انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة البقرة

تفسير الطبريالآيات 31–35

تفسير سورة البقرة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة البقرة

الخلاصة من تفسير الطبري · 20 مقطعًا · 5:38:46

  1. 1 الآيات 26–43في هذه الصفحة 17:28

التفسير الصوتي لسورة البقرة كاملًا (20 مقطعًا)

وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِى بِأَسْمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٣١

وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ (*) قال أبو جعفر:

حدثنا مـحمد بن حميد، قال: حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبـي الـمغيرة، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس قال: بعث ربّ العزّة ملك الـموت، فأخذ من أديـم الأرض من عذبها ومالـحها، فخـلق منه آدم. ومن ثم سُمي آدم لأنه خـلق من أديـم الأرض.

وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبـيه، عن جده، عن علـيّ، قال: إن آدم خـلق من أديـم الأرض فـيه الطيب والصالـح والرديء، فكل ذلك أنت راء فـي ولده الصالـح والرديء.

وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا مسعر، عن أبـي حصين، عن سعيد بن جبـير، قال: خـلق آدم من أديـم الأرض فسمي آدم.

وحدثنا ابن الـمثنى، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا شعبة، عن أبـي حصين، عن سعيد بن جبـير قال: إنـما سمي آدم لأنه خـلق من أديـم الأرض.

وحدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسبـاط عن السدي فـي خبر ذكره، عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: إن ملك الـموت لـما بعث لـيأخذ من الأرض تربة آدم، أخذ من وجه الأرض وخـلط فلـم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبـيضاء وسوداء فلذلك خرج بنو آدم مختلفـين، ولذلك سمي آدم، لأنه أخذ من أديـم الأرض.

وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر يحقق ما قال من حكينا قوله فـي معنى آدم، وذلك ما:

حدثنـي به يعقوب بن إبراهيـم، قال: حدثنا ابن علـية، عن عوف، وحدثنا مـحمد بن بشار وعمر بن شبة، قالا: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا عوف، وحدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن أبـي عديّ ومـحمد بن جعفر وعبد الوهاب الثقـفـي قالوا: حدثنا عوف، وحدثنـي مـحمد ابن عمارة الأسدي، قال: حدثنا إسماعيـل بن أبـان، قال: حدثنا عنبسة، عن عوف الأعرابـي، عن قسامة بن زهير، عن أبـي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم


قَالُوا۟ سُبْحَٰنَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ۝٣٢

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ذكره عن ملائكته بـالأوبة إلـيه، وتسلـيـم علـم ما لـم يعلـموه له، وتبريهم من أن يعلـموا أو يعلـم أحد شيئاً إلا ما علـمه تعالـى ذكره.

وفـي هذه الآيات الثلاث العبرة لـمن اعتبر، والذكرى لـمن اذّكر، والبـيان لـمن كان له قلب أو ألقـى السمع وهو شهيد، عما أودع الله جل ثناؤه آي هذا القرآن من لطائف الـحكم التـي تعجز عن أوصافها الألسن. وذلك أن الله جل ثناؤه احتـجّ فـيها لنبـيه صلى الله عليه وسلم علـى من كان بـين ظهرانـيه من يهود بنـي إسرائيـل بـاطلاعه إياه من علوم الغيب التـي لـم يكن جل ثناؤه أطلع علـيها من خـلقه إلا خاصّاً، ولـم يكن مدركاً علـمه إلا بـالإنبـاء والإخبـار، لتتقرّر عندهم صحة نبوّته، ويعلـموا أن ما أتاهم به فمن عنده، ودلّ فـيها علـى أن كل مخبر خبراً عما قد كان أو عما هو كائن مـما لـم يكن ولـم يأته به خبر ولـم يوضع له علـى صحته برهان فمتقوّل ما يستوجب به من ربه العقوبة.

ألا ترى أن الله جل ذكره ردّ علـى ملائكته قـيـلهم:

{ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }[البقرة: 30] وعرّفهم أن قـيـل ذلك لـم يكن جائزاً لهم بـما عرّفهم من قصور علـمهم عند عرضه ما عرض علـيهم من أهل الأسماء، فقال: { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ }[البقرة: 31] فلـم يكن لهم مفزع إلا الإقرار بـالعجز والتبرّي إلـيه أن يعلـموا إلا ما علـمهم بقولهم: {قَالُواْ سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ} فكان فـي ذلك أوضح الدلالة وأبـين الـحجة علـى كذب مقالة كل من ادّعى شيئاً من علوم الغيب من الـحزاة والكهنة والقافة والـمنـجمة. وذكر بها الذين وصفنا أمرهم من أهل الكتاب سوالف نعمه علـى آبـائهم، وأياديه عند أسلافهم، عند إنابتهم إلـيه، وإقبـالهم إلـى طاعته مستعطفهم بذلك إلـى الرشاد، ومستعتبهم به إلـى النـجاة، وحذّرهم بـالإصرار والتـمادي فـي البغي والضلال، حلولَ العقاب بهم نظير ما أحلّ بعدوّه إبلـيس، إذ تـمادى فـي الغيّ والـخسار.

قال: وأما تأويـل قوله: {قَالُواْ سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ} فهو كما:

حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: قالوا: {سُبْحَٰنَكَ} تنزيهاً لله من أن يكون أحد يعلـم الغيب غيره، تبنا إلـيك، لا علـم لنا إلا ما علـمتنا: تبرّءوا منهم من علـم الغيب، إلا ما علـمتنا كما علـمت آدم. وسبحان مصدر لا تصرّف له، ومعناه: نسبحك، كأنهم قالوا: نسبحك تسبـيحاً، وننزّهك تنزيها، ونبرّئك من أن نعلـم شيئاً غير ما علـمتنا.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ}.

قال أبو جعفر: وتأويـل ذلك: أنك أنت يا ربنا العلـيـم من غير تعلـيـم بجميع ما قد كان وما هو كائن، والعالـم للغيوب دون جميع خـلقك. وذلك أنهم نفوا عن أنفسهم بقولهم: {لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ} أن يكون لهم علـم إلا ما علـمهم ربهم، وأثبتوا ما نفوا عن أنفسهم من ذلك لربهم بقولهم: {إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ} يعنون بذلك العالـم من غير تعلـيـم، إذ كان من سواك لا يعلـم شيئاً إلا بتعلـيـم غيره إياه. والـحكيـم: هو ذو الـحكمة. كما:

حدثنـي به الـمثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالـح، قال: حدثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، العلـيـم: الذي قد كمل فـي علـمه والـحكيـم: الذي قد كمل فـي حكمه.

وقد قـيـل: إن معنى الـحكيـم: الـحاكم، كما أن العلـيـم بـمعنى العالـم، والـخبـير بـمعنى الـخابر.

قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ۝٣٣

قال أبو جعفر: إن الله جل ثناؤه عرّف ملائكته الذين سألوه أن يجعلهم الـخـلفـاء فـي الأرض ووصفوا أنفسهم بطاعته والـخضوع لأمره دون غيرهم الذين يفسدون فـيها ويسفكون الدماء، أنهم من الـجهل بـمواقع تدبـيره ومـحل قضائه، قبل إطلاعه إياهم علـيه، علـى نـحو جهلهم بأسماء الذين عرضهم علـيهم، إذْ كان ذلك مـما لـم يعلـمهم فـيعلـموه، وأنهم وغيرهم من العبـاد لا يعلـمون من العلـم إلا ما علـمهم إياه ربهم، وأنه يخصّ بـما شاء من العلـم من شاء من الـخـلق ويـمنعه منهم من شاء كما علـم آدم أسماء ما عرض علـى الـملائكة ومنعهم علـمها إلا بعد تعلـيـمه إياهم.

فأما تأويـل قوله: {قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ} يقول: أخبر الـملائكة. والهاء والـميـم فـي قوله: {أَنبِئْهُمْ}عائدتان علـى الـملائكة، وقوله: {بِأَسْمَآئِهِمْ} يعنـي بأسماء الذين عرضهم علـى الـملائكة. والهاء والـميـم اللتان فـي «أسمائهم» كناية عن ذكر هؤلاء التـي فـي قوله:

{ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ }[البقرة: 31] {فلـما أنبـاهم} يقول: فلـما أخبر آدم الـملائكة بأسماء الذين عرضهم علـيهم، فلـم يعرفوا أسماءهم، وأيقنوا خطأ قـيـلهم: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ }[البقرة: 30] وأنهم قد هفوا فـي ذلك وقالوا: ما لا يعلـمون كيفـية وقوع قضاء ربهم فـي ذلك، لو وقع علـى ما نطقوا به، قال لهم ربهم: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} والغيب: هو ما غاب عن أبصارهم فلـم يعاينوه توبـيخاً من الله جل ثناؤه لهم بذلك علـى ما سلف من قـيـلهم وفرط منهم من خطأ مسألتهم، كما:

حدثنا به مـحمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك عن ابن عبـاس: {قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ} يقول: أخبرهم بأسمائهم، {فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ} أيها الـملائكة خاصة {إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} ولا يعلـمه غيري.

وحدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قصة الـملائكة وآدم، فقال الله للـملائكة: كما لـم تعلـموا هذه الأسماء فلـيس لكم علـم، إنـما أردت أن أجعلهم لـيفسدوا فـيها، هذا عندي قد علـمته فكذلك أخفـيت عنكم أنـي أجعل فـيها من يعصينـي ومن يطيعنـي. قال: وسبق من الله:

{ لأمْلأَنَّ جَهَنَّـمَ مِنَ الـجِنَّةِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ } قال: ولـم تعلـم الـملائكة ذلك ولـم يدروه. قال: فلـما رأوا ما أعطى الله آدم من العلـم أقرّوا لآدم بـالفضل.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}.

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فروى عن ابن عبـاس فـي ذلك ما:

حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} يقول: ما تظهرون {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} يقول: أعلـم السرّ كما أعلـم العلانـية. يعنـي ما كتـم إبلـيس فـي نفسه من الكبر والاغترار.

وحدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي فـي خبر ذكره، عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} قال قولهم:

{ أتَـجْعَلُ فـيها مَنْ يُفْسِدُ فـيها }فهذا الذي أبدوا، {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} يعنـي ما أسرّ إبلـيس فـي نفسه من الكبر.

وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبـيه، عن سعيد بن جبـير قوله: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} قال: ما أسرّ إبلـيس فـي نفسه الكبر.

وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفـيان فـي قوله: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} قال: ما أسرّ إبلـيس فـي نفسه من الكبر أن لا يسجد لآدم.

وحدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال: أخبرنا الـحجاج الأنـماطي، قال: حدثنا مهدي بن ميـمون، قال: سمعت الـحسن بن دينار، قال للـحسن ونـحن جلوس عنده فـي منزله: يا أبـا سعيد أرأيت قول الله للـملائكة: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} ما الذي كتـمت الـملائكة؟ فقال الـحسن: إن الله لـما خـلق آدم رأت الـملائكة خـلقاً عجيبـاً، فكأنهم دخـلهم من ذلك شيء، فأقبل بعضهم إلـى بعض، وأسرّوا ذلك بـينهم، فقالوا: وما يهمكم من هذا الـمخـلوق إن الله لـم يخـلق خـلقاً إلا كنا أكرم علـيه منه.

وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} قال: أسرّوا بـينهم فقالوا: يخـلق الله ما يشاء أن يخـلق، فلن يخـلق خـلقاً إلا ونـحن أكرم علـيه منه.

وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} فكان الذي أبدوا حين قالوا:

{ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا }[البقرة: 30] وكان الذي كتـموا بـينهم قولهم: لن يخـلق ربنا خـلقاً إلا كنا نـحن أعلـم منه وأكرم. فعرفوا أن الله فضل علـيهم آدم فـي العلـم والكرم.

قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية ما قاله ابن عبـاس، وهو أن معنى قوله: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} وأعلـم مع علـمي غيب السموات والأرض ما تظهرون بألسنتكم {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} وما كنتـم تـخفونه فـي أنفسكم، فلا يخفـى علـيّ شيء سواء عندي سرائركم وعلانـيتكم. والذي أظهروه بألسنتهم ما أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوه، وهو قولهم:

{ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ }[البقرة: 30] والذي كانوا يكتـمونه ما كان منطوياً علـيه إبلـيس من الـخلاف علـى الله فـي أمره والتكبر عن طاعته لأنه لا خلاف بـين جميع أهل التأويـل أن تأويـل ذلك غير خارج من أحد الوجهين اللذين وصفت، وهو ما قلنا. والآخر ما ذكرنا من قول الـحسن وقتادة.

ومن قال: إن معنى ذلك كتـمان الـملائكة بـينهم لن يخـلق الله خـلقاً إلا كنا أكرم علـيه منه فإذْ كان لا قول فـي تأويـل ذلك إلا أحد القولـين اللذين وصفت ثم كان أحدهما غير موجودة علـى صحته الدلالة من الوجه الذي يجب التسلـيـم له صحّ الوجه الآخر.

فـالذي حكي عن الـحسن وقتادة ومن قال بقولهما فـي تأويـل ذلك غير موجودة الدلالة علـى صحته من الكتاب ولا من خبر يجب به حجة. والذي قاله ابن عبـاس يدلّ علـى صحته خبر الله جل ثناؤه عن إبلـيس وعصيانه إياه إذ دعاه إلـى السجود لآدم، فأبـى واستكبر، وإظهاره لسائر الـملائكة من معصيته وكبره ما كان له كاتـماً قبل ذلك.

فإن ظنّ ظانّ أن الـخبر عن كتـمان الـملائكة ما كانوا يكتـمونه لـما كان خارجاً مخرج الـخبر عن الـجميع كان غير جائز أن يكون ما رُوي فـي تأويـل ذلك عن ابن عبـاس ومن قال بقوله من أن ذلك خبر عن كتـمان إبلـيس الكبر والـمعصية صحيحاً، فقد ظنّ غير الصواب وذلك أن من شأن العرب إذا أخبرت خبراً عن بعض جماعة بغير تسمية شخص بعينه أن تـخرج الـخبر عنه مخرج الـخبر عن جميعهم، وذلك كقولهم: قتل الـجيش وهزموا، وإنـما قتل الواحد أو البعض منهم، وهزم الواحد أو البعض، فتـخرج الـخبر عن الـمهزوم منه والـمقتول مخرج الـخبر عن جميعهم كما قال جل ثناؤه:

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ }[الحجرات: 4] ذكر أن الذي نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية فـيه، كان رجلاً من جماعة بنـي تـميـم، كانوا قدموا علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخرج الـخبر عنه مخرج الـخبر عن الـجماعة، فكذلك قوله: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} أخرج الـخبر مخرج الـخبر عن الـجميع، والـمراد به الواحد منهم.

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٣٤

قال أبو جعفر: أما قوله: {وَإِذْ قُلْنَا} فمعطوف علـى قوله:

{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ }[البقرة: 30] كأنه قال جل ذكره للـيهود الذين كانوا بـين ظهرانـي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من بنـي إسرائيـل معدّدا علـيهم نعمه، ومذكرهم آلاءه علـى نـحو الذي وصفنا فـيـما مضى قبل: اذكروا فعلـي بكم إذ أنعمت علـيكم، فخـلقت لكم ما فـي الأرض جميعاً، وإذ قلت للـملائكة إنـي جاعل فـي الأرض خـلـيفة، فكرّمت أبـاكم آدم بـما آتـيته من علـمي وفضلـي وكرامتـي، وإذ أسجدت له ملائكتـي فسجدوا له. ثم استثنى من جميعهم إبلـيس، فدل بـاستثنائه إياه منهم علـى أنه منهم، وأنه مـمن قد أُمِرَ بـالسجود معهم، كما قال جل ثناؤه: { إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ }[الأعراف: 11-12] فأخبر جل ثناؤه أنه قد أمر إبلـيس فـيـمن أمره من الـملائكة بـالسجود لآدم. ثم استثناءه جل ثناؤه مـما أخبر عنهم أنهم فعلوه من السجود لآدم، فأخرجه من الصفة التـي وصفهم بها من الطاعة لأمره ونَفَـى عنه ما أثبته لـملائكته من السجود لعبده آدم.

ثم اختلف أهل التأويـل فـيه هل هو من الـملائكة أم هو من غيرهم؟ فقال بعضهم بـما:

حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبـي روق عن الضحاك، عن ابن عبـاس، قال: كان إبلـيس من حيّ من أحياء الـملائكة، يقال لهم «الـجنّ»، خـلقوا من نار السموم من بـين الـملائكة. قال: فكان اسمه الـحارث. قال: وكان خازنا من خزان الـجنة. قال: وخـلقت الـملائكة من نور غير هذا الـحيّ. قال: وخـلقت الـجنّ الذين ذكروا فـي القرآن من مارج من نار، وهو لسان النار الذي يكون فـي طرفها إذا التهبت.

وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن خلاد، عن عطاء، عن طاوس، عن ابن عبـاس، قال: كان إبلـيس قبل أن يركب الـمعصية من الـملائكة اسمه عزازيـل، وكان من سكان الأرض وكان من أشدّ الـملائكة اجتهاداً وأكثرهم علـماً، فذلك دعاه إلـى الكبر، وكان من حيّ يسمون جنًّا.

وحدثنا به ابن حميد مرة أخرى، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن خلاد، عن عطاء، عن طاوس، أو مـجاهد أبـي الـحجاج، عن ابن عبـاس وغيره بنـحوه، إلا أنه قال: كان ملكاً من الـملائكة اسمه عزازيـل، وكان من سكان الأرض وعمّارها، وكان سكان الأرض فـيهم يسمون الـجنّ من بـين الـملائكة.

وحدثنـي موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: جعل إبلـيس علـى ملك سماء الدنـيا، وكان من قبـيـلة من الـملائكة يقال لهم الـجنّ، وإنـما سموا الـجن لأنهم خزّان الـجنة، وكان إبلـيس مع ملكه خازناً.

وحدثنا القاسم بن الـحسن، قال: حدثنا حسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: كان إبلـيس من أشراف الـملائكة وأكرمهم قبـيـلة، وكان خازناً علـى الـجنان، وكان له سلطان سماء الدنـيا، وكان له سلطان الأرض. قال: قال ابن عبـاس: وقوله:

{ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ }[الكهف: 50] إنـما يسمى بـالـجنان أنه كان خازناً علـيها، كما يقال للرجل: مكي، ومدنـي، وكوفـي، وبصري. قال ابن جريج: وقال آخرون: هم سبط من الـملائكة قبـيـلة، فكان اسم قبـيـلته الـجن.

وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن صالـح مولـى التوأمة وشريك بن أبـي نـمر أحدهما أو كلاهما، عن ابن عبـاس، قال: إن من الـملائكة قبـيـلة من الـجن، وكان إبلـيس منها، وكان يسوس ما بـين السماء والأرض.

وحدثت عن الـحسن بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ الفضل بن خالد، قال: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم، يقول فـي قوله:

{ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ }[الكهف: 50] قال: كان ابن عبـاس يقول: إن إبلـيس كان من أشرف الـملائكة وأكرمهم قبـيـلة، ثم ذكر مثل حديث ابن جريج الأول سواء.

وحدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: حدثنـي شيبـان، قال: حدثنا سلام بن مسكين، عن قتادة، عن سعيد بن الـمسيب، قال: كان إبْلِـيس رئيس ملائكة سماء الدنـيا.

وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:

{ وَإذْ قُلْنا للْـمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إلاَّ إبْلِـيسَ كَانَ مِنَ الـجِنّ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ }[الكهف: 50] كان من قبـيـل من الـملائكة يقال لهم الـجن. وكان ابن عبـاس يقول: لو لـم يكن من الـملائكة لـم يؤمر بـالسجود، وكان علـى خزانة سماء الدنـيا. قال: وكان قتادة يقول: جنّ عن طاعة ربه.

وحدثنا الـحسين بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله:

{ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ }[الكهف: 50] قال: كان من قبـيـل من الـملائكة يقال لهم الـجنّ

وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، قال: حدثنا مـحمد بن إسحاق، قال: أما العرب فـيقولون: ما الـجنّ إلا كلّ من اجتنّ فلـم يرى. وأما قوله:

{ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ }[الكهف: 50] أي كان من الـملائكة، وذلك أن الـملائكة اجتنّوا فلـم يروا، وقد قال الله جل ثناؤه: { وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ }[الصافات: 153] وذلك لقول قريش: إن الـملائكة بنات الله. فـيقول الله: إن تكن الـملائكة بناتـي فإبلـيس منها، وقد جعلوا بـينـي وبـين إبلـيس وذرّيته نسبـا. قال: وقد قال الأعشى، أعشى بنـي قـيس بن ثعلبة البكري، وهو يذكر سلـيـمان بن داود وما أعطاه الله:

وَلَوْ كانَ شَيْء خالِدا أوْ مُعَمِّراً لَكانَ سُلَـيْـمَانُ البَرِيَّ مِنَ الدَّهْرِ بَرَاهُ إلهي واصْطَفَـاهُ عبـادَهُ وَمَلَّكَهُ مَا بَـيْنَ ثُرْيَا إلـى مِصْرِ وَسَخَّرَ مِنْ جِنّ الـمَلائِكِ تِسْعَةً قِـياماً لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلا أجْرِ

قال: فأبت العرب فـي لغتها إلا أن «الـجنّ» كل ما اجتنّ. يقول: ما سمي الله الـجن إلا أنهم اجتنوا فلـم يُرَوْا، وما سمي بنـي آدم الإنس إلا أنهم ظهروا فلـم يجتنُّوا، فما ظهر فهو إنس، وما اجتنّ فلـم يُرَ فهو جنّ. وقال آخرون بـما:

حدثنا به مـحمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبـي عديّ، عن عوف، عن الـحسن، قال: ما كان إبلـيس من الـملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الـجن كما أن آدم أصل الإنس.

وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الـحسن يقول فـي قوله:

{ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ }[الكهف: 50] إلـجاءٌ إلـى نسبه، فقال الله: { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي }[الكهف: 50] وهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم.

وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا أبو سعيد الـيحمدي، حدثنا إسماعيـل بن إبراهيـم، قال: حدثنا سوار بن الـجعد الـيحمدي، عن شهر بن حوشب قوله:

{ مِنَ ٱلْجِنِّ }[الكهف: 50] قال: كان إبلـيس من الـجنّ الذين طردتهم الـملائكة، فأسره بعض الـملائكة فذهب به إلـى السماء.

وحدثنـي علـيّ بن الـحسين، قال: حدثنـي أبو نصر أحمد بن مـحمد الـخلال، قال: حدثنـي سنـيد بن داود، قال: حدثنا هشيـم، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، عن موسى بن نـمير، وعثمان بن سعيد بن كامل، عن سعد بن مسعود، قال: كانت الـملائكة تقاتل الـجنّ، فسُبـي إبلـيس وكان صغيراً، فكان مع الـملائكة فتعبّد معها. فلـما أمروا بـالسجود لآدم سجدوا، فأبى إبلـيس فلذلك قال الله:

{ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ }

[الكهف: 50] وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة بن الفضل، قال: حدثنا الـمبـارك بن مـجاهد أبو الأزهر، عن شريك ابن عبدالله بن أبـي نـمر، عن صالـح مولـى التوأمة، عن ابن عبـاس، قال: إن من الـملائكة قبـيلاً يقال لهم الـجنّ، فكان إبلـيس منهم، وكان إبلـيس يسوس ما بـين السماء والأرض فعصى، فمسخه الله شيطاناً رجيـماً.

قال: وحدثنا يونس، عن ابن وهب، قال: قال ابن زيد: إبلـيس أبو الـجنّ، كما آدم أبو الإنس.

وعلة من قال هذه الـمقالة، أن الله جل ثناؤه أخبر فـي كتابه أنه خـلق إبلـيس من نار السموم ومن مارج من نار، ولـم يخبر عن الـملائكة أنه خـلقها من شيء من ذلك. وأن الله جل ثناؤه أخبر أنه من الـجن. فقالوا: فغير جائز أن ينسب إلـى غير ما نسبه الله إلـيه. قالوا: ولإبلـيس نسل وذرّية، والـملائكة لا تتناسل ولا تتوالد.

حدثنا مـحمد بن سنان القزاز، قال: حدثنا أبو عاصم، عن شريك، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: إن الله خـلق خـلقا، فقال: اسجدوا لآدم فقالوا: لا نفعل. فبعث الله علـيهم ناراً تـحرقهم. ثم خـلق خـلقاً آخر، فقال: إنـي خالق بشراً من طين، اسجدوا لآدم فأبوا، فبعث الله علـيهم ناراً فأحرقتهم. قال: ثم خـلق هؤلاء، فقال: اسجدوا لآدم فقالوا: نعم. وكان إبلـيس من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم.

قال أبو جعفر: وهذه علل تنبىء عن ضعف معرفة أهلها. وذلك أنه غير مستنكر أن يكون الله جل ثناؤه خـلق أصناف ملائكته من أصناف من خـلقه شتـى، فخـلق بعضاً من نور، وبعضاً من نار، وبعضاً مـما شاء من غير ذلك. ولـيس فـيما نزل الله جل ثناؤه الـخبر عما خـلق منه ملائكته وإخبـاره عما خـلق منه إبلـيس ما يوجب أن يكون إبلـيس خارجاً عن معناهم، إذ كان جائزاً أن يكون خـلق صنفـاً من ملائكته من نار كان منهم إبلـيس، وأن يكون أفرد إبلـيس بأن خـلقه من نار السموم دون سائر ملائكته. وكذلك غير مخرجه أن يكون كان من الـملائكة بأن كان له نسل وذرية لـما ركب فـيه من الشهوة واللذّة التـي نزعت من سائر الـملائكة لـما أراد الله به من الـمعصية.

وأما خبر الله عن أنه من الـجن، فغير مدفوع أن يسمى ما اجتنّ من الأشياء عن الأبصار كلها جِنّاً، كما قد ذكرنا قبلُ فـي شعر الأعشى، فـيكون إبلـيس والـملائكة منهم لاجتنانهم عن أبصار بنـي آدم.

القول فـي معنى إبلـيس.

قال أبو جعفر: وإبلـيس «إفعيـل» من الإبلاس: وهو الإياس من الـخير والندم والـحزن. كما:

حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس، قال: إبلـيس أبلسه الله من الـخير كله وجعله شيطانا رجيـما عقوبة لـمعصيته.

وحدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط عن السدي، قال: كان اسم إبلـيس الـحارث، وإنـما سمي إبلـيس حين أبلس فغير.

كما قال الله جل ثناؤه:

{ فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ }[الأنعام: 44] يعنـي به أنهم آيسون من الـخير، نادمون حزنا، كما قال العجاج:

يا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْما مُكْرَسَا قالَ نَعَمْ أعْرِفُهُ وأبْلَسا

وقال رؤبة:

وَحَضَرَتْ يَوْمَ الـخَمِيسِ الأخْماس وَفِـي الوُجُوهِ صُفْرَةٌ وَإبْلاسْ

يعنـي به اكتئابـاً وكسوفـاً.

فإن قال قائل: فإن كان إبلـيس كما قلت «إفعيـل» من الإبلاس، فهلاَّ صرف وأُجري؟ قـيـل: ترك إجراؤه استثقالاً إذ كان اسماً لا نظير له من أسماء العرب، فشبهته العرب إذ كان كذلك بأسماء العجم التـي لا تـجري، وقد قالوا: مررت بإسحاق، فلـم يجروه، وهو من أسحقه الله إسحاقاً، إذ كان وقع مبتدأ اسما لغير العرب ثم تسمت به العرب فجرى مـجراه، وهو من أسماء العجم فـي الإعراب، فلـم يصرف. وكذلك أيوب إنـما هو فـيعول من آب يئوب.

وتأويـل قوله: {أَبَىٰ} يعنـي جل ثناؤه بذلك إبلـيس أنه امتنع من السجود لآدم فلـم يسجد له. {وَٱسْتَكْبَرَ} يعنـي بذلك أنه تعظم وتكبر عن طاعة الله فـي السجود لآدم. وهذا وإن كان من الله جل ثناؤه خبراً عن إبلـيس، فإنه تقريع لضربـائه من خـلق الله الذين يتكبرون عن الـخضوع لأمر الله والانقـياد لطاعته فـيـما أمرهم به وفـيـما نهاهم عنه، والتسلـيـم له فـيـما أوجب لبعضهم علـى بعض من الـحقّ. وكان مـمن تكبر عن الـخضوع لأمر الله والتذلل لطاعته والتسلـيـم لقضائه فـيـما ألزمهم من حقوق غيرهم الـيهودُ الذين كانوا بـين ظهرانـي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحبـارهم الذين كانوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وصفته عارفـين وبأنه لله رسول عالـمين، ثم استكبروا مع علـمهم بذلك عن الإقرار بنبوّته والإذعان لطاعته، بغياً منهم له وحسداً، فقرّعهم الله بخبره عن إبلـيس الذي فعل فـي استكبـاره عن السجود لآدم حسداً له وبغياً نظير فعلهم فـي التكبر عن الإذعان لـمـحمد نبـي الله صلى الله عليه وسلم ونبوّته، إذ جاءهم بـالـحقّ من عند ربهم حسداً وبغياً. ثم وصف إبلـيس بـمثل الذي وصف به الذين ضربه لهم مثلاً فـي الاستكبـار والـحسد والاستنكاف عن الـخضوع لـمن أمره الله بـالـخضوع له، فقال جل ثناؤه: {وَكَانَ} يعنـي إبلـيس {مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ} من الـجاحدين نعم الله علـيه وأياديه عنده بخلافه علـيه فـيـما أمره به من السجود لآدم، كما كفرت الـيهود نعم ربها التـي آتاها وآبـاءها قبل: من إطعام الله أسلافهم الـمنّ والسلوى، وإظلال الغمام علـيهم وما لا يحصى من نعمه التـي كانت لهم، خصوصاً ما خصّ الذين أدركوا مـحمداً صلى الله عليه وسلم بإدراكهم إياه ومشاهدتهم حجة الله علـيهم فجحدت نبوّته بعد علـمهم به، ومعرفتهم بنبوّته حسداً وبغياً. فنسبه الله جل ثناؤه إلـى الكافرين، فجعله من عدادهم فـي الدين والـملة، وإن خالفهم فـي الـجنس والنسبة، كما جعل أهل النفـاق بعضهم من بعض لاجتـماعهم علـى النفـاق، وإن اختلفت أنسابهم وأجناسهم، فقال:

{ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ }[التوبة: 67] يعنـي بذلك أن بعضهم من بعض فـي النفـاق والضلال، فكذلك قوله فـي إبلـيس: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ} كان منهم فـي الكفر بـالله ومخالفته أمره وإن كان مخالفـا جنسه أجناسهم ونسبه نسبهم. ومعنى قوله: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ} أنه كان حين أبى عن السجود من الكافرين حينئذ.

وقد رُوي عن الربـيع بن أنس، عن أبـي العالـية أنه كان يقول فـي تأويـل قوله: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ} فـي هذا الـموضع وكان من العاصين.

حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال: حدثنا آدم العسقلانـي، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية فـي قوله: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ} يعنـي العاصين.

وحدثت عن عمار بن الـحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بـمثله.

وذلك شبـيه بـمعنى قولنا فـيه. وكان سجود الـملائكة لآدم تكرمة لآدم وطاعة لله، لا عبـادة لآدم. كما:

حدثنا به بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} فكانت الطاعة لله، والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن أسجد له ملائكته.

وَقُلْنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٣٥

قال أبو جعفر: وفـي هذه الآية دلالة واضحة علـى صحة قول من قال: إن إبلـيس أخرج من الـجنة بعد الاستكبـار عن السجود لآدم، وأسكنها آدم قبل أن يهبط إبلـيس إلـى الأرض ألا تسمعون الله جل ثناؤه يقول: {وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ}. فقد تبـين أن إبلـيس إنـما أزلّهما عن طاعة الله، بعد أن لُعن وأظهر التكبر لأن سجود الـملائكة لآدم كان بعد أن نفخ فـيه الروح، وحينئذٍ كان امتناع إبلـيس من السجود له، وعند الامتناع من ذلك حلت علـيه اللعنة. كما:

حدثنـي به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي فـي خبر ذكره، عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح عن ابن عبـاس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: أن عدوّ الله إبلـيس أقسم بعزّة الله لـيغوينّ آدم وذريته وزوجه، إلا عبـاده الـمخـلصين منهم، بعد أن لعنه الله، وبعد أن أخرج من الـجنة، وقبل أن يهبط إلـى الأرض، وعلّـم الله آدم الأسماء كلها.

وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: لـما فرغ الله من إبلـيس ومعاتبته، وأبى إلا الـمعصية، وأوقع علـيه اللعنة، ثم أخرجه من الـجنة أقبل علـى آدم وقد علّـمه الأسماء كلها، فقال:

{ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ }[البقرة: 33] إلـى قوله: { إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ }

[البقرة: 32] ثم اختلف أهل التأويـل فـي الـحال التـي خـلقت لآدم زوجته والوقت الذي جعلت له سكناً. فقال ابن عبـاس بـما:

حدثنـي به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح عن ابن عبـاس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: فأخرج إبلـيس من الـجنة حين لعن، وأسكن آدم الـجنة، فكان يـمشي فـيها وَحْشا لـيس له زوج يسكن إلـيها. فنام نومة فـاستـيقظ، وإذا عند رأسه امرأة قاعدة خـلقها الله من ضلعه، فسألها: من أنت؟ فقالت: امرأة، قال: ولـم خـلقت؟ قالت: تسكن إلـيّ. قالت له الـملائكة ينظرون ما بلغ علـمه: ما اسمها يا آدم؟ قال: حوّاء، قالوا: ولـم سميت حوّاء؟ قال: لأنها خُـلقت من شيء حيّ. فقال الله له: {يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا}. فهذا الـخبر ينبىء عن أن حوّاء خـلقت بعد أن سكن آدم الـجنة فجُعلت له سكناً.

وقال آخرون: بل خـلقت قبل أن يسكن آدم الـجنة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة عن ابن إسحاق، قال: لـما فرغ الله من معاتبة إبلـيس أقبل علـى آدم وقد علـمه الأسماء كلها، فقال:

{ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ }[البقرة: 33] إلـى قوله: { إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ }[البقرة: 32] قال: ثم ألقـى السِّنة علـى آدم فـيـما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلـم، عن عبد الله بن عبـاس وغيره ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر ولأم مكانه لـحماً وآدم نائم لـم يهبّ من نومته حتـى خـلق الله من ضلعه تلك زوجته حوّاء، فسوّاها امرأة لـيسكن إلـيها. فلـما كشف عنه السنة وهبّ من نومته رآها إلـى جنبه، فقال فـيـما يزعمون والله أعلـم: لـحمي ودمي وزوجتـي. فسكن إلـيها. فلـما زوّجه الله تبـارك وتعالـى وجعل له سكناً من نفسه، قال له، فتلا: {يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ}.

قال أبو جعفر: ويقال لامرأة الرجل زوجه وزوجته، والزوجة بـالهاء أكثر فـي كلام العرب منها بغير الهاء، والزوج بغير الهاء يقال إنه لغة لأزد شنوءة. فأما الزوج الذي لا اختلاف فـيه بـين العرب فهو زوج الـمرأة.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا}.

قال أبو جعفر: أما الرغد، فإنه الواسع من العيش، الهنـيء الذي لا يُعَنِّـي صاحبه، يقال: أرغد فلان: إذا أصاب واسعا من العيش الهنـيء، كما قال امرؤ القـيس بن حجر:

بَـيْنَـمَاالـمَرْء تَرَاهُ ناعِماً يَأمَنُ الأحْدَاثَ فِـي عَيْش رَغَدْ

وحدثنـي به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي فـي خبر ذكره، عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح عن ابن عبـاس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً} قال: الرغد: الهنـيء.

وحدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {رَغَداً} قال: لا حساب علـيهم.

وحدثنا الـمثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بزة، عن مـجاهد: وكُلا مِنْهَا رَغَداً أي لا حساب علـيهم.

وحدثت عن الـمنـجاب بن الـحارث، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} قال: الرغد: سعة الـمعيشة.

فمعنى الآية: وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الـجنة، وكلا من الـجنة رزقاً واسعاً هنـيئاً من العيش حيث شئتـما. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد عن قتادة قوله: {يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} ثم إن البلاء الذي كتب علـى الـخـلق كتب علـى آدم كما ابتُلـي الـخـلق قبله أن الله جل ثناؤه أحلّ له ما فـي الـجنة أن يأكل منها رغداً حيث شاء غير شجرة واحدة نُهي عنها. وقدم إلـيه فـيها، فما زال به البلاء حتـى وقع بـالذي نُهي عنه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ}.

قال أبو جعفر: والشجر فـي كلام العرب: كل ما قام علـى ساق، ومنه قول الله جل ثناؤه:

{ وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ }[الرحمن: 6] يعنـي بـالنـجم: ما نـجم من الأرض من نبت. وبـالشجر: ما استقلّ علـى ساق.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي عين الشجرة التـي نُهي عن أكل ثمرها آدم، فقال بعضهم هي السنبلة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن إسماعيـل الأحمسي. قال: حدثنا عبد الـحميد الـحمانـي، عن النضر، عن عكرمة، عن ابن عبـاس قال: الشجرة التـي نُهي عن أكل ثمرها آدمُ هي السنبلة.

وحدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، حدثنا هشيـم، وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمران بن عتـيبة جميعا، عن حصين، عن أبـي مالك فـي قوله: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} قال: هي السنبلة.

وحدثنا مـحمد بن بشار، قال: حدثنا ابن مهدي، وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري، قالا جميعاً: حدثنا سفـيان عن حصين عن أبـي مالك، مثله.

وحدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبـي عن عطية فـي قوله: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} قال: السنبلة.

وحدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد عن سعيد، عن قتادة قال: الشجرة التـي نُهي عنها آدم هي السنبلة.

وحدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال: حدثنا مسلـم بن إبراهيـم. قال: حدثنا القاسم، قال: حدثنـي رجل من بنـي تـميـم أن ابن عبـاس كتب إلـى أبـي الـخلْد يسأله عن الشجرة التـي أكل منها آدم والشجرة التـي تاب عندها، فكتب إلـيه أبو الـخلد: سألتنـي عن الشجرة التـي نُهي عنها آدم، وهي السنبلة. وسألتنـي عن الشجرة التـي تاب عندها آدم، وهي الزيتونة.

وحدثنا ابن حميد. قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن رجل من أهل العلـم، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، أنه كان يقول: الشجرة التـي نُهي عنها آدم: البُرّ.

وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيـينة. وابن الـمبـارك، عن الـحسن بن عمارة، عن الـمنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس قال: كانت الشجرة التـي نُهي الله عنها آدم وزوجته السنبلة.

وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة. عن ابن إسحاق، عن بعض أهل الـيـمن، عن وهب بن منبه الـيـمانـي أنه كان يقول: هي البرّ ولكن الـحبة منها فـي الـجنة ككُلَـى البقر ألـين من الزبد وأحلـى من العسل. وأهل التوراة يقولون: هي البرّ.

وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، قال: حدثنـي مـحمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة: أنه حدث أنها الشجرة التـي تـحتكّ بها الـملائكة للـخُـلْد.

وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن يـمان عن جابر بن يزيد بن رفـاعة، عن مـحارب بن دثار قال: هي السنبلة.

وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبو أسامة، عن يزيد بن إبراهيـم، عن الـحسن، قال: هي السنبلة التـي جعلها الله رزقا لولده فـي الدنـيا.

قال أبو جعفر، وقال آخرون: هي الكرمة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عبد الله، عن إسرائيـل، عن السدي، عمن حدثه، عن ابن عبـاس، قال: هي الكرمة.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط عن السدي، فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} قال: هي الكرمة. وتزعم الـيهود أنها الـحنطة.

وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي، قال: الشجرة هي الكرم.

وحدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: حدثنا هشيـم، عن مغيرة، عن الشعبـي، عن جعدة بن هبـيرة، قال: هو العنب فـي قوله: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ}.

وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنـي أبـي، عن خلاد الصفـار، عن بـيان، عن الشعبـي، عن جعدة بن هبـيرة: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} قال: الكرم.

وحدثنا ابن الـمثنى، قال: حدثنـي الـحسين، قال: حدثنا خالد الواسطي، عن بـيان، عن الشعبـي، عن جعدة ابن هبـيرة: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} قال: الكرم.

وحدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبـي، عن جعدة بن هبـيرة، قال: الشجرة التـي نُهي عنها آدم: شجرة الـخمر.

وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: حدثنا عبـاد بن العوّام، قال: حدثنا سفـيان بن حسين، عن يعلـى بن مسلـم، عن سعيد بن جبـير قوله: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} قال: الكرم.

وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفـيان، عن السدي، قال: العنب.

وحدثنا القاسم قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن أبـي معشر، عن مـحمد بن قـيس، قال: عنب.

وقال آخرون: هي التّـينة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن بعض أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم قال: تـينة.

قال أبو جعفر: والقول فـي ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه أخبر عبـاده أن آدم وزوجته أكلا من الشجرة التـي نهاهما ربهما عن الأكل منها، فأتـيا الـخطيئة التـي نهاهما عن إتـيانها بأكلهما ما أكلا منها، بعد أن بـين الله جل ثناؤه لهما عين الشجرة التـي نهاهما عن الأكل منها وأشار لهما إلـيها بقوله: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ}. ولـم يضع الله جل ثناؤه لعبـاده الـمخاطبـين بـالقرآن دلالة علـى أيّ أشجار الـجنة كان نهيه آدم أن يقربها بنصّ علـيها بـاسمها ولا بدلالة علـيها. ولو كان لله فـي العلـم بأيّ ذلك من أيّ رضاً لـم يُخْـلِ عبـادَه من نصب دلالة لهم علـيها يصلون بها إلـى معرفة عينها، لـيطيعوه بعلـمهم بها، كما فعل ذلك فـي كل ما بـالعلـم به له رضا.

فـالصواب فـي ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الـجنة دون سائر أشجارها، فخالفـا إلـى ما نهاهما الله عنه، فأكلا منها كما وصفهما الله جل ثناؤه به. ولا علـم عندنا أيّ شجرة كانت علـى التعيـين، لأن الله لـم يضع لعبـاده دلـيلاً علـى ذلك فـي القرآن ولا فـي السنة الصحيحة، فأنى يأتـي ذلك من أتـى؟

وقد قـيـل: كانت شجرة البرّ. وقـيـل: كانت شجرة العنب. وقـيـل: كانت شجرة التـين. وجائز أن تكون واحدة منها، وذلك إن علـمه عالـم لـم ينفع العالـم به علـمه، وإن جهله جاهل لـم يضرّه جهله به.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ}.

قال أبو جعفر: اختلف أهل العربـية فـي تأويـل قوله: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ} فقال بعض نـحويـي الكوفـيـين: تأويـل ذلك: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} فإنكما إن قربتـماها كنتـما من الظالـمين. فصار الثانـي فـي موضع جواب الـجزاء، وجواب الـجزاء يعمل فـيه أوّله كقولك: إن تقم أقم، فتـجزم الثانـي بجزم الأول. فكذلك قوله: {فَتَكُونَا} لـما وقعت الفـاء فـي موضع شرط الأول نصب بها، وصيرت بـمنزلة «كي» فـي نصبها الأفعال الـمستقبلة للزومها الاستقبـال، إذ كان أصل الـجزاء الاستقبـال.

وقال بعض نـحويـي أهل البصرة: تأويـل ذلك: لا يكن منكما قُرْبُ هذه الشجرة فأن تكونا من الظالـمين. غير أنه زعم أنّ «أن» غير جائز إظهارها مع «لا»، ولكنها مضمرة لا بد منها لـيصح الكلام بعطف اسم وهي «أن» علـى الاسم، كما غير جائز فـي قولهم «عسى أن يفعل». عسى الفعل، ولا فـي قولك: «ما كان لـيفعل». ما كان لأن يفعل.

وهذا القول الثانـي يفسده إجماع جميعهم علـى تـخطئة قول القائل: سرّنـي تقوم يا هذا، وهو يريد: سرّنـي قـيامك. فكذلك الواجب أن يكون خطأ علـى هذا الـمذهب قول القائل: لا تقم، إذا كان الـمعنى: لا يكن منك قـيام. وفـي إجماع جميعهم علـى صحة قول القائل: لا تقم، وفساد قول القائل: سرّنـي تقوم بـمعنى سرّنـي قـيامك، الدلـيـل الواضح علـى فساد دعوى الـمدعي أن مع «لا» التـي فـي قوله: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} ضمير «أن»، وصحة القول الآخر.

وفـي قوله: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ} وجهان من التأويـل: أحدهما أن يكون «فتكونا» فـي نـية العطف علـى قوله: {وَلاَ تَقْرَبَـا} فـيكون تأويـله حينئذ: ولا تقربـا هذه الشجرة، ولا تكونا من الظالـمين. فـيكون «فتكونا» حينئذ فـي معنى الـجزم مـجزوم بـما جزم به {وَلاَ تَقْرَبَـا}، كما يقول القائل: لا تكلـم عمرا ولا تؤذه، وكما قال امرؤ القـيس:

فَقُلْتُ لَهُ صَوِّبْ وَلاَ تَـجْهَدَنَّهُ فَـيُذْرِكَ مِنْ أُخْرَى القَطَاةِ فَتَزْلَقِ

فجزم «فـيذرك» بـما جزم به «لا تـجهدنه»، كأنه كرر النهي.

والثانـي أن يكون: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ} بـمعنى جواب النهي، فـيكون تأويـله حينئذ: لا تقربـا هذه الشجرة، فإنكما إن قربتـماها كنتـما من الظالـمين كما تقول: لا تشتـم عمرا فـيشتـمك مـجازاة. فـيكون «فتكونا» حينئذ فـي موضع نصب إذ كان حَرْفَا عطف علـى غير شكله لـمّا كان فـي {وَلاَ تَقْرَبَـا} حرف عامل فـيه، ولا يصلـح إعادته فـي «فتكونا»، فنصب علـى ما قد بـينت فـي أول هذه الـمسألة.

وأما تأويـل قوله: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ} فإنه يعنـي به فتكونا من الـمتعدّين إلـى غير ما أذن لهم وأبـيح لهم فـيه. وإنـما عنى بذلك أنكما إن قربتـما هذه الشجرة كنتـما علـى منهاج من تعدّى حدودي وعصى أمري واستـحلّ مـحارمي لأن الظالـمين بعضهم أولـياء بعض، والله ولـيّ الـمتقـين. وأصل الظلـم فـي كلام العرب وضع الشيء فـي غير موضعه ومنه قول نابغة بنـي ذبـيان:

إلا أُوَارِيَّ لأْيا ما أُبَـيِّنُها وَالنُّؤْيُ كالـحَوْضِ بـالـمَظْلُومَةِ الـجَلَدِ

فجعل الأرض مظلومة، لأن الذي حفر فـيها النوى حفر فـي غير موضع الـحفر، فجعلها مظلومة لوضع الـحفرة منها فـي غير موضعها. ومن ذلك قول ابن قميئة فـي صفة غيث:

ظَلَـمَ البِطَاحَ بِها انْهلالُ حَرِيصَةٍ فَصَفـا النِّطافُ لَهُ بُعَيْدَ الـمُقْلَعِ

وظلـمه إياه: مـجيئه فـي غير أوانه، وانصبـابه فـي غير مصبه. ومنه: ظلـم الرجل جَزوره، وهو نـحره إياه لغير علة وذلك عند العرب: وضع النـحر فـي غير موضعه.

وقد يتفرع الظلـم فـي معان يطول بإحصائها الكتاب، وسنبـينها فـي أماكنها إذا أتـينا علـيها إن شاء الله تعالـى وأصل ذلك كله ما وصفنا من وضع الشيء فـي غير موضعه.

الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ