انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة البقرة

تفسير الطبريالآيات 67–71

تفسير سورة البقرة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة البقرة

الخلاصة من تفسير الطبري · 20 مقطعًا · 5:38:46

  1. 1 الآيات 60–74في هذه الصفحة 14:29

التفسير الصوتي لسورة البقرة كاملًا (20 مقطعًا)

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا۟ بَقَرَةً قَالُوٓا۟ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ ۝٦٧ قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌۢ بَيْنَ ذَٰلِكَ فَٱفْعَلُوا۟ مَا تُؤْمَرُونَ ۝٦٨

وهذه الآية مـما وبخ الله بها الـمخاطبـين من بنـي إسرائيـل فـي نقض أوائلهم الـميثاق الذي أخذه الله علـيهم بـالطاعة لأنبـيائه، فقال لهم: واذكروا أيضاً من نكثكم ميثاقـي، إذ قال موسى لقومه، وقومه بنو إسرائيـل، إذ ادّارءوا فـي القتـيـل الذي قتل فـيهم إلـيه

{إنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَة قالُوا أتَتّـخِذُنا هُزُواً} والهزو: اللعب والسخرية، كما قال الراجز:

قَدْ هَزِئَتْ مِنِّـي أُمُّ طَيْسَلَهْ قالَتْ أرَاهُ مُعْدِماً لا شَيْءَ لَهْ

يعنـي بقوله: قد هزئت: قد سخرت ولعبت. ولا ينبغي أن يكون من أنبـياء الله فـيـما أخبرت عن الله من أمر أو نهي هزو أو لعب. فظنوا بـموسى أنه فـي أمره إياهم عن أمر الله تعالـى ذكره بذبح البقرة عند تدارئهم فـي القتـيـل إلـيه أنه هازىء لاعب، ولـم يكن لهم أن يظنوا ذلك بنبـيّ الله، وهو يخبرهم أن الله هو الذي أمرهم بذبح البقرة، وحذفت الفـاء من قوله: {أتَتّـخِذُنا هُزُواً} وهو جواب، لاستغناء ما قبله من الكلام عنه، وحسن السكوت علـى قوله: {إنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} فجاز لذلك إسقاط الفـاء من قوله: {أتَتّـخِذُنا هُزُواً} كما جاز وحسن إسقاط من قوله تعالـى: { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ * قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ }[الحجر: 57-58] ولـم يقل: فقالوا إنا أرسلنا، ولو قـيـل: «فقالوا»، كان حسناً أيضاً جائزاً، ولو كان ذلك علـى كلـمة واحدة لـم تسقط منه الفـاء وذلك أنك إذا قلت قمت وفعلت كذا وكذا ولـم تقل: قمت فعلت كذا وكذا، لأنها عطف لا استفهام يوقـف علـيه، فأخبرهم موسى إذ قالوا له ما قالوا إن الـمخبر عن الله جل ثناؤه بـالهزء والسخرية من الـجاهلـين وبرأ نفسه مـما ظنوا به من ذلك، فقال: {أعُوذُ بـاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الـجاهِلِـينَ} يعنـي من السفهاء الذين يروون عن الله الكذب والبـاطل. وكان سبب قـيـل موسى لهم: {إنَّ اللَّهَ يأمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} ما:

حدثنا به مـحمد بن عبد الأعلـى قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، قال: سمعت أيوب، عن مـحمد بن سيرين، عن عبـيدة، قال: كان فـي بنـي إسرائيـل رجل عقـيـم أو عاقر، قال: فقتله ولـيه، ثم احتـمله، فألقاه فـي سبط غير سبطه. قال: فوقع بـينهم فـيه الشرّ، حتـى أخذوا السلاح. قال: فقال أولو النُّهَى: أتقتتلون وفـيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فأتوا نبـيَّ الله، فقال: اذبحوا بقرة فقالوا: {أتَتّـخِذُنا هُزُوا قالَ أعُوذُ بـاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الـجَاهِلـينَ قالُوا ادْعُ لَنَا رَبّكَ يُبَـيِّنُ لَنا ما هي قالَ إنّهُ يَقُولُ إنَّهَا بَقَرَة} إلـى قوله:

{ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ }[البقرة: 71] قال: فضُرب فأخبرهم بقاتله. قال: ولـم تؤخذ البقرة إلا بوزنها ذهبـا. قال: ولو أنهم أخذوا أدنى بقرة لأجزأت عنهم، فلـم يورث قاتل بعد ذلك.

وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: حدثنـي أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية فـي قول الله {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَة} قال: كان رجل من بنـي إسرائيـل، وكان غنـياً ولـم يكن له ولد، وكان له قريب وكان وارثه، فقتله لـيرثه، ثم ألقاه علـى مـجمع الطريق، وأتـى موسى، فقال له: إن قريبـي قتل، وأتـى إلـيّ أمرٌ عظيـم، وإنـي لا أجد أحدا يبـين لـي من قتله غيرك يا نبـيّ الله. قال: فنادى موسى فـي الناس: أنشد الله من كان عنده من هذا علـم إلا بـينه لنا فلـم يكن عندهم علـمه، فأقبل القاتل علـى موسى فقال: أنت نبـيّ الله، فـاسأل لنا ربك أن يبـين لنا فسأل ربه فأوحى الله إلـيه: {إنَّ اللَّهَ يأمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} فعجبوا وقالوا: {أتَتّـخِذُنا هُزُوا قالَ أعُوذُ بـاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الـجاهِلِـينَ قالُوا ادْعُ لَنا رَبكَ يُبَـيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إنّه يَقُولُ إنَّهَا بَقَرَة لا فـارِض} يعنـي هرمة {وَلا بكْر} يعنـي ولا صغيرة {عَوَان بـينَ ذلكَ} أي نصف بـين البكر والهرمة،

{ قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا }[البقرة: 69] أي صاف لونها { تَسُرُّ ٱلنَّاظِرِينَ }[البقرة: 69] أي تعجب الناظرين. { قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ }[البقرة: 70] قال { إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ }[البقرة: 71] أي لم يذللها العمل { تُثِيرُ ٱلأَرْضَ }[البقرة: 71] يعنـي ليست بذلول فتثـير الأرض { وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ }[البقرة: 71] يقول ولا تعمل فـي الـحرث { مُسَلَّمَةٌ }[البقرة: 71] يعنـي مسلـمة من العيوب { لاشية فـيها }[البقرة: 71]. يقول لا بـياض فـيها. { قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ }[البقرة: 71]. قال: ولو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها، ولكنهم شددوا علـى أنفسهم، فشدّد الله علـيهم. ولولا أن القوم استثنوا فقالوا إنا إن شاء الله لـمهتدون لـما هدوا إلـيها أبدا فبلغنا أنهم لـم يجدوا البقرة التـي نعتت لهم إلا عند عجوز عندها يتامى وهي القـيـمة علـيهم فلـما علـمت أنهم لا يزكو لهم غيرها أضعفت علـيهم الثمن فأتوا موسى فأخبروه أنهم لـم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة وأنها سألتهم أضعاف ثمنها فقال لهم موسى أن الله قد كان خفف علـيكم فشددتـم علـى أنفسكم فأعطوها رضاها وحكمها ففعلوا واشتروها فذبحوها فأمرهم موسى أن يأخذوا عظماً منها فـيضربوا به القتـيـل ففعلوا فرجع إلـيه روحه فسمى لهم قاتله ثم عاد ميتا كما كان فأخذوا قاتله وهو الذي كان أتـى موسى فشكى إلـيه فقتله الله علـى أسوء عمله. حدثنـي موسى قال حدثنا عمرو قال حدثنا أسبـاط عن السدي {وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} قال كان رجل من بنـي إسرائيـل مكثرا من الـمال، وكانت له ابنة وكان له ابن أخ مـحتاج. فخطب إلـيه ابن أخيه ابنته فأبى أن يزوّجه إياها، فغضب الفتـى وقال: والله لأقتلنّ عمي ولآخذنّ ماله ولأنكحنّ ابنته ولآكلنّ ديته فأتاه الفتـى وقد قدم تـجار فـي بعض أسبـاط بنـي إسرائيـل، فقال: يا عم انطلق معي فخذ لـي من تـجارة هؤلاء القوم لعلـي أصيب منها، فإنهم إذا رأوك معي أعطونـي. فخرج العم مع الفتـى لـيلاً، فلـما بلغ الشيخ ذلك السبط قتله الفتـى ثم رجع إلـى أهله. فلـما أصبح جاء كأنه يطلب عمه، كأنه لا يدري أين هو فلـم يجده، فـانطلق نـحوه فإذا هو بذلك السبط مـجتـمعين علـيه، فأخذهم وقال: قتلتـم عمي فأدّوا إلـيّ ديته. وجعل يبكي ويحثو التراب علـى رأسه وينادي واعماه. فرفعهم إلـى موسى، فقضى علـيهم بـالدية، فقالوا له: يا رسول الله: ادع لنا حتـى يتبـين له من صاحبه فـيؤخذ صاحب الـجريـمة، فوالله إن ديته علـينا لهينة، ولكنا نستـحي أن نعير به. فذلك حين يقول الله جل ثناؤه: { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ }[البقرة: 72] فقال لهم موسى: {إنَّ اللَّهَ يأمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} قالوا: نسألك عن القتـيـل وعمن قتله وتقول اذبحوا بقرة، أتهزأ بنا؟ قال موسى: {أعُوذُ بـاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الـجَاهِلِـينَ}. قال: قال ابن عبـاس: فلو اعترضوا بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شدّدوا وتعنتوا موسى، فشدد الله علـيهم فقالوا: {ادْعُ لَنا رَبّكَ يُبَـيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إنّهُ يَقُولُ إنَّهَا بَقَرَةٌ لا فـارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بـينَ ذلكَ} والفـارض: الهرمة التـي لا تلد، والبكر: التـي لـم تلد إلا ولداً واحداً، والعوان: النصف التـي بـين ذلك التـي قد ولدت وولد ولدها فـافعلوا ما تؤمرون. { قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّاظِرِينَ }[البقرة: 69] قال: تعجب الناظرين: { قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ }[البقرة: 70] قالَ إنّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِـيرُ الأرْضَ وَلا تَسْقِـي الـحَرْثَ مُسَلّـمَةٌ لا شِيَةَ فِـيها من بـياض ولا سواد ولا حمرة. { قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ }[البقرة: 71] فطلبوها فلـم يقدروا علـيها. وكان رجل من بنـي إسرائيـل من أبرّ الناس بأبـيه. وأن رجلاً مرّ به معه لؤلؤ يبـيعه، فكان أبوه نائما تـحت رأسه الـمفتاح، فقال له الرجل: تشتري منـي هذا اللؤلؤ بسبعين ألفـاً؟ فقال له الفتـى: كما أنت حتـى يستـيقظ أبـي فآخذه بثمانـين ألفـاً. فقال له الآخر: أيقظ أبـاك وهو لك بستـين ألفـاً. فجعل التاجر يحطّ له حتـى بلغ ثلاثـين ألفـاً، وزاد الآخر علـى أن ينتظر حتـى يستـيقظ أبوه حتـى بلغ مائة ألف. فلـما أكثر علـيه قال: لا والله لا أشتريه منك بشيء أبدا، وأبى أن يوقظ أبـاه. فعوّضه الله من ذلك اللؤلؤ أن جعل له تلك البقرة، فمرّت به بنو إسرائيـل يطلبون البقرة، فأبصروا البقرة عنده، فسألوه أن يبـيعهم إياها بقرة ببقرة فأبى، فأعطوه ثنتـين فأبى، فزادوه حتـى بلغوا عشراً فأبى، فقالوا: والله لا نتركك حتـى نأخذها منك. فـانطلقوا به إلـى موسى، فقالوا: يا نبـيّ الله إنا وجدنا البقرة عند هذا فأبى أن يعطيناها، وقد أعطيناه ثمنا. فقال له موسى: أعطهم بقرتك فقال: يا رسول الله أنا أحقّ بـمالـي. فقال: صدقت، وقال للقوم: أرضوا صاحبكم فأعطوه وزنها ذهبـا فأبى، فأضعفوا له مثل ما أعطوه وزنها حتـى أعطوه وزنها عشر مرّات، فبـاعهم إياها وأخذ ثمنها. فقال: اذبحوها فذبحوها، فقال: اضربوه ببعضها فضربوه بـالبضعة التـي بـين الكتفـين فعاش، فأسلوه: من قتلك؟ فقال لهم: ابن أخي قال: أقتله وآخذ ماله وأنكح ابنته. فأخذوا الغلام فقتلوه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة. وحدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد، عن مـجاهد. وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، قال: حدثنـي خالد بن يزيد، عن مـجاهد. وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: ثنا إسماعيـل، عن عبد الكريـم، قال: حدثنـي عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبـا يذكر. وحدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، وحجاج، عن أبـي معشر، عن مـحمد بن كعب القرظي ومـحمد بن قـيس. وحدثنـي مـحمد بن سعد، قال: حدثنـي أبـي، قال: حدثنـي عمي، قال: أخبرنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس. فذكر جميعهم: أن السبب الذي من أجله قال لهم موسى: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} نـحو السبب الذي ذكره عبـيدة وأبو العالـية والسدي. غير أن بعضهم ذكر أن الذي قتل القتـيـل الذي اختصم فـي أمره إلـى موسى كان أخا الـمقتول. وذكر بعضهم أنه كان ابن أخيه. وقال بعضهم: بل كانوا جماعة ورثة استبطئوا حياته. إلا أنهم جميعاً مـجمعون علـى أن موسى إنـما أمرهم بذبح البقرة من أجل القتـيـل إذا احتكموا إلـيه عن أمر الله إياهم بذلك، فقالوا له: وما ذبح البقرة يبـين لنا خصومتنا التـي اختصمنا فـيها إلـيك فـي قتل من قتل فـادعى علـى بعضنا أنه القاتل أتهزأ بنا؟ كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: قتل قتـيـل من بنـي إسرائيـل، فطرح فـي سبط من الأسبـاط. فأتـى أهل ذلك القتـيـل إلـى ذلك السبط، فقالوا: أنتـم والله قتلتـم صاحبنا قالوا: لا والله. فأتوا موسى، فقالوا: هذا قتـيـلنا بـين أظهرهم وهم والله قتلوه. فقالوا: لا والله يا نبـيّ الله طرح علـينا. فقال لهم موسى: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} فقالوا: أتستهزىء بنا؟ وقرأ قول الله جل ثناؤه: {أتَتَّـخِذُنا هُزُوا} قالوا: نأتـيك فنذكر قتـيـلنا والذي نـحن فـيه فتستهزىء بنا؟ فقال موسى: {أعُوذُ بـالله أنْ أكُونَ مِنَ الـجاهِلِـينَ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد وحجاج، عن أبـي معشر، عن مـحمد بن كعب القرظي، ومـحمد بن قـيس: لـما أتـى أولـياء القتـيـل والذين ادّعوا علـيهم قتل صاحبهم موسى وقصوا قصتهم علـيه، أوحى الله إلـيه أن يذبحوا بقرة، فقال لهم موسى: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتّـخِذُنَا هُزُوا قالَ أعُوذُ بـاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الـجاهِلِـينَ} قالوا: وما البقرة والقتـيـل؟ قال: أقول لكم إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، وتقولون: أتتـخذنا هزواً

قال أبو جعفر: فقال الذين قـيـل لهم: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تَذبَحُوا بَقَرَةً} بعد أن علـموا واستقرّ عندهم أن الذي أمرهم به موسى علـيه السلام من ذلك عن أمر الله من ذبح بقرة جدّ وحق: {ادْعُ لَنا رَبّكَ يُبَـيِّنُ لَنا مَا هِيَ} فسألوا موسى أن يسأل ربه لهم ما كان الله قد كفـاهم بقوله لهم: {اذبحوا بقرة} لأنه جل ثناءه إنـما أمرهم بذبح بقرة من البقر أيّ بقرة شاءوا ذبحها من غير أن يحصر لهم ذلك علـى نوع منها دون نوع أو صنف دون صنف، فقالوا بجفـاء أخلاقهم وغلظ طبـائعهم وسوء أفهامهم، وتكلف ما قد وضع الله عنهم مؤنته، تعنتاً منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: حدثنـي، أبـي، قال: حدثنـي عمي، قال: حدثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: لـما قال لهم موسى: {أعُوذُ بـاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الـجاهِلِـين} قالوا له يتعنتونه: {ادْعُ لَنَا رَبّكَ يُبَـيِّنُ لَنا ما هيَ} فلـما تكلفوا جهلاً منهم ما تكلفوا من البحث عما كانوا قد كفوه من صفة البقرة التـي أمروا بذبحها تعنتا منهم بنبـيهم موسى صلوات الله علـيه بعد الذي كانوا أظهروا له من سوء الظن به فـيـما أخبرهم عن الله جل ثناؤه بقولهم: {أتَتّـخِذُنا هُزُواً} عاقبهم عز وجل بأن خصّ بذبح ما كان أمرهم بذبحه من البقر علـى نوع منها دون نوع، فقال لهم جل ثناؤه إذ سألوه فقالوا: ما هي صفتها وما حلـيتها؟ حَلِّها لنا لنعرفها {قالَ إنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَـارِضٌ وَلا بِكْرٌ} يعنـي بقوله جل ثناؤه: {لا فـارض}: لا مسنة هرمة، يقال منه: فرضت البقرة تفرض فروضاً، يعنـي بذلك أسنّت، ومن ذلك قول الشاعر:

يا رُبَّ ذِي ضِغْنٍ عَلَـيَّ فـارِضِ لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الـحائِضِ

يعنـي بقوله فـارض: قديـم يصف ضغنا قديـما. ومنه قول الآخر:

لَهُ زِجاجٌ ولَهَاةُ فـارِض هَدْلاء كالوَطْبِ تـجاهُ الـمَاخِضُ

وبـمثل الذي قلنا فـي تأويـل فـارض قال الـمتأوّلون. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ بن سعيد الكندي، قال: ثنا عبد السلام بن حرب، عن خصيف، عن مـجاهد: {لا فـارِض} قال: لا كبـيرة.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا شريك، عن خصيف، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، أو عن عكرمة، شك شريك {لا فَـارِضٌ} قال: الكبـيرة.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: أخبرنـي أبـي، قال: حدثنـي عمي، قال: حدثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {لا فـارِضٌ} الفـارض: الهرمة.

حدثت عن الـمنـجاب، قال: ثنا بشر، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: {لا فـارِضٌ} يقول: لـيست بكبـيرة هرمة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، عن عطاء الـخراسانـي عن ابن عبـاس: {لا فـارِضٌ} الهرمة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: الفـارض: الكبـيرة.

حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: ثنا شريك، عن خصيف، عن مـجاهد قوله: {لا فـارِض} قال: الكبـيرة.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: {لا فـارِضٌ} يعنـي لا هرمة.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: الفـارض: الهرمة.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: قال معمر، قال قتادة: الفـارض: الهرمة يقول: لـيست بـالهرمة ولا البكر عوان بـين ذلك.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: الفـارض: الهرمة التـي لا تلد.

وحدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الفـارض: الكبـيرة.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ولا بِكْر}.

والبكر من إناث البهائم وبنـي آدم ما لـم يفتـحله الفحل، وهي مكسورة البـاء لـم يسمع منه «فَعَل» ولا «يفعل». وأما «البَكْر» بفتـح البـاء فهو الفتـى من الإبل. وإنـما عنى جل ثناؤه بقوله وَلا بِكْر ولا صغيرة لـم تلد. كما:

حدثنـي علـيّ بن سعيد الكندي، قال: ثنا عبد السلام بن حرب، عن خصيف، عن مـجاهد: {وَلا بِكْر} صغيرة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: البكر: الصغيرة.

حدثنا أبو كريب قال: ثنا الـحسن بن عطية، قال: ثنا شريك، عن خصيف، عن سعيد، عن ابن عبـاس أو عكرمة شك: {ولا بِكْر} قال: الصغيرة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسن، قال: حدثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، عن عطاء الـخراسانـي، عن ابن عبـاس: {ولا بِكْر} الصغيرة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي أبو سفـيان، عن معمر، عن قتادة: {ولا بِكْرٌ} ولا صغيرة.

حدثت عن الـمنـجاب، قال: ثنا بشر، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: {وَلا بكْرٌ} ولا صغيرة ضعيفة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربـيع: عن أبـي العالـية: {وَلا بِكْرٌ} يعنـي ولا صغيرة.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

وحدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: فـي «البكر» لـم تلد إلا ولداً واحداً.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {عَوَانٌ}.

قال أبو جعفر: العوان: النصف التـي قد ولدت بطناً بعد بطن، ولـيست بنعت للبكر، يقال منه: قد عوّنت إذا صارت كذلك. وإنـما معنى الكلام أنه يقول: إنها بقرة لا فـارض ولا بكر بل عوان بـين ذلك. ولا يجوز أن يكون عوان إلا مبتدأ، لأن قوله: {بَـيْنَ ذَلِكَ} كناية عن الفـارض والبكر، فلا يجوز أن يكون متقدما علـيهما. ومنه قول الأخطل:

وَما بِـمَكّةَ مِنْ شُمْطٍ مُـحَفِّلَةٍ وَما بِـيَثْرِبَ مِنْ عُونٍ وأبْكارٍ

وجمعها عون يقال: امرأة عَوَانٌ من نسوة عُونٍ. ومنه قول تـميـم بن مقبل:

وَمأتـم كالدُّمَى حُورٍ مَدَامِعُها لَـمْ تَيأسِ العَيْشَ أبْكاراً وَلا عُونَا

وبقرة عوان وبقر عون. قال: وربـما قالت العرب: بقرٌ عُون، مثل رسل يطلبون بذلك الفرق بـين جمع عوان من البقر، وجمع عانة من الـحمر. ويقال: هذه حرب عوان: إذا كانت حربـاً قد قوتل فـيها مرّة بعد مرة، يـمثل ذلك بـالـمرأة التـي ولدت بطنا بعد بطن. وكذلك يقال: حاجة عوان إذا كانت قد قضيت مرة بعد مرة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب أن ابن زيد أنشده:

قُعُود لَدَى الأبْوَابِ طُلاَّبُ حاجَةٍ عَوَانٍ مِنَ الـحاجاتِ أوْ حاجَةً بِكْراً

قال أبو جعفر: والبـيت للفرزدق. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك تأوله أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك.

حدثنا علـيّ بن سعد الكندي، ثنا عبد السلام بن حرب، عن خصيف، عن مـجاهد: {عَوَانٌ بـينَ ذلكَ}: وسط قد ولدت بطناً أو بطنـين.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {عَوانٌ} قال: العوان: العانس النصف.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: العوان: النصف.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا شريك، عن خصيف، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس أو عكرمة، شكّ شريك: {عَوَانٌ} قال: بـين ذلك.

حدثت عن الـمنـجاب، قال: ثنا بشر، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: عَوَانٌ قال بـين الصغيرة والكبـيرة، وهي أقوى ما تكون من البقر والدوابّ وأحسن ما تكون.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسن، قال: حدثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، عن عطاء الـخراسانـي عن ابن عبـاس: {عَوَانٌ} قال: النصف.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: {عَوَانٌ} نصف.

وحدثت عن عمار، عن ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة: العوان: نصف بـين ذلك.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: ثنا شريك، عن خصيف، عن مـجاهد: {عَوَانٌ} التـي تنتـج شيئا بشرط أن تكون التـي قد نتـجت بكرة أو بكرتـين.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: العوان: النصف التـي بـين ذلك، التـي قد ولدت وولد ولدها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: العوان: بـين ذلك لـيست ببكر ولا كبـيرة.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {بَـيْن ذلكَ}.

يعنـي بقوله: {بـينَ ذلكَ}: بـين البكر والهرمة. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: {بـينَ ذلكَ}: أي بـين البكر والهرمة.

فإن قال قائل: قد علـمت أن «بـين» لا تصلـح إلا أن تكون مع شيئين فصاعدا، فكيف قـيـل بـين ذلك وذلك واحد فـي اللفظ؟ قـيـل: إنـما صلـحت مع كونها واحدة، لأن «ذلك» بـمعنى اثنـين، والعرب تـجمع فـي «ذلك» و«ذاك» شيئين ومعنـيـين من الأفعال، كما يقول القائل: أظنّ أخاك قائماً، وكان عمرو أبـاك، ثم يقول: قد كان ذاك، وأظن ذلك. فـيجمع بذلك وذاك الاسم والـخبر الذي كان لا بد ل«ظَنَّ» و«كان» منهما. فمعنى الكلام: قال: إنه يقول أنها بقرة لا مسنة هرمة ولا صغيرة لـم تلد، ولكنها بقرة نصف قد ولدت بطنا بعد بطن بـين الهرم والشبـاب. فجمع ذلك معنى الهرم والشبـاب لـما وصفنا، ولو كان مكان الفـارض والبكر اسماً شخصين لـم يجمع مع بـين ذلك، وذلك أن «ذلك» لا يؤدي عن اسم شخصين، وغير جائز لـمن قال: كنت بـين زيد وعمر، أن يقول: كنت بـين ذلك، وإنـما يكون ذلك مع أسماء الأفعال دون أسماء الأشخاص.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فـافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ}.

يقول الله لهم جل ثناؤه: افعلوا ما آمركم به تدركوا حاجاتكم وطلبـاتكم عندي، واذبحوا البقرة التـي أمرتكم بذبحها، تصلوا بـانتهائكم إلـى طاعتـي بذبحها إلـى العلـم بقاتل قتـيـلكم.

قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ ۝٦٩

ومعنى ذلك: قال قوم موسى لـموسى: {ادْعُ لَنا رَبّكَ يُبَـيِّنُ لَنا ما لَوْنُها}: أي لون البقرة التـي أمرتنا بذبحها. وهذا أيضاً تعنّت آخر منهم بعد الأول، وتكلّف طلب ما قد كانوا كفوه فـي الـمرة الثانـية والـمسألة الآخرة وذلك أنهم لـم يكونوا حصروا فـي الـمرة الثانـية، إذ قـيـل لهم بعد مسألتهم عن حلـية البقرة التـي كانوا أمروا بذبحها فأبوا إلا تكلف ما قد كفوه من الـمسألة عن صفتها فحصروا علـى نوع دون سائر الأنواع عقوبة من الله لهم علـى مسألتهم التـي سألوها نبـيهم صلى الله عليه وسلم تعنتاً منهم له، ثم لـم يحصرهم علـى لون منها دون لون، فأبوا إلا تكلف ما كانوا عن تكلفه أغنـياء، فقالوا تعنتاً منهم لنبـيهم صلى الله عليه وسلم كما ذكر ابن عبـاس: {ادْعُ لَنَا رَبّكَ يُبَـيِّنُ لَنا ما لَوْنُها} فقـيـل لهم عقوبة لهم: {إنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَـاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ} فحُصِروا علـى لون منها دون لون، ومعنى ذلك أن البقرة التـي أمرتكم بذبحها صفراء فـاقع لونها.

قال: ومعنى قوله: {يُبَـيِّنُ لَنا مَا لَوْنُها} أيّ شيء لونها، فلذلك كان اللون مرفوعاً، لأنه مرافع «ما» وإنـما لـم ينصب «ما» بقوله «يبـين لنا»، لأن أصل «أيّ» و«ما» جمع متفرّق الاستفهام. يقول القائل: بـين لنا أسوداء هذه البقرة أم صفراء؟ فلـما لـم يكن كقوله «بـيِّن لنا» ارتفع علـى الاستفهام منصرفـاً لـم يكن له ارتفع علـى أي لأنه جمع ذلك الـمتفرّق، وكذلك كل ما كان من نظائره، فـالعمل فـيه واحد فـي «ما» و«أي».

واختلف أهل التأويـل فـي معنى قوله: {صَفْرَاءُ} فقال بعضهم: معنى ذلك سوداء شديدة السواد. ذكر من قال ذلك منهم:

حدثنـي أبو مسعود إسماعيـل بن مسعود الـجحدري، قال: ثنا نوح بن قـيس، عن مـحمد بن سيف، عن الـحسن: {صَفْرَاءُ فَـاقِع لَوْنُهَا} قال: سوداء شديدة السواد.

حدثنـي أبو زائدة زكريا بن يحيى بن أبـي زائدة، والـمثنى بن إبراهيـم قالا: ثنا مسلـم بن إبراهيـم، قال: ثنا نوح بن قـيس، عن مـحمد بن سيف، عن أبـي رجاء، عن الـحسن، مثله.

وقال آخرون: معنى ذلك: صفراء القرن والظلف. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي هشام بن يونس النهشلـي، قال: ثنا حفص بن غياث، عن أشعث، عن الـحسن فـي قوله: {صَفْرَاءُ فَـاقِعٌ لَوْنُهَا} قال: صفراء القرن والظلف.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: حدثنـي هشيـم، قال: أخبرنا جويبر، عن كثـير بن زياد، عن الـحسن فـي قوله: {صَفْرَاءُ فَـاقِعٌ لَوْنُهَا} قال: كانت وحشية.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن إبراهيـم، عن أبـي حفص، عن مغراء، أو عن رجل، عن سعيد بن جبـير: {بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَـاقِعٌ لَوْنُها} قال: صفراء القرن والظلف.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: هي صفراء.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا الضحاك بن مخـلد، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَـاقِعٌ لَوْنُها} قال: لو أخذوا بقرة صفراء لأجزأت عنهم.

قال أبو جعفر: وأحسب أن الذي قال فـي قوله: {صَفْرَاءُ} يعنـي به سوداء، ذهب إلـى قوله فـي نعت الإبل السود: هذه إبل صفر، وهذه ناقة صفراء يعنـي بها سوداء. وإنـما قـيـل ذلك فـي الإبل لأن سوادها يضرب إلـى الصفرة، ومنه قول الشاعر:

تِلْكَ خَيْـلِـي مِنْهَا وَتِلْكَ رِكابِـي هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِـيبِ

يعنـي بقوله: هنّ صفر: هنّ سود، وذلك إن وصفت الإبل به فلـيس مـما توصف به البقر، مع أن العرب لا تصف السواد بـالفقوع، وإنـما تصف السواد إذا وصفته بـالشدة بـالـحلوكة ونـحوها، فتقول:

هو أسود حالك وحانك وحلكوكَ وَأَسْوَد غربيب ودجوجي

ولا تقول هو أسود فاقع وإنما تقول هو أصفر فاقع فوصفه إياه بالفقوع من الدليل البين على خلاف التأويل الذي تأول قوله {إنها بقرة صفراء فاقع} المتأول بأن معناه سوداء شديدة السواد. القول في تأويل قوله تعالى {فاقع لونها} يعني خالص لونها والفقوع في الصفرة نظير النصوع في البياض وهو شدته وصفاؤه كما.

حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر قال قال قتادة {فاقع لونها} هي الصافي لونها.

حدثني المثنى قال ثنا آدم قال ثنا أبو جعفر عن الربيع عن أبي العالية {فاقع لونها} أي صاف لونها حدثت عن عمار قال ثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع بمثله.

حدثنا موسى قال ثنا عمرو قال ثنا أسباط عن السدى {فَاقِعٌ} قال نقى لونها.

حدثني محمد بن سعد قال حدثني أبي قال حدثني عمي قال حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس {فَاقِع لَوْنُهَا} شديدة الصفرة تكاد من صفرتها تبيض قال أبو جعفر أراه أبيض.

حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله {فاقع لونها} قال شديدة صفرتها يقال منه فقع لونه يفقع ويفقع فقعا وفقوعا فهو فاقع كما قال الشاعر:

حملت عليه الورد حتى تركته ذليلا يسف الترب واللون فاقع

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {تَسُرُّ النّاظِرِينَ}.

يعنـي بقوله: {تَسُرُّ النّاظِرِينَ} تعجب هذه البقرة فـي حسن خـلقها ومنظرها وهيئتها الناظر إلـيها. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {تَسُرُّ النّاظِرِينَ} أي تعجب الناظرين.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا إسماعيـل ابن عبد الكريـم، قال: حدثنـي عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبـاً: {تَسُرُّ النّاظِرِينَ} إذا نظرت إلـيها يخيـل إلـيك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {تَسُرُّ النّاظِرِينَ} قال: تعجب الناظرين.

قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ٱلْبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ۝٧٠

قال أبو جعفر: يعنـي بقوله: {قالُوا} قال قوم موسى الذين أمروا بذبح البقرة لـموسى. فترك ذكر موسى وذكر عائد ذكره اكتفـاءً بـما دلّ علـيه ظاهر الكلام.

وذلك أن معنى الكلام: قالوا له: «ادع ربك»، فلـم يذكر له لـما وصفنا. وقوله: {يُبَـيِّنْ لَنَا ما هِيَ} خبر من الله عن القوم بجهلة منهم ثالثة، وذلك أنهم لو كانوا إذ أمروا بذبح البقرة ذبحوا أيتها تـيسرت مـما يقع علـيه اسم بقرة كانت عنهم مـجزئة، ولـم يكن علـيهم غيرها، لأنهم لـم يكونوا كلفوها بصفة دون صفة، فلـما سألوا بـيانها بأيّ صفة هي، فبـين لهم أنها بسنّ من الأسنان دون سنّ سائر الأسنان، فقـيـل لهم: هي عوان بـين الفـارض والبكر الضرع. فكانوا إذا بـينت لهم سنها لو ذبحوا أدنى بقرة بـالسنّ التـي بـينت لهم كانت عنهم مـجزئة، لأنهم لـم يكونوا كلفوها بغير السنّ التـي حدّت لهم، ولا كانوا حصروا علـى لون منها دون لون. فلـما أبوا إلا أن تكون معرّفة لهم بنعوتها مبـينة بحدودها التـي تفرّق بـينها وبـين سائر بهائم الأرض فشدّدوا علـى أنفسهم شدّد الله علـيهم بكثرة سؤالهم نبـيهم واختلافهم علـيه ولذلك قال نبـينا صلى الله عليه وسلم لأمته:


قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا۟ ٱلْـَٰٔنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا۟ يَفْعَلُونَ ۝٧١

وتأويـل ذلك، قال موسى: إن الله يقول: إن البقرة التـي أمرتكم بذبحها بقرة لا ذلول. ويعنـي بقوله: {لا ذَلُولٌ}: أي لـم يذللها العمل. فمعنى الآية: أنها بقرة لـم تذللها إثارة الأرض بأظلافها، ولا سُنِـيَ علـيها الـماء فـيسقـى علـيها الزرع، كما يقال للدابة التـي قد ذللها الركوب أو العمل: دابة ذلول بـينة الذِّل، بكسر الذال، ويقال فـي مثله من بنـي آدم: رجل ذلـيـل بـين الذلّ والذلة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ ذَلُولٌ} يقول: صعبة لـم يذلها عمل، {تُثِـيرُ الأرْضَ وَلاَ تَسْقِـي الـحَرْثَ}.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {إِنَّها بَقَرَةٌ لاَ ذَلُولٌ تُثِـيرُ الأرْضَ} يقول: بقرة لـيست بذلول يزرع علـيها، ولـيست تسقـي الـحرث.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: {إِنَّها بَقَرَةٌ لاَ ذَلُولٌ} أي لـم يذللها العمل، {تُثِـيرُ الأرْضَ} يعنـي لـيست بذلول فتثـير الأرض، {وَلا تَسْقِـي الـحَرْثَ} يقول: ولا تعمل فـي الـحرث.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ} يقول: لـم يذلها العمل، {تُثِـيرُ الأرْضَ} يقول: تثـير الأرض بأظلافها، {وَلا تَسْقِـي الـحَرْثَ} يقول: لا تعمل فـي الـحرث.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال: الأعرج: قال مـجاهد: قوله: {لا ذَلُولٌ تُثِـيرُ الأرْضَ وَلا تَسْقِـي الـحَرْثَ} يقول: لـيست بذلول فتفعل ذلك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قتادة: لـيست بذلول تثـير الأرض ولا تسقـي الـحرث.

ويعنـي بقوله: {تُثِـيرُ الأرْضَ}: تقلب الأرض للـحرث، يقال منه: أثرت الأرض أثـيرها إثارة: إذا قلبتها للزرع. وإنـما وصفها جل ثناؤه بهذه الصفة لأنها كانت فـيـما قـيـل وحشية.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا جويبر، عن كثـير بن زياد، عن الـحسن قال: كانت وحشية.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {مُسَلّـمَةٌ}.

ومعنى {مُسَلّـمَةٌ} مفعلة من السلامة، يقال منه: سلـمت تسلـم فهي مسلـمة.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنى الذي سلـمت منه، فوصفها الله بـالسلامة منه. فقال مـجاهد بـما:

حدثنا به مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {مُسَلّـمَةٌ} يقول: مسلـمة من الشية، و{لاشِيَة فِـيها} لا بـياض فـيها ولا سواد.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مـجاهد: {لاشِيَةَ فِـيها} قال: مسلـمة من الشية {لاشِيَةَ فِـيها} لا بـياض فـيها ولا سواد.

وقال آخرون: مسلـمة من العيوب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {مُسَلّـمَة لاشِيَة فِـيها} أي مسلـمة من العيوب.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {مُسَلّـمَةٌ} يقول: لا عيب فـيها.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: {مُسَلّـمَةٌ} يعنـي مسلـمة من العيوب.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بـمثله.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: قال ابن عبـاس قوله: {مُسَلّـمَةٌ} لا عَوَار فـيها.

والذي قاله ابن عبـاس وأبو العالـية ومن قال بـمثل قولهما فـي تأويـل ذلك أولـى بتأويـل الآية مـما قاله مـجاهد لأن سلامتها لو كانت من سائر أنواع الألوان سوى لون جلدها، لكان فـي قوله: {مُسَلّـمَة} مكتفًـى عن قوله: {لاشِيَةَ فِـيها}. وفـي قوله: {لاشِيَةَ فِـيها} ما يوضح عن أن معنى قوله: {مُسَلّـمَة} غير معنى قوله: {لاشِيَةَ فِـيها}. وإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام أنه يقول: إنها بقرة لـم تذللها إثارة الأرض وقلبها للـحراثة ولا السُّنُوُّ علـيها للـمزارع، وهي مع ذلك صحيحة مسلـمة من العيوب.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {لاشِيَةَ فِـيها}.

يعنـي بقوله: {لاشِيَةَ فِـيها}: لا لون فـيها يخالف لون جلدها. وأصله من وَشْي الثوب، وهو تـحسين عيوبه التـي تكون فـيه بضروب مختلفة من ألوان سَداه ولُـحمته، يقال منه: وشيت الثوب فأنا أشيه شية ووشيا. ومنه قـيـل للساعي بـالرجل إلـى السلطان أو غيره: واشٍ، لكذبه علـيه عنده وتـحسينه كذبه بـالأبـاطيـل، يقال منه: وشيت به إلـى السلطان وشاية، ومنه قول كعب بن زهير:

تَسْعَى الوُشَاةُ جَنابَـيْها وَقَوْلُهُم إنّكَ يا ابْنَ أبـي سُلْـمَى لَـمَقْتُولُ

والوشاة جمع واش: يعنـي أنهم يتقوّلون بـالأبـاطيـل، ويخبرونه أنه إن لـحق بـالنبـيّ صلى الله عليه وسلم قتله.

وقد زعم بعض أهل العربـية أن الوشي: العلامة. وذلك لا معنى له إلا أن يكون أراد بذلك تـحسين الثوب بـالأعلام، لأنه معلوم أن القائل: وشيت بفلان إلـى فلان غير جائز أن يتوهم علـيه أنه أراد: جعلت له عنده علامة. وإنـما قـيـل: {لاشِيةَ فِـيها} وهي من وشيت، لأن الواو لـما أسقطت من أولها أبدلت مكانها الهاء فـي آخرها، كما قـيـل: وزنته زنة، ووسيته سية، ووعدته عدة، ووديته دية. وبـمثل الذي قلنا فـي معنى قوله: {لاشِيَةَ فِـيها} قال أهل التأويـل.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {لاشِيَةَ فِـيها} أي لا بـياض فـيها.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: {لاشِيَةَ فِـيها} يقول: لا بـياض فـيها.

حدثنـي مـحمد بن عمرو قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {لاشِيَةَ فِـيها} أي لا بـياض فـيها ولا سواد.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبـيه، عن عطية: {لاشِيَةَ فِـيها} قال: لونها واحد لـيس فـيها لون سوى لونها.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {لاشِيَةَ فِـيها} من بـياض ولا سواد ولا حمرة.

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {لاشِيَةَ فِـيها} هي صفراء لـيس فـيها بـياض ولا سواد.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {لاشِيَةَ فِـيها} يقول: لا بـياض فـيها.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِـالـحقِّ}.

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِـالـحَقّ} فقال بعضهم: معنى ذلك: الآن بـينت لنا الـحقّ فتبـيناه، وعرفناه أنه بقرة عينت. ومـمن قال ذلك قتادة.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِـالـحَقّ} أي الآن بـينت لنا.

وقال بعضهم: ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن القوم أنهم نسبوا نبـيّ الله موسى صلوات الله علـيه إلـى أنه لـم يكن يأتـيهم بـالـحقّ فـي أمر البقرة قبل ذلك. ومـمن رُوي عنه هذا القول عبد الرحمن بن زيد.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: اضطروا إلـى بقرة لا يعلـمون علـى صفتها غيرها، وهي صفراء لـيس فـيها سواد ولا بـياض، فقالوا: هذه بقرة فلان {الآنَ جِئْتَ بـالـحَقّ} وقبل ذلك والله قد جاءهم بـالـحق.

وأولـى التأويـلـين عندنا بقوله: {قالُوا الآنَ جِئْتَ بـالـحَقّ} قول قتادة وهو أن تأويـله: الآن بـينت لنا الـحق فـي أمر البقرة، فعرفنا أنها الواجب علـينا ذبحها منها لأن الله جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم قد أطاعوه فذبحوها بعد قـيـلهم هذا مع غلظ مؤنة ذبحها علـيهم وثقل أمرها، فقال: {فَذَبحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ} وإن كانوا قد قالوا بقولهم: الآن بـينت لنا الـحق، هراء من القول، وأتوا خطأ وجهلاً من الأمر. وذلك أن نبـي الله موسى صلى الله عليه وسلم كان مبـينا لهم فـي كل مسألة سألوها إياه، وردّ رادُّوه فـي أمر البقرة الـحق. وإنـما يقال: الآن بـينت لنا الـحق لـمن لـم يكن مبـيناً قبل ذلك، فأما من كان كل قـيـله فـيـما أبـان عن الله تعالـى ذكره حقا وبـيانا، فغير جائز أن يقال له فـي بعض ما أبـان عن الله فـي أمره ونهيه وأدّى عنه إلـى عبـاده من فرائضه التـي أوجبها علـيهم: {الآنَ جِئْتَ بِـالـحَقّ} كأنه لـم يكن جاءهم بـالـحق قبل ذلك.

وقد كان بعض من سلف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم، وكفروا بقولهم لـموسى: {الآنَ جِئْتَ بِـالـحَقّ} ويزعم أنهم نفوا أن يكون موسى أتاهم بـالـحق فـي أمر البقرة قبل ذلك، وأن ذلك من فعلهم وقـيـلهم كفر. ولـيس الذي قال من ذلك عندنا كما قال لأنهم أذعنوا بـالطاعة بذبحها، وإن كان قـيـلهم الذي قالوه لـموسى جهلة منهم وهفوة من هفواتهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَذَبحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ}.

يعنـي بقوله: {فَذَبحُوها} فذبح قوم موسى البقرة التـي وصفها الله لهم وأمرهم بذبحها. ويعنـي بقوله: {وَما كَادُوا يَفْعَلُونَ} أي قاربوا أن يدعوا ذبحها، ويتركوا فرض الله علـيهم فـي ذلك.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي السبب الذي من أجله كادوا أن يضيعوا فرض الله علـيهم فـي ذبح ما أمرهم بذبحه من ذلك. فقال بعضهم: ذلك السبب كان غلاء ثمن البقرة التـي أمروا بذبحها وبـينت لهم صفتها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا أبو معشر الـمدنـي، عن مـحمد بن كعب القرظي فـي قوله: {فَذَبحُوهَا ومَا كادُوا يَفْعَلُونَ} قال: لغلاء ثمنها.

حدثنا مـحمد بن عبد الله بن عبـيد الهلالـي، قال: ثنا عبد العزيز بن الـخطاب، قال: ثنا أبو معشر، عن مـحمد بن كعب القرظي: {فَذَبحُوهَا وَما كادُوا يَفْعَلُونَ} قال: من كثرة قـيـمتها.

حدثنا القاسم، قال: أخبرنا الـحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد وحجاج، عن أبـي معشر، عن مـحمد بن كعب القرظي، ومـحمد بن قـيس فـي حديث فـيه طول، ذكر أن حديث بعضهم دخـل فـي حديث بعض، قوله: {فَذَبحُوهَا وَما كَادُوا يَفْعَلُونَ} لكثرة الثمن، أخذوها بـملء مَسْكها ذهبـا من مال الـمقتول، فكان سواء لـم يكن فـيه فضل فذبحوها.

حدثت عن الـمنـجاب، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: {فَذَبحُوهَا وَما كَادُوا يَفْعَلُونَ} يقول: كادوا لا يفعلون. ولـم يكن الذي أرادوا لأنهم أرادوا أن لا يذبحوها، وكل شيء فـي القرآن «كاد» أو «كادوا» أو «لو» فإنه لا يكون، وهو مثل قوله: أكادُ أُخْفِـيها.

وقال آخرون: لـم يكادوا أن يفعلوا ذلك خوف الفضيحة إن أطلع الله علـى قاتل القتـيـل الذي اختصموا فـيه إلـى موسى.

والصواب من التأويـل عندنا، أن القوم لـم يكادوا يفعلون ما أمرهم الله به من ذبح البقرة للـخـلّتـين كلتـيهما إحداهما غلاء ثمنها مع ذكر ما لنا من صغر خطرها وقلة قـيـمتها. والأخرى خوف عظيـم الفضيحة علـى أنفسهم بإظهار الله نبـيه موسى صلوات الله علـيه وأتبـاعه علـى قاتله.

فأما غلاء ثمنها فإنه قد روى لنا فـيه ضروب من الروايات.

فحدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي، قال: اشتروها بوزنها عشر مرّات ذهبـاً، فبـاعهم صاحبها إياها وأخذ ثمنها.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، قال: سمعت أيوب، عن مـحمد بن سيرين، عن عبـيدة قال: اشتروها بـملء جلدها دنانـير.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: كانت البقرة لرجل يبرّ أمه، فرزقه الله أن جعل تلك البقرة له، فبـاعها بـملء جلدها ذهبـا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، قال: حدثنـي خالد بن يزيد، عن مـجاهد، قال: أعطوا صاحبها ملء مسكها ذهبـاً فبـاعها منهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا إسماعيـل، عن عبد الكريـم، قال: حدثنـي عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبـا يقول: اشتروها منه علـى أن يـملئوا له جلدها دنانـير، ثم ذبحوها فعمدوا إلـى جلد البقرة فملئوه دنانـير، ثم دفعوها إلـيه.

حدثنـي مـحمد بن سعيد، قال: حدثنـي أبـي، قال: حدثنـي يحيى، قال: حدثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: وجدوها عند رجل يزعم أنه لـيس بـائعها بـمال أبدا، فلـم يزالوا به حتـى جعلوا له أن يسلـخوا له مسكها فـيـملئوه له دنانـير، فرضي به فأعطاهم إياها.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، قال: لـم يجدوها إلا عند عجوز، وإنها سألتهم أضعاف ثمنها، فقال لهم موسى: أعطوها رضاها وحكمها. ففعلوا، واشتروها فذبحوها.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال أيوب، عن ابن سيرين، عن عبـيدة، قال: لـم يجدوا هذه البقرة إلا عند رجل واحد، فبـاعها بوزنها ذهبـاً، أو ملء مسكها ذهبـاً، فذبحوها.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن هشام بن حسان، عن مـحمد بن سيرين، عن عبـيدة السلـمانـي، قال: وجدوا البقرة عند رجل، فقال: إنـي لا أبـيعها إلا بـملء جلدها ذهبـاً، فـاشتروها بـملء جلدها ذهبـا.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: جعلوا يزيدون صاحبها حتـى ملئوا له مسكها وهو جلدها ذهبـاً.

وأما صغر خطرها وقلة قـيـمتها، فإن:

الـحسن بن يحيى حدثنا، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيـينة، قال: حدثنـي مـحمد بن سوقة، عن عكرمة، قال: ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانـير.

وأما ما قلنا من خوفهم الفضيحة علـى أنفسهم، فإن وهب بن منبه كان يقول: إن القوم إذْ أُمروا بذبح البقرة إنـما قالوا لـموسى:

{ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً }[البقرة: 67] لعلـمهم بأنهم سيفتضحون إذا ذبحت فحادوا عن ذبحها.

حدثت بذلك عن إسماعيـل بن عبد الكريـم، عن عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه.

وكان ابن عبـاس يقول: إن القوم بعد أن أحيا الله الـميت فأخبرهم بقاتله، أنكرت قتلته قتله، فقالوا: والله ما قتلناه، بعد أن رأوا الآية والـحقّ.

حدثنـي بذلك مـحمد بن سعد، قال: حدثنـي أبـي، قال: حدثنـي عمي، قال: حدثنـي أبـي عن أبـيه، عن ابن عبـاس.

السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ