انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة البقرة

تفسير الطبريالآيات 86–90

تفسير سورة البقرة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة البقرة

الخلاصة من تفسير الطبري · 20 مقطعًا · 5:38:46

  1. 1 الآيات 75–91في هذه الصفحة 18:14

التفسير الصوتي لسورة البقرة كاملًا (20 مقطعًا)

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْـَٔاخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ۝٨٦

يعنـي بقوله جل ثناؤه أولئك الذين أخبر عنهم أنهم يؤمنون ببعض الكتاب فـيفـادون أسراهم من الـيهود، ويكفرون ببعض، فـيقتلون من حرّم الله علـيهم قتله من أهل ملتهم، ويخرجون من داره من حرّم الله علـيهم إخراجه من داره، نقضا لعهد الله وميثاقه فـي التوراة إلـيهم. فأخبر جل ثناؤه أن هؤلاء الذين اشتروا رياسة الـحياة الدنـيا علـى الضعفـاء وأهل الـجهل والغبـاء من أهل ملتهم، وابتاعوا الـمآكل الـخسيسة الرديئة فـيها، بـالإيـمان الذي كان يكون لهم به فـي الآخرة لو كانوا أتوا به مكان الكفر الـخـلود فـي الـجنان. وإنـما وصفهم الله جل ثناؤه بأنهم اشتروا الـحياة الدنـيا بـالآخرة لأنهم رضوا بـالدنـيا بكفرهم بـالله فـيها عوضا من نعيـم الآخرة الذي أعده الله للـمؤمنـين، فجعل حظوظهم من نعيـم الآخرة بكفرهم بـالله ثمنا لـما ابتاعوه به من خسيس الدنـيا. كما:

حدثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {أُولَئِكَ الّذِينَ اشْتَرُوا الـحَياةَ الدُّنْـيَا بـالآخِرَةِ}: استـحبوا قلـيـل الدنـيا علـى كثـير الآخرة.

قال أبو جعفر: ثم أخبر الله جل ثناؤه أنهم إذْ بـاعوا حظوظهم من نعيـم الآخرة بتركهم طاعته، وإيثارهم الكفر به والـخسيس من الدنـيا علـيه، لا حظّ لهم فـي نعيـم الآخرة، وأن الذي لهم فـي الآخرة العذاب غير مخفف عنهم فـيها العذاب لأن الذي يخفف عنه فـيها من العذاب هو الذي له حظ فـي نعيـمها، ولا حظ لهؤلاء لاشترائهم الذي كان فـي الدنـيا ودنـياهم بآخرتهم.

وأما قوله: {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} فإنه أخبر عنهم أنه لا ينصرهم فـي الآخرة أحد فـيدفع عنهم بنصرته عذاب الله، لا بقوّته ولا بشفـاعته ولا غيرهما.

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَقَفَّيْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ بِٱلرُّسُلِ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدْنَٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ۝٨٧

يعنـي بقوله جل ثناؤه: {آتَـيْنَا مُوسَى الكِتابَ}: أنزلناه إلـيه. وقد بـينا أن معنى الإيتاء: الإعطاء فـيـما مضى قبل، والكتاب الذي آتاه الله موسى علـيه السلام هو التوراة.

وأما قوله: {وَقَـفَّـيْنا} فإنه يعنـي: وأرْدَفْنا وأتبعنا بعضهم خـلف بعض، كما يقـفو الرجل الرجل إذا سار فـي أثره من ورائه. وأصله من القَـفَـا، يقال منه: قـفوت فلانا: إذا صرت خـلف قـفـاه، كما يقال دَبَرْته: إذا صرت فـي دبره. ويعنـي بقوله: {مِنْ بَعْدِهِ}: من بعد موسى. ويعنـي {بـالرُّسُلِ} الأنبـياء، وهم جمع رسول، يقال: هو رسول وهم رسل، كما يقال: هو صبور وهم قوم صُبُر، وهو رجل شكور وهم قوم شُكُر.

وإنـما يعنـي جل ثناؤه بقوله: {وَقَـفّـيْنا مِنْ بَعْدِهِ بـالرُّسُلِ} أي أتبعنا بعضهم بعضاً علـى منهاج واحد وشريعة واحدة لأن كل من بعثه الله نبـيّاً بعد موسى صلى الله عليه وسلم إلـى زمان عيسى ابن مريـم، فإنـما بعثه يأمر بنـي إسرائيـل بإقامة التوراة والعمل بـما فـيها والدعاء إلـى ما فـيها، فلذلك قـيـل: {وَقَـفّـيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بـالرُّسُلِ} يعنـي علـى منهاجه وشريعته، والعمل بـما كان يعمل به.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وآتَـيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَـمَ البَـيِّنَاتِ}.

يعنـي بقوله: {وآتَـيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَـمَ البَـيِّنَاتِ} أعطينا عيسى ابن مريـم. ويعنـي بـالبـينات التـي آتاه الله إياها ما أظهر علـى يديه من الـحجج والدلالة علـى نبوّته من إحياء الـموتـى وإبراء الأكْمةِ ونـحو ذلك من الآيات التـي أبـانت منزلته من الله، ودلت علـى صدقه وصحة نبوّته. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: حدثنـي مـحمد بن إسحاق، قال: ثنا مـحمد بن أبـي مـحمد، عن سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس: {وآتَـيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَـمَ البَـيِّنَاتِ} أي الآيات التـي وضع علـى يديه من إحياء الـموتـى، وخـلقه من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فـيه فـيكون طائراً بإذن الله، وإبراء الأسقام، والـخبر بكثـير من الغيوب مـما يدّخرون فـي بـيوتهم، وما ردّ علـيهم من التوراة مع الإنـجيـل الذي أحدث الله إلـيه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وأيّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ}.

أما معنى قوله: {وأيّدْناهُ} فإنه قوّيناه فأعنّاه، كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير عن جويبر، عن الضحاك: {وأيّدْناهُ} يقول: نصرناه. يقال منه: أيدك الله: أي قوّاك، وهو رجل ذو أيد وذو آدٍ، يراد: ذو قوة. ومنه قول العجاج:

مِنْ أن تَبَدَّلْتُ بِآدِي آدا

يعنـي بشبـابـي قوّة الـمشيب. ومنه قول الآخر:

إنَّ القِدَاحَ إذا اجْتَـمَعْنَ فَرَامَهَا بـالكَسْرِ ذُو جَلَدٍ وَبَطْشٍ أيِّدِ

يعني بالأيِّد القويّ. ثم اختلف فـي تأويـل قوله: {برُوحِ القُدُسِ}.

فقال بعضهم: روح القدس الذي أخبر الله تعالـى ذكره أنه أيد عيسى به هو جبريـل علـيه السلام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {وأيّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ} قال: هو جبريـل.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي قوله: {وأيّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ} قال: هو جبريـل علـيه السلام.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك فـي قوله: وأيّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ قال: روح القدس: جبريـل.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {وَأيّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ} قال: أيد عيسى بجبريـل وهو روح القدس.

وقال ابن حميد: حدثنا سلـمة عن إسحاق، قال: حدثنـي عبد الله بن عبد الرحمن بن أبـي الـحسين الـمكي، عن شهر بن حوشب الأشعري: أن نفرا من الـيهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أخبرنا عن الروح قال:

أَنْشُدُكُمْ بِـاللَّهِ وَبأيَّامِهِ عِنْدَ بَنِـي إِسْرَائِيـلَ هَلْ تَعْلَـمُونَ أنّهُ جِبْرِيـلُ، وَهُوَ يأتـينـي؟قالوا: نعم.

وقال آخرون: الروح الذي أيد الله به عيسى هو الإنـجيـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وأيّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ} قال: أيد الله عيسى بـالإنـجيـل روحاً كما جعل القرآن روحاً كلاهما روح الله، كما قال الله:

{ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا }[الشورى: 52].

وقال آخرون: هو الاسم الذي كان عيسى يحيـي به الـموتـى. ذكر من قال ذلك:

حدثت عن الـمنـجاب، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: {وأيّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ} قال: هو الاسم الذي كان يحيـي عيسى به الـموتـى.

وأولـى التأويلات فـي ذلك بـالصواب قول من قال: الروح فـي هذا الـموضع جبريـل لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه أيد عيسى به، كما أخبر فـي قوله:

{ إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ }[المائدة: 110]. فلو كان الروح الذي أيده الله به هو الإنـجيـل لكان قوله: «إذ أيدتك بروح القدس وإذ علـمتك الكتاب والـحكمة والتوراة والإنـجيـل» تكرير قول لا معنى له. وذلك أنه علـى تأويـل قول من قال: معنى: { إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ }[المائدة: 110] إنـما هو: إذْ أيدتك بـالإنـجيـل، وإذْ علـمتك الإنـجيـل وهو لا يكون به مؤيداً إلا وهو معلـمه. فذلك تكرير كلام واحد من غير زيادة معنى فـي أحدهما علـى الآخر، وذلك خُـلْفٌ من الكلام، والله تعالـى ذكره يتعالـى عن أن يخاطب عبـاده بـما لا يفـيدهم به فـائدة.

وإذا كان ذلك كذلك فبـيّنٌ فساد قول من زعم أن الروح فـي هذا الموضع الإنـجيـل، وإن كان جميع كتب الله التـي أوحاها إلـى رسله روحاً منه لأنها تـحيا بها القلوب الـميتة، وتنتعش بها النفوس الـمولـيّة، وتهتدي بها الأحلام الضالة. وإنـما سمى الله تعالـى جبريـل روحاً وأضافه إلـى القدس لأنه كان بتكوين الله له روحاً من عنده من غير ولادة والد ولده، فسماه بذلك روحاً، وأضافه إلـى القدس والقدس: هو الطهر كما سمي عيسى بن مريـم روحا لله من أجل تكوينه له روحاً من عنده من غير ولادة والد ولده. وقد بـينا فـيـما مضى من كتابنا هذا أن معنى التقديس: التطهير، والقدس: الطهر من ذلك.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي معناه فـي هذا الـموضع نـحو اختلافهم فـي الـموضع الذي ذكرناه.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي، قال: القدس: البركة.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، قال: القدس: هو الربّ تعالـى ذكره.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {وأيّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ} قال: الله القدس، وأيّد عيسى بروحه. قال: نَعْتُ الله القدس. وقرأ قول الله جل ثناؤه:

{ هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ }[الحشر: 23] قال: القدس والقُدُّوس واحد.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي عمرو بن الـحرث، عن سعيد بن أبـي هلال بن أسامة، عن عطاء بن يسار، قال: قال: نَعْتُ الله: القدس.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {أفَكُلّـما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِـمَا لاَ تَهْوَى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُـمْ فَرَيِقاً كَذَّبْتُـمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ}.

يعنـي جل ثناؤه بقوله: {أفَكُلّـما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِـما لا تَهْوَى أنْفُسَكُمْ} الـيهود من بنـي إسرائيـل.

حدثنـي بذلك مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد.

قال أبو جعفر: يقول الله جل ثناؤه لهم: يا معشر يهود بنـي إسرائيـل، لقد آتـينا موسى التوراة، وتابعنا من بعده بـالرسل إلـيكم، وآتـينا عيسى ابن مريـم البـينات والـحجج إذ بعثناه إلـيكم، وقوّيناه بروح القدس. وأنتـم كلـما جاءكم رسول من رسلـي بغير الذي تهواه نفوسكم استكبرتـم علـيهم تـجبراً وبغْياً استكبـارَ إمامكم إبلـيس فكذبتـم بعضاً منهم، وقتلتـم بعضاً، فهذا فعلكم أبداً برسلـي. وقوله: {أفَكُلّـما} إن كان خرج مخرج التقرير فـي الـخطاب فهو بـمعنى الـخبر.

وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ ۝٨٨

اختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: {وَقَالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ} مخففة اللام ساكنة، وهي قراءة عامة الأمصار فـي جميع الأقطار. وقرأه بعضهم: «وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلُفٌ» مثقلة اللام مضمومة. فأما الذين قرءوها بسكون اللام وتـخفـيفها، فإنهم تأوّلوها أنهم قالوا قلوبنا فـي أكنة وأغطية وغُلْف. والغُلْفُ علـى قراءة هؤلاء، جمع أغلف، وهو الذي فـي غلاف وغطاء كما يقال للرجل الذي لـم يختتن: أغلف، والـمرأة غلفـاء، وكما يقال للسيف إذا كان فـي غلافه: سيف أغلف، وقوس غلفـاء، وجمعها «غُلْف»، وكذلك جمع ما كان من النعوت ذكره علـى أفعل وأنثاه علـى فعلاء، يجمع علـى «فُعْل» مضمومة الأول ساكنة الثانـي، مثل أحمر وحُمر، وأصفر وصُفر، فـيكون ذلك جماعاً للتأنـيث والتذكير، ولا يجوز تثقـيـل عين «فُعْل» منه إلا فـي ضرورة شعر، كما قال طَرَفة بن العبد:

أيُّها الفِتْـيَانُ فِـي مَـجْلِسِنَا جَرّدوا مِنْها وِرادا وشُقُرْ

يريد: شُقْراً، لأن الشعر اضطره إلـى تـحريك ثانـيه فحركه. ومنه الـخبر الذي:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الـحكم بن بشير بن سلـمان، قال: ثنا عمرو بن قـيس الـملائي، عن عمرو بن مرة الـجملـي، عن أبـي البختري، عن حذيفة قال: القلوب أربعة. ثم ذكرها، فقال فـيـما ذكر: وقلب أغلف: معصوب علـيه، فذلك قلب الكافر.

ذكر من قال ذلك، يعنـي أنها فـي أغطية.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: حدثنـي ابن إسحاق، قال: حدثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد، عن سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أي فـي أكنة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنا معاوية بن صالـح، عن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس قوله: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أي فـي غطاء.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: حدثنـي أبـي، قال: حدثنـي عمي، قال: حدثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} فهي القلوب الـمطبوع علـيها.

حدثنـي عبـاس بن مـحمد، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج، أخبرنـي عبد الله بن كثـير، عن مـجاهد قوله: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} علـيها غشاوة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، قال: أخبرنـي عبد الله بن كثـير، عن مـجاهد: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} علـيها غشاوة.

حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: ثنا شريك عن الأعمش قوله: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} قال: هي فـي غلف.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أي لا تفقه.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {وَقَالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ} قال: هو كقوله:

{ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ }[فصلت: 5].

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة فـي قوله: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} قال: علـيها طابع، قال هو كقوله:

{ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ }[فصلت: 5].

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أي لا تفقه.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} قال: يقولون: علـيها غلاف وهو الغطاء.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} قال: يقول قلبـي فـي غلاف، فلا يخـلص إلـيه مـما تقول. وقرأ:

{ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } [فصلت: 5].

قال أبو جعفر: وأما الذين قرءوها: «غُلُفٌ» بتـحريك اللام وضمها، فإنهم تأوّلوها أنهم قالوا: قلوبنا غُلُف للعلـم، بـمعنى أنها أوعية. قال: والغلف علـى تأويـل هؤلاء جمع غلاف، كما يجمع الكتاب كُتُب، والـحجاب حُجُب، والشهاب شُهُب.

فمعنى الكلام علـى تأويـل قراءة من قرأ: «غُلُفٌ» بتـحريك اللام وضمها: وقالت الـيهود قلوبنا غُلُف للعلـم، وأوعية له ولغيره. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي عبـيد بن أسبـاط بن مـحمد، قال: ثنا أبـي، عن فضيـل بن مرزوق، عن عطية: «وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلُفٌ» قال: أوعية للذكر.

حدثنـي مـحمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبـيد الله بن موسى، قال: أخبرنا فضيـل، عن عطية فـي قوله: «قُلُوبُنَا غُلُفٌ» قال: أوعية للعلـم.

حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا فضيـل، عن عطية، مثله.

حدثت عن الـمنـجاب، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس فـي قوله: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلُفٌ} قال: مـملوءة علـماً لا تـحتاج إلـى مـحمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره.

والقراءة التـي لا يجوز غيرها فـي قوله: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} هي قراءة من قرأ «غُلْف» بتسكين اللام بـمعنى أنها فـي أغشية وأغطية لاجتـماع الـحجة من القراء وأهل التأويـل علـى صحتها، وشذوذ من شذّ عنهم بـما خالفه من قراءة ذلك بضم اللام. وقد دللنا علـى أن ما جاءت به الـحجة متفقة علـيه حجة علـى من بلغه، وما جاء به الـمنفرد فغير جائز الاعتراض به علـى ما جاءت به الـجماعة التـي تقوم بها الـحجة نقلاً وقولاً وعملاً فـي غير هذا الـموضع، فأغنى ذلك عن إعادته فـي هذا الـمكان.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ}.

يعنـي جل ثناؤه بقوله: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ}: بل أقصاهم الله وأبعدهم وطردهم وأخزاهم وأهلكهم بكفرهم وجحودهم آيات الله وبـيناته، وما ابتعث به رسله، وتكذيبهم أنبـياءه. فأخبر تعالـى ذكره أنه أبعدهم منه ومن رحمته بـما كانوا يفعلون من ذلك. وأصل اللعن: الطرد والإبعاد والإقصاء، يقال: لَعَنَ الله فلاناً يـلعنُه لَعْنا وهو ملعون، ثم يصرّف مفعول فـيقال هو لَعِينٌ ومنه قول الشماخ بن ضرار:

ذَعَرْتُ بِهِ القَطا ونَفَـيْتُ عنْهُ مَكَانَ الذّئْبِ كالرَّجُلِ اللّعِينِ

قال أبو جعفر: فـي قول الله تعالـى ذكره: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} تكذيبٌ منه للقائلـين من الـيهود: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} لأن قوله: {بَلْ} دلالة علـى جحده جل ذكره، وإنكاره ما ادّعوا من ذلك إذ كانت «بل» لا تدخـل فـي الكلام إلا نقضاً لـمـجحود.

فإذا كان ذلك كذلك، فبـيِّنٌ أن معنى الآية: وقالت الـيهود قلوبنا فـي أكنة مـما تدعونا إلـيه يا مـحمد. فقال الله تعالـى ذكره: ما ذلك كما زعموا، ولكن الله أقصى الـيهود وأبعدهم من رحمته وطردهم عنها وأخزاهم بجحودهم له ولرسله فقلـيلاً ما يؤمنون.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَقَلِـيلاً ما يُؤْمِنُونَ}.

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {فَقَلِـيلاً مَا يُؤْمِنُونَ}. فقال بعضهم: معناه: فقلـيـل منهم من يؤمن، أي لا يؤمن منهم إلا قلـيـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد ابن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكْفْرِهِمْ فَقَلِـيلاً مَا يُؤْمِنُونَ} فلعمري لَـمن رجع من أهل الشرك أكثر مـمن رجع من أهل الكتاب، إنـما آمن من أهل الكتاب رهط يسير.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {فَقَلِـيلاً ما يُؤْمِنُونَ} قال: لا يؤمن منهم إلا قلـيـل.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: فلا يؤمنون إلا بقلـيـل مـما فـي أيديهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قتادة: {فَقَلِـيلاً مَا يُؤْمِنُونَ} قال: لا يؤمن منهم إلاّ قلـيـل. قال معمر: وقال غيره: لا يؤمنون إلاّ بقلـيـل مـما فـي أيديهم.

وأولـى التأويلات فـي قوله: {فَقَلِـيلاً مَا يُؤْمِنُونَ} بـالصواب ما نـحن مُتقنوه إن شاء الله وهو أن الله جل ثناؤه أخبر أنه لعن الذين وصف صفتهم فـي هذه الآية، ثم أخبر عنهم أنهم قلـيـلو الإيـمان بـما أنزل الله إلـى نبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك نصب قوله: {فَقَلِـيلاً} لأنه نعت للـمصدر الـمتروك ذكره، ومعناه: بل لعنهم الله بكفرهم فإيـماناً قلـيلاً ما يؤمنون. فقد تبـين إذا بـما بـينا فساد القول الذي روي عن قتادة فـي ذلك لأن معنى ذلك لو كان علـى ما روي من أنه يعنـي به: فلا يؤمن منهم إلا قلـيـل، أو فقلـيـل منهم من يؤمن، لكان القلـيـل مرفوعاً لا منصوبـاً لأنه إذا كان ذلك تأويـله كان القلـيـل حينئذٍ مرافعاً «ما» وإن نصب القلـيـل، و«ما» فـي معنى «من» أو «الذي» بقـيت «ما» لا مرافع لها، وذلك غير جائز فـي لغة أحد من العرب.

فأما أهل العربـية فإنهم اختلفوا فـي معنى «ما» التـي فـي قوله: {فَقَلِـيلاً مَا يُؤْمِنُونَ} فقال بعضهم: هي زائدة لا معنى لها، وإنـما تأويـل الكلام: فقلـيلاً يؤمنون، كما قال جل ذكره:

{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ }[آل عمران: 159] وما أشبه ذلك. فزعم أن «ما» فـي ذلك زائدة، وأن معنى الكلام: فبرحمة من الله لنت لهم وأنشد فـي ذلك مـحتـجّا لقوله ذلك ببـيت مهلهل:

لَوْ بِأبـانَـيْنِ جاءَ يَخْطُبُها خُضِّبَ ما أنْفُ خاطِبٍ بدَمِ

ورغم أنه يعنـي: خضب أنف خاطب بدم، وأن «ما» زائدة.

وأنكر آخرون ما قاله قائل هذا القول فـي «ما» فـي الآية، وفـي البـيت الذي أنشده، وقالوا: إنـما ذلك من الـمتكلـم علـى ابتداء الكلام بـالـخبر عن عموم جميع الأشياء، إذ كانت «ما» كلـمة تـجمع كل الأشياء ثم تـخصّ وتعمّ ما عمته بـما تذكره بعدها. وهذا القول عندنا أولـى بـالصواب لأن زيادة «ما» لا تفـيد من الكلام معنى فـي الكلام غير جائز إضافته إلـى الله جل ثناؤه. ولعل قائلاً أن يقول: هل كان للذين أخبر الله عنهم أنهم قلـيلاً ما يؤمنون من الإيـمان قلـيـل أو كثـير فـيقال فـيهم فقلـيلاً ما يؤمنون؟ قـيـل: إن معنى الإيـمان هو التصديق، وقد كانت الـيهود التـي أخبر الله عنها هذا الـخبر تصدّق بوحدانـية الله وبـالبعث والثواب والعقاب، وتكفر بـمـحمد صلى الله عليه وسلم ونبوّته، وكل ذلك كان فرضاً علـيهم الإيـمان به لأنه فـي كتبهم، ومـما جاءهم به موسى فصدّقوا ببعض هو ذلك القلـيـل من إيـمانهم، وكذّبوا ببعض فذلك هو الكثـير الذي أخبر الله عنهم أنهم يكفرون به.

وقد قال بعضهم: إنهم كانوا غير مؤمنـين بشيء، وإنـما قـيـل: {فَقَلِـيلاً ما يُؤْمِنُونَ} وهم بـالـجميع كافرون، كما تقول العرب: قلّـما رأيت مثل هذا قط، وقد رُوي عنها سماعا منها: مررت ببلاد قلـما تنبت إلا الكُرّاث والبصل، يعنـي: ما تنبت غير الكرّاث والبصل، وما أشبه ذلك من الكلام الذي ينطق به بوصف الشيء بـالقلة، والـمعنى فـيه نفـي جميعه.

وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَٰبٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٨٩

يعنـي جل ثناؤه بقوله: {وَلَـمّا جاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدّق لِـمَا مَعَهُمْ}: ولـما جاء الـيهود من بنـي إسرائيـل الذين وصف جل ثناؤه صفتهم، {كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} يعنـي بـالكتاب: القرآن الذي أنزله الله علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم، {مُصَدّقٌ لِـمَا مَعَهُمْ} يعنـي مصدّق للذي معهم من الكتب التـي أنزلها الله من قبل القرآن. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: {وَلَـمّا جاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدّقٌ لِـمَا مَعَهُمْ} وهو القرآن الذي أنزل علـى مـحمد مصدق لـما معهم من التوراة والإنـجيـل.

حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله: {وَلَـمّا جاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدّق لِـمَا مَعَهُمْ} وهو القرآن الذي أنزل علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم مصدق لـما معهم من التوراة والإنـجيـل.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِـحُونَ علـى الّذِينَ كَفَرُوا فَلَـمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ}.

يعنـي بقوله جل ثناؤه: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِـحُونَ علـى الّذِينَ كَفَرُوا} أي وكان هؤلاء الـيهود الذين لـما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لـما معهم من الكتب التـي أنزلها الله قبل الفرقان، كفروا به يستفتـحون بـمـحمد صلى الله عليه وسلم ومعنى الاستفتاح: الاستنصار يستنصرون الله به علـى مشركي العرب من قبل مبعثه أي من قبل أن يبعث. كما:

حدثنـي ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، قال: حدثنـي ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن أشياخ منهم قالوا: فـينا والله وفـيهم يعنـي فـي الأنصار وفـي الـيهود الذين كانوا جيرانهم نزلت هذه القصة، يعنـي: {وَلَـمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدّقٌ لِـمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِـحُونَ علـى الّذِينَ كَفَرُوا} قالوا: كنا قد علوناهم دهراً فـي الـجاهلـية، ونـحن أهل الشرك، وهم أهل الكتاب، فكانوا يقولون: إن نبـيّا الآن مبعثه قد أظل زمانه، يقتلكم قَتْلَ عادٍ وإرَم فلـما بعث الله تعالـى ذكره رسوله من قريش واتبعناه كفروا به. يقول الله: {فَلَـمّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ}.

حدثنا بن حميد، قال: حدثنا سلـمة، قال: حدثنـي ابن إسحاق، قال: حدثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى آل زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبـير أو عكرمة مولـى ابن عبـاس، عن ابن عبـاس: أن يهود كانوا يستفتـحون علـى الأوس والـخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه. فلـما بعثه الله من العرب، كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فـيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور أخو بنـي سلـمة: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلـموا فقد كنتـم تستفتـحون علـينا بـمـحمد صلى الله عليه وسلم ونـحن أهل شِرْك، وتـخبروننا أنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته. فقال سلام بن مشكم أخو بنـي النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بـالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله جل ثناؤه فـي ذلك من قوله: {وَلَـمّا جاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدّقٌ لِـمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِـحُونَ عَلَـى الّذِينَ كَفَرُوا فَلَـمّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ علـى الكافِرِينَ}.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يونس بن بكير، قال: حدثنا ابن إسحاق، قال: حدثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى آل زيد بن ثابت، قال: حدثنـي سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: حدثنـي أبـي، قال: حدثنـي عمي، قال: حدثنـي أبـي عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {وكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِـحُونَ علـى الّذِينَ كَفَرُوا} يقول: يستنصرون بخروج مـحمد صلى الله عليه وسلم علـى مشركي العرب يعنـي بذلك أهل الكتاب فلـما بعث الله مـحمداً صلى الله عليه وسلم ورأوه من غيرهم كفروا به وحسدوه.

وحدثنا مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنـي عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن علـيّ الأزدي فـي قول الله: {وكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِـحُونَ علـى الّذِينَ كَفَرُوا} قال: الـيهود، كانوا يقولون: اللهمّ ابعث لنا هذا النبـيّ يحكم بـيننا وبـين الناس {يَسْتَفْتِـحُونَ} يستنصرون به علـى الناس.

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، علـى عن الأزدي وهو البـارقـي فـي قول الله جل ثناؤه: {وكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِـحُونَ} فذكر مثله.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: {وكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِـحُونَ علـى الّذِينَ كَفَرُوا} كانت الـيهود تستفتـح بـمـحمد صلى الله عليه وسلم علـى كفـار العرب من قبل، وقالوا: اللهمّ ابعث هذا النبـيّ الذي نـجده فـي التوراة يعذّبهم ويقتلهم فلـما بعث الله مـحمدا صلى الله عليه وسلم فرأوا أنه بعث من غيرهم كفروا به حسدا للعرب، وهم يعلـمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم يجدونه مكتوبـاً عندهم فـي التوراة {فَلَـمّا جَاءَهُمْ مَا عرَفُوا كَفَرُوا بِهِ}.

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، قال: كانت الـيهود تستنصر بـمـحمد صلى الله عليه وسلم علـى مشركي العرب، يقولون: اللهمّ ابعث هذا النبـيّ الذي نـجده مكتوبـاً عندنا حتـى يعذّب الـمشركين ويقتلهم فلـما بعث الله مـحمداً ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسداً للعرب، وهم يعلـمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الله: {فَلَـمّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ علـى الكافِرِينَ}.

حدثنـي موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي: {ولـمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدّقٌ لِـمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِـحُونَ علـى الّذِينَ كَفَرُوا فَلَـمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} قال: كانت العرب تـمرّ بـالـيهود فـيؤذونهم، وكانوا يجدون مـحمداً صلى الله عليه وسلم فـي التوراة، ويسألون الله أن يبعثه فـيقاتلوا معه العرب فلـما جاءهم مـحمد كفروا به حين لـم يكن من بنـي إسرائيـل.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء قوله: {وَكَانُوا مِنْ قَبْل يَسْتَفْتِـحُونَ عَلـى الّذِينَ كَفَرُوا} قال: كانوا يستفتـحون علـى كفـار العرب بخروج النبـيّ صلى الله عليه وسلم، ويرجون أن يكون منهم. فلـما خرج ورأوه لـيس منهم كفروا، وقد عرفوا أنه الـحقّ وأنه النبـيّ. قال: {فَلَـمّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ علـى الكافِرِينَ}.

قال: حدثنا ابن جريج، وقال مـجاهد: يستفتـحون بـمـحمد صلى الله عليه وسلم تقول أنه يخرج، {فَلَـمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا} وكان من غيرهم، {كَفَرُوا بِهِ}.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: وقال ابن عبـاس: كانوا يستفتـحون علـى كفـار العرب.

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنـي الـحمانـي، قال: حدثنـي شريك، عن أبـي الـحجاب، عن مسلـم البطين، عن سعيد بن جبـير قوله: {فَلَـمّا جاءهُمْ مَا عرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} قال: هم الـيهود عرفوا مـحمداً أنه نبـيّ، وكفروا به.

حدثت عن الـمنـجاب، قال: حدثنا بشر، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس فـي قوله: {وكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِـحُونَ علـى الّذِينَ كَفَرُوا} قال: كانوا يستظهرون يقولون نـحن نعين مـحمداً علـيهم، ولـيسوا كذلك يكذبون.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألت ابن زيد عن قول الله عزّ وجل: {وكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِـحُونَ علـى الّذِينَ كَفَرُوا فَلَـمّا جاءَهُمْ مَا عَرفُوا كَفَرُوا بِهِ} قال: كانت يهود يستفتـحون علـى كفـار العرب يقولون: أما والله لو قد جاء النبـيّ الذي بشر به موسى وعيسى أحمد لكان لنا علـيكم. وكانوا يظنون أنه منهم والعرب حولهم، وكانوا يستفتـحون علـيهم به ويستنصرون به {فَلَـمّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} وحسدوه. وقرأ قول الله جل ثناؤه:

{ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ }[البقرة: 109] قال: قد تبـين لهم أنه رسول، فمن هنالك نفع الله الأوس والـخزرج بـما كانوا يسمعون منهم أن نبـيّا خارج.

فإن قال لنا قائل: فأين جواب قوله: {وَلَـمّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدق لِـمَا مَعَهُمْ}؟ قـيـل: قد اختلف أهل العربـية فـي جوابه، فقال بعضهم: هو مـما تُرك جوابه استغناء بـمعرفة الـمخاطبـين به بـمعناه وبـما قد ذكر من أمثاله فـي سائر القرآن. وقد تفعل العرب ذلك إذا طال الكلام، فتأتـي بأشياء لها أجوبة فتـحذف أجوبتها لاستغناء سامعيها بـمعرفتهم بـمعناها عن ذكر الأجوبة، كما قال جل ثناؤه:

{ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً }[الرعد: 31] فترك جوابه. والـمعنى: «ولو أن قرآنا سوى هذا القرآن سيرت به الـجبـال لسُيّرت بهذا القرآن» استغناءً بعلـم السامعين بـمعناه. قالوا: فكذلك قوله: {وَلَـمّا جَاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدّقٌ لِـمَا مَعَهُمْ}.

وقال آخرون: جواب قوله: {وَلَـمّا جاءَهُمْ كِتاب مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} فـي «الفـاء» التـي فـي قوله: {فَلَـمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} وجواب الـجزاءين فـي «كفروا به» كقولك: لـما قمت فلـما جئتنا أحسنت، بـمعنى: لـما جئتنا إذْ قمتَ أحسنتَ.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَلَعنَةُ اللَّهِ علـى الكافِرِينَ}.

قد دللنا فـيـما مضى علـى معنى اللعنة وعلـى معنى الكفر، بـما فـيه الكفـاية. فمعنى الآية: فخزي الله وإبعاده علـى الـجاحدين ما قد عرفوا من الـحقّ علـيهم لله ولأنبـيائه الـمنكرين، لـما قد ثبت عندهم صحته من نبوة مـحمد صلى الله عليه وسلم. ففـي إخبـار الله عزّ وجل عن الـيهود بـما أخبر الله عنهم بقوله: {فَلَـمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} البـيان الواضح أنهم تعمدوا الكفر بـمـحمد صلى الله عليه وسلم بعد قـيام الـحجة بنبوّته علـيهم وقطع الله عذرهم بأنه رسوله إلـيهم.

بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ۝٩٠

ومعنى قوله جل ثناؤه: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ} ساء ما اشتروا به أنفسهم. وأصل «بِئْسَ»: «بَئِسَ» من البؤس، سكنت همزتها ثم نقلت حركتها إلـى البـاء، كما قـيـل فـي ظَلِلْت: ظِلْتُ، وكما قـيـل للكَبِد: كِبْدٌ، فنقلت حركة البـاء إلـى الكاف لـما سكنت البـاء. وقد يحتـمل أن تكون «بِئْس» وإن كان أصلها «بَئِسَ» من لغة الذين ينقلون حركة العين من فعل إلـى الفـاء إذا كانت عين الفعل أحد حروف الـحلق الستة، كما قالوا من «لَعِبَ» «لِعْبَ»، ومن «سَئِمَ» «سِئْمَ»، وذلك فـيـما يقال لغة فـاشية فـي تـميـم، ثم جعلت دالّة علـى الذمّ والتوبـيخ ووصلت ب«ما».

واختلف أهل العربـية فـي معنى «ما» التـي مع «بئسما»، فقال بعض نـحويـي البصرة: هي وحدها اسم، و«أن يكفروا» تفسير له، نـحو: نعم رجلاً زيد. و«أن ينزل الله» بدل من «أنزل الله».

وقال بعض نـحويـي الكوفة: معنى ذلك: بئس الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا، ف«ما» اسم بئس، و«أن يكفروا» الاسم الثانـي. وزعم أن «أن ينزل الله من فضله» إن شئت جعلت «أن» فـي موضع رفع، وإن شئت فـي موضع خفض. أما الرفع: فبئس الشيء هذا أن فعلوه وأما الـخفض: فبئس الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بـما أنزل الله بغيا. قال: وقوله:

{ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي ٱلْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ }[المائدة: 80] كمثل ذلك. والعرب تـجعل «ما» وحدها فـي هذا البـاب بـمنزلة الاسم التام كقوله: فَنعِمَّا هِيَ و«بئسما أنت». واستشهد لقوله ذلك برجز بعض الرُّجَّاز:

لا تَعْجِلا فِـي السّيْرِ وادْلُوَاهَا لَبِئْسَما بُطْءٌ وَلا نَرعاها

قال أبو جعفر: والعرب تقول: لبئسما تزويج ولا مهر، فـيجعلون «ما» وحدها اسما بغير صلة. وقائل هذه الـمقالة لا يجيز أن يكون الذي يـلـي «بئس» معرفة موَقَّتة وخبره معرفة موقّتة. وقد زعم أن «بئسما» بـمنزلة: بئس الشيء اشتروا به أنفسهم، فقد صارت «ما» بصلتها اسما موقتا لأن «اشتروا» فعل ماض من صلة «ما» فـي قول قائل هذه الـمقالة، وإذا وصلت بـماض من الفعل كانت معرفة موقتة معلومة فـيصير تأويـل الكلام حينئذٍ: «بئس شراؤهم كفرهم»، وذلك عنده غير جائز، فقد تبـين فساد هذا القول. وكان آخر منهم يزعم أن «أن» فـي موضع خفض إن شئت، ورفع إن شئت، فأما الـخفض فأن تردّه علـى الهاء التـي فـي «به» علـى التكرير علـى كلامين، كأنك قلت: اشتروا أنفسهم بـالكفر. وأما الرفع فأن يكون مكرّراً علـى موضع «ما» التـي تلـي «بئس». قال: ولا يجوز أن يكون رفعاً علـى قولك: بئس الرجلُ عبدُ الله.

وقال بعضهم: «بئسما» شيء واحد يعرف ما بعده كما حكي عن العرب: «بئسما تزويج ولا مهر» فرافع تزويج «بئسما»، كما يقال: «بئسما زيد، وبئسما عمرو»، فـيكون «بئسما» رفعاً بـما عاد علـيها من الهاء، كأنك قلت: بئس شيء الشيء اشتروا به أنفسهم، وتكون «أن» مترجمة عن «بئسما».

وأولـى هذه الأقوال بـالصواب قول من جعل «بئسما» مرفوعاً بـالراجع من الهاء فـي قوله: {اشْتَرَوا بِهِ} كما رفعوا ذلك بعبد الله، إذ قالوا: بئسما عبد الله، وجعل «أن يكفروا» مترجمة عن «بئسما»، فـيكون معنى الكلام حينئذٍ: بئس الشي بـاع الـيهود به أنفسم كفرهم بـما أنزل الله بغيا وحسدا أن ينزل الله من فضله. وتكون «أن» التـي فـي قوله: «أن ينزل الله»، فـي موضع نصب لأنه يعنـي به أن يكفروا بـما أنزل الله من أجل أن ينزل الله من فضله علـى من يشاء من عبـاده وموضع أن جر. وكان بعض أهل العربـية من الكوفـيـين يزعم أن «أن» فـي موضع خفض بنـية البـاء. وإنـما اخترنا فـيها النصب لتـمام الـخبر قبلها، ولا خافض معها يخفضها، والـحرف الـخافض لا يخفض مضمراً. وأما قوله: {اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ} فإنه يعنـي به بـاعوا أنفسهم. كما:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ} يقول: بـاعوا أنفسهم أن يكفروا بـما أنزل الله بغياً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسن، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مـجاهد: {بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ} يهود شروا الـحق بـالبـاطل وكتـمان ما جاء به مـحمد صلى الله عليه وسلم بأن بـيَّنوه. والعرب تقول: شَريته بـمعنى بعته، واشتروا فـي هذا الـموضع «افتعلوا» من شريت. وكلام العرب فـيـما بلغنا أن يقولوا: شَرَيْت بـمعنى بعت، واشتريت بـمعنى ابتعت. وقـيـل إنـما سمي الشاري شارياً لأنه بـاع نفسه ودنـياه بآخرته. ومن ذلك قول يزيد بن مفرِّغ الـحميري:

وَشَرَيْتُ بُرْداً لَـيْتَنِـي مِنْ قَبْلُ بُرْدٍ كُنْتُ هامَهْ

ومنه قول الـمسيَّب بن عَلَس:

يُعْطَى بِها ثَمَنا فَـيَـمْنَعُها ويَقُولُ صَاحِبُهَا ألا تَشْرِي

يعنـي به: بعت برداً. وربـما استعمل «اشتريت» بـمعنى «بعت»، و«شريت» فـي معنى «ابتعت»، والكلام الـمستفـيض فـيهم هو ما وصفت.

وأما معنى قوله: {بَغْياً} فإنه يعنـي به: تعدّيا وحسدا. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد بن قتادة: {بَغْياً} قال: أي حسدا، وهم الـيهود.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {بَغْياً} قال: بغوا علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم وحسدوه، وقالوا: إنـما كانت الرسل من بنـي إسرائيـل، فما بـال هذا من بنـي إسماعيـل فحسدوه أن ينزل الله من فضله علـى من يشاء من عبـاده.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: {بَغْياً} يعنـي حسدا أن ينزل الله من فضله علـى من يشاء من عبـاده، وهم الـيهود كفروا بـما أنزل علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

قال أبو جعفر: فمعنى الآية: بئس الشيء بـاعوا به أنفسهم الكفر بـالذي أنزل الله فـي كتابه علـى موسى من نبوّة مـحمد صلى الله عليه وسلم والأمر بتصديقه واتبـاعه، مِنْ أجل أن أنزل الله من فضله، وفضلُه حكمته وآياته ونبوّته علـى من يشاء من عبـاده يعنـي به علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم بغيا وحسداً لـمـحمد صلى الله عليه وسلم، من أجل أنه كان من ولد إسماعيـل، ولـم يكن من بنـي إسرائيـل.

فإن قال قائل: وكيف بـاعت الـيهود أنفسها بـالكفر فقـيـل: {بئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ أنْ يَكْفُرُوا بِـمَا أنْزَلَ اللَّهُ}؟ وهل يشترى بـالكفر شيء؟ قـيـل: إن معنى الشراء والبـيع عند العرب: هو إزالة مالك ملكه إلـى غيره بعوض يعتاضه منه، ثم تستعمل العرب ذلك فـي كل معتاض من عمله عوضاً شرّاً أو خيراً، فتقول: نِعْمَ ما بـاع به فلان نفسه، وبئس ما بـاع به فلان نفسه، بـمعنى: نعم الكسب أكسبها وبئس الكسب أكسبها إذا أورثها بسعيه علـيها خيراً أو شرّاً. فكذلك معنى قوله جل ثناؤه: {بِئْسَ مَا اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ} لـما أوبقوا أنفسهم بكفرهم بـمـحمد صلى الله عليه وسلم فأهلكوها، خاطبهم الله والعرب بـالذي يعرفونه فـي كلامهم فقال: {بئسما اشتروا به أنفسهم} يعنـي بذلك: بئس ما أكسبوا أنفسهم بسعيهم، وبئس العوض اعتاضوا من كفرهم بـالله فـي تكذيبهم مـحمداً، إذْ كانوا قد رضوا عوضا من ثواب الله وما أعدّ لهم لو كانوا آمنوا بـالله وما أنزل علـى أنبـيائه بـالنار، وما أعدّ لهم بكفرهم بذلك. وهذه الآية وما أخبر الله فـيها عن حسد الـيهود مـحمدا صلى الله عليه وسلم وقومه من العرب، من أجل أن الله جعل النبوّة والـحكمة فـيهم دون الـيهود من بنـي إسرائيـل، حتـى دعاهم ذلك إلـى الكفر به مع علـمهم بصدقه، وأنه نبـيّ لله مبعوث ورسول مرسل نظيرة الآية الأخرى فـي سورة النساء، وذلك قوله:

{ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً * أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً * أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً }

[النساء: 51-54]. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {أنْ يُنَزّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ علـى مَنْ يَشاءُ منْ عِبـادِهِ}.

قد ذكرنا تأويـل ذلك وبـيّنا معناه، ولكنا نذكر الرواية بتصحيح ما قلنا فـيه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: حدثنـي ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن أشياخ منهم قوله: {بَغْيا أنْ يُنَزّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ علـى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبـادِهِ} أي أن الله تعالـى جعله فـي غيرهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: هم الـيهود، ولـما بعث الله نبـيه مـحمدا صلى الله عليه وسلم فرأوا أنه بعث من غيرهم، كفروا به حسدا للعرب، وهم يعلـمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم يجدونه مكتوبـاً عندهم فـي التوراة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، مثله.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي، قال: قالوا: إنـما كانت الرسل من بنـي إسرائيـل، فما بـال هذا من بنـي إسماعيـل.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن علـيّ الأزدي قال: نزلت فـي الـيهود.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَبـاءوا بِغَضَبٍ علـى غَضَبٍ}.

يعنـي بقوله: {فَبـاءُوا بِغَضَبٍ علـى غَضَبٍ} فرجعت الـيهود من بنـي إسرائيـل بعد الذي كانوا علـيه من الاستنصار بـمـحمد صلى الله عليه وسلم والاستفتاح به، وبعد الذي كانوا يخبرون به الناس من قبل مبعثه أنه نبـيّ مبعوث مرتدين علـى أعقابهم حين بعثه الله نبـيّا مرسلاً، فبـاءوا بغضب من الله استـحقّوه منه بكفرهم بـمـحمد حين بعث، وجحودهم نبوّته، وإنكارهم إياه أن يكون هو الذي يجدون صفته فـي كتابهم عناداً منهم له وبغياً وحسداً له وللعرب {عَلـى غَضَبٍ} سالف كان من الله علـيهم قبل ذلك سابق غضبه الثانـي لكفرهم الذي كان قبل ذلك بعيسى ابن مريـم، أو لعبـادتهم العجل، أو لغير ذلك من ذنوب كانت لهم سلفت يستـحقون بها الغضب من الله. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة بن الفضل، قال: حدثنـي ابن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد، فـيـما أروي عن سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس: {فَبـاءُوا بِغَضَبٍ علـى غَضَبٍ} فـالغضب علـى الغضب غضبه علـيهم فـيـما كانوا ضيعوا من التوراة وهي معهم، وغضب بكفرهم بهذا النبـيّ الذي أحدث الله إلـيهم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن، قالا: ثنا سفـيان عن أبـي بكير، عن عكرمة: {فَبـاءُوا بِغَضَبٍ علـى غَضَبٍ} قال: كُفْرٌ بعيسى وكفرٌ بـمـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن يـمان، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي بكير، عن عكرمة: {فَبـاءُوا بِغَضَبٍ علـى غَضَبٍ} قال: كفرهم بعيسى ومـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن أبـي بكير، عن عكرمة مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبـي، قال: الناس يوم القـيامة علـى أربعة منازل: رجل كان مؤمناً بعيسى وآمن بـمـحمد صلـى الله علـيهما فله أجران. ورجل كان كافراً بعيسى فآمن بـمـحمد صلى الله عليه وسلم فله أجر. ورجل كان كافرا بعيسى فكفر بـمـحمد، فبـاء بغضب علـى غضب. ورجل كان كافرا بعيسى من مشركي العرب، فمات بكفره قبل مـحمد صلى الله عليه وسلم فبـاء بغضب.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {فَبـاءُوا بِغَضَبٍ علـى غَضَبٍ} غضب الله علـيهم بكفرهم بـالإنـجيـل وبعيسى، وغضب علـيهم بكفرهم بـالقرآن وبـمـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنـي الـمثنى قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فبَـاءُوا بِغَضَبٍ} الـيهود بـما كان من تبديـلهم التوراة قبل خروج النبـيّ صلى الله عليه وسلم، {عَلَـى غَضَبٍ} جحودهم النبـيّ صلى الله عليه وسلم وكفرهم بـما جاء به.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: {فَبَـاءُوا بِغَضَبٍ علـى غَضَبٍ} يقول: غضب الله علـيهم بكفرهم بـالإنـجيـل وعيسى، ثم غضبه علـيهم بكفرهم بـمـحمد صلى الله عليه وسلم وبـالقرآن.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {فَبـاءُوا بِغَضَبً علـى غَضَبٍ} أما الغضب الأول: فهو حين غضب الله علـيهم فـي العجل، وأما الغضب الثانـي: فغضب علـيهم حين كفروا بـمـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج وعطاء وعبـيد بن عمير قوله: {فَبَـاءُوا بِغَضَبٍ علـى غَضَبٍ} قال: غضب الله علـيهم فـيـما كانوا فـيه من قبل خروج النبـيّ صلى الله عليه وسلم من تبديـلهم وكفرهم، ثم غضب علـيهم فـي مـحمد صلى الله عليه وسلم إذ خرج فكفروا به.

قال أبو جعفر: وقد بـينا معنى الغضب من الله علـى من غضب علـيه من خـلقه واختلاف الـمختلفـين فـي صفته فـيـما مضى من كتابنا هذا بـما أغنى عن إعادته، والله تعالـى أعلـم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وللْكافِرِينَ عَذَابَ مُهِين}.

يعنـي بقوله جل ثناؤه: {وللْكافِرِينَ عَذَاب مُهِين}: وللـجاحدين نبوّة مـحمد صلى الله عليه وسلم من الناس كلهم عذاب من الله إما فـي الآخرة، وإما فـي الدنـيا والآخرة {مهين} هو الـمذلّ صاحبه الـمخزي الـملبسه هواناً وذلة.

فإن قال قائل: أيّ عذاب هو غير مهين صاحبه فـيكون للكافرين الـمهين منه؟ قـيـل: إن الـمهين هو الذي قد بـينا أنه الـمورث صاحبه ذلّةً وهوانا الذي يخـلد فـيه صاحبه لا ينتقل من هوانه إلـى عزّ وكرامة أبداً، وهو الذي خصّ الله به أهل الكفر به وبرسله وأما الذي هو غير مهين صاحبه: فهو ما كان تـمـحيصاً لصاحبه، وذلك هو كالسارق من أهل الإسلام يسرق ما يجب علـيه به القطع فتُقطع يده، والزانـي منهم يزنـي فـيقام علـيه الـحدّ، وما أشبه ذلك من العذاب، والنكال الذي جعله الله كفـارات للذنوب التـي عذّب بها أهلها، وكأهل الكبـائر من أهل الإسلام الذين يعذّبون فـي الآخرة بـمقادير أجرامهم التـي ارتكبوها لـيـمـحَّصوا من ذنوبهم ثم يدخـلون الـجنة. فإن كل ذلك وإن كان عذابـاً فغير مهين من عذّب به، إذ كان تعذيب الله إياه به لـيـمـحصه من آثامه ثم يورده معدن العزّ والكرامة ويخـلده فـي نعيـم الـجنان.

السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ