انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة البقرة

تفسير الطبريالآيات 29–30

تفسير سورة البقرة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة البقرة

الخلاصة من تفسير الطبري · 20 مقطعًا · 5:38:46

  1. 1 الآيات 26–43في هذه الصفحة 17:28

التفسير الصوتي لسورة البقرة كاملًا (20 مقطعًا)

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ۝٢٩

فأخبرهم جل ذكره أنه خـلق لهم ما فـي الأرض جميعاً، لأن الأرض وجميع ما فـيها لبنـي آدم منافع. أما فـي الدين فدلـيـل علـى وحدانـية ربهم، وأما فـي الدنـيا فمعاش وبلاغ لهم إلـى طاعته وأداء فرائضه فلذلك قال جل ذكره: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً}. وقوله: «هو» مكنى من اسم الله جل ذكره، عائد علـى اسمه فـي قوله: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ }[البقرة: 28]. ومعنى خـلقه ما خـلق جل ثناؤه: إنشاؤه عينه، وإخراجه من حال العدم إلـى الوجود. و«ما» بـمعنى «الذي». فمعنى الكلام إذا: كيف تكفرون بـالله وقد كنتـم نطفـاً فـي أصلاب آبـائكم، فجعلكم بشراً أحياء، ثم يـميتكم، ثم هو مـحيـيكم بعد ذلك، وبـاعثكم يوم الـحشر للثواب والعقاب، وهو الـمنعم علـيكم بـما خـلق لكم فـي الأرض من معايشكم وأدلتكم علـى وحدانـية ربكم. و«كيف» بـمعنى التعجب والتوبـيخ لا بـمعنى الاستفهام، كأنه قال: ويحكم كيف تكفرون بـالله، كما قال: فأين تذهبون. وحل قوله: { وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ } } [البقرة: 28] مـحلّ الـحال، وفـيه إضمار «قد»، ولكنها حذفت لـما فـي الكلام من الدلـيـل علـيها. وذلك أن «فعل» إذا حلت مـحلّ الـحال كان معلوماً أنها مقتضية «قد»، كما قال جل ثناؤه: { أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ }[النساء: 90] بـمعنى: قد حصرت صدورهم. وكما تقول للرجل: أصبحت كثرت ماشيتك، تريد: قد كثرت ماشيتك.

وبنـحو الذي قلنا فـي قوله: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} كان قتادة يقول:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} نعم والله سخر لكم ما فـي الأرض.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ}.

قال أبو جعفر: اختلف فـي تأويـل قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} فقال بعضهم: معنى استوى إلـى السماء، أقبل علـيها، كما تقول: كان فلان مقبلاً علـى فلان ثم استوى علـيّ يشاتـمنـي واستوى إلـيّ يشاتـمنـي، بـمعنى: أقبل علـيّ وإلـيّ يشاتـمنـي. واستشهد علـى أن الاستواء بـمعنى الإقبـال بقول الشاعر:

أقُولُ وَقَدْ قَطَعْنَ بِنا شَرَوْرَىسَوَامِدَ وَاسْتَوَيْنَ مِنَ الضَّجُوعِ

فزعم أنه عنى به أنهن خرجن من الضَّجوع، وكان ذلك عنده بـمعنى أقبلن. وهذا من التأويـل فـي هذا البـيت خطأ، وإنـما معنى قوله: «واستوين من الضجوع» عندي: استوين علـى الطريق من الضجوع خارجات، بـمعنى استقمن علـيه.

وقال بعضهم: لـم يكن ذلك من الله جل ذكره بتـحوّل، ولكنه بـمعنى فعله، كما تقول: كان الـخـلـيفة فـي أهل العراق يوالـيهم ثم تـحوّل إلـى الشام، إنـما يريد تـحوّل فعله.

وقال بعضهم: قوله{ ثُمَّ اسْتَوَى إلـى السَّمَاءِ } يعنـي به: استوت، كما قال الشاعر:

أقُولُ لَهُ لَـمَّا اسْتَوَى فـي تُرَابِهِعلـى أيّ دِينٍ قَبَّلَ الرأسَ مُصْعَبُ

وقال بعضهم: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ}: عمد إلـيها. وقال: بل كل تارك عملاً كان فـيه إلـى آخره فهو مستو لـما عمد ومستو إلـيه.

وقال بعضهم: الاستواء: هو العلوّ، والعلوّ: هو الارتفـاع.

ومـمن قال ذلك الربـيع بن أنس.

حدثت بذلك عن عمار بن الـحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} يقول: ارتفع إلـى السماء.

ثم اختلف متأوّلو الاستواء بـمعنى العلوّ والارتفـاع فـي الذي استوى إلـى السماء، فقال بعضهم: الذي استوى إلـى السماء وعلا علـيها: هو خالقها ومنشئها.

وقال بعضهم: بل العالـي إلـيها الدخان الذي جعله الله للأرض سماء.

قال أبو جعفر: الاستواء فـي كلام العرب منصرف علـى وجوه: منها انتهاء شبـاب الرجل وقوّته، فـيقال إذا صار كذلك: قد استوى الرجل، ومنها استقامة ما كان فـيه أَوَدٌ من الأمور والأسبـاب، يقال منه: استوى لفلان أمره: إذا استقام له بعد أود. ومنه قول الطرماح بن حكيـم:

طالَ علـى رَسْمٍ مَهْدَدٍ أبَدُهْوعَفـا واسْتَوَى بِهِ بَلَدُهْ

يعنـي: استقام به.

ومنها الإقبـال علـى الشيء بـالفعل، كما يقال: استوى فلان علـى فلان بـما يكرهه ويسوءه بعد الإحسان إلـيه. ومنها الاحتـياز والاستـيلاء كقولهم: استوى فلان علـى الـمـملكة، بـمعنى احتوى علـيها وحازها. ومنها العلوّ والارتفـاع، كقول القائل: استوى فلان علـى سريره، يعنـي به علوّه علـيه.

وأولـى الـمعانـي بقول الله جل ثناؤه: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّٰهُنَّ} علا علـيهنّ وارتفع فدبرهن بقدرته وخـلقهنّ سبع سموات.

والعجب مـمن أنكر الـمعنى الـمفهوم من كلام العرب فـي تأويـل قول الله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} الذي هو بـمعنى العلوّ والارتفـاع هربـاً عند نفسه من أن يـلزمه بزعمه إذا تأوله بـمعناه الـمفوهم كذلك أن يكون إنـما علا وارتفع بعد أن كان تـحتها، إلـى أن تأوله بـالـمـجهول من تأويـله الـمستنكر، ثم لـم ينـج مـما هرب منه. فـيقال له: زعمت أن تأويـل قوله: {ٱسْتَوَىٰ} أقْبَلَ، أفكان مدبراً عن السماء فأقبل إلـيها؟ فإن زعم أن ذلك لـيس بإقبـال فعل ولكنه إقبـال تدبـير، قـيـل له: فكذلك فقل: علا علـيها علوّ ملك وسلطان لا علوّ انتقال وزوال. ثم لن يقول فـي شيء من ذلك قولاً إلا ألزم فـي الآخر مثله، ولولا أنا كرهنا إطالة الكتاب بـما لـيس من جنسه لأنبأنا عن فساد قول كل قائل قال فـي ذلك قولاً لقول أهل الـحقّ فـيه مخالفـاً، وفـيـما بـينا منه ما يشرف بذي الفهم علـى ما فـيه له الكفـاية إنه شاء الله تعالـى.

قال أبو جعفر: وإن قال لنا قائل: أخبرنا عن استواء الله جل ثناؤه إلـى السماء، كان قبل خـلق السماء أم بعده؟ قـيـل: بعده، وقبل أن يسوّيهنّ سبع سموات، كما قال جل ثناؤه:

{ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً }[فصلت: 11] والاستواء كان بعد أن خـلقها دخاناً، وقبل أن يسوّيها سبع سموات.

وقال بعضهم: إنـما قال استوى إلـى السماء ولا سماء، كقول الرجل لآخر: «اعمل هذا الثوب» وإنـما معه غزلٌ. وأما قوله {فَسَوَّٰهُنَّ} فإنه يعنـي هيأهنّ وخـلقهنّ ودبرهنّ وقوّمهنّ، والتسوية فـي كلام العرب: التقويـم والإصلاح والتوطئة، كما يقال: سوّى فلان لفلان هذا الأمر: إذا قوّمه وأصلـحه ووطأه له. فكذلك تسوية الله جل ثناؤه سمواته: تقويـمه إياهن علـى مشيئته، وتدبـيره لهن علـى إرادته، وتفتـيقهن بعد ارتاقهن كما:

حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس: {فَسَوَّٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ} يقول: سوى خـلقهن وهو بكل شيء علـيـم.

وقال جل ذكره: {فَسَوَّٰهُنَّ} فأخرج مكنـيّهن مخرج مكنى الـجمع. وقد قال قبل: ثم استوى إلـى السماء فأخرجها علـى تقدير الواحد. وإنـما أخرج مكنـيهن مخرج مكنـيّ الـجمع. لأن السماء جمع واحدها سماوة، فتقدير واحدتها وجمعها إذاً تقدير بقرة وبقر، ونـخـلة ونـخـل وما أشبه ذلك ولذلك أُنِّثَ مرة، فقـيـل: هذه سماء، وذُكِّرتْ أخرى فقـيـل:

{ ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ }[المزمل: 18] كما يفعل ذلك بـالـجمع الذي لا فرق بـينه وبـين واحدة غير دخول الهاء وخروجها، فـيقال: هذا بقر وهذه بقر، وهذا نـخـل وهذه نـخـل، وما أشبه ذلك. وكان بعض أهل العربـية يزعم أن السماء واحدة، غير أنها تدلّ علـى السموات، فقـيـل: {فَسَوَّٰهُنَّ} يراد بذلك التـي ذكرت، وما دلت علـيه من سائر السموات التـي لـم تذكر معها. قال: وإنـما تذكّر إذا ذكّرت وهي مؤنثة، فـيقال: السماء منفطر به كما يذكر الـمؤنث، وكما قال الشاعر:

فَلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهاولا أرْضٌ أبْقَلَ إبْقَالَهَا

وكما قال أعشى بنـي ثعلبة:

فإمَّا تَرَيْ لِـمَّتِـي بُدّلَتْفإنَّ الـحَوَادِثَ أزْرَى بِهَا

وقال بعضهم: السماء وإن كانت سماء فوق سماء، وأرضاً فوق أرض، فهي فـي التأويـل واحدة إن شئت، ثم تكون تلك الواحدة جماعاً، كما يقال: ثوب أخلاق وأسمال، وبرمة أعشار للـمتكسرة، وبرمة أكسار وأجبـار، وأخلاق: أي أن نواحيه أخلاق.

فإن قال لنا قائل: فإنك قد قلت: إن الله جل ثناؤه استوى إلـى السماء وهي دخان قبل أن يسوّيها سبع سموات، ثم سوّاها سبعاً بعد استوائه إلـيها، فكيف زعمت أنها جماع؟ قـيـل: إنهنّ كنّ سبعاً غير مستويات، فلذلك قال جلّ ذكره: فسوّاهنّ سبعاً: كما:

حدثنـي مـحمد بن حميد، قال: حدثنا سلـمة بن الفضل، قال: قال مـحمد بن إسحاق: كان أوّل ما خـلق الله تبـارك وتعالـى: النور والظلـمة، ثم ميز بـينهما فجعل الظلـمة لـيلاً أسود مظلـماً، وجعل النور نهاراً مضيئاً مبصراً، ثم سمك السموات السبع من دخان يقال والله أعلـم من دخان الـماء حتـى استقللن ولـم يحبكهن، وقد أغطش فـي السماء الدنـيا لـيـلها وأخرج ضحاها، فجرى فـيها اللـيـل والنهار، ولـيس فـيها شمس ولا قمر ولا نـجوم، ثم دحى الأرض، وأرساها بـالـجبـال، وقدّر فـيها الأقوات، وبثّ فـيها ما أراد من الـخـلق، ففرغ من الأرض وما قدّر فـيها من أقواتها فـي أربعة أيام. ثم استوى إلـى السماء وهي دخان كما قال فحبكهن، وجعل فـي السماء الدنـيا شمسها وقمرها ونـجومها، وأوحى فـي كل سماء أمرها، فأكمل خـلقهنّ فـي يومين. ففرغ من خـلق السموات والأرض فـي ستة أيام، ثم استوى فـي الـيوم السابع فوق سمواته، ثم قال للسموات والأرض:

{ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً }[فصلت: 11] لـما أردت بكما، فـاطمئنا علـيه طوعاً أو كرهاً، قَالتَا: { أَتَيْنَا طَآئِعِينَ }

[فصلت: 11] فقد أخبر ابن إسحاق أن الله جل ثناؤه استوى إلـى السماء بعد خـلقه الأرض وما فـيها وهنّ سبع من دخان، فسوّاهنّ كما وصف. وإنـما استشهدنا لقولنا الذي قلنا فـي ذلك بقول ابن إسحاق لأنه أوضح بـياناً عن خبر السموات أنهنّ كنّ سبعاً من دخان قبل استواء ربنا إلـيها بتسويتها من غيره، وأحسن شرحاً لـما أردنا الاستدلال به من أن معنى السماء التـي قال الله فـيها: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} بـمعنى الـجمع علـى ما وصفنا، وأنه إنـما قال جل ثناؤه: {فَسَوَّٰهُنَّ} إذ كانت السماء بـمعنى الـجمع علـى ما بـينا.

قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فما صفة تسوية الله جل ثناؤه السموات التـي ذكرها فـي قوله: {فَسَوَّٰهُنَّ} إذ كن قد خـلقن سبعاً قبل تسويته إياهن؟ وما وجه ذكر خـلقهن بعد ذكر خـلق الأرض، ألأنها خـلقت قبلها، أم بـمعنى غير ذلك؟ قـيـل: قد ذكرنا ذلك فـي الـخبر الذي رويناه عن ابن إسحاق، ونزيد ذلك توكيداً بـما انضمّ إلـيه من أخبـار بعض السلف الـمتقدمين وأقوالهم.

فحدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ} قال: إن الله تبـارك وتعالـى كان عرشه علـى الـماء، ولـم يخـلق شيئاً غير ما خـلق قبل الـماء، فلـما أراد أن يخـلق الـخـلق أخرج من الـماء دخاناً، فـارتفع فوق الـماء فسما علـيه، فسماه سماءً، ثم أيبس الـماء فجعله أرضاً واحدة، ثم فتقها فجعل سبع أرضين فـي يومين فـي الأحد والاثنـين، فخـلق الأرض علـى حوت، والـحوت هو النون الذي ذكره الله فـي القرآن:

{ نۤ وَٱلْقَلَمِ }[القلم: 1] والـحوت فـي الـماء والـماء علـى ظهر صفـاة، والصفـاة علـى ظهر ملك، والـملك علـى صخرة، والصخرة فـي الريح وهي الصخرة التـي ذكر لقمان لـيست فـي السماء ولا فـي الأرض. فتـحرّك الـحوت فـاضطرب، فتزلزت الأرض، فأرسى علـيها الـجبـال فقرّت، فـالـجبـال تفخر علـى الأرض، فذلك قوله: { وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ ٱلْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً }[النمل: 61] وخـلق الـجبـال فـيها وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها فـي يومين فـي الثلاثاء والأربعاء، وذلك حين يقول: { أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا }[فصلت: 9-10] يقول: أنبت شجرها { وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا }[فصلت: 10] يقول أقواتها لأهلها { { فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ }[فصلت: 10] يقول: قل لـمن يسألك هكذا الأمر { ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ }[فصلت: 11] وكان ذلك الدخان من تنفس الـماء حين تنفس، فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات فـي يومين فـي الـخميس والـجمعة، وإنـما سمي يوم الـجمعة لأنه جمع فـيه خـلق السموات والأرض { وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا }[فصلت: 12] قال: خـلق فـي كل سماء خـلقها من الـملائكة والـخـلق الذي فـيها، من البحار وجبـال البَرَدِ وما لا يعلـم. ثم زين السماء الدنـيا بـالكواكب، فجعلها زينة وحفظاً تـحفظ من الشياطين. فلـما فرغ من خـلق ما أحبّ استوى علـى العرش، فذلك حين يقول: خـلق السموات والأرض فـي ستة أيام يقول: { كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا }

[الأنبياء: 30] وحدثنـي الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ } قال: خـلق الأرض قبل السماء، فلـما خـلق الأرض ثار منها دخان، فذلك حين يقول: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ} قال: بعضهنّ فوق بعض، وسبع أرضين بعضهنّ تـحت بعض.

وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {فَسَوَّٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ} قال: بعضهنّ فوق بعض، بـين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام.

وحدثنا الـمثنى، قال: حدثنا أبو صالـح، قال: حدثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس فـي قوله حيث ذكر خـلق الأرض قبل السماء، ثم ذكر السماء قبل الأرض، وذلك أن الله خـلق الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء، ثم استوى إلـى السماء فسوّاهنّ سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ذلك، فذلك قوله:

{ وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا }

[النازعات: 30] وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالـح، قال: حدثنـي أبو معشر، عن سعيد بن أبـي سعيد، عن عبد الله بن سلام أنه قال: إن الله بدأ الـخـلق يوم الأحد، فخـلق الأرضين فـي الأحد والاثنـين، وخـلق الأقوات والرواسي فـي الثلاثاء والأربعاء، وخـلق السموات فـي الـخميس والـجمعة، وفرغ فـي آخر ساعة من يوم الـجمعة، فخـلق فـيها آدم علـى عجل فتلك الساعة التـي تقوم فـيها الساعة.

قال أبو جعفر: فمعنى الكلام إذا: هو الذي أنعم علـيكم، فخـلق لكم ما فـي الأرض جميعاً وسخره لكم تفضلاً منه بذلك علـيكم، لـيكون لكم بلاغاً فـي دنـياكم، ومتاعاً إلـى موافـاة آجالكم، ودلـيلاً لكم علـى وحدانـية ربكم. ثم علا إلـى السموات السبع وهي دخان، فسوّاهن وحبكهن، وأجرى فـي بعضهن شمسه وقمره ونـجومه، وقدّر فـي كل واحدة منهنّ ما قدّر من خـلقه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.

يعنـي بقوله جلّ جلاله: وهو نفسه، وبقوله: {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}: أن الذي خـلقكم وخـلق لكم ما فـي الأرض جميعاً، وسّوى السموات السبع بـما فـيهن، فأحكمهن من دخان الـماء وأتقن صنعهن، لا يخفـى علـيه أيها الـمنافقون والـملـحدون الكافرُونَ به من أهل الكتاب، ما تبدون وما تكتـمون فـي أنفسكم، وإن أبدى منافقوكم بألسنتهم قولهم: {آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} وهم علـى التكذيب به منطوون. وكذبت أحبـاركم بـما أتاهم به رسولـي من الهدى والنور وهم بصحته عارفون، وجحدوا وكتـموا ما قد أخذت علـيهم ببـيانه لـخـلقـي من أمر مـحمد ونبوّته الـمواثـيق، وهم به عالـمون بل أنا عالـم بذلك وغيره من أموركم، وأمور غيركم، إنـي بكل شيء علـيـم. وقوله: {عَلِيمٌ} بـمعنى عالـم. ورُوي عن ابن عبـاس أنه كان يقول: هو الذي قد كمل فـي علـمه.

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالـح، قال: حدثنا معاوية بن صالـح، قال: حدثنـي علـيّ بن أبـي طلـحة عن ابن عبـاس قال: العالـم الذي قد كمل فـي علـمه.

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۝٣٠

قال أبو جعفر: زعم بعض الـمنسوبـين إلـى العلـم بلغات العرب من أهل البصرة أن تأويـل قوله: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ} وقال ربك، وأن «إذ» من الـحروف الزوائد، وأن معناها الـحذف. واعتلّ لقوله الذي وصفنا عنه فـي ذلك ببـيت الأسود بن يعفر:

فإذَا وَذَلِكَ لامَهاهَ لِذِكْرِهِوَالدَّهْرُ يُعْقِبُ صَالِـحاً بِفَسادِ

ثم قال: ومعناها: وذلك لامهاه لذكره. وببـيت عبد مناف بن ربع الهذلـي:

حَتَّـى إذَا أسْلَكُوهُمْ فـي قُتائِدَةٍشَلاًّ كمَا تَطْرُدُ الـجَمَّالَةُ الشُّرُدَا

وقال: معناه: حتـى أسلكوهم.

قال أبو جعفر: والأمر فـي ذلك بخلاف ما قال وذلك أن «إذ» حرف يأتـي بـمعنى الـجزاء، ويدل علـى مـجهول من الوقت، وغير جائز إبطال حرف كان دلـيلاً علـى معنى فـي الكلام. إذ سواء قـيـلُ قائلٍ هو بـمعنى التطوّل، وهو فـي الكلام دلـيـل علـى معنى مفهوم. وقـيـلُ آخر فـي جميع الكلام الذي نطق به دلـيلاً علـى ما أريد به وهو بـمعنى التطول. ولـيس لـمدَّعي الذي وصفنا قوله فـي بـيت الأسود بن يعفر، أن «إذا» بـمعنى التطوّل وجه مفهوم بل ذلك لو حذف من الكلام لبطل الـمعنى الذي أراده الأسود بن يعفر من قوله:

فإذَا وَذَلِكَ لامَهَاهَ لِذِكْرِهِ

وذلك أنه أراد بقوله: فإذا الذي نـحن فـيه، وما مضى من عيشنا. وأشار بقوله ذلك إلـى ما تقدم وصفه من عيشه الذي كان فـيه لامهاه لذكره، يعنـي لا طعم له ولا فضل، لإعقاب الدهر صالـح ذلك بفساد. وكذلك معنى قول عبد مناف بن ربع:

حتَّـى إذَا أسْلَكُوهُمْ فِـي قُتائِدَةٍشَلاًّ...........

لو أسقط منه «إذا» بطل معنى الكلام لأن معناه: حتـى إذا أسلكوهم فـي قتائدة سلكوا شلاًّ. فدل قوله: «أسلكوهم شلاًّ» علـى معنى الـمـحذوف، فـاستغنى عن ذكره بدلالة «إذا» علـيه، فحذف. كما قد ذكرنا فـيـما مضى من كتابنا علـى ما تفعل العرب فـي نظائر ذلك، وكما قال النـمر بن تولب:

فإنَّ الـمَنِـيَّةَ مَنْ يَخْشَهَافَسَوْفَ تُصَادِفُه أيْنـما

وهو يريد: أينـما ذهب. وكما تقول العرب: أتـيتك من قبل ومن بعد تريد: من قبل ذلك ومن بعد ذلك. فكذلك ذلك فـي «إذا» كما يقول القائل: إذا أكرمك أخوك فأكرمه وإذا لا فلا يريد: وإذا لـم يكرمك فلا تكرمه. ومن ذلك قول الآخر:

فإذَا وَذَلِكَ لاَ يَضُرُّكَ ضُرُّهُفـي يَوْمِ أثل نائلاً أوْ أُنْكَدَ

نظير ما ذكرنا من الـمعنى فـي بـيت الأسود بن يعفر. وكذلك معنى قول الله جل ثناؤه: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ} لو أبطلت «إذ» وحذفت من الكلام، لاستـحال عن معناه الذي هو به وفـيه «إذ».

فإن قال قائل: فما معنى ذلك؟ وما الـجالب ل«إذْ»، إذ لـم يكن فـي الكلام قبله ما يعطف به علـيه؟ قـيـل له: قد ذكرنا فـيـما مضى أن الله جل ثناؤه خاطب الذين خاطبهم بقوله:

{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ }[البقرة: 28] بهذه الآيات والتـي بعدها موبخهم مقبحاً إلـيهم سوء فعالهم ومقامهم علـى ضلالهم مع النعم التـي أنعمها علـيهم وعلـى أسلافهم، ومذكرهم بتعديد نعمه علـيهم وعلـى أسلافهم بأسه أن يسلكوا سبـيـل من هلك من أسلافهم فـي معصية الله، فـيسلك بهم سبـيـلهم فـي عقوبته ومعرّفهم ما كان منه من تعطفه علـى التائب منهم استعتابـاً منه لهم. فكان مـما عدد من نعمه علـيهم، أنه خـلق لهم ما فـي الأرض جميعاً، وسخر لهم ما فـي السموات من شمسها وقمرها ونـجومها وغير ذلك من منافعها التـي جعلها لهم ولسائر بنـي آدم معهم منافع، فكان فـي قوله: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }[البقرة: 28] معنى: اذكروا نعمتـي التـي أنعمت علـيكم، إذ خـلقتكم ولـم تكونوا شيئاً، وخـلقت لكم ما فـي الأرض جميعاً، وسوّيت لكم ما فـي السماء. ثم عطف بقوله: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ} علـى الـمعنى الـمقتضَى بقوله: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ }[البقرة: 28] إذ كان مقتضياً ما وصفت من قوله: اذكروا نعمتـي إذْ فعلت بكم وفعلت، واذكروا فعلـى بأبـيكم آدم، إذ قلت للـملائكة إنـي جاعل فـي الأرض خـلـيفة.

فإن قال قائل: فهل لذلك من نظير فـي كلام العرب نعلـم به صحة ما قلت؟ قـيـل: نعم، أكثر من أن يحصى، من ذلك قول الشاعر:

أجِدَّكَ لَنْ تَرَى بِثُعَيْـلَبـاتٍوَلا بَـيْدَانَ ناجيَةً ذَمُولاَ وَلا مُتَدَارِكٍ وَالشَّمْسُ طِفْلٌببَعْضِ نَوَاشغِ الوَادي حُمُولا

فقال: ولا متدارك، ولـم يتقدمه فعل بلفظه يعطف علـيه، ولا حرف معرّب إعرابه فـيردّ «متدارك» علـيه فـي إعرابه. ولكنه لـما تقدمه فعل مـجحود ب«لن» يدل علـى الـمعنى الـمطلوب فـي الكلام وعلـى الـمـحذوف، استغنى بدلالة ما ظهر منه عن إظهار ما حذف، وعاملَ الكلامَ فـي الـمعنى والإعراب معاملته أن لو كان ما هو مـحذوف منه ظاهراً. لأن قوله:

أجِدَّكَ لَنْ تَرَى بِثُعَيْـلبَـاتٍ

بـمعنى: أجدك لست براءٍ، فردّ «متداركاً» علـى موضع «ترى» كأن «لست» والبـاء موجودتان فـي الكلام، فكذلك قوله: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ} لـما سلف قبله تذكير الله الـمخاطبـين به ما سلف قِبَلهم وقِبَل آبـائهم من أياديه وآلائه، وكان قوله: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ} مع ما بعده من النعم التـي عدّدها علـيهم ونبههم علـى مواقعها، ردّ إذ علـى موضع: وكُنتـم أمواتا فأحياكم لأن معنى ذلك: اذكروا هذه من نعمي، وهذه التـي قلت فـيها للـملائكة. فلـما كانت الأولـى مقتضية «إذ» عطف و«إذْ» علـى موضعها فـي الأولـى كما وصفنا من قول الشاعر فـي «ولا متدارك».

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {لِلْمَلَٰئِكَةِ}.

قال أبو جعفر: والـملائكة جمع ملك، غير أن واحدهم بغير الهمز أكثر وأشهر فـي كلام العرب منه بـالهمز، وذلك أنهم يقولون فـي واحدهم مَلَك من الـملائكة، فـيحذفون الهمز منه، ويحرّكون اللام التـي كانت مسكنة لو همز الاسم. وإنـما يحركونها بـالفتـح، لأنهم ينقلون حركة الهمزة التـي فـيه بسقوطها إلـى الـحرف الساكن قبلها، فإذا جمعوا واحدهم ردّوا الـجمع إلـى الأصل وهمزوا، فقالوا: ملائكة. وقد تفعل العرب نـحو ذلك كثـيراً فـي كلامها، فتترك الهمز فـي الكلـمة التـي هي مهموزة فـيجري كلامهم بترك همزها فـي حال، وبهمزها فـي أخرى، كقولهم: رأيت فلاناً، فجرى كلامهم بهمز رأيت، ثم قالوا: نرى وترى ويرى، فجرى كلامهم فـي يفعل ونظائرها بترك الهمز، حتـى صار الهمز معها شاذًّاً مع كون الهمز فـيها أصلاً. فكذلك ذلك فـي مَلَك وملائكة، جرى كلامهم بترك الهمز من واحدهم، وبـالهمز فـي جميعهم. وربـما جاء الواحد مهموزاً كما قال الشاعر:

فَلَسْتَ لانْسِيّ وَلَكِنْ لِـمِلأكٍتَـحَدَّرَ مِنْ جَوّ السمَّاءِ يَصُوبُ

وقد يقال فـي واحدهم: مألك، فـيكون ذلك مثل قولهم: جبذ وجذب، وشأمل وشمأل، وما أشبه ذلك من الـحروف الـمقلوبة. غير أن الذي يجب إذا سمي واحدهم مألك، أن يجمع إذ جمع علـى ذلك: مآلك، ولست أحفظ جمعهم كذلك سماعاً، ولكنهم قد يجمعون ملائك وملائكة، كما يجمع أشعث: أشاعث وأشاعثه، ومسمع: مسامع ومسامعة. قال أمية بن أبـي الصلت فـي جمعهم كذلك:

وَفِـيها مِنْ عِبـادِ اللَّهِ قَوْمٌمَلائِكُ ذلِّلُوا وَهُمُ صِعابُ

وأصل الـملأك: الرسالة، كما قال عديّ بن زيد العبـادي:

أبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنِّـي مَلأكاًأنَّهُ قَدْ طالَ حَبْسِي وَانْتِظارِي

وقد ينشد «مألكاً» علـى اللغة الأخرى، فمن قال: ملأكاً، فهو مفعل من لأك إلـيه يلأكُ: إذا أرسل إلـيه رسالة ملأكة. ومن قال: مألكاً، فهو مفعل من ألكت إلـيه آلكُ: إذا أرسلت إلـيه مألكة وأَلوكاً، كما قال لبـيد بن ربـيعة:

وَغُلامٍ أرْسَلَتْهُ أمُّهُبَألُوكٍ فَبَذَلْنا ما سألْ

فهذا من ألكت. ومنه قول نابغة بنـي ذبـيان:

ألِكْنِـي يا عُيَـيْنَ إلَـيْكَ قَوْلاًسَتُهْدِيهِ الرُّوَاةُ إلَـيْكَ عَنِّـي

وقال عبد بنـي الـحسحاس:

ألِكْنِـي إلَـيْها عَمْرَكَ اللَّهُ يا فَتَـىبِآيَةِ ما جاءَتْ إلَـيْنَا تَهادِيا

يعنـي بذلك: أبلغها رسالتـي. فسميت الـملائكة ملائكة بـالرسالة، لأنها رسل الله بـينه وبـين أنبـيائه ومن أرسلت إلـيه من عبـاده.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ}.

اختلف أهل التأويـل فـي قوله: {إِنِّي جَاعِلٌ}، فقال بعضهم: إنـي فـاعل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم بن الـحسن، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن جرير بن حازم، ومبـارك عن الـحسن، وأبـي بكر، يعنـي الهذلـي عن الـحسن وقتادة، قالوا: قال الله للـملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} قال لهم: إنـي فـاعل.

وقال آخرون: إنـي خالق. ذكر من قال ذلك:

حدثت عن الـمنـجاب بن الـحارث قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، قال: كل شيء فـي القرآن «جعل» فهو خـلق.

قال أبو جعفر: والصواب فـي تأويـل قوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} أي مستـخـلف فـي الأرض خـلـيفة ومصير فـيها خـلفـاً، وذلك أشبه بتأويـل قول الـحسن وقتادة. وقـيـل إن الأرض التـي ذكرها الله فـي هذه الآية هي مكة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن عطاء، عن ابن سابط أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال:

دُحِيَتْ الأرْضُ مِنْ مَكَّةَ. وكانت الـملائكة تطوف بـالبـيت، فهي أول من طاف به، وهي الأرض التـي قال الله:{ إنـي جاعل فـي الأرْضِ خَـلِـيفَةً}، وكان النبـي إذا هلك قومه ونـجا هو والصالـحون أتـى هو ومن معه فعبدوا الله بها حتـى يـموتوا، فإن قبر نوح وهود وصالـح وشعيب بـين زمزم والركن والـمقام

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {خَـلِـيفَةً}.

والـخـلـيفة الفعلـية، من قولك: خـلف فلان فلاناً فـي هذا الأمر إذا قام مقامه فـيه بعده، كما قال جل ثناؤه:

{ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ }[يونس: 14] يعنـي بذلك: أنه أبدلكم فـي الأرض منهم فجعلكم خـلفـاء بعدهم ومن ذلك قـيـل للسلطان الأعظم: خـلـيفة، لأنه خـلف الذي كان قبله، فقام بـالأمر مقامه، فكان منه خـلفـاً، يقال منه: خـلف الـخـلـيفة يخـلُف خلافة وخـلـيفـاً، وكان ابن إسحاق يقول بـما:

حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} يقول: ساكناً وعامراً يسكنها ويعمرها خـلقاً لـيس منكم. ولـيس الذي قال ابن إسحاق فـي معنى الـخـلـيفة بتأويـلها، وإن كان الله جل ثناؤه إنـما أخبر ملائكته أنه جاعل فـي الأرض خـلـيفة يسكنها، ولكن معناها ما وصفت قبل.

فإن قال لنا قائل: فما الذي كان فـي الأرض قبل بنـي آدم لها عامراً فكان بنو آدم بدلاً منه وفـيها منه خـلفـاً؟ قـيـل: قد اختلف أهل التأويـل فـي ذلك.

فحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس، قال: أوّل من سكن الأرض الـجنّ، فأفسدوا فـيها، وسفكوا فـيها الدماء، وقتل بعضهم بعضاً. قال: فبعث الله إلـيهم إبلـيس فـي جند من الـملائكة، فقتلهم إبلـيس ومن معه، حتـى ألـحقهم بجزائر البحور وأطراف الـجبـال ثم خـلق آدم فأسكنه إياها، فلذلك قال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}.

فعلـى هذا القول إنـي جاعل فـي الأرض خـلـيفة من الـجنّ يخـلفونهم فـيها فـيسكنونها ويعمرونها.

وحدثنـي الـمثنى قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس فـي قوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} الآية، قال: إن الله خـلق الـملائكة يوم الأربعاء، وخـلق الـجن يوم الـخميس، وخـلق آدم يوم الـجمعة، فكفر قوم من الـجن، فكانت الـملائكة تهبط إلـيهم فـي الأرض فتقاتلهم، فكانت الدماء وكان الفساد فـي الأرض.

وقال آخرون فـي تأويـل قوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} أي خـلفـاً يخـلف بعضهم بعضاً، وهم ولد آدم الذين يخـلفون أبـاهم آدم، ويخـلف كل قرن منهم القرن الذي سلف قبله.

وهذا قول حكي عن الـحسن البصري، ونظير له ما:

حدثنـي به مـحمد بن بشار، قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: حدثنا سفـيان عن عطاء بن السائب، عن ابن سابط فـي قوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ} قال: يعنون به بنـي آدم.

وحدثنـي يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قال الله للـملائكة: إنـي أريد أن أخـلق فـي الأرض خـلقاً، وأجعل فـيها خـلـيفة، ولـيس لله يومئذ خـلق إلا الـملائكة والأرض لـيس فـيها خـلق.

وهذا القول يحتـمل ما حُكي عن الـحسن، ويحتـمل أن يكون أراد ابن زيد أن الله أخبر الـملائكة أنه جاعل فـي الأرض خـلـيفة له، يحكم فـيها بـين خـلقه بحكمه، نظير ما:

حدثنـي به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: أن الله جل ثناؤه قال للـملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} قالوا: ربنا وما يكون ذلك الـخـلـيفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون فـي الأرض ويتـحاسدون ويقتل بعضهم بعضاً. فكان تأويـل الآية علـى هذه الرواية التـي ذكرناها عن ابن مسعود وابن عبـاس: إنـي جاعل فـي الأرض خـلـيفة منـي يخـلفنـي فـي الـحكم بـين خـلقـي، وذلك الـخـلـيفة هو آدم ومن قام مقامه فـي طاعة الله والـحكم بـالعدل بـين خـلقه.

وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها فمن غير خـلفـائه، ومن غير آدم ومن قام مقامه فـي عبـاد الله لأنهما أخبرا أن الله جل ثناؤه قال لـملائكته إذ سألوه: ما ذاك الـخـلـيفة: إنه خـلـيفة يكون له ذرية يفسدون فـي الأرض ويتـحاسدون ويقتل بعضهم بعضاً. فأضاف الإفساد وسفك الدماء بغير حقها إلـى ذرية خـلـيفته دونه وأخرج منه خـلـيفته.

وهذا التأويـل وإن كان مخالفـاً فـي معنى الـخـلـيفة ما حُكي عن الـحسن من وجه، فموافق له من وجه. فأما موافقته إياه فصرف متأوّلـيه إضافة الإفساد فـي الأرض وسفك الدماء فـيها إلـى غير الـخـلـيفة. وأما مخالفته إياها فإضافتهما الـخلافة إلـى آدم بـمعنى استـخلاف الله إياه فـيها، وإضافة الـحسن الـخلافة إلـى ولده بـمعنى خلافة بعضهم بعضاً، وقـيام قرن منهم مقام قرن قبلهم، وإضافة الإفساد فـي الأرض وسفك الدماء إلـى الـخـلـيفة. والذي دعا الـمتأوّلـين قوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} فـي التأويـل الذي ذكر عن الـحسن إلـى ما قالوا فـي ذلك أنهم قالوا إن الـملائكة إنـما قالت لربها إذ قال لهم ربهم: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} إخبـاراً منها بذلك عن الـخـلـيفة الذي أخبر الله جل ثناؤه أنه جاعله فـي الأرض لا غيره لأن الـمـحاورة بـين الـملائكة وبـين ربها عنه جرت. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله قد برأ آدم من الإفساد فـي الأرض وسفك الدماء وطهره من ذلك، علـم أن الذي عنى به غيره من ذرّيته، فثبت أن الـخـلـيفة الذي يفسد فـي الأرض ويسفك الدماء هو غير آدم، وأنهم ولده الذين فعلوا ذلك، وأن معنى الـخلافة التـي ذكرها الله إنـما هي خلافة قرن منهم قرناً غيرهم لـما وصفنا. وأغفل قائلو هذه الـمقالة ومتأوّلو الآية هذا التأويـل سبـيـل التأويـل، وذلك أن الـملائكة إذ قال لها ربها: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} لـم تضف الإفساد وسفك الدماء فـي جوابها ربها إلـى خـلـيفته فـي أرضه، بل قالت: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا}، وغير منكر أن يكون ربها أعلـمها أنه يكون لـخـلـيفته ذلك ذرية يكون منهم الإفساد وسفك الدماء، فقالت: يا ربنا أتـجعل فـيها من يفسد فـيها ويسفك الدماء؟ كما قال ابن مسعود وابن عبـاس، ومن حكينا ذلك عنه من أهل التأويـل.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ}.

قال أبو جعفر: إن قال قائل: وكيف قالت الـملائكة لربها إذ أخبرها أنه جاعل فـي الأرض خـلـيفة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} ولـم يكن آدم بعد مخـلوقاً ولا ذرّيته، فـيعلـموا ما يفعلون عياناً؟ أعلـمت الغيب فقالت ذلك، أم قالت ما قالت من ذلك ظنًّاً، فذلك شهادة منها بـالظن وقول بـما لا تعلـم، وذلك لـيس من صفتها، فما وجه قـيـلها ذلك لربها؟ قـيـل: قد قالت العلـماء من أهل التأويـل فـي ذلك أقوالاً ونـحن ذاكرو أقوالهم فـي ذلك، ثم مخبرون بأصحها برهاناً وأوضحها حجة.

فروي عن ابن عبـاس فـي ذلك ما:

حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس، قال: كان إبلـيس من حيّ من أحياء الـملائكة، يقال لهم «الـجن» خـلقوا من نار السموم من بـين الـملائكة، قال: وكان اسمه الـحرث. قال: وكان خازناً من خزان الـجنة. قال: وخـلقت الـملائكة كلهم من نور غير هذا الـحيّ. قال: وخـلقت الـجنّ الذين ذكروا فـي القرآن من مارج من نار، وهو لسان النار الذي يكون فـي طرفها إذ ألهبت. قال: وخـلق الإنسان من طين، فأوّل من سكن الأرض الـجنّ، فأفسدوا فـيها وسفكوا الدماء، وقتل بعضهم بعضاً. قال: فبعث الله إلـيهم إبلـيس فـي جند من الـملائكة، وهم هذا الـحيّ الذين يقال لهم «الـجنّ»، فقتلهم إبلـيس ومن معه حتـى ألـحقهم بجزائر البحور وأطراف الـجبـال. فلـما فعل إبلـيس ذلك اغترّ فـي نفسه، وقال: قد صنعت شيئاً لـم يصنعه أحد. قال: فـاطلع الله علـى ذلك من قلبه، ولـم تطلع علـيه الـملائكة الذين كانوا معه فقال الله للـملائكة الذين معه: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} فقالت الـملائكة مـجيبـين له: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} كما أفسدت الـجن وسفكت الدماء؟ وإنـما بُعثنا علـيهم لذلك. فقال: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} يقول: إنـي قد اطلعت من قلب إبلـيس علـى ما لـم تطلعوا علـيه من كبره واغتراره، قال: ثم أمر بتربة آدم فرفعت، فخـلق الله آدم من طين لازب واللازب: اللزج الصلب من حمأ مسنون منتن. قال: وإنـما كان حمأ مسنوناً بعد التراب. قال: فخـلق منه آدم بـيده. قال فمكث أربعين لـيـلة جسداً ملقـى، فكان إبلـيس يأتـيه فـيضربه برجله فـيصلصل أي فـيصوّت قال: فهو قول الله:

{ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ }[الرحمن: 14] يقول: كالشيء الـمنفوخ الذي لـيس بـمُصْمِتٍ، قال: ثم يدخـل فـي فـيه ويخرج من دبره، ويدخـل من دبره ويخرج من فـيه، ثم يقول: لست شيئاً للصلصلة، ولشيء ما خـلقت لئن سلطت علـيك لأهلكنك، ولئن سلطت علـيّ لأعصينك. قال: فلـما نفخ الله فـيه من روحه، أتت النفخة من قِبَل رأسه، فجعل لا يجري شيء منها فـي جسده إلا صار لـحماً ودماً. فلـما انتهت النفخة إلـى سرّته نظر إلـى جسده، فأعجبه ما رأى من حسنه، فذهب لـينهض فلـم يقدر، فهو قول الله: { وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً }[الإسراء: 11] قال: ضَجِراً لا صبر له علـى سرّاء ولا ضرّاء. قال: فلـما تـمت النفخة فـي جسده، عطس فقال: الـحمد لله ربّ العالـمين، بإلهام من الله تعالـى. فقال الله له: يرحمك الله يا آدم. قال: ثم قال الله للـملائكة الذين كانوا مع إبلـيس خاصة دون الـملائكة الذين فـي السموات: اسجدوا لآدم فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبلـيس أبى واستكبر لـما كان حدّث به نفسه من كبره واغتراره، فقال: لا أسجد له وأنا خير منه وأكبر سنّاً وأقوى خـلقاً، خـلقتنـي من نار وخـلقته من طين. يقول: إن النار أقوى من الطين. قال: فلـما أبى إبلـيس أن يسجد أبلسه الله، وآيسه من الـخير كله، وجعله شيطاناً رجيـماً عقوبة لـمعصيته، ثم علّـم آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التـي يتعارف بها الناس: إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وحمار، وأشبـاه ذلك من الأمـم وغيرها. ثم عرض هذه الأسماء علـى أولئك الـملائكة، يعنـي الـملائكة الذين كانوا مع إبلـيس الذين خـلقوا من نار السموم، وقال لهم: { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ }[البقرة: 31] يقول: أخبرونـي بأسماء هؤلاء { إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ }[البقرة: 31] إن كنتـم تعلـمون أنـي لِـمَ أجعل فـي الأرض خـلـيفة. قال: فلـما علـمت الـملائكة مؤاخذة الله علـيهم فـيـما تكلـموا به من علـم الغيب الذي لا يعلـمه غيره الذي لـيس لهم به علـم، قالوا: سبحانك تنزيها لله من أن يكون أحد يعلـم الغيب غيره، تبنا إلـيك لا علـم لنا إلا ما علـمتنا تبرياً منهم من علـم الغيب، إلا ما علـمتنا كما علـمت آدم. فقال: { يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ }[البقرة: 33] يقول: أخبرهم بأسمائهم { فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ }[البقرة: 33] أيها الـملائكة خاصة { إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ }[البقرة: 33] ولا يعلـمه غيري { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ }[البقرة: 33] يقول: ما تظهرون { وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ }[البقرة: 33] يقول: أعلـم السرّ كما أعلـم العلانـية، يعنـي ما كتـم إبلـيس فـي نفسه من الكبر والاغترار.

وهذه الرواية عن ابن عبـاس تنبىء عن أن قول الله جل ثناؤه: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} خطاب من الله جل ثناؤه لـخاصّ من الـملائكة دون الـجميع، وأن الذين قـيـل لهم ذلك من الـملائكة كانوا قبـيـلة إبلـيس خاصة، الذين قاتلوا معه جنّ الأرض قبل خـلق آدم. وأن الله إنـما خصهم بقـيـل ذلك امتـحاناً منه لهم وابتلاءً لـيعرفهم قصور علـمهم وفضل كثـير مـمن هو أضعف خـلقاً منهم من خـلقه علـيهم، وأن كرامته لا تنال بقوى الأبدان وشدة الأجسام كما ظنه إبلـيس عدوّ الله. ويصرّح بأن قـيـلهم لربهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} كانت هفوة منهم ورجماً بـالغيب، وأن الله جل ثناؤه أطلعهم علـى مكروه ما نطقوا به من ذلك، ووقـفهم علـيه حتـى تابوا وأنابوا إلـيه مـما قالوا ونطقوا من رجم الغيب بـالظنون، وتبرّءوا إلـيه أن يعلـم الغيب غيره، وأظهر لهم من إبلـيس ما كان منطوياً علـيه من الكبر الذي قد كان عنهم مستـخفـياً.

وقد رُوي عن ابن عبـاس خلاف هذه الرواية، وهو ما:

حدثنـي به موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: لـما فرغ الله من خـلق ما أحبّ، استوى علـى العرش، فجعل إبلـيس علـى ملك سماء الدنـيا، وكان من قبـيـلة من الـملائكة يقال لهم الـجنّ وإنـما سموا الـجنّ لأنهم خزّان الـجنة. وكان إبلـيس مع ملكه خازناً، فوقع فـي صدره كبر وقال: ما أعطانـي الله هذا إلا لـمزية لـي هكذا قال موسى بن هارون، وقد حدثنـي به غيره، وقال: لـمزية لـي علـى الـملائكة فلـما وقع ذلك الكبر فـي نفسه، اطلع الله علـى ذلك منه، فقال الله للـملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} قالوا: ربنا وما يكون ذلك الـخـلـيفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون فـي الأرض ويتـحاسدون ويقتل بعضهم بعضاً {قَالُواْ} رَبَّنا {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} يعنـي من شأن إبلـيس. فبعث جبريـل إلـى الأرض لـيأتـيه بطين منها، فقالت الأرض: إنـي أعوذ بـالله منك أن تنقص منـي أو تشيننـي فرجع ولـم يأخذ وقال: ربّ إنها عاذت بك فأعذتها. فبعث الله ميكائيـل، فعاذت منه فأعاذها، فرجع فقال كما قال جبريـل. فبعث ملك الـموت، فعاذت منه فقال: وأنا أعوذ بـالله أن أرجع ولـم أنفذ أمره. فأخذ من وجه الأرض وخـلط، فلـم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبـيضاء وسوداء فلذلك خرج بنو آدم مختلفـين، فصعد به فبلّ التراب حتـى عاد طيناً لازبـاً واللازب: هو الذي يـلتزق بعضه ببعض ثم ترك حين أنتن وتغير، وذلك حين يقول:

{ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ }[الحجر: 26] قال: منتن، ثم قال للـملائكة { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }[ص: 71-72] فخـلقه الله بـيديه لكيلا يتكبر إبلـيس علـيه لـيقول له: تتكبر عما عملت بـيدي ولـم أتكبر أنا عنه؟ فخـلقه بشراً، فكان جسداً من طين أربعين سنة من مقدار يوم الـجمعة. فمرّت به الـملائكة ففزعوا منه لـما رأوه، وكان أشدّهم منه فزعاً إبلـيس، فكان يـمرّ فـيضربه، فـيصوّت الـجسد كما يصوّت الفخار وتكون له صلصلة، فذلك حين يقول: { مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ }[الرحمن: 14] ويقول لأمر مَّا خُـلقت ودخـل فـيه فخرج من دبره، فقال للـملائكة: لا ترهبوا من هذا، فإن ربكم صَمَد وهذا أجوف، لئن سلطت علـيه لأهلكنّه فلـما بلغ الـحين الذي يريد الله جل ثناؤه أن ينفخ فـيه الروح، قال للـملائكة: إذا نفخت فـيه من روحي فـاسجدوا له فلـما نفخ فـيه الروح، فدخـل الروح فـي رأسه عطس، فقالت له الـملائكة: قل الـحمد لله فقال: الـحمد لله، فقال له الله: رحمك ربك فلـما دخـل الروح فـي عينـيه، نظر إلـى ثمار الـجنة، فلـما دخـل فـي جوفه اشتهَى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجلـيه عجلان إلـى ثمار الـجنة، فذلك حين يقول: { خُـلِقَ الإنْسانُ مِنْ عَجَلٍ خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ } [الأنبياء: 39] { فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ }[الحجر: 30-31] أبى و { ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ }[ص: 74] قال الله له: { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ }[ص: 75] إذ أمرتك { لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ..... قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ }[ص: 75-76] لـم أكن لأسجد لبشر خـلقته من طين، قال الله له: { فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ }[الأعراف: 13] يعنـي ما ينبغي لك { أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ }[الأعراف: 13] والصغار هو الذلّ. قال: وعلّـم آدم الأسماء كلها، ثم عرض الـخـلق علـى الـملائكة فقال: { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ }[البقرة: 31] أن بنـي آدم يفسدون فـي الأرض ويسفكون الدماء، فقالوا له: { سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ }[البقرة: 32] قالَ الله: { يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } } [البقرة: 33] قال: قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} فهذا الذي أبدوا، وأعلـم ما كنتـم تكتـمون، يعنـي ما أسرّ إبلـيس فـي نفسه من الكبر.

قال أبو جعفر: فهذا الـخبر أوّله مخالف معناه معنى الرواية التـي رويت عن ابن عبـاس من رواية الضحاك التـي قد قدمنا ذكرها قبل، وموافق معنى آخره معناها وذلك أنه ذكر فـي أوله أن الـملائكة سألت ربها: ما ذاك الـخـلـيفة؟ حين قال لها: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} فأجابها أنه تكون له ذرية يفسدون فـي الأرض ويتـحاسدون ويقتل بعضهم بعضاً. فقالت الـملائكة حينئذٍ: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ}؟ فكان قول الـملائكة ما قالت من ذلك لربها بعد إعلام الله إياها أن ذلك كائن من ذرية الـخـلـيفة الذي يجعله فـي الأرض، فذلك معنى خلاف أوله معنى خبر الضحاك الذي ذكرناه.

وأما موافقته إياه فـي آخره، فهو قولهم فـي تأويـل قوله:

{ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ }[البقرة: 31] أن بنـي آدم يفسدون فـي الأرض ويسفكون الدماء. وأن الـملائكة قالت إذ قال لها ربها ذلك، تبرّياً من علـم الغيب: { سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ }[البقرة: 32] وهذا إذا تدبره ذو الفهم، علـم أن أوله يفسد آخره، وأن آخره يبطل معنى أوله وذلك أن الله جل ثناؤه إن كان أخبر الـملائكة أن ذرية الـخـلـيفة الذي يجعله فـي الأرض تفسد فـيها وتسفك الدماء، فقالت الـملائكة لربها: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} فلا وجه لتوبـيخها علـى أن أخبرت عمن أخبرها الله عنه أنه يفسد فـي الأرض ويسفك الدماء بـمثل الذي أخبرها عنهم ربها، فـيجوز أن يقال لها فـيـما طوي عنها من العلوم إن كنتـم صادقـين فـيـما علـمتـم بخبر الله إياكم أنه كائن من الأمور، فأخبرتـم به، فأخبرونا بـالذي قد طَوَى الله عنكم علـمه، كما قد أخبرتـمونا بـالذي قد أطلعكم الله علـيه. بل ذلك خـلف من التأويـل، ودعوى علـى الله ما لا يجوز أن يكون له صفة. وأخشى أن يكون بعضُ نَقَلَةِ هذا الـخبر هو الذي غلط علـى من رواه عنه من الصحابة، وأن يكون التأويـل منهم كان علـى ذلك: أنبئونـي بأسماء هؤلاء إن كنتـم صادقـين فـيـما ظننتـم أنكم أدركتـموه من العلـم بخبري إياكم أن بنـي آدم يفسدون فـي الأرض ويسفكون الدماء، حتـى استـجزتـم أن تقولوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} فـيكون التوبـيخ حينئذٍ واقعاً علـى ماظنوا أنهم قد أدركوا بقول الله لهم: إنه يكون له ذرية يفسدون فـي الأرض ويسفكون الدماء، لا علـى إخبـارهم بـما أخبرهم الله به أنه كائن. وذلك أن الله جل ثناؤه وإن كان أخبرهم عما يكون من بعض ذرية خـلـيفته فـي الأرض ما يكون منه فـيها من الفساد وسفك الدماء، فقد كان طوى عنهم الـخبر عما يكون من كثـير منهم ما يكون من طاعتهم ربهم وإصلاحهم فـي أرضه وحقن الدماء ورفعه منزلتهم وكرامتهم علـيه، فلـم يخبرهم بذلك، فقالت الـملائكة:{أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} علـى ظنّ منها علـى تأويـل هذين الـخبرين اللذين ذكرت، وظاهرهما أن جميع ذرية الـخـلـيفة الذي يجعله فـي الأرض يفسدون فـيها ويسفكون فـيها الدماء. فقال الله لهم إذ علّـم آدم الأسماء كلها: { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ }[البقرة: 31] أنكم تعلـمون أن جميع بنـي آدم يفسدون فـي الأرض ويسفكون الدماء علـى ما ظننتـم فـي أنفسكم، إنكاراً منه جل ثناؤه لقـيـلهم ما قالوا من ذلك علـى الـجميع والعموم، وهو من صفة خاص ذرية الـخـلـيفة منهم. وهذا الذي ذكرناه هو صفة منا لتأويـل الـخبر لا القول الذي نـختاره فـي تأويـل الآية.

ومـما يدل علـى ما ذكرنا من توجيه خبر الـملائكة عن إفساد ذرية الـخـلـيفة وسفكها الدماء علـى العموم، ما:

حدثنا به أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: حدثنا سفـيان، عن عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن سابط، قوله: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} قال: يعنون الناس.

وقال آخرون فـي ذلك بـما:

حدثنا به بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} فـإستـشار الـملائكة فـي خـلق آدم، فقالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} وقد علـمت الـملائكة من علـم الله أنه لا شيء أكره إلـى الله من سفك الدماء والفساد فـي الأرض{وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} فكان فـي علـم الله جل ثناؤه أنه سيكون من ذلك الـخـلـيفة أنبـياء ورسل، وقوم صالـحون، وساكنوا الـجنة. قال: وذكر لنا أن ابن عبـاس كان يقول: إن الله لـما أخذ فـي خـلق آدم قالت الـملائكة: ما الله خالق خـلقاً أكرم علـيه منا ولا أعلـم منا فـابتلوا بخـلق آدم، وكل خالق مبتلًـى، كما ابتلـيت السموات والأرض بـالطاعة فقال الله:

{ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ }

[فصلت: 11] وهذا الـخبر عن قتادة يدل علـى أن قتادة كان يرى أن الـملائكة قالت ما قالت من قولها: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} علـى غير يقـين علـم تقدم منها بأن ذلك كائن ولكن علـى الرأي منها والظن، وأن الله جل ثناؤه أنكر ذلك من قـيـلها وردّ علـيها ما رأت بقوله: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من أنه يكون من ذرّية ذلك الـخـلـيفة الأنبـياء والرسلُ والـمـجتهدُ فـي طاعة الله.

وقد روي عن قتادة خلاف هذا التأويـل، وهو ما:

حدثنا به الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} قال: كان الله أعلـمهم إذا كان فـي الأرض خـلق أفسدوا فـيها وسفكوا الدماء، فذلك قوله: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا}. وبـمثل قول قتادة قال جماعة من أهل التأويـل، منهم الـحسن البصري.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن جرير بن حازم، ومبـارك عن الـحسن، وأبـي بكر عن الـحسن، وقتادة قالا: قال الله لـملائكته: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} قال لهم إنـي فـاعل. فعرضوا برأيهم، فعلـمهم علـماً وطوى عنهم علـماً عَلِـمَه لا يعلـمونه. فقالوا بـالعلـم الذي علّـمهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} وقد كانت الـملائكة علـمت من علـم الله أنه لا ذنب أعظم عند الله من سفك الدماء {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. فلـما أخذ فـي خـلق آدم، همست الـملائكة فـيـما بـينها، فقالوا: لـيخـلق ربنا ما شاء أن يخـلق، فلن يخـلق خـلقاً إلا كنا أعلـم منه، وأكرم علـيه منه. فلـما خـلقه ونفخ فـيه من روحه، أمرهم أن يسجدوا له لـما قالوا، ففضله علـيهم، فعلـموا أنهم لـيسوا بخير منه، فقالوا: إن لـم نكن خيراً منه فنـحن أعلـم منه، لأنا كنا قبله، وخـلقت الأمـم قبله، فلـما أعجبوا بعلـمهم ابتلوا

{ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ }[البقرة: 31] أنـي لا أخـلق خـلقاً إلا كنتـم أعلـم منه، فأخبرونـي بأسماء هؤلاء إن كنتـم صادقـين قال: ففزع القوم إلـى التوبة وإلـيها يفزع كل مؤمن فقالوا: { سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ قالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ }[البقرة: 32-33] لقولهم: لـيخـلق ربنا ما شاء فلن يخـلق خـلقاً أكرم علـيه منا ولا أعلـم منّا.

قال: علـمه اسم كل شيء، هذه الـجبـال، وهذه البغال، والإبل، والـجنّ، والوحش، وجعل يسمي كل شيء بـاسمه، وعرضت علـيه كل أمة فقالَ

{ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ }[البقرة: 33] قال أما ما بدوا فقولهم {أتجعل فيها مَنْ يُفْسِدُ فِـيها وَيَسْفِكُ الدّماءَ}. وأما ما كتـموا فقول بعضهم لبعض: نـحن خير منه وأعلـم.

حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال: حدثنا إسحاق بن الـحجاج، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه عن الربـيع بن أنس فـي قوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} الآية. قال: إن الله خـلق الـملائكة يوم الأربعاء، وخـلق الـجن يوم الـخميس، وخـلق آدم يوم الـجمعة. قال: فكفر قوم من الـجن، فكانت الـملائكة تهبط إلـيهم فـي الأرض فتقاتلهم، فكانت الدماء، وكان الفساد فـي الأرض. فمن ثم قالوا: {أتجعل فيها مَنْ يُفْسِدُ فِـيها وَيَسْفِكُ الدّماءَ}... الآية.

وحدثت عن عمار بن الـحسن، قال: أخبرنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، بـمثله.

{ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ }[البقرة: 31] إلـى قوله: { إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ }[البقرة: 32] قال: وذلك حين قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} قال: فلـما عرفوا أنه جاعل فـي الأرض خـلـيفة قالوا بـينهم: لن يخـلق الله خـلقاً إلا كنا نـحن أعلـم منه وأكرم فأراد الله أن يخبرهم أنه قد فضل علـيهم آدم، وعلّـم آدم الأسماء كلها، فقال للـملائكة: { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ }[البقرة: 31] إلـى قوله: { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ }[البقرة: 33] وكان الذي أبدوا حين قَالُوا {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} وكان الذي كتـموا بـينهم قولهم: لن يخـلق الله خـلقاً إلا كنا نـحن أعلـم منه وأكرم. فعرفوا أن الله فضل علـيهم آدم فـي العلـم والكرم.

وقال ابن زيد بـما:

حدثنـي به يونس بن عبد الأعلـى قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: لـما خـلق الله النار ذعرت منها الـملائكة ذعراً شديداً، وقالوا: ربنا لـم خـلقت هذه النار، ولأيّ شيء خـلقتها؟ قال: لـمن عصانـي من خـلقـي. قال: ولـم يكن لله خـلق يومئذٍ إلا الـملائكة والأرض، لـيس فـيها خـلق، إنـما خـلق آدم بعد ذلك. وقرأ قول الله:

{ هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً }[الإنسان: 1] قال: قال عمر بن الـخطاب: يا رسول الله لـيت ذلك الـحين. ثم قال: قالت الـملائكة: يا رب أو يأتـي علـينا دهر نعصيك فـيه لا يرون له خـلقاً غيرهم. قال: لا، إنـي أريد أن أخـلق فـي الأرض خـلقاً وأجعل فـيها خـلـيقة يسفكون الدماء ويفسدون فـي الأرض. فقالت الـملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} وقد اخترتنا؟ فـاجعلنا نـحن فـيها فنـحن نسبح بحمدك ونقدس لك ونعمل فـيها بطاعتك وأعظمت الـملائكة أن يجعل الله فـي الأرض من يعصيه. فقال: إنـي أعلـم ما لا تعلـمون، يا آدم أنبئهم بأسمائهم فقال: فلان، وفلان. قال: فلـما رأوا ما أعطاه الله من العلـم، أقرّوا لآدم بـالفضل علـيهم، وأبى الـخبـيث إبلـيس أن يقرّ له، قال: { قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } [ص: 76] { قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا }

[الأعراف: 13] وقال ابن إسحاق بـما:

حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة بن الفضل، عن مـحمد بن إسحاق، قال: لـما أراد الله أن يخـلق آدم بقدرته لـيبتلـيه ويبتلـي به، لعلـمه بـما فـي ملائكته وجميع خـلقه وكان أول بلاء ابتلـيت به الـملائكة مـما لها فـيه ما تـحبّ وما تكره للبلاء والتـمـحيص لـما فـيهم مـما لـم يعلـموا وأحاط به علـم الله منهم جمع الـملائكة من سكان السموات والأرض، ثم قال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} يقول: عامر أو ساكن يسكنها ويعمرها خـلقاً لـيس منكم. ثم أخبرهم بعلـمه فـيهم، فقال: يفسدون فـي الأرض ويسفكون الدماء ويعملون بـالـمعاصي، فقالوا جميعاً: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} لا نعصي ولا نأتـي شيئاً كرهته؟ قال: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} قال: إنـي أعلـم فـيكم ومنكم، ولـم يبدها لهم من الـمعصية والفساد وسفك الدماء وإتـيان ما أكره منهم، مـما يكون فـي الأرض، مـما ذكرت فـي بنـي آدم.

قال الله لـمـحمد صلى الله عليه وسلم:

{ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ }[ص: 69-70] إلـى قوله: { فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ }[ص: 72] فذكر لنبـيه صلى الله عليه وسلم الذي كان من ذكره آدم حين أراد خـلقه ومراجعة الـملائكة إياه فـيـما ذكر لهم منه. فلـما عزم الله تعالـى ذكره علـى خـلق آدم قال للـملائكة: { إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } [الحجر: 28] بـيدّي تكرمةً له، وتعظيـماً لأمره، وتشريفـاً له حفظت الـملائكة عهده، ووعوا قوله، وأجمعوا الطاعة، إلا ما كان من عدوّ الله إبلـيس، فإنه صمت علـى ما كان فـي نفسه من الـحسد والبغي والتكبر والـمعصية. وخـلق الله آدم من أَدَمة الأرض، من طين لازب من حمأ مسنون، بـيديه تكرمة له وتعظيـماً لأمره وتشريفـاً له علـى سائر خـلقه.

قال ابن إسحاق: فـيقال والله أعلـم: خـلق الله آدم ثم وضعه ينظر إلـيه أربعين عاماً قبل أن ينفخ فـيه الروح حتـى عاد صلصالاً كالفخار، ولـم تـمسه نار. قال: فـيقال والله أعلـم: إنه لـما انتهى الروح إلـى رأسه عطس، فقال: الـحمد لله فقال له ربه: يرحمك ربك ووقع الـملائكة حين استوى سجوداً له حفظاً لعهد الله الذي عهد إلـيهم، وطاعة لأمره الذي أمرهم به. وقام عدوّ الله إبلـيس من بـينهم، فلـم يسجد مكابراً متعظماً بغياً وحسداً، فقال له:

{ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ }[ص: 75] إلـى: { لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }[ص: 85] قال: فلـما فرغ الله من إبلـيس ومعاتبته وأبى إلـى الـمعصية، أوقع علـيه اللعنة وأخرجه من الـجنة. ثم أقبل علـى آدم، وقد علـمه الأسماء كلها، فقال: { قَالُواْ سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ... يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ }[البقرة: 33-34] أي إنـما أجبناك فـيـما علـمتنا، فأما ما لـم تعلـمنا فأنت أعلـم به. فكان ما سمى آدمُ من شيء كان اسمه الذي هو علـيه إلـى يوم القـيامة.

وقال ابن جريج بـما:

حدثنا به القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج عن ابن جريج، قال: إنـما تكلـموا بـما أعلـمهم أنه كائن من خـلق آدم، فقالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ}.

وقال بعضهم: إنـما قالت الـملائكة ما قالت: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} لأن الله أذن لها فـي السؤال عن ذلك بعد ما أخبرها أن ذلك كائن من بنـي آدم، فسألته الـملائكة فقالت علـى التعجب منها: وكيف يعصونك يا ربّ وأنت خالقهم فأجابهم ربهم: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} يعنـي أن ذلك كائن منهم وإن لـم تعلـموه أنتـم، ومن بعض من ترونه لـي طائعاً. يعرّفهم بذلك قصور علـمهم عن علـمه.

وقال بعض أهل العربـية: قول الـملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا}علـى غير وجه الإنكار منهم علـى ربهم، وإنـما سألوه لـيعلـموا، وأخبروا عن أنفسهم أنهم يسبحون. وقال: قالوا ذلك لأنهم كرهوا أن يعصى الله، لأن الـجنّ قد كانت أمرت قبل ذلك فعصت.

وقال بعضهم: ذلك من الـملائكة علـى وجه الاسترشاد عما لـم يعلـموا من ذلك، فكأنهم قالوا: يا ربّ خبرنا مسألة استـخبـار منهم لله لا علـى وجه مسألة التوبـيخ.

قال أبو جعفر: وأولـى هذه التأويلات بقول الله جل ثناؤه مخبراً عن ملائكته قـيـلها له: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} تأويـل من قال: إن ذلك منها استـخبـار لربها بـمعنى: أعلـمنا يا ربنا، أجاعل أنت فـي الأرض من هذه صفته وتارك أن تـجعل خـلفـاءك منا، ونـحن نسبح بحمدك، ونقدّس لك؟ لا إنكارٌ منها لـما أعلـمها ربها أنه فـاعل، وإن كانت قد استعظمت لـما أخبرت بذلك أن يكون لله خـلق يعصيه.

وأما دعوى من زعم أن الله جل ثناؤه كان أذن لها بـالسؤال عن ذلك فسألته علـى وجه التعجب، فدعوى لا دلالة علـيها فـي ظاهر التنزيـل ولا خبر بها من الـحجة يقطع العذر، وغير جائز أن يقال فـي تأويـل كتاب الله بـما لا دلالة علـيه من بعض الوجوه التـي تقوم بها الـحجة.

وأما وصف الـملائكة من وصفت فـي استـخبـارها ربها عنه بـالفساد فـي الأرض وسفك الدماء، فغير مستـحيـل فـيه ما رُوي عن ابن عبـاس وابن مسعود من القول الذي رواه السدّي ووافقهما علـيه قتادة من التأويـل. وهو أن الله جل ثناؤه أخبرهم أنه جاعل فـي الأرض خـلـيفة تكون له ذرية يفعلون كذا وكذا، فقالوا:{أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} علـى ما وصفت من الاستـخبـار.

فإن قال لنا قائل: وما وجه استـخبـارها والأمر علـى ما وصفت من أنها قد أخبرت أن ذلك كائن؟ قـيـل: وجه استـخبـارها حينئذٍ يكون عن حالهم عند وقوع ذلك، وهل ذلك منهم؟ ومسألتهم ربهم أن يجعلهم الـخـلفـاء فـي الأرض حتـى لا يعصوه.

وغير فـاسد أيضاً ما رواه الضحاك عن ابن عبـاس وتابعه علـيه الربـيع بن أنس من أن الـملائكة قالت ذلك لـما كان عندها من علـم سكان الأرض قبل آدم من الـجن، فقالت لربها: أجاعل فـيها أنت مثلهم من الـخـلق يفعلون مثل الذي كانوا يفعلون؟ علـى وجه الاستعلام منهم لربهم، لا علـى وجه الإيجاب أن ذلك كائن كذلك، فـيكون ذلك منها إخبـاراً عما لـم تطلع علـيه من علـم الغيب.

وغير خطأ أيضاً ما قاله ابن زيد من أن يكون قـيـل الـملائكة ما قالت من ذلك علـى وجه التعجب منها من أن يكون لله خـلق يعصي خالقه.

وإنـما تركنا القول بـالذي رواه الضحاك عن ابن عبـاس ووافقه علـيه الربـيع بن أنس وبـالذي قاله ابن زيد فـي تأويـل ذلك لأنه لا خبر عندنا بـالذي قالوه من وجه يقطع مـجيئه العذر ويـلزم سامعه به الـحجة. والـخبر عما مضى وما قد سلف، لا يدرك علـم صحته إلا بـمـجيئه مـجيئاً يـمتنع منه التشاغب والتواطؤ، ويستـحيـل منه الكذب والـخطأ والسهو. ولـيس ذلك بـموجود كذلك فـيـما حكاه الضحاك عن ابن عبـاس ووافقه علـيه الربـيع، ولا فـيـما قاله ابن زيد. فأولـى التأويلات إذ كان الأمر كذلك بـالآية، ما كان علـيه من ظاهر التنزيـل دلالةٌ مـما يصحّ مخرجه فـي الـمفهوم.

فإن قال قائل: فإن كان أولـى التأويلات بـالآية هو ما ذكرتَ من أن الله أخبر الـملائكة بأن ذرية خـلـيفته فـي الأرض يفسدون فـيها ويسفكون فـيها الدماء، فمن أجل ذلك قالت الـملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} فأين ذكر إخبـار الله إياهم فـي كتابه بذلك؟ قـيـل له: اكتفـي بدلالة ما قد ظهر من الكلام علـيه عنه، كما قال الشاعر:

فَلاَ تَدْفِنُونِـي إنَّ دَفْنِـي مُـحَرَّمٌعَلَـيْكُمْ وَلَكِنْ خامِرِي أُمَّ عامِرِ

فحذف قوله دعونـي للتـي يقال لها عند صيدها خامري أم عامر، إذ كان فـيها أظهر من كلامه دلالة علـى معنى مراده. فكذلك ذلك فـي قوله:{قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} لـما كان فـيه دلالة علـى ما ترك ذكره بعد قوله:{ إنّـي جاعِلٌ فِـي الأرْضِ خَـلِـيفَةً } من الـخبر عما يكون من إفساد ذريته فـي الأرض اكتفـى بدلالته وحذف، فترك ذكره كما ذكرنا من قول الشاعر. ونظائر ذلك فـي القرآن وأشعار العرب وكلامها أكثر من أن يحصى. فلـما ذكرنا من ذلك اخترنا ما اخترنا من القول فـي تأويـل قوله: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ}.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ وَنَـحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ}.

قال أبو جعفر: أما قوله:{ وَنَـحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ } فإنه يعنـي: إنا نعظمك بـالـحمد لك والشكر، كما قال جل ثناؤه:

{ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } وكما قال: { وَالـمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ } وكل ذكر لله عند العرب فتسبـيح وصلاة، يقول الرجل منهم: قضيت سبحتـي من الذكر والصلاة. وقد قـيـل إن التسبـيح صلاة الـملائكة.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبـي الـمغيرة، عن سعيد بن جبـير قال: «كان النبـي صلى الله عليه وسلم يصلـي، فمرّ رجل من الـمسلـمين علـى رجل من الـمنافقـين، فقال له: النبـي صلى الله عليه وسلم يصلـي وأنت جالس فقال له: امض إلـى عملك إن كان لك عمل، فقال: ما أظنّ إلا سيـمرّ علـيك من ينكر علـيك. فمرّ علـيه عمر بن الـخطاب، فقال له: يا فلان النبـي صلى الله عليه وسلم يصلـي وأنت جالس فقال له مثلها. فقال: هذا من عملـي. فوثب علـيه فضربه حتـى انتهى. ثم دخـل الـمسجد فصلـى مع النبـي صلى الله عليه وسلم، فلـما انفتل النبـي صلى الله عليه وسلم قام إلـيه عمر، فقال: يا نبـيّ الله مررت آنفـاً علـى فلان وأنت تصلـي، فقلت له: النبـي صلى الله عليه وسلم يصلـي وأنت جالس فقال: سر إلـى عملك إن كان لك عمل. فقال النبـي صلى الله عليه وسلم:

فهلاّ ضَرَبْتَ عُنُقَهُ فقام عمر مسرعاً. فقال: يا عُمَرُ ارْجِعْ فإنَّ غَضَبَكَ عز وَرِضَاكَ حُكْمٌ، إنَّ لِلَّهِ فِـي السَّمَوَاتِ السَّبْعِ مَلائِكَةً يُصَلُونَ، لَهُ غِنًى عَنْ صَلاةِ فُلانٍ. فقال عمر: يا نبـيّ الله وما صلاتهم؟ فلـم يردّ علـيه شيئاً. فأتاه جبريـل، فقال: يا نبـي الله سألك عمر عن صلاة أهل السماء؟ قال: «نَعَمْ»، فقال: اقرأ علـى عمر السلام، وأخبره أن أهل السماء الدنـيا سجود إلـى يوم القـيامة يقولون: سبحان ذي الـملك والـملكوت، وأهل السماء الثانـية ركوع إلـى يوم القـيامة يقولون: سبحان ذي العزّة والـجبروت، وأهل السماء الثالثة قـيام إلـى يوم القـيامة يقولون: سبحان الـحيّ الذي لا يـموت.

قال أبو جعفر:

وحدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، وسهل بن موسى الرازي، قالا: حدثنا ابن علـية، قال: أخبرنا الـجريري، عن أبـي عبد الله الـجسري، عن عبد الله بن الصامت، عن أبـي ذرّ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاده أو أن أبـا ذرّ عاد النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله بأبـي أنت، أيّ الكلام أحبّ إلـى الله؟ فقال:


السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ