عما جاءت به أقوال الـمختلفـين فـي البـيّنات من بعد الرسل الذين أخبرنا تعالـى ذكره أنه فضل بعضهم علـى بعض، واختلفوا فـيه، فـاقتتلوا فـيه كفراً به من بعض، وإيـماناً به من بعض. فـالـحمد لله الذي هدانا للتصديق به ووفقنا للإقرار به.

وأما قوله: {ٱلْحَىُّ } فإنه يعنـي: الذي له الـحياة الدائمة، والبقاء الذي لا أوّل له يحدّ، ولا آخر له يُؤْمَد، إذ كان كل ما سواه فإنه وإن كان حياً فلـحياته أول مـحدود وآخر مأمود، ينقطع بـانقطاع أمدها وينقضي بـانقضاء غايتها.

وبـما قلنا فـي ذلك قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع قوله: {ٱلْحَىّ } حيّ لا يـموت.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

وقد اختلف أهل البحث فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: إنـما سمى الله نفسه حياً لصرفه الأمور مصارفها وتقديره الأشياء مقاديرها، فهو حيّ بـالتدبـير لا بحياة.

وقال آخرون: بل هو حيّ بحياة هي له صفة.

وقال آخرون: بل ذلك اسم من الأسماء تسمى به، فقلناه تسلـيـماً لأمره.

وأما قوله: {ٱلْقَيُّومُ } فإنه «الفـيعول» من القـيام، وأصله «القـيووم»: سبق عين الفعل وهي واو ياء ساكنة، فـاندغمتا فصارتا ياء مشددة؛ وكذلك تفعل العرب فـي كل واو كانت للفعل عيناً سبقتها ياء ساكنة. ومعنى قوله: {ٱلْقَيُّومُ }: القائم برزق ما خـلق وحفظه، كما قال أمية:

لَـمْ يُخْـلَقِ السَّماءُ والنُّـجُومُ والشَّمْسُ مَعها قَمَرٌ يقومُ قَدَّرَهُ الـمُهَيْـمِنُ القَـيُّومُ والـحَشْرُ والـجَنَّةُ والـجحيـمُ إلا لأمرٍ شأنُهُ عَظِيـمُ

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {ٱلْقَيُّومُ } قال: القائم علـى كل شيء.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، عن ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {ٱلْقَيُّومُ } قـيـم كل شيء، يكلؤه ويرزقه ويحفظه.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {ٱلْقَيُّومُ } وهو القائم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ } قال: القائم الدائم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ }.

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ } لا يأخذه نعاس فـينعس، ولا نوم فـيستثقل نوماً. والوسن: خثورة النوم، ومنه قول عديّ بن الرقاع:

وَسْنانُ أقْصَدَهُ النُّعاسَ فَرَنَّقَتْ فـي عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَـيْسَ بِنائِمِ

ومن الدلـيـل علـى ما قلنا من أنها خثورة النوم فـي عين الإنسان، قول الأعشى ميـمون بن قـيس:

تُعاطِي الضَّجِيعَ إذَا أقْبَلَتْ بُعَيْدَ النُّعاسِ وَقَبْلَ الوَسَنْ

وقال آخر:

بـاكَرَتْها الأعْرَابُ فـي سِنَةِ النَّوْمِ فَتَـجْرِي خِلالَ شَوْكِ السَّيالِ

يعنـي عند هبوبها من النوم ووسن النوم فـي عينها، يقال منه: وسن فلان فهو يَوْسَنُ وَسَنا وسِنَةً وهو وسنان، إذا كان كذلك.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس قوله تعالـى: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ } قال: السنة: النعاس، والنوم: هو النوم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ } السنة: النعاس.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة والـحسن فـي قوله: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ } قالا: نعسة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن جويبر، عن الضحاك فـي قوله: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } قال: السنة: الوسنة، وهو دون النوم، والنوم: الاستثقال.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } السنة: النعاس، والنوم: الاستثقال.

حدثنـي يحيـى بن أبـي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، مثله سواء.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } أما سنة: فهو ريح النوم الذي يأخذ فـي الوجه فـينعس الإنسان.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } قال: السنة: الوسنان بـين النائم والـيقظان.

حدثنـي عبـاس بن أبـي طالب، قال: ثنا منـجاب بن الـحرث، قال: ثنا علـيّ بن مسهر، عن إسماعيـل عن يحيـى بن رافع: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ } قال: النعاس.

حدثنـي يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } قال: الوسنان: الذي يقوم من النوم لا يعقل، حتـى ربـما أخذ السيف علـى أهله.

وإنـما عنى تعالـى ذكره بقوله: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } لا تـحله الآفـات، ولا تناله العاهات. وذلك أن السنة والنوم معنـيان يغمران فهم ذي الفهم، ويزيلان من أصابـاه عن الـحال التـي كان علـيها قبل أن يصيبـاه.

فتأويـل الكلام إذ كان الأمر علـى ما وصفنا: الله لا إله إلا هو الـحيّ الذي لا يـموت، القـيوم علـى كل ما هو دونه بـالرزق والكلاءة والتدبـير والتصريف من حال إلـى حال، لا تأخذه سنة ولا نوم، لا يغيره ما يغير غيره، ولا يزيـله عما لـم يزل علـيه تنقل الأحوال وتصريف اللـيالـي والأيام، بل هو الدائم علـى حال، والقـيوم علـى جميع الأنام، لو نام كان مغلوبـاً مقهوراً، لأن النوم غالب النائم قاهره، ولو وسن لكانت السموات والأرض وما فـيهما دكًّا، لأن قـيام جميع ذلك بتدبـيره وقدرته، والنوم شاغل الـمدبر عن التدبـير، والنعاس يمانع الـمقدّر عن التقدير بوسنه. كما:

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: وأخبرنـي الـحكم بن أبـان، عن عكرمة مولـى ابن عبـاس فـي قوله: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } أن موسى سأل الـملائكة: هل ينام الله؟ فأوحى الله إلـى الـملائكة، وأمرهم أن يؤرّقوه ثلاثاً فلا يتركوه ينام. ففعلوا، ثم أعطوه قارورتـين فأمسكوه، ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما. قال: فجعل ينعس وهما فـي يديه، فـي كل يد واحدة. قال: فجعل ينعس وينتبه، وينعس وينتبه، حتـى نعس نعسة، فضرب بإحداهما الأخرى فكسرهما. قال معمر: إنـما هو مثل ضربه الله، يقول: فكذلك السموات والأرض فـي يديه.

حدثنا إسحاق بن أبـي إسرائيـل، قال: ثنا هشام بن يوسف، عن أمية بن شبل، عن الـحكم بن أبـان، عن عكرمة، عن أبـي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى صلى الله عليه وسلم علـى الـمنبر، قال:

وَقَعَ فِـي نَفْسِ مُوسَى هَلْ يَنامُ اللَّهُ تَعالـى ذِكْرُهُ؟ فأرْسَلَ اللَّهُ إلَـيْهِ مَلَكاً فَأرَّقَهُ ثَلاثاً، ثُمَّ أعْطَاهُ قارُورَتَـيْنِ، فِـي كُلِّ يَدٍ قارُورَةٌ، وأمَرَهُ أنْ يَحْتَفِظَ بِهماقال:فَجَعَلَ يَنامُ وَتَكادُ يَدَاهُ تَلْتَقِـيَانِ، ثُمَّ يَسْتَـيْقِظُ فَـيَحْبِسُ إحْدَاهُمَا عَنِ الأُخْرَى، ثُمَّ نَامَ نَوْمَةً فَـاصْطَفَقَتْ يَدَاهُ وَانْكَسَرَتِ القارُورَتَانِ. قال: ضرب الله مثلاً له، أن الله لو كان ينام لـم تستـمسك السماء والأرض.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلاْرْضِ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ }.

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلاْرْضِ } أنه مالك جميع ذلك بغير شريك ولا نديد، وخالق جميعه دون كل آلهة ومعبود. وإنـما يعنـي بذلك أنه لا تنبغي العبـادة لشيء سواه، لأن الـمـملوك إنما هو طوع يد مالكه، ولـيس له خدمة غيره إلا بأمره. يقول: فجميع ما فـي السموات والأرض ملكي وخـلقـي، فلا ينبغي أن يعبد أحد من خـلقـي غيري وأنا مالكه، لأنه لا ينبغي للعبد أن يعبد غير مالكه، ولا يطيع سوى مولاه.

وأما قوله: {مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } يعنـي بذلك: من ذا الذي يشفع لـمـمالـيكه إن أراد عقوبتهم إلا أن يخـلـيه، ويأذن له بـالشفـاعة لهم. وإنـما قال ذلك تعالـى ذكره لأن الـمشركين قالوا: ما نعبد أوثاننا هذه إلا لـيقرّبونا إلـى الله زلفـى، فقال الله تعالـى ذكره لهم: لـي ما فـي السموات وما فـي الأرض مع السموات والأرض ملكاً، فلا ينبغي العبـادة لغيري، فلا تعبدوا الأوثان التـي تزعمون أنها تقربكم منـي زلفـى، فإنها لا تنفعكم عندي ولا تغنـي عنكم شيئاً، ولا يشفع عندي أحد لأحد إلا بتـخـلـيتـي إياه والشفـاعة لـمن يشفع له، من رسلـي وأولـيائي وأهل طاعتـي.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء }.

يعنـي تعالـى ذكره بذلك أنه الـمـحيط بكل ما كان وبكل ما هو كائن علـماً، لا يخفـى علـيه شيء منه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن الـحكم: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } الدنـيا {وَمَا خَلْفَهُمْ } الآخرة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } ما مضى من الدنـيا {وَمَا خَلْفَهُمْ } من الآخرة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج قوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } ما مضى أمامهم من الدنـيا {وَمَا خَلْفَهُمْ } ما يكون بعدهم من الدنـيا والآخرة.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } قال: ما بـين أيديهم فـالدنـيا {وَمَا خَلْفَهُمْ } فـالآخرة.

وأما قوله: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء } فإنه يعنـي تعالـى ذكره أنه العالـم الذي لا يخفـى علـيه شيء مـحيط بذلك كله مـحص له دون سائر من دونه، وأنه لا يعلـم أحد سواه شيئاً إلا بـما شاء هو أن يعلـمه فأراد فعلـمه.

وإنـما يعنـي بذلك أن العبـادة لا تنبغي لـمن كان بـالأشياء جاهلاً فكيف يعبد من لا يعقل شيئاً البتة من وثن وصنـم، يقول: أخـلصوا العبـادة لـمن هو مـحيط بـالأشياء كلها يعلـمها، لا يخفـى علـيه صغيرها وكبـيرها.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ } يقول: لا يعلـمون بشيء من علـمه إلا بـما شاء هو أن يُعْلـمهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ }.

اختلف أهل التأويـل فـي معنى الكرسي الذي أخبر الله تعالـى ذكره فـي هذه الآية أنه وسع السموات والأرض، فقال بعضهم: هو علـم الله تعالـى ذكره. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب وسلـم بن جنادة، قالا: ثنا ابن إدريس، عن مطرف، عن جعفر بن أبـي الـمغيرة، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ } قال: كرسيه: علـمه.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا مطرِّف، عن جعفر بن أبـي الـمغيرة، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، مثله، وزاد فـيه: ألا ترى إلـى قوله: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا }؟

وقال آخرون: الكرسي: موضع القدمين. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ بن مسلـم الطوسي، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي مـحمد بن جحادة، عن سلـمة بن كهيـل، عن عمارة بن عمير، عن أبـي موسى، قال: الكرسي: موضع القدمين، وله أطيط كأطيط الرحل.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } فإن السموات والأرض فـي جوف الكرسي، والكرسي بـين يدي العرش، وهو موضع قدميه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك قوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } قال: كرسيه الذي يوضع تـحت العرش، الذي يجعل الـملوك علـيه أقدامهم.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد الزبـيري، عن سفـيان، عن عمار الدهنـي، عن مسلـم البطين، قال: الكرسي: موضع القدمين.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } قال: لـما نزلت: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } قال أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هذا الكرسي وسع السموات والأرض، فكيف العرش؟ فأنزل الله تعالـى:

{ وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ }[الأنعام: 91] إلـى قوله: { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ }

[يونس: 18] حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } قال ابن زيد: فحدثنـي أبـي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما السَّمَوَاتُ السَّبْعُ فِـي الكُرْسِيِّ إلاَّ كَدَرَاهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِـيَتْ فِـي تُرْسٍ. قال: وقال أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:ما الكُرْسِيُّ فـي العَرْشِ إلاَّ كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِـيَتْ بَـيْنَ ظَهْرَيْ فَلاةٍ مِنَ الأرْضِ

وقال آخرون: الكرسي: هو العرش نفسه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قال: كان الـحسن يقول: الكرسي: هو العرش.

قال أبو جعفر: ولكل قول من هذه الأقوال وجه ومذهب، غير أن الذي هو أولـى بتأويـل الآية ما جاء به الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما:

حدثنـي به عبد الله بن أبـي زياد القطوانـي، قال: ثنا عبـيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن عبد الله بن خـلـيفة، قال: أتت امرأة النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: ادع الله أن يدخـلنـي الـجنةٰ فعظم الربَّ تعالـى ذكره، ثم قال:

إنَّ كُرْسِيَّهُ وَسِعَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ، وَإنَّهُ لَـيَقْعُدُ عَلَـيْهِ فَمَا يَفْضُلُ مِنْهُ مِقْدَارُ أرْبَعِ أصَابِعَثم قال بأصابعه فجمعها:وَإنَّ لَهُ أطيطا كأطِيطِ الرَّحْلِ الـجَدِيدِ إذَا رُكِبَ مِنْ ثِقَلِه

حدثنـي عبد الله بن أبـي زياد، قال: ثنا يحيـى بن أبـي بكر، عن إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن عبد الله بن خـلـيفة، عن عمر، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، بنـحوه.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن عبد الله بن خـلـيفة، قال: جاءت امرأة، فذكر نـحوه.

وأما الذي يدل علـى صحته ظاهر القرآن فقول ابن عبـاس الذي رواه جعفر بن أبـي الـمغيرة عن سعيد بن جبـير عنه أنه قال: هو علـمه، وذلك لدلالة قوله تعالـى ذكره: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا } علـى أن ذلك كذلك، فأخبر أنه لا يؤوده حِفظ ما علـم، وأحاط به مـما فـي السموات والأرض، وكما أخبر عن ملائكته أنهم قالوا فـي دعائهم:

{ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْماً }[غافر: 7] فأخبر تعالـى ذكره أن علـمه وسع كل شيء، فكذلك قوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ }. وأصل الكرسي: العلـم، ومنه قـيـل للصحيفة يكون فـيها علـم مكتوب كُرّاسة، ومنه قول الراجز فـي صفة قانص:

حتـى إذَا ما احْتازَها تَكَرَّسا

يعنـي علـم. ومنه يقال للعلـماء: الكراسي، لأنهم الـمعتـمد علـيهم، كما يقال: أوتاد الأرض، يعنـي بذلك أنهم العلـماء الذين تصلـح بهم الأرض؛ ومنه قول الشاعر:

يَحُفُّ بِهِمْ بِـيضُ الوُجُوهِ وَعُصْبَةٌكَرَاسِيُّ بـالأحْدَاثِ حِينَ تَنُوبُ

يعنـي بذلك علـماء بحوادث الأمور ونوازلها.

والعرب تسمي أصل كل شيء: الكِرْس، يقال منه: فلان كريـم الكِرْس: أي كريـم الأرض، قال العجاج:

قَدْ عَلِـمَ القُدُّوسُ مَوْلَـى القُدْسِ أنَّ أبـا العَبَّـاسِ أوْلَـى نَفْسِ بِـمَعْدن الـمُلْـكِ الكَرِيـمِ الكِـرْسِ

يعنـي بذلك: الكريـم الأصل، ويُروى:

فِـي مَعْـدِنِ العزّ الكَرِيـمِ الكِـرْسِ

(القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَلاَ يُؤَدّهِ حِفْظُهُمَا وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ }.

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {وَلاَ يُؤَدّهِ حِفْظُهُمَا } ولا يشقّ علـيه ولا يثقله، يقال منه: قد آدى هذا الأمر فهو يؤودنـي أَوْدا وإياداً، ويقال: ما آدك فهو لـي آئد، يعنـي بذلك: ما أثقلك فهو لـي مثقل.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: {وَلاَ * يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا } يقول: لا يثقل علـيه.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {وَلاَ يَؤُودُه حِفْظُهُمَا } قال: لا يثقل علـيه حفظهما.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {وَلاَ يَؤُودُه حِفْظُهُمَا } لا يثقل علـيه لا يجهده حفظهما.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن الـحسن وقتادة فـي قوله: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا } قال: لا يثقل علـيه شيء.

حدثنـي مـحمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا يوسف بن خالد السمتـي، قال: ثنا نافع بن مالك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس فـي قوله: {وَلاَ يُؤَدّهِ حِفْظُهُمَا } قال: لا يثقل علـيه حفظهما.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبـي زائدة، وحدثنا يحيـى بن أبـي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قالا جميعا: أخبرنا جويبر، عن الضحاك: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا } قال: لا يثقل علـيه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيـى بن واضح، عن عبـيد، عن الضحاك، مثله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعته ـ يعنـي خلادا ـ يقول: سمعت أبـا عبد الرحمن الـمدينـي يقول فـي هذه الآية: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا } قال: لا يكثر علـيه.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميـمون، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا } قال: لا يَكْرُثُهُ.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا } قال: لا يثقل علـيه.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع قوله: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا } يقول: لا يثقل علـيه حفظهما.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَلا يَؤُودُه حِفْظُهُمَا } قال: لا يعزّ علـيه حفظهما.

قال أبو جعفر: والهاء والـميـم والألف فـي قوله: {حِفْظُهُمَا } من ذكر السموات والأرض؛ فتأويـل الكلام: وسع كرسيه السموات والأرض، ولا يثقل علـيه حفظ السموات والأرض.

وأما تأويـل قوله: {وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ } فإنه يعنـي: والله العلـيّ. والعلِـيّ: الفعيـل من قولك علا يعلو علوًّا: إذا ارتفع، فهو عالٍ وعلـيّ، والعلـيّ: ذو العلوّ والارتفـاع علـى خـلقه بقدرته. وكذلك قوله: {ٱلْعَظِيمِ } ذو العظمة، الذي كل شيء دونه، فلا شيء أعظم منه. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: العظيـم الذي قد كمل فـي عظمته.

واختلف أهل البحث فـي معنى قوله: {وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ } فقال بعضهم: يعنـي بذلك؛ وهو العلـيّ عن النظير والأشبـاه. وأنكروا أن يكون معنى ذلك: وهو العلـيّ الـمكان، وقالوا: غير جائز أن يخـلو منه مكان، ولا معنى لوصفه بعلوّ الـمكان؛ لأن ذلك وصفه بأنه فـي مكان دون مكان.

وقال آخرون: معنى ذلك: وهو العلـيّ علـى خـلقه بـارتفـاع مكانه عن أماكن خـلقه، لأنه تعالـى ذكره فوق جميع خـلقه وخـلقه دونه، كما وصف به نفسه أنه علـى العرش، فهو عالٍ بذلك علـيهم.

وكذلك اختلفوا فـي معنى قوله: {ٱلْعَظِيمِ } فقال بعضهم: معنى العظيـم فـي هذا الـموضع: الـمعظم صرف الـمُفَعَّل إلـى فعيـل، كما قـيـل للـخمر الـمعتقة: خمر عتـيق، كما قال الشاعر:

وكأنَّ الـخَمْرَ العَتِـيقَ مِنَ الإسْــفَنْطِ مَـمْزُوجَةً بِـمَاءٍ زُلالِ

وإنـما هي معتقة. قالوا: فقوله «العظيـم» معناه: الـمعظم الذي يعظمه خـلقه ويهابونه ويتقونه. قالوا: وإما يحتـمل قول القائل: هو عظيـم أحد معنـيـين: أحدهما: ما وصفنا من أنه معظم؛ والآخر: أنه عظيـم فـي الـمساحة والوزن. قالوا: وفـي بطول القول بأن يكون معنى ذلك: أنه عظيـم فـي الـمساحة والوزن صحة القول بـما قلنا.

وقال آخرون: بل تأويـل قوله: {ٱلْعَظِيمِ } هو أن له عظمة هي له صفة. وقالوا: لا نصف عظمته بكيفـية، ولكنا نضيف ذلك إلـيه من جهة الإثبـات، وننفـي عنه أن يكون ذلك علـى معنى مشابهة العظم الـمعروف من العبـاد، لأن ذلك تشبـيه له بخـلقه، ولـيس كذلك. وأنكر هؤلاء ما قاله أهل الـمقالة التـي قدمنا ذكرها، وقالوا: لو كان معنى ذلك أنه معظم، لوجب أن يكون قد كان غير عظيـم قبل أن يخـلق الـخـلق، وأن يبطل معنى ذلك عند فناء الـخـلق، لأنه لا معظم له فـي هذه الأحوال.

وقال آخرون: بل قوله: إنه العظيـم وصف منه نفسه بـالعظم. وقالوا: كل ما دونه من خـلقه فبـمعنى الصغر لصغرهم عن عظمته.

لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ۝٢٥٦

اختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك، فقال بعضهم: نزلت هذه الآية فـي قوم من الأنصار، أو فـي رجل منهم كان لهم أولاد قد هوّدوهم أو نصروهم؛ فلـما جاء الله بـالإسلام أرادوا إكراههم علـيه، فنهاهم الله عن ذلك، حتـى يكونوا هم يختارون الدخول فـي الإسلام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن شعبة، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس قال: كانت الـمرأة تكون مِقْلاتاً، فتـجعل علـى نفسها إن عاش لها ولد أن تهوّده؛ فلـما أجلـيت بنو النضير كان فـيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءناٰ فأنزل الله تعالـى ذكره: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيّ }.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا سعيد، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جبـير، قال: كانت الـمرأة تكون مِقْلـى ولا يعيش لها ولد ـ قال شعبة: وإنـما هو مقلات ـ، فتـجعل علـيها إن بقـي لها ولد لتهوّدنه. قال: فلـما أجلـيت بنو النضير كان فـيهم منهم، فقالت الأنصار: كيف نصنع بأبنائنا؟ فنزلت هذه الآية: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيّ } قال: من شاء أن يقـيـم أقام، ومن شاء أن يذهب ذهب.

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن الـمفضل، قال: ثنا داود، وحدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن داود، عن عامر، قال: كانت الـمرأة من الأنصار تكون مقلاتاً لا يعيش لها ولد، فتنذر إن عاش ولدها أن تـجعله مع أهل الكتاب علـى دينهم. فجاء الإسلام وطوائف من أبناء الأنصار علـى دينهم، فقالوا: إنـما جعلناهم علـى دينهم، ونـحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا، وإذ جاء الله بـالإسلام فلنكرهنهمٰ فنزلت: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ } فكان فصل ما بـين من اختار الـيهودية والإسلام، فمن لـحق بهم اختار الـيهودية، ومن أقام اختار الإسلام. ولفظ الـحديث لـحميد.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا معتـمر بن سلـيـمان، قال: سمعت داود، عن عامر، بنـحو معناه، إلا أنه قال: فكان فصل ما بـينهم إجلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بنـي النضير، فلـحق بهم من كان يهودياً ولـم يسلـم منهم، وبقـي من أسلـم.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، عن عامر بنـحوه، إلا أنه قال: إجلاء النضير إلـى خيبر، فمن اختار الإسلام أقام، ومن كره لـحق بخيبر.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن أبـي إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد الـحرشي مولـى زيد بن ثابت عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس قوله: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيّ } قال: نزلت فـي رجل من الأنصار من بنـي سالـم بن عوف يقال له الـحصين؛ كان له ابنان نصرانـيان، وكان هو رجلاً مسلـماً، فقال للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: ألا أستكرههما فإنهما قد أبـيا إلا النصرانـية؟ فأنزل الله فـيه ذلك.

حدثنـي الـمثنى قال: ثنا حجاج بن الـمنهال، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبـي بشر، قال: سألت سعيد بن جبـير عن قوله: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيّ } قال: نزلت هذه فـي الأنصار. قال: قلت خاصة؟ قال: خاصة. قال: كانت الـمرأة فـي الـجاهلـية تنذر إن ولدت ولداً أن تـجعله فـي الـيهود تلتـمس بذلك طول بقائه. قال: فجاء الإسلام وفـيهم منهم؛ فلـما أجلـيت النضير، قالوا: يا رسول الله، أبناؤنا وإخواننا فـيهم، قال: فسكت عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالـى ذكره: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيّ } قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قَدْ خُيِّرَ أصْحَابُكُمْ، فإن اخْتارُوكُمْ فَهُمْ مِنْكُمْ، وَإنِ اخْتارُوهُمْ فَهُمْ مِنْهُمْقال: فأجلوهم معهم.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي قوله: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيّ } إلـى: {لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا } قال: نزلت فـي رجل من الأنصار يقال له أبو الـحصين: كان له ابنان، فقدم تـجار من الشام إلـى الـمدينة يحملون الزيت؛ فلـما بـاعوا وأرادوا أن يرجعوا أتاهم ابنا أبـي الـحصين، فدعوهما إلـى النصرانـية فتنصرا، فرجعا إلـى الشام معهم. فأتـى أبوهما إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن ابنـيّ تنصرا وخرجا، فأطلبهما؟ فقال:

لا إكْرَاهَ فِـي الدّينِ قَدْ تَبَـيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيّولـم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب. وقال:أبْعَدَهُما الله هما أوّل من كَفَرَ. فوجد أبو الـحصين فـي نفسه علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم حين لـم يبعث فـي طلبهما، فنزلت: { فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً }[النساء: 65] ثم إنه نسخ: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ } فأمر بقتال أهل الكتاب فـي سورة براءة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ } قال: كانت فـي الـيهود يهود أرضعوا رجالاً من الأوس، فلـما أمر النبـيّ صلى الله عليه وسلم بإجلائهم، قال أبناؤهم من الأوس: لنذهبنّ معهم، ولنديننّ بدينهمٰ فمنعهم أهلوهم، وأكرهوهم علـى الإسلام، ففـيهم نزلت هذه الآية.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد جميعاً، عن سفـيان، عن خصيف، عن مـجاهد: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ } قال: كان ناس من الأنصار مسترضعين فـي بنـي قريظة، فأرادوا أن يكرهوهم علـى الإسلام، فنزلت: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيّ }.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي الـحجاج، عن ابن جريج، قال: قال مـجاهد: كانت النضير يهودا فأرضعوا. ثم ذكر نـحو حديث مـحمد بن عمرو، عن أبـي عاصم. قال ابن جريج: وأخبرنـي عبد الكريـم، عن مـجاهد أنهم كانوا قد دان بدينهم أبناءُ الأوس، دانوا بدين النضير.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن داود بن أبـي هند، عن الشعبـي: أن الـمرأة من الأنصار كانت تنذر إن عاش ولدها لتـجعلنّه فـي أهل الكتاب فلـما جاء الإسلام قالت الأنصار: يا رسول الله ألا نُكره أولادنا الذين هم فـي يهود علـى الإسلام، فإنا إنـما جعلناهم فـيها ونـحن نرى أن الـيهودية أفضل الأديان؟ فلـما إذ جاء الله بـالإسلام، أفلا نكرههم علـى الإسلام؟ فأنزل الله تعالـى ذكره: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيّ }.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن داود، عن الشعبـي مثله، وزاد: قال: كان فصل ما بـين من اختار الـيهود منهم وبـين من اختار الإسلام، إجلاء بنـي النضير؛ فمن خرج مع بنـي النضير كان منهم، ومن تركهم اختار الإسلام.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ } إلـى قوله: {بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ } قال: هذا منسوخ.

حدثنـي سعيد بن الربـيع الرازي، قال: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، ووائل، عن الـحسن: أن أناسا من الأنصار كانوا مسترضَعين فـي بنـي النضير، فلـما أُجْلُوا، أراد أهلوهم أن يـلـحقوهم بدينهم، فنزلت: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ }.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يُكره أهلُ الكتاب علـى الدين إذا بذلوا الـجزية، ولكنهم يُقرّون علـى دينهم. وقالوا: الآية فـي خاصّ من الكفـار، ولـم ينسخ منها شيء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيّ } قال: أكره علـيه هذا الـحيّ من العرب، لأنهم كانوا أمة أمية، لـيس لهم كتاب يعرفونه، فلـم يقبل منهم غير الإسلام، ولا يكره علـيه أهل الكتاب إذا أقرّوا بـالـجزية أو بـالـخراج، ولـم يفتنوا عن دينهم، فـيخـلَّـى عنهم.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا سلـيـمان، قال: ثنا أبو هلال، قال: ثنا قتادة فـي قوله: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ } قال: هو هذا الـحيّ من العرب أكرهوا علـى الدين، لـم يقبل منهم إلا القتل أو الإسلام، وأهل الكتاب قبلت منهم الـجزية ولـم يقتلوا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الـحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو بن قـيس، عن جويبر، عن الضحاك فـي قوله: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ } قال: أُمِرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقاتل جزيرة العرب من أهل الأوثان، فلـم يقبل منهم إلا «لا إلٰه إلاّ الله»، أو السيف. ثم أُمِرَ فـيـمن سواهم بأن يقبل منهم الـجزية؛ فقال: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيّ }.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ } قال: كانت العرب لـيس لها دين، فأكرهوا علـى الدين بـالسيف، قال: ولا يكره الـيهود ولا النصارى والـمـجوس إذا أعطوا الـجزية.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيـينة، عن ابن أبـي نـجيح، قال: سمعت مـجاهداً يقول لغلام له نصرانـي: يا جرير أسلـمٰ ثم قال: هكذا كان يقال لهم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيّ } قال: وذلك لـما دخـل الناس فـي الإسلام، وأعطى أهل الكتاب الـجزية.

وقال آخرون: هذه الآية منسوخة، وإنـما نزلت قبل أن يفرض القتال. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي يعقوب بن عبد الرحمن الزهري قال: سألت زيد بن أسلـم عن قول الله تعالـى ذكره: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ } قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بـمكة عشر سنـين لا يُكره أحداً فـي الدين، فأبى الـمشركون إلا أن يقاتلوهم، فـاستأذن الله فـي قتالهم، فأذن له.

وأولـى هذه الأقوال بـالصواب قول من قال: نزلت هذه الآية فـي خاص من الناس، وقال: عنى بقوله تعالـى ذكره: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ } أهل الكتابـين والـمـجوس، وكل من جاء إقراره علـى دينه الـمخالف دين الـحق، وأخذ الـجزية منه. وأنكروا أن يكون شيء منها منسوخاً.

وإنـما قلنا هذا القول أولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب لـما قد دللنا علـيه فـي كتابنا كتاب «اللطيف من البـيان عن أصول الأحكام» من أن الناسخ غير كائن ناسخاً إلا ما نفـى حكم الـمنسوخ، فلـم يجز اجتـماعهما. فأما ما كان ظاهره العموم من الأمر والنهي وبـاطنه الـخصوص، فهو من الناسخ والـمنسوخ بـمعزل. وإذ كان ذلك كذلك، وكان غير مستـحيـل أن يقال: لا إكراه لأحد مـمن أخذت منه الـجزية فـي الدين، ولـم يكن فـي الآية دلـيـل علـى أن تأويـلها بخلاف ذلك، وكان الـمسلـمون جميعاً قد نقلوا عن نبـيهم صلى الله عليه وسلم أنه أكره علـى الإسلام قوماً، فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام، وحكم بقتلهم إن امتنعوا منه، وذلك كعبدة الأوثان من مشركي العرب، وكالـمرتدّ عن دينه دين الـحقّ إلـى الكفر ومن أشبههم، وأنه ترك إكراه آخرين علـى الإسلام بقبوله الـجزية منه، وإقراره علـى دينه البـاطل، وذلك كأهل الكتابـين، ومن أشبههم؛ كان بـيّناً بذلك أن معنى قوله: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ } إنـما هو لا إكراه فـي الدين لأحد مـمن حل قبول الـجزية منه بأدائه الـجزية، ورضاه بحكم الإسلام. ولا معنى لقول من زعم أن الآية منسوخة الـحكم بـالإذن بـالـمـحاربة.

فإن قال قائل: فما أنت قائل فـيـما روي عن ابن عبـاس وعمن رُوي عنه: من أنها نزلت فـي قوم من الأنصار أرادوا أن يكرهوا أولادهم علـى الإسلام؟ قلنا: ذلك غير مدفوعة صحته، ولكن الآية قد تنزل فـي خاصّ من الأمر، ثم يكون حكمها عاماً فـي كل ما جانس الـمعنى الذي أنزلت فـيه. فـالذين أنزلت فـيهم هذه الآية علـى ما ذكر ابن عبـاس وغيره، إنـما كانوا قوماً دانوا بدين أهل التوراة قبل ثبوت عقد الإسلام لهم، فنهى الله تعالـى ذكره عن إكراههم علـى الإسلام، وأنزل بـالنهي عن ذلك آية يعمّ حكمها كل من كان فـي مثل معناهم مـمن كان علـى دين من الأديان التـي يجوز أخذ الـجزية من أهلها، وإقرارهم علـيها علـى النـحو الذي قلنا فـي ذلك.

ومعنى قوله: {لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ } لا يكره أحد فـي دين الإسلام علـيه، وإنـما أدخـلت الألف واللام فـي الدين تعريفـاً للدين الذي عنى الله بقوله: لا إكراه فـيه، وأنه هو الإسلام. وقد يحتـمل أن يكون أدخـلتا عقـيبـاً من الهاء الـمنوية فـي الدين، فـيكون معنى الكلام حينئذ: وهو العلـيّ العظيـم لا إكراه فـي دينه، قد تبـين الرشد من الغيّ. وكأنّ هذا القول أشبه بتأويـل الآية عندي.

وأما قوله: {قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ } فإنه مصدر من قول القائل: رَشِدتُ فأنا أرْشَدُ رَشَداً ورُشْداً وَرَشاداً، وذلك إذا أصاب الـحقّ والصواب. وأما الغيّ، فإنه مصدر من قول القائل: قد غَوَى فلان فهو يَغْوَى غَيّا وغَوَايَةً. وبعض العرب يقول: غَوَى فلان يَغْوَى. والذي علـيه قراءة القراء:

{ مَا ضَلَّ صَـٰحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ }[النجم: 2] بـالفتـح، وهي أفصح اللغتـين، وذلك إذا عدا الـحقّ وتـجاوزه فضلّ.

فتأويـل الكلام إذاً: قد وضح الـحقّ من البـاطل، واستبـان لطالب الـحق والرشاد وجه مطلبه، فتـميز من الضلالة والغواية، فلا تكرهوا من أهل الكتابـين، ومن أبحت لكم أخذ الـجزية منه، علـى دينكم، دين الـحق؛ فإن من حاد عن الرشاد بعد استبـانته له، فإلـى ربه أمره، وهو ولـيّ عقوبته فـي معاده.

اختلف أهل التأويـل فـي معنى الطاغوت، فقال بعضهم: هو الشيطان. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن حسان بن فـائد العنسى قال: قال عمر بن الـخطاب: الطاغوت: الشيطان.

حدثنـي مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنـي ابن أبـي عديّ، عن شعبة، عن أبـي إسحاق، عن حسان بن فـائد، عن عمر، مثله.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا عبد الـملك، عمن حدثه، عن مـجاهد، قال: الطاغوت: الشيطان.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا زكريا، عن الشعبـي، قال: الطاغوت: الشيطان.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك فـي قوله: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ } قال: الشيطان.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، الطاغوت: الشيطان.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي قوله: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ } بـالشيطان.

وقال آخرون: الطاغوت: هو الساحر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا عبد الأعلـى قال: ثنا داود، عن أبـي العالـية، أنه قال: الطاغوت: الساحر. وقد خولف عبد الأعلـى فـي هذه الرواية، وأنا أذكر الـخلاف بعد.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا عوف، عن مـحمد، قال: الطاغوت: الساحر. وقال آخرون: بل الطاغوت: هو الكاهن. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا مـحمد بن جعفر، قال: حدثنا سعيد، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جبـير، قال: الطاغوت: الكاهن.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن رفـيع، قال: الطاغوت: الكاهن.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ } قال: كهان تنزل علـيها شياطين يـلقون علـى ألسنتهم وقلوبهم. أخبرنـي أبو الزبـير عن جابر بن عبد الله، أنه سمعه يقول: وسئل عن الطواغيت التـي كانوا يتـحاكمون إلـيها، فقال: كان فـي جهينة واحد، وفـي أسلـم واحد، وفـي كل حيّ واحد، وهي كهان ينزل علـيها الشيطان.

والصواب من القول عندي فـي الطاغوت: أنه كل ذي طغيان علـى الله فعبد من دونه، إما بقهر منه لـمن عبده، وإما بطاعة مـمن عبده له، إنساناً كان ذلك الـمعبود، أو شيطاناً، أو وثناً، أو صنـماً، أو كائناً ما كان من شيء. وأرى أن أصل الطاغوت: الطَّغَوُوت، من قول القائل: طغا فلان يطغو: إذا عدا قدره فتـجاوز حدّه، كالـجبروت من التـجبر، والخلبوت من الخَلْب، ونـحو ذلك من الأسماء التـي تأتـي علـى تقدير فعلوت بزيادة الواو والتاء. ثم نقلت لامه أعنـي لام الطغووت، فجعلت له عيناً، وحوّلت عينه فجعلت مكان لامه، كما قـيـل جذب وجبد وجابذ وجاذب وصاعقة وصاقعة، وما أشبه ذلك من الأسماء التـي علـى هذا الـمثال.

فتأويـل الكلام إذاً: فمن يجحد ربوبـية كل معبود من دون الله فـيكفر به؛ {وَيُؤْمِن بِٱللَّهِ } يقول: ويصدق بـالله أنه إلهه وربه ومعبوده، {فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ } يقول: فقد تـمسك بأوثق ما يتـمسك به من طلب الـخلاص لنفسه من عذاب الله وعقابه. كما:

حدثنـي أحمد بن سعيد بن يعقوب الكندي، قال: ثنا بقـية بن الولـيد، قال: ثنا ابن أبـي مريـم، عن حميد بن عقبة، عن أبـي الدرداء: أنه عاد مريضاً من جيرته فوجده فـي السَّوْق وهو يغرغر لا يفقهون ما يريد، فسألهم: يريد أن ينطق؟ قالوا: نعم يريد أن يقول: آمنت بـالله وكفرت بـالطاغوت. قال أبو الدرداء: وما علـمكم بذلك؟ قالوا: لـم يزل يرددها حتـى انكسر لسانه، فنـحن نعلـم أنه إنـما يريد أن ينطق بها. فقال أبو الدرداء: أفلـح صاحبكم، إن الله يقول: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }.

القول في تأويل قوله (فقد استمسك بالعروة الوثقى) والعروة في هذا المكان مثل للايمان الذي اعتصم به المؤمن فشبهه في تعلقه به وتمسكه به بالمتمسك بعروة الشيء الذي له عروة يتمسك بها إذا كان كل ذي عروة فإنما يتعلق من أراده بعروته وجعل تعالى ذكره الإيمان الذي تمسك به الكافر بالطاغوت المؤمن بالله، من أوثق عرى الأشياء بقوله {الوُثْقَى} والوثقى فعل من الوثاقة يقال في الذكر هو الأوثق وفي الانثى هي الوثقى كما يقال فلان الأفضل وفلانة الفضلى.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك.

حدثني محمد بن عمرو قال ثنا أبو عاصم عن عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله {بالعُرْوَةِ الوُثْقَى} قال الايمان.

حدثني المثنى قال حدثنا أبو حذيفة قال حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله.

حدثني موسى قال حدثنا عمرو قال ثنا أسباط عن السدى قال العروة الوثقى هو الإسلام.

حدثناأحمد بن إسحاق قال ثنا أبو أحمد قال ثنا سفيان عن أبي السوداء عن جعفر يعني ابن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير قوله {فقد استمسك بالعروة الوثقى} قال: لا إله إلا الله ثنا ابن بشار، قال ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي السوداء النهدي، عن سعيد بن جبير مثله.

حدثني المثنى، قال ثنا إسحاق قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك {فقد استمسك بالعروة الوثقى} مثله.

القول في تأويل قوله (لا انفصام لها) يعني تعالى ذكره بقوله {لا انفصام لها} لا انكسار لها، والهاء والألف في قوله لها عائدة على العروة.

ومعنى الكلام فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله، فقد اعتصم من طاعة الله بما لا يخشى مع اعتصامه خذلانه إياه، وإسلامه عند حاجته إليه في أهوال الآخرة كالتمسك بالوثيق من عرى الأشياء التي لا يخشى انكسار عراها، وأصل الفصم: الكسر، ومنه قول أعشى بني ثعلبة:

ومبسمها عن شَتيِتِ النبات غير أكسَّ ولا متفضم

. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك.

حدثني محمد بن عمرو قال ثنا أبو عاصم عن عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله {لا انفصام لها} قال: لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

حدثني المثنى قال: ثنا أبو حذيقة قال: ثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله.

حدثني موسى بن هارون قال: ثنا عمرو قال: ثنا أسباط عن السدى {لا انفصام لها} قال لا انقطاع لها.

القول في تأويل قوله (والله سميعٌ عليمٌ).

يعني تعالى ذكره والله سميع إيمان المؤمن بالله وحده، الكافر بالطاغوت عند اقراره بوحدانية الله وتبرئة من الأنداد والأوثان التي تعبد من دون الله، عليم بما عزم عليه من توحيد الله وإخلاص ربوبيته قلبه، وما انطوى عليه من البراءة من الآلهة والأصنام والطواغيت ضميره، وبغير ذلك مما أخفته نفس كل أحد من خلقه لا ينكتم عنه سرّ ولا يخفى عليه أمر حتى يجازى كلاً يوم القيامة بما نطق به لسانه وأضمرته نفسه إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً.

الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ