انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة البقرة

تفسير الطبريالآيات 205–210

تفسير سورة البقرة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة البقرة

الخلاصة من تفسير الطبري · 20 مقطعًا · 5:38:46

  1. 1 الآيات 203–218في هذه الصفحة 18:01

التفسير الصوتي لسورة البقرة كاملًا (20 مقطعًا)

وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ ۝٢٠٥

يعنـي بقوله جل ثناؤه:{ وإذا تولـى}، وإذا أدبر هذا الـمنافق من عندك يا مـحمد منصرفـاً عنك. كما:

حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس:{ وإذا تَوّلـى} قال: يعنـي: وإذا خرج من عندك سعى. وقال بعضهم: وإذا غضب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج قال: قال ابن جريج فـي قوله:{ وإذَا تَوَلَّـى } قال: إذا غضب.

فمعنى الآية: وإذا خرج هذا الـمنافق من عندك يا مـحمد غضبـان عمل فـي الأرض بـما حرّم الله علـيه، وحاول فـيها معصية الله، وقطع الطريق، وإفساد السبـيـل علـى عبـاد الله، كما قد ذكرنا آنفـاً من فعل الأخنس بن شريق الثقـفـي الذي ذكر السدي أن فـيه نزلت هذه الآية من إحراقه زرع الـمسلـمين وقتله حمرهم. والسعي فـي كلام العرب العمل، يقال منه: فلان يسعى علـى أهله، يعنـي به يعمل فـيـما يعود علـيهم نفعه ومنه قول الأعشى:

وَسَعَى لِكِنْدَةَ سَعْيَ غيرِ مُوَاكِلٍقَـيْسٌ فَضَرَّ عَدُوَّها ونبالها

يعنـي بذلك: عمل لهم فـي الـمكارم. وكالذي قلنا فـي ذلك كان مـجاهد يقول.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله{ وإذَا تَوَلَّـى سَعَى } قال: عمل.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى الإفساد الذي أضافه الله عز وجل إلـى هذا الـمنافق، فقال بعضهم: تأويـله ما قلنا فـيه من قطعه الطريق وإخافته السبـيـل، كما قد ذكرنا قبل من فعل الأخنس بن شريق.

وقال بعضهم: بل معنى ذلك قطع الرحم وسفك دماء الـمسلـمين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج فـي قوله: {سَعَى فـي الأرْض لِـيُفْسِدَ فِـيها } قطع الرحم، وسفك الدماء، دماء الـمسلـمين، فإذا قـيـل: لـم تفعل كذا وكذا؟ قال أتقرّب به إلـى الله عز وجل.

والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله تبـارك وتعالـى وصف هذا الـمنافق بأنه إذا تولـى مدبراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمل فـي أرض الله بـالفساد. وقد يدخـل فـي الإفساد جميع الـمعاصي، وذلك أن العمل بـالـمعاصي إفساد فـي الأرض، فلـم يخصص الله وصفه ببعض معانـي الإفساد دون بعض. وجائز أن يكون ذلك الإفساد منه كان بـمعنى قطع الطريق، وجائز أن يكون غير ذلك، وأيّ ذلك كان منه فقد كان إفساداً فـي الأرض، لأن ذلك منه لله عز وجل معصية. غير أن الأشبه بظاهر التنزيـل أن يكون كان يقطع الطريق، ويخيف السبـيـل، لأن الله تعالـى ذكره وصفه فـي سياق الآية بأنه سعى فـي الأرض لـيفسد فـيها ويهلك الـحرث والنسل، وذلك بفعل مخيف السبـيـل أشبه منه بفعل قطاع الرحم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَيُهْلِكَ الـحَرْثَ وَالنّسْلِ}.

اختلف أهل التأويـل فـي وجه إهلاك هذا الـمنافق، الذي وصفه الله بـما وصفه به من صفة إهلاك الـحرث والنسل فقال بعضهم: كان ذلك منه إحراقاً لزرع قوم من الـمسلـمين وعقراً لـحمرهم.

حدثنـي بذلك موسى بن هارون، قال: ثنـي عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط عن السدي. وقال آخرون بـما.

حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا عثام، قال: ثنا النضر بن عربـي، عن مـجاهد: {وَإذَا تَوَلَّـى سَعَى فِـي الأرْض لِـيُفْسِدَ فِـيها ويُهْلِكَ الـحَرْثَ وَالنّسْلَ } الآية، قال: إذا تولـى سعى فـي الأرض بـالعدوان والظلـم، فـيحبس الله بذلك القطر، فـيهلك الـحرث والنسل، والله لا يحبّ الفساد. قال: ثم قرأ مـجاهد:

{ ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }[الروم: 41] قال: ثم قال: أما والله ما هو بحركم هذا، ولكن كل قرية علـى ماء جار فهو بحر.

والذي قاله مـجاهد وإن كان مذهبـاً من التأويـل تـحتـمله الآية، فإن الذي هو أشبه بظاهر التنزيـل من التأويـل ما ذكرنا عن السدي، فلذلك اخترناه. وأما الـحرث، فإنه الزرع، والنسل: العقب والولد، وإهلاكه الزرع: إحراقه. وقد يجوز أن يكون كان كما قال مـجاهد بـاحتبـاس القطر من أجل معصيته ربه وسعيه بـالإفساد فـي الأرض، وقد يحتـمل أن يكون كان بقتله القوّام به والـمتعاهدين له حتـى فسد فهلك. وكذلك جائز فـي معنى إهلاكه النسل أن يكون كان بقتله أمهاته أو آبـاءه التـي منها يكون النسل، فـيكون فـي قتله الآبـاء والأمهات انقطاع نسلهما. وجائز أن يكون كما قال مـجاهد، غير أن ذلك وإن كان تـحتـمله الآية فـالذي هو أولـى بظاهرها ما قاله السدي غير أن السدي ذكر أن الذي نزلت فـيه هذه الآية إنـما نزلت فـي قتله حمر القوم من الـمسلـمين وإحراقه زرعاً لهم. وذلك وإن كان جائزاً أن يكون كذلك، فغير فـاسد أن تكون الآية نزلت فـيه، والـمراد بها كل من سلك سبـيـله فـي قتل كل ما قتل من الـحيوان الذي لا يحلّ قتله بحال والذي يحلّ قتله فـي بعض الأحوال إذا قتله بغير حق بل ذلك كذلك عندي، لأن الله تبـارك وتعالـى لـم يخصص من ذلك شيئاً دون شيء بل عمه.

وبـالذي قلنا فـي عموم ذلك قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا: ثنا سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي أنه سأل ابن عبـاس:{ ويُهلِكَ الـحَرْثَ وَالنَّسْلَ} قال: نسل كل دابة.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، أنه سأل ابن عبـاس: قال: قلت أرأيت قوله{ الـحَرْثَ وَالنَّسْلَ} قال: الـحرث حرثكم، والنسل: نسل كل دابة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن أبـي إسحاق، عن التمـيـمي، قال: سألت ابن عبـاس عن الـحرث والنسل، فقال: الـحرث: ما تـحرثون، والنسل: نسل كل دابة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن مطرف، عن أبـي إسحاق، عن رجل من تـميـم، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس:{ ويُهْلِكَ الـحَرْثَ وَالنَّسْلَ } فنسل كل دابة، والناس أيضاً.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنـي عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ ويُهْلِكَ الـحَرْث} قال: نبـات الأرض{ والنَّسلَ} من كل دابة تـمشي من الـحيوان من الناس والدوابّ.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله:{ ويُهْلِكَ الـحَرْثَ} قال: نبـات الأرض، {والنَّسلَ}: نسل كل شيء.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: ثنا هشيـم، عن جويبر، عن الضحاك، قال: الـحرث: النبـات، والنسل: نسل كل دابة.

حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع:{ ويُهْلِكَ الـحَرْثَ} قال: الـحرث الذي يحرثه الناس: نبـات الأرض، {والنْسلَ}: نسل كل دابة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء:{ ويُهْلِكَ الـحَرْثَ والنَّسْلَ} قال: الـحرث: الزرع، والنَّسلَ من الناس والأنعام، قال: يقتل نسل الناس والأنعام. قال: وقال مـجاهد: يبتغي فـي الأرض هلاك الـحرث: نبـات الأرض، والنسل: من كل شيء من الـحيوان.

حدثنـي يحيى بن أبـي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك فـي قوله:{ ويُهْلِكَ الـحَرْثَ وَالنَّسْلَ} قال: الـحرث: الأصل، والنسل: كل دابة والناس منهم.

حدثنـي ابن عبد الرحيـم البرقـي، قال: ثنا عمرو بن أبـي سلـمة، قال: سئل سعيد بن عبد العزيز عن فساد الـحرث والنسل وما هما أيّ حرث وأيّ نسل؟ قال سعيد: قال مكحول: الـحرث: ما تـحرثون، وأما النسل: فنسل كل شيء.

وقد قرأ بعض القرّاء: «ويُهْلِكُ الـحَرْثَ وَالنَّسْل» برفع «يهلك» علـى معنى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِـي الـحَياةِ الدُّنْـيا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلـى ما فِـي قَلْبِهِ وَهُوَ ألَدُّ الـخِصَامِ، ويُهْلِكُ الـحَرْثَ والنَّسْلَ، وَإذَا تَوَلـى سَعَى فِـي الأرْضِ لِـيُفْسِدَ فِـيها، وَاللّهُ لا يُحِبُّ الفَساد. فـيردّ و«يهلك» علـى «ويشهد الله» عطفـاً به علـيه. وذلك قراءة عندي غير جائزة وإن كان لها مخرج فـي العربـية لـمخالفتها لـما علـيه الـحجة مـجمعة من القراءة فـي ذلك قراءة: {ويُهْلِكَ الـحَرْثَ وَالنَّسْلَ} وأن ذلك فـي قراءة أبـيّ بن كعب ومصحفه فـيـما ذكرنا: «لـيفسد فـيها ولـيهلك الـحرث والنسل»، وذلك من أدلّ الدلـيـل علـى تصحيح قراءة من قرأ ذلك{ وُيهْلِك}َ بـالنصب عطفـاً به علـى: {لِـيُفْسِدَ فِـيها}.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ وَاللّهُ لا يْحِبُّ الفَسادَ}.

يعنـي بذلك جل ثناؤه: والله لا يحبّ الـمعاصي، وقطع السبـيـل، وإخافة الطريق. والفساد: مصدر من قول القائل: فسد الشيء يفسد، نظير قولهم: ذهب يذهب ذهابـاً، ومن العرب من يجعل مصدر فسد فسوداً، ومصدر ذهب يذهب ذهوبـاً.

وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلْإِثْمِ فَحَسْبُهُۥ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ۝٢٠٦

يعنـي بذلك جل ثناؤه: وإذا قـيـل لهذا الـمنافق الذي نعت نعته لنبـيه علـيه الصلاة والسلام وأخبره أنه يعجبه قوله فـي الـحياة الدنـيا: اتقّ الله، وخَفْهُ فـي إفسادك فـي أرض الله، وسعيك فـيها بـما حرّم الله علـيك من معاصيه، وإهلاكك حروث الـمسلـمين ونسلهم استكبر ودخـلته عزّة وحمية بـما حرّم الله علـيه، وتـمادى فـي غيه وضلاله. قال الله جل ثناؤه: فكفـاه عقوبة من غيه وضلاله صِلِـيُّ نار جهنـم ولبئس الـمهاد لصالـيها.

واختلف أهل التأويـل فـيـمن عنى بهذه الآية، فقال بعضهم: عنى بها كل فـاسق ومنافق. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا جعفر بن سلـيـمان، قال: ثنا بسطام بن مسلـم، قال: ثنا أبو رجاء العطاردي، قال: سمعت علـياً فـي هذه الآية:

{ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا } [البقرة: 204] إلـى: { وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ }[البقرة: 207] قال علـيٌّ: اقتتلا وربّ الكعبة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله:{ وَإذَا قِـيـلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بـالإْثمِ }إلـى قوله:

{ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ }[البقرة: 207] قال: كان عمر بن الـخطاب رضي الله عنه إذا صلـى السبحة وفرغ دخـل مربداً له، فأرسل إلـى فتـيان قد قرءوا القرآن، منهم ابن عبـاس وابن أخي عيـينة، قال: فـيأتون فـيقرءون القرآن ويتدارسونه، فإذا كانت القائلة انصرف. قال فمروا بهذه الآية:{ وَإذَا قِـيـلَ لَهُ اتّقِ اللّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بـالإثْمِ} { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ }[البقرة: 207] قال ابن زيد: وهؤلاء الـمـجاهدون فـي سبـيـل الله. فقال ابن عبـاس لبعض من كان إلـى جنبه: اقتتل الرجلان. فسمع عمر ما قال، فقال: وأيّ شيء قلت؟ قال: لا شيء يا أمير الـمؤمنـين. قال: ماذا قلت؟ اقتتل الرجلان؟ قال فلـما رأى ذلك ابن عبـاس قال: أرى ههنا من إذا أمر بتقوى الله أخذته العزة بـالإثم، وأرى من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله يقوم هذا فـيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لـم يقبل وأخذته العزّة بـالإثم، قال هذا: وأنا أشتري نفسي فقاتله، فـاقتتل الرجلان. فقال عمر: لله تلادك يا بن عبـاس.

وقال آخرون: بل عنى به الأخنس بن شريق، وقد ذكرنا من قال ذلك فـيـما مضى.

وأما قوله:{ وَلَبِئْس الـمِهادُ} فإنه يعنـي: ولبئس الفراش والوطاء: جهنـم التـي أوعد بها جل ثناؤه هذا الـمنافق، ووطأها لنفسه بنفـاقه وفجوره وتـمرّده علـى ربه.

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ ۝٢٠٧

يعني جل ثناؤه: ومن الناس من يبيع نفسه بما وعد الله الـمـجاهدين في سبيله وابتاع به أنفسهم بقوله:

{ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ }[التوبة: 111] وقد دللنا على أن معنى شرى باع في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته.

وأما قوله:{ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ} فإنه يعنـي أن هذا الشاري يشري إذا اشترى طلب مرضاة الله. ونصب «ابتغاء» بقوله «يشري»، فكأنه قال: ومن الناس من يشري من أجل ابتغاء مرضاة الله، ثم ترك «من أجل» وعمل فـيه الفعل. وقد زعم بعض أهل العربـية أنه نصب ذلك علـى الفعل علـى يشري كأنه قال: لابتغاء مرضاة الله، فلـما نزع اللام عمل الفعل. قال: ومثله:

{ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ }[البقرة: 19] وقال الشاعر وهو حاتـم:

وأغْفِرُ عَوْرَاءَ الكَريـم ادّخارَهُوأُعْرضُ عَنْ قَوْل اللَّئِيـم تَكَرُّما

وقال: لـما أذهب اللام أعمل فـيه الفعل.

وقال بعضهم: أيـما مصدر وضع موضع الشرط وموضع «أن» فتـحسن فـيها البـاء واللام، فتقول: أتـيتك من خوف الشرّ، ولـخوف الشرّ، وبأن خفت الشرّ فـالصفة غير معلومة، فحذفت وأقـيـم الـمصدر مُقامها. قال: ولو كانت الصفة حرفـاً واحداً بعينه لـم يجز حذفها كما غير جائز لـمن قال: فعلت هذا لك ولفلان، أن يسقط اللام.

ثم اختلف أهل التأويـل فـيـمن نزلت هذه الآية فـيه ومن عنى بها، فقال بعضهم: نزلت فـي الـمهاجرين والأنصار، وعنى بها الـمـجاهدون فـي سبـيـل الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسين بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله:{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ} قال: الـمهاجرون والأنصار.

وقال بعضهم: نزلت فـي رجال من الـمهاجرين بأعيانهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ } قال: نزلت فـي صهيب بن سنان وأبـي ذرّ الغفـاريّ جندب بن السكن أخذ أهل أبـي ذرّ أبـا ذرّ، فـانفلت منهم، فقدم علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فلـما رجع مهاجراً عرضوا له، وكانوا بـمر الظهران، فـانفلت أيضاً حتـى قدم علـى النبـيّ علـيه الصلاة والسلام. وأما صهيب فأخذه أهله، فـافتدى منهم بـماله، ثم خرج مهاجراً فأدركه منقذ بن عمير بن جدعان، فخرج له مـما بقـي من ماله، وخـلـى سبـيـله.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع قوله:{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ }الآية، قال: كان رجل من أهل مكة أسلـم، فأراد أن يأتـي النبـيّ صلى الله عليه وسلم ويهاجر إلـى الـمدينة، فمنعوه وحبسوه، فقال لهم: أعطيكم داري ومالـي وما كان لـي من شيء فخـلوا عنى فألـحق بهذا الرجل فأبوا. ثم إن بعضهم قال لهم: خذوا منه ما كان له من شيء وخـلوا عنه ففعلوا، فأعطاهم داره وماله، ثم خرج فأنزل الله عز وجل علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم بـالـمدينة:{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْري نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ} الآية فلـما دنا من الـمدينة تلقاه عمر فـي رجال، فقال له عمر: ربح البـيع، قال: وبـيعك فلا يخسر، قال: وما ذاك؟ قال: أنزل فـيك كذا وكذا.

وقال آخرون: بل عنى بذلك كل شار نفسه فـي طاعة الله وجهاد فـي سبـيـله أو أمر بـمعروف. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا حسين بن الـحسن أبو عبد الله، قال: ثنا أبو عون، عن مـحمد، قال: حمل هشام بن عامر علـى الصفّ حتـى خرقه، فقالوا: ألقـى بـيده، فقال أبو هريرة:{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْري نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ}.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مصعب بن الـمقدام، قال: ثنا إسرائيـل، عن طارق بن عبد الرحمن، عن قـيس بن أبـي حازم، عن الـمغيرة، قال: بعث عمر جيشاً فحاصروا أهل حصن، وتقدم رجل من بجيـلة، فقاتل، فقتل، فأكثر الناس فـيه يقولون: ألقـى بـيده إلـى التهلكة. قال: فبلغ ذلك عمر بن الـخطاب رضي الله عنه، فقال: كذبوا، ألـيس الله عز وجل يقول:{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ واللّه رَءُوفٌ بـالعِبـادِ}.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام، عن قتادة، قال: حمل هشام بن عامر علـى الصفّ حتـى شقه، فقال أبو هريرة: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْري نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ}.

حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا حزام بن أبـي حزم، قال: سمعت الـحسن قرأ:{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْري نَفْسَهُ ابْتغاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَءُوفٌ بـالعِبـادِ } أتدرون فـيـم أنزلت؟ نزلت فـي أن الـمسلـم لقـي الكافر فقال له: قل لا إله إلا الله، فإذا قلتها عصمت دمك ومالك إلا بحقهما. فأبى أن يقولها، فقال الـمسلـم: والله لأشرينّ نفسي لله. فتقدّم فقاتل حتـى قتل.

حدثنـي أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيـم، ثنا زياد بن أبـي مسلـم، عن أبـي الـخـلـيـل، قال: سمع عمر إنساناً قرأ هذه الآية:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضَاتِ الله} قال: استرجع عمر فقال: إنا لله وإنا إلـيه راجعون، قام رجل يأمر بـالـمعروف وينهى عن الـمنكر فقتل.

والذي هو أولـى بظاهر هذه الآية من التأويـل، ما روي عن عمر بن الـخطاب وعن علـيّ بن أبـي طالب وابن عبـاس رضي الله عنهم، من أن يكون عنى بها الآمر بـالـمعروف والناهي عن الـمنكر. وذلك أن الله جل ثناؤه وصف صفة فريقـين: أحدهما منافق يقول بلسانه خلاف ما فـي نفسه وإذا اقتدر علـى معصية الله ركبها وإذا لـم يقتدر رامها وإذا نهى أخذته العزّة بـالإثم بـما هو به آثم، والآخر منهما بـائع نفسه طالب من الله رضا الله. فكان الظاهر من التأويـل أن الفريق الـموصوف بأنه شرى نفسه لله وطلب رضاه، إنـما شراها للوثوب بـالفريق الفـاجر طلب رضا الله. فهذا هو الأغلب الأظهر من تأويـل الآية.

وأما ما رُوي من نزول الآية فـي أمر صهيب، فإن ذلك غير مستنكر، إذ كان غير مدفوع جواز نزول آية من عند الله علـى رسوله صلى الله عليه وسلم بسبب من الأسبـاب، والـمعنيّ بها كل من شمله ظاهرها.

فـالصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله عز ذكره وصف شارياً نفسه ابتغاء مرضاته، فكل من بـاع نفسه فـي طاعته حتـى قتل فـيها أو استقتل وإن لـم يقتل، فمعنـيّ بقوله:{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ} فـي جهاد عدوّ الـمسلـمين كان ذلك منه أو فـي أمر بـمعروف أو نهي عن منكر.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ وَاللّهُ رَءُوفٌ بـالعِبـاد}.

قد دللنا فـيـما مضى علـى معنى الرأفة بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع، وأنها رقة الرحمة فمعنى ذلك: والله ذو رحمة واسعة بعبده الذي يشري نفسه له فـي جهاد من حادّه فـي أمره من أهل الشرك والفسوق وبغيره من عبـاده الـمؤمنـين فـي عاجلهم وآجل معادهم، فـينـجز لهم الثواب علـى ما أبلوا فـي طاعته فـي الدنـيا، ويسكنهم جناته علـى ما عملوا فـيها من مرضاته.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱدْخُلُوا۟ فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ۝٢٠٨

اختلف أهل التأويل فـي معنى السلم فـي هذا الموضع، فقال بعضهم: معناه: الإسلام. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عزّ وجل: {ادْخُلُوا فِي السِّلْـمِ } قال: ادخلوا في الإسلام.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله:{ ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ} قال: ادخـلوا فـي الإسلام.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ كافَّةً} قال: السلـم: الإسلام.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: أخبرنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ} يقول: فـي الإسلام.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن النضر بن عربـي، عن مـجاهد: ادخـلوا فـي الإسلام.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله:{ ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ} قال: السلـم: الإسلام.

حدثت عن الـحسين بن فرج، قال: سمعت أبـا معاذ الفضل بن خالد، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول: {ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ}: فـي الإسلام.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ادخـلوا فـي الطاعة. ذكر من قال ذلك:

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ } يقول: ادخـلوا فـي الطاعة.

وقد اختلف القراء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل الـحجاز: «ادْخُـلُوا فِـي السَّلْـمِ» بفتـح السين. وقرأته عامة قراء الكوفـيـين بكسر السين. فأما الذين فتـحوا السين من «السلـم»، فإنهم وجهوا تأويـلها إلـى الـمسالـمة، بـمعنى: ادخـلوا فـي الصلـح والمسالمة وترك الـحرب وإعطاء الـجزية. وأما الذين قرءوا ذلك بـالكسر من السين فإنهم مختلفون فـي تأويـله فمنهم من يوجهه إلـى الإسلام، بـمعنى ادخـلوا فـي الإسلام كافة، ومنهم من يوجهه إلـى الصلـح، بـمعنى: ادخـلوا فـي الصلـح، ويستشهد علـى أن السين تكسر، وهي بـمعنى الصلـح بقول زهير بن أبـي سلـمى:

وقدْ قُلْتُـما إنْ نُدْركِ السِّلْـمَ وَاسِعاًبِـمَالٍ وَمَعُروفٍ مِنَ الأمْرِ نَسْلـمِ

وأولـى التأويلات بقوله:{ ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ} قول من قال: معناه: ادخـلوا فـي الإسلام كافة.

وأما الذي هو أولـى القراءتـين بـالصواب فـي قراءة ذلك، فقراءة من قرأ بكسر السين لأن ذلك إذا قرىء كذلك وإن كان قد يحتـمل معنى الصلـح، فإن معنى الإسلام: ودوام الأمر الصالـح عند العرب، أغلب علـيه من الصلـح والـمسالـمة، وينشد بـيت أخي كندة:

دَعَوْتُ عَشِيرَتـي للسِّلْـمِ لَـمَّارأيْتُهُمْ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينا

بكسر السين، بـمعنى: دعوتهم للإسلام لـما ارتدوا، وكان ذلك حين ارتدت كندة مع الأشعث بعد وفـاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد كان أبو عمرو بن العلاء يقرأ سائر ما فـي القرآن من ذكر السلـم بـالفتـح سوى هذه التـي فـي سورة البقرة، فإنه كان يخصها بكسر سينها توجيها منه لـمعناها إلـى الإسلام دون ما سواها.

وإنـما اخترنا ما اخترنا من التأويـل فـي قوله: {ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ} وصرفنا معناه إلـى الإسلام، لأن الآية مخاطب بها الـمؤمنون، فلن يعدو الـخطاب إذ كان خطابـاً للـمؤمنـين من أحد أمرين، إما أن يكون خطابـاً للـمؤمنـين بـمـحمد الـمصدّقـين به وبـما جاء به، فإن يكن ذلك كذلك، فلا معنى أن يقال لهم وهم أهل الإيـمان: ادخـلوا فـي صلـح الـمؤمنـين ومسالـمتهم، لأن الـمسالـمة والـمصالـحة إنـما يؤمر بها من كان حربـاً بترك الـحرب. فأما الـموالـي فلا يجوز أن يقال له: صالـح فلاناً، ولا حرب بـينهما ولا عداوة. أو يكون خطابـاً لأهل الإيـمان بـمن قبل مـحمد صلى الله عليه وسلم من الأنبـياء الـمصدقـين بهم، وبـما جاءوا به من عند الله الـمنكرين مـحمداً ونبوّته، فقـيـل لهم: ادخـلوا فـي السلـم يعنـي به الإسلام لا الصلـح. لأن الله عز وجل إنـما أمر عبـاده بـالإيـمان به وبنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وإلـى ذلك دعاهم دون الـمسالـمة والـمصالـحة بل نهى نبـيه صلى الله عليه وسلم فـي بعض الأحوال عن دعاء أهل الكفر إلـى الإسلام، فقال:

{ فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ }[محمد: 35] وإنـما أبـاح له صلى الله عليه وسلم فـي بعض الأحوال إذا دعوه إلـى الصلـح ابتداء الـمصالـحة، فقال له جل ثناؤه:{ وَإنْ جَنَـحُوا للسَّلْـمِ فـاجنَـحْ لَهَا} فأما دعاؤهم إلـى الصلـح ابتداء فغير موجود فـي القرآن، فـيجوز توجيه قوله: {ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ } إلـى ذلك.

فإن قال لنا قائل: فأيّ هذين الفريقـين دعى إلـى الإسلام كافة؟ قـيـل قد اختلف فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: دعى إلـيه الـمؤمنون بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به.

وقال آخرون: قـيـل: دعي إلـيه الـمؤمنون بـمن قبل مـحمد صلى الله عليه وسلم من الأنبـياء الـمكذبون بـمـحمد.

فإن قال: فما وجه دعاء الـمؤمن بـمـحمد وبـما جاء به إلـى الإسلام؟ قـيـل: وجه دعائه إلـى ذلك الأمر له بـالعمل بجميع شرائعه، وإقامة جميع أحكامه وحدوده، دون تضيـيع بعضه والعمل ببعضه. وإذا كان ذلك معناه، كان قوله كافّةً من صفة السلـم، ويكون تأويـله: ادخـلوا فـي العمل بجميع معانـي السلـم، ولا تضيعوا شيئاً منه يا أهل الإيـمان بـمـحمد وما جاء به. وبنـحو هذا الـمعنى كان يقول عكرمة فـي تأويـل ذلك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قوله: {ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ كافَّةً} قال: نزلت فـي ثعلبة وعبد الله بن سلام وابن يامين وأسد وأسيد ابنـي كعب وشعبة بن عمرو وقـيس بن زيد، كلهم من يهود، قالوا: يا رسول الله يوم السبت يوم كنا نعظمه فدعنا فلنسبت فـيه، وإن التوراة كتاب الله، فدعنا فلنقم بها بـاللـيـل فنزلت:{ يَا أيُّها الّذينَ آمَنُوا ادْخُـلُوا فـي السِّلْـمِ كافةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطانِ}.

فقد صرّح عكرمة بـمعنى ما قلنا فـي ذلك من أن تأويـل ذلك دعاء للـمؤمنـين إلـى رفض جميع الـمعانـي التـي لـيست من حكم الإسلام، والعمل بجميع شرائع الإسلام، والنهي عن تضيـيع شيء من حدوده.

وقال آخرون: بل الفريق الذي دعى إلـى السلـم فقـيـل لهم ادخـلوا فـيه بهذه الآية هم أهل الكتاب، أمروا بـالدخول فـي الإسلام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس فـي قوله:{ ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ كافَّةً } يعنـي أهل الكتاب.

حدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ الفضل بن خالد يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قول الله عزّ وجلّ: {ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ كافَّةً} قال: يعنـي أهل الكتاب.

والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال إن الله جل ثناؤه أمر الذين آمنوا بـالدخول فـي العمل بشرائع الإسلام كلها، وقد يدخـل فـي الذين آمنوا الـمصدقون بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وبـما جاء به، والـمصدّقون بـمن قبله من الأنبـياء والرسل، وما جاءوا به، وقد دعا الله عز وجل كلا الفريقـين إلـى العمل بشرائع الإسلام وحدوده، والـمـحافظة علـى فرائضه التـي فرضها، ونهاهم عن تضيـيع شيء من ذلك، فـالآية عامة لكل من شمله اسم الإيـمان، فلا وجه لـخصوص بعض بها دون بعض.

وبـمثل التأويـل الذي قلنا فـي ذلك كان مـجاهد يقول.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عز وجل:{ ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ كافَّةً} قال: ادخـلوا فـي الإسلام كافة، ادخـلوا فـي الأعمال كافة.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {كافَّةً} يعنـي جل ثناؤه {كافَّةً }عامة جميعاً. كما:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله:{ فـي السِّلْـمِ كافَّةً} قال: جميعاً.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي:{ فِـي السِّلْـمِ كافَّةً } قال: جميعاً.

وحدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع{ فِـي السِّلْـمِ كافَّةً} قال: جميعاً، وعن أبـيه، عن قتادة، مثله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع بن الـجرّاح، عن النضر، عن مـجاهد، ادْخُـلُوا فـي الإسلام جميعاً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عبـاس:{ كافّةً}: جميعاً.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد:{ كافّةً } جميعاً، وقرأ:

{ وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً }[التوبة: 36] جميعاً.

حدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ الفضل بن خالد، قال: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:{ ادْخُـلُوا فِـي السِّلْـمِ كافّةً} قال: جميعا.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوّ مُبِـينٌ}.

يعنـي جل ثناؤه بذلك: اعملوا أيها الـمؤمنون بشرائع الإسلام كلها، وادخـلوا فـي التصديق به قولاً وعملاً، ودعوا طرائق الشيطان وآثاره أن تتبعوها فإنه لكم عدوّ مبـين لكم عداوته. وطريق الشيطان الذي نهاهم أن يتبعوه هو ما خالف حكم الإسلام وشرائعه، ومنه تَسْبِـيتُ السبت وسائر سنن أهل الـملل التـي تـخالف ملة الإسلام. وقد بـينت معنى الـخطوات بـالأدلة الشاهدة علـى صحته فـيـما مضى، فكرهت إعادته فـي هذا الـمكان.

فَإِن زَلَلْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۝٢٠٩

يعنـي بذلك جل ثناؤه: فإن أخطأتـم الـحق، فضللتـم عنه، وخالفتـم الإسلام وشرائعه، من بعدما جاءتكم حججي، وبـينات هداي، واتضحت لكم صحة أمر الإسلام بـالأدلة التـي قطعت عذركم أيها الـمؤمنون، فـاعلـموا أن الله ذو عزّة، لا يـمنعه من الانتقام منكم مانع، ولا يدفعه عن عقوبتكم علـى مخالفتكم أمره ومعصيتكم إياه دافع، حكيـم فـيـما يفعل بكم من عقوبته علـى معصيتكم إياه بعد إقامته الـحجة علـيكم، وفـي غيره من أموره.

وقد قال عدد من أهل التأويـل: إن البـينات هي مـحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. وذلك قريب من الذي قلنا فـي تأويـل ذلك، لأن مـحمدا صلى الله عليه وسلم والقرآن من حجج الله علـى الذين خوطبوا بهاتـين الآيتـين. غير أن الذي قلناه فـي تأويـل ذلك أولـى بـالـحقّ، لأن الله جل ثناؤه، قد احتـجّ علـى من خالف الإسلام من أخبـار أهل الكتاب بـما عهد إلـيهم فـي التوراة والإنـجيـل وتقدم إلـيهم علـى ألسن أنبـيائهم بـالوصاة به، فذلك وغيره من حجج الله تبـارك وتعالـى علـيهم مع ما لزمهم من الـحجج بـمـحمد صلى الله عليه وسلم وبـالقرآن فلذلك اخترنا ما اخترنا من التأويـل فـي ذلك.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر أقوال القائلـين فـي تأويـل قوله:{ فإنْ زَلَلْتُـمْ}:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي فـي قوله:{ فإنْ زَلَلْتُـمْ} يقول: فإن ضللتـم.

وحدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {فإنْ زَلَلْتُـمْ} قال: والزلل: الشرك.

ذكر أقوال القائلـين فـي تأويـل قوله: {مِنْ بَعْدَ ما جاءَتْكُمْ البَـيِّناتُ}:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {مِنْ بَعْد ما جاءَتْكُمْ البَـيِّناتُ } يقول: من بعد ما جاءكم مـحمد صلى الله عليه وسلم.

وحدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج: {فإنْ زَلَلْتُـمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمْ البَـيِّناتُ } قال: الإسلام والقرآن.

وحدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {فـاعْلَـمُوا أنَّ اللّهَ عَزيزٌ حَكِيـمٌ} يقول: عزيز فـي نقمته، حكيـم فـي أمره.

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ۝٢١٠

يعنـي بذلك جل ثناؤه: هل ينظر الـمكذّبون بـمـحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، إلا أن يأتـيهم الله فـي ظلل من الغمام والـملائكة.

ثم اختلفت القراء فـي قراءة قوله: {وَالـمَلائِكَةُ}. فقرأ بعضهم: {هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ أنْ يَأْتِـيَهُمُ اللّهُ فِـي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ وَالـمَلائِكَةُ} بـالرفع عطفـاً بـالـملائكة علـى اسم الله تبـارك وتعالـى، علـى معنى: هل ينظرون إلا أن يأتـيهم الله والـملائكة فـي ظلل من الغمام. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أحمد بن يوسف، عن أبـي عبـيد القاسم بن سلاّم، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر الرازي، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس، عن أبـي العالـية قال: فـي قراءة أبـيّ بن كعب: «هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ أنْ يَأتِـيهُمُ اللّهُ وَالـمَلائِكَةُ فِـي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ» قال: تأتـي الـملائكة فـي ظلل من الغمام، ويأتـي الله عز وجل فـيـما شاء.

وقد حدثت هذا الـحديث عن عمار بن الـحسن، عن عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ أنْ يَأتِـيَهُمُ اللّهُ فِـي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ وَالـملائِكَةُ الآية. وقال أبو جعفر الرازي: وهي فـي بعض القراءة: «هل ينظرون إلا أن يأتـيهم الله والـملائكة فـي ظلل من الغمام»، كقوله:

{ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بـالغَمامِ وَنُزِّلَ الـمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً } [الفرقان: 25].

وقرأ ذلك آخرون: «هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ أنْ يَأتِـيهُمُ اللّهُ فِـي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والـملائِكَةِ» بـالـخفض عطفـاً بـالـملائكة علـى الظلل بـمعنى: هل ينظرون إلا أن يأتـيهم الله فـي ظلل من الغمام وفـي الـملائكة.

وكذلك اختلفت القراء فـي قراءة «ظلل»، فقرأها بعضهم: «فـي ظلل»، وبعضهم: «فـي ظلال». فمن قرأها «فـي ظلل»، فإنه وجهها إلـى أنها جمع ظلة، والظلة تـجمع ظلل وظلال، كما تـجمع الـخـلة خـلل وخلال، والـجلة جلل وجلال. وأما الذي قرأها فـي ظلال فإنه جعلها جمع ظلة، كما ذكرنا من جمعهم الـخـلة خلال.

وقد يحتـمل أن يكون قارئه كذلك وجهه إلـى أن ذلك جمع ظل، لأن الظلة والظل قد يجمعان جميعاً ظلالاً.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندي{ هَلْ يَنْظُرُون إلاَّ أنْ يَأتِـيَهُمُ اللّهُ فِـي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ} لـخبر روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

إنَّ مِنَ الغَمامِ طاقاتٍ يَأتـي اللّه فِـيها مَـحْفوفـاًفدل بقوله طاقات علـى أنها ظلل لا ظلال، لأن واحد الظلل ظلة، وهي الطاق. واتبـاعاً لـخط الـمصحف. وكذلك الواجب فـي كل ما اتفقت معانـيه واختلفت فـي قراءته القراء ولـم يكن علـى إحدى القراءتـين دلالة تنفصل بها من الأخرى غير اختلاف خط الـمصحف، فـالذي ينبغي أن تؤثر قراءته منها ما وافق رسم الـمصحف.

وأما الذي هو أولـى القراءتـين فـي: {وَالـمَلائِكَةُ} فـالصواب بـالرفع عطفـاً بها علـى اسم الله تبـارك وتعالـى علـى معنى: هل ينظرون إلا أن يأتـيهم الله فـي ظلل من الغمام، وإلا أن تأتـيهم الـملائكة علـى ما رُوي عن أبـيّ بن كعب، لأن الله جل ثناؤه قد أخبر فـي غير موضع من كتابه أن الـملائكة تأتـيهم، فقال جل ثناؤه:

{ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً }[الفجر: 22] وقال:{ هَلْ يَنْظُرونَ إلاَّ أنْ تأتِـيهُمُ الـمَلائِكَةُ أوْ يَأتـي رَبُّكَ أوْ يَأتـي بَعْض آياتِ رَبِّكَ}. فإن أشكل علـى امرىء قول الله جل ثناؤه: { وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً }[الفجر: 22] فظنّ أنه مخالف معناه معنى قوله {هَلْ يَنْظُرونَ إلاَّ أنْ يَأتِـيهُمْ اللّهُ فِـي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ وَالـمَلائِكَةُ} إذ كان قوله «والـملائكة» فـي هذه الآية بلفظ جمع، وفـي الأخرى بلفظ الواحد. فإن ذلك خطأ من الظانّ، وذلك أن الـملَك فـي قوله: { وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ }[الفجر: 22] بـمعنى الـجميع، ومعنى الـملائكة، والعرب تذكر الواحد بـمعنى الـجميع، فتقول: فلان كثـير الدرهم والدينار، يراد به الدراهم والدنانـير، وهلك البعير والشاة بـمعنى جماعة الإبل والشاء، فكذلك قوله:{ وَالـمَلَكُ } بـمعنى الـملائكة.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي قوله:{ ظُلَلٍ مِنَّ الغَمامِ } وهل هو من صلة فعل الله جل ثناؤه، أو من صلة فعل الـملائكة، ومن الذي يأتـي فـيها؟ فقال بعضهم: هو من صلة فعل الله، ومعناه: هل ينظرون إلا أن يأتـيهم الله فـي ظلل من الغمام، وأن تأتـيهم الـملائكة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عزّ وجل:{ هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ أنْ يَأتِـيَهُمُ اللّهُ فِـي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ} قال: هو غير السحاب لـم يكن إلا لبنـي إسرائيـل فـي تـيههم حين تاهوا، وهو الذي يأتـي الله فـيه يوم القـيامة.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة:{ هَلْ يَنْظُرُونَ إلاّ أنْ يَأَتِـيَهُمُ اللّهُ فـي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ} قال: يأتـيهم الله وتأَتـيهم الـملائكة عند الـموت.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عكرمة فـي قوله:{ هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ أنْ يأتِـيَهُمُ اللّهُ فـي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ} قال: طاقات من الغمام والـملائكة حوله. قال ابن جريج وقال غيره: والـملائكة بـالـموت.

وقول عكرمة هذا وإن كان موافقاً قول من قال: إن قوله فـي ظلل من الغمام من صلة فعل الرب تبـارك وتعالـى الذي قد تقدم ذكرناه، فإنه له مخالف فـي صفة الـملائكة وذلك أن الواجب من القراءة علـى تأويـل قول عكرمة هذا فـي الـملائكة الـخفض، لأنه تأول الآية: هل ينظرون إلا أن يأتـيهم الله فـي ظلل من الغمام وفـي الـملائكة، لأنه زعم أن الله تعالـى يأتـي فـي ظلل من الغمام والـملائكة حوله. هذا إن كان وجه قوله والـملائكة حوله، إلـى أنهم حول الغمام، وجعل الهاء فـي حوله من ذكر الغمام وإن كان وجه قوله: والـملائكة حوله إلـى أنهم حول الرب تبـارك وتعالـى، وجعل الهاء فـي حوله من ذكر الرب عز جل، فقوله نظير قول الأخرين الذين قد ذكرنا قولهم غير مخالفهم فـي ذلك.

وقال آخرون: بل قوله { فِـي ظُلَلٍ مِنَ الغَمام } من صلة فعل الـملائكة، وإنـما تأتـي الـملائكة فـيها، وأما الربّ تعالـى ذكره فإنه يأتـي فـيـما شاء. ذكر من قال ذلك:

حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله:{ هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ أنْ يأتِـيَهُمُ اللّهُ فِـي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ وَالـملائِكَةُ... } الآية، قال: ذلك يوم القـيامة، تأتـيهم الـملائكة فـي ظلل من الغمام. قال: الـملائكة يجيئون فـي ظلل من الغمام، والربّ تعالـى يجيء فـيـما شاء.

وأولـى التأويـلـين بـالصواب فـي ذلك تأويـل من وجه قوله:{ فـي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ} إلـى أنه من صلة فعل الربّ عز وجل، وأن معناه: هل ينظرون إلا أن يأتـيهم الله فـي ظلل من الغمام، وتأتـيهم الـملائكة. لما:

حدثنا به مـحمد بن حميد، قال: ثنا إبراهيـم بن الـمختار، عن ابن جريج، عن زمعة بن صالـح عن سلـمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عبـاس أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال:

إنَّ مِن الغَمامِ طاقاتٍ يأتـي اللَّهُ فِـيها مَـحْفُوفـاًوذلك قوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ أنْ يأتِـيَهُمُ اللَّهُ فِـي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والـمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأمْرُ}.

وأما معنى قوله:{ هَلْ يَنْظُرُونَ } فإنه ما ينظرون، وقد بـينا ذلك بعلله فـيـما مضى من كتابنا هذا قبل.

ثم اختلف فـي صفة إتـيان الرب تبـارك وتعالـى الذي ذكره فـي قوله:{ هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ أنْ يأتِـيَهُمُ اللّهُ} فقال بعضهم: لا صفة لذلك غير الذي وصف به نفسه عزّ وجل من الـمـجيء والإتـيان والنزول، وغير جائز تكلف القول فـي ذلك لأحد إلا بخبر من الله جل جلاله، أو من رسول مرسل. فأما القول فـي صفـات الله وأسمائه، فغير جائز لأحد من جهة الاستـخراج إلا بـما ذكرنا.

وقال آخرون: إتـيانه عز وجل نظير ما يعرف من مـجيء الـجائي من موضع إلـى موضع وانتقاله من مكان إلـى مكان.

وقال آخرون: معنى قوله:{ هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ أنْ يأتِـيَهُمُ اللّهُ} يعنـي به: هل ينظرون إلا أن يأتـيهم أمر الله، كما يقال: قد خشينا أن يأتـينا بنو أمية، يراد به حكمهم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: هل ينظرون إلا أن يأتـيهم ثوابه وحسابه وعذابه، كما قال عز وجل:

{ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ }[سبأ: 33] وكما يقال: قطع الوالـي اللصّ أو ضربه، وإنـما قطعه أعوانه.

وقد بـينا معنى الغمام فـيـما مضى من كتابنا هذا قبل فأغنى ذلك عن تكريره، لأن معناه ههنا هو معناه هنالك.

فمعنى الكلام إذا: هل ينظر التاركون الدخول في السلم كافة والمتبعون خطوات الشيطان إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، فيقضي في أمرهم ما هو قاضٍ.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الرحمن بن مـحمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع المديني، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

تُوقَـفُونَ مَوْقِـفـاً وَاحِدا يَوْمَ القِيامَةِ مِقْدَارَ سَبْعِينَ عاماً لا يُنْظَرُ إلَـيْكُمْ وَلا يُقْضى بَـيْنَكُمْ، قَدْ حُصِرَ عَلَـيْكُمْ فَتَبْكُونَ حَّتـى يَنْقَطِعَ الدَّمْعُ، ثمَّ تَدْمَعُونَ دَما، وتَبْكُونَ حتَّـى يَبْلُغَ ذَلِكَ مِنْكُمُ الأذْقانَ، أوْ يُـلْـجِمَكُمْ فَتَصيحُونَ، ثمّ تَقُولُونَ: مَنْ يَشْفَعُ لَنا إلـى ربّنا فَـيَقْضِي بَـيْنَنا؟ فَـيَقُولُونَ مَنْ أحَقُّ بِذَلِكَ مِنْ أبِـيكُمْ آدَمَ؟ جَبَلَ اللّهُ تُرْبَتَهُ، وَخَـلَقهُ بِـيَدِهِ، وَنَفَخَ فِـيهِ مِنْ رُوحِهِ، وكَلّـمَهُ قِبَلاً، فَـيُؤْتَـى آدَمُ، فَـيُطْلَبُ ذَلِكَ إلَـيْهِ، فَـيَأبـى، ثمَّ يَسْتَقْرئُونَ الأنْبِـياءَ نَبِـيًّا نبـيًّا، كُلَّـما جاءُوا نَبِـيًّا أبى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حتَّـى يأتُونـي، فإذَا جاءُونِـي خَرَجْتُ حتَّـى آتـي الفَحْصَ، قال أبو هريرة: يا رسول الله: وما الفَحصُ؟ قال:قُدَّامُ الَعرْشِ، فأخِرُّ ساجِداً، فَلا أزَالُ ساجِداً حتَّـى يَبْعَثَ اللّهُ إلـيَّ مَلَكاً، فَـيأخُذَ بِعَضُديَّ فَـيَرْفَعَنِـي، ثُمَّ يَقُولَ اللّهُ لـي: يا مُـحَمَّدُ فأَقُولُ: نَعَمْ وَهُوَ أعْلَـمُ، فَـيَقُولُ: ما شأنُكَ؟ فأقُولُ: يا رَبّ وَعَدْتَنِـي الشَّفـاعَة، فَشَفِّعْنِـي فِـي خَـلْقِكَ فـاقْض بَـيْنَهُمْ فَـيَقُولُ: قَدْ شَفَّعْتُكَ، أنا آتِـيكُمْ فأقْضي بَـيْنَكُمْ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:فأنْصَرِفُ حتَّـى أقِـفَ مَعَ النَّاسِ، فَبَـيْنا نَـحْنُ وُقُوفٌ سَمعْنا حِسًّا مِنَ السَّماءِ شَديداً، فَهالنَا، فَنَزَلَ أهْلُ السَّماء الدُّنـيْا بِـمثْلَـيْ مَنْ فِـي الأرْضِ مِنَ الـجِنّ وَالإنْسِ حتَّـى إذَا دَنَوْا مِنَ الأرْضِ أشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِهِمْ، وأخَذُوا مَصَافَّهُمْ، فَقُلْنا لَهُمْ: أفِـيكُمْ رَبُّنا؟ قالُوا: لا وَهُوَ آتٍ ثُمّ نَزَلَ أهْلُ السَّماءِ الثًّانِـيَةِ بِـمِثْلَـيْ مَنْ نَزَلَ مِنَ الـمَلائِكَةِ، وَبِـمْثلَـيْ مَنْ فِـيها مِنَ الـجِنّ وَالإنْسِ، حتَّـى إذَا دَنَوا مِنَ الأرْضِ أشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِهِمْ، وأخَذُوا مَصَافَّهُمْ، فَقُلْنا لَهُمْ: أفِـيكُمْ رَبُّنا؟ قالُوا: لا وَهُوَ آتٍ. ثُمّ نَزَلَ أهْلُ السّماءِ الثَّالِثَةِ بِـمِثْلَـيْ مَنْ نَزَلَ مِنَ الـملائَكةِ، وبِـمِثْلَـيْ مَنْ فِـي الأرْضِ مِنَ الـجِنّ وَالإنْسِ حتـى إذَا دَنَوا مِنَ الأرْضِ أشْرَقَتِ الأرضُ بِنُورِهِمْ، وأخَذُوا مَصَافَّهُمْ، فَقُلْنا لَهُمْ: أفِـيكُمْ رَبُّنا؟ قالُوا: لا وَهُوَ آتٍ، ثُمَّ نَزَلَ أهْلُ السمَّوَات علـى عَدَدِ ذَلِكَ مِنَ التّضْعِيفِ حتَّـى نَزَلَ الـجَبَّـارُ فِـي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ وَالـمَلائِكَةِ وَلهُمْ زَجَلٌ مِنْ تَسْبِـيحِهِمْ يَقُولُونَ: سُبْحانَ ذي الـمُلْكِ وَالـمَلَكُوتِ، سُبْحانَ رَبّ العَرْشِ ذِي الـجَبرُوتِ، سُبْحانَ الـحَيّ الَّذِي لا يَـمُوتُ، سُبْحانَ الَّذِي يُـمِيتُ الـخَلائِقَ وَلا يَـمُوتُ، سُبُّوحٌ قَدُّوسٌ، ربُّ الـمَلائِكَةِ والرُّوحِ، قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ، سُبْحَانَ رَبِّنا الأعْلَـى، سُبْحانَ ذِي السُّلْطانِ وَالعَظَمَة، سُبْحانَهُ أَبداً أبَداً، فَـيَنْزلُ تَبـارَكَ وتَعالـى يَحْمِلُ عَرْشَهُ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِـيَةٌ، وَهُمْ الـيَوْمَ أرْبَعَةٌ، أقْدَامُهُمْ علـى تُـخُومِ الأرْض السُّفْلَـى وَالسّمَوَاتُ إلـى حُجَزهِمْ، وَالَعرْشُ علـى مَناكِبهِمْ، فَوَضَعَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَرْشَهُ حَيْثُ شاءَ مِنَ الأرْضِ. ثُمَّ يُنادي مُنادٍ نِدَاءً يُسْمِعُ الـخَلائِقَ، فَـيَقُولُ: يا مَعْشَرَ الـجِنّ وَالإنْسِ إنّـي قَدْ أنْصَتُّ مُنْذُ يَوْمَ خَـلَقْتُكُمْ إلـى يَوْمِكُمْ هَذَا، أسمَعُ كَلامَكُمْ، وأُبْصِر أعْمالَكُمْ، فأنْصِتُوا إلـيَّ، فإنَـما هِيَ صُحُفَكُمْ وأعْمالُكُمْ تُقْرأُ عَلَـيْكُمْ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلَـيَحْمَد اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غيرَ ذَلِكَ فَلا يَـلُومَنَّ إلاَّ نَفْسَهُ، فَـيَقْضِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بـينَ خَـلْقِه الـجِنِّ والإنْسِ وَالَبهائِم، فإنَّهُ لَـيُقْتَصُّ يَوْمَئِذٍ للْـجَمَّاء مِنْ ذَاتِ القَرْنِ

وهذا الـخبر يدل علـى خطأ قول قتادة فـي تأويـله قوله: {وَالـمَلائِكَةُ} أنه يعنـي به: الـملائكة تأتـيهم عند الـموت، لأن صلى الله عليه وسلم ذكر أنهم يأتونهم بعد قـيام الساعة فـي موقـف الـحساب حين تشقق السماء.

وبـمثل ذلك رُوي الـخبر عن جماعة من الصحابة والتابعين كرهنا إطالة الكتاب بذكرهم وذكر ما قالوا فـي ذلك. ويوضح أيضاً صحة ما اخترنا فـي قراءة قوله:{ وَالـمَلائِكَةُ } بـالرفع علـى معنى: وتأتـيهم الـملائكة، ويبـين عن خطأ قراءة من قرأ ذلك بـالـخفض لأنه أخبر صلى الله عليه وسلم أن الـملائكة تأتـي أهل القـيامة فـي موقـفهم حين تفطر السماء قبل أن يأتـيهم ربهم فـي ظلل من الغمام، إلا أن يكون قارىء ذلك ذهب إلـى أنه عز وجل عنى بقوله ذلك: إلا أن يأتـيهم الله فـي ظلل من الغمام، وفـي الـملائكة الذين يأتون أهل الـموقـف حين يأتـيهم الله فـي ظلل من الغمام فـيكون ذلك وجهاً من التأويـل وإن كان بعيداً من قول أهل العلـم ودلالة الكتاب وآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ وَقُضِيَ الأمْرُ وَإلـى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ}.

يعنـي جل ثناؤه بذلك: وفصل القضاء بـالعدل بـين الـخـلق، علـى ما ذكرناه قبل عن أبـي هريرة عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

مِنْ أخْذِ الـحَقِّ لِكُلِّ مَظْلُومٍ مِنْ كُلِّ ظالِـمٍ، حتَّـى القِصَاص للجمَّاء من القرْناء مِنَ البهائِم

وأما قوله: {وإلـى الله تُرْجَعُ الأمُورُ} فإنه يعنـي: وإلـى الله يئول القضاء بـين خـلقه يوم القـيامة والـحكم بـينهم فـي أمورهم التـي جرت فـي الدنـيا من ظلـم بعضهم بعضاً، واعتداء الـمعتدي منهم حدود الله، وخلاف أمره، وإحسان الـمـحسن منهم، وطاعته إياه فـيـما أمره به، فـيفصل بـين الـمتظالـمين، ويجازي أهل الإحسان بـالإحسان، وأهل الإساءة بـما رأى، ويتفضل علـى من لـم يكن منهم كافراً فـيعفو ولذلك قال جل ثناؤه:{ وَإلـى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ } وإن كانت أمور الدنـيا كلها والآخرة من عنده مبدؤها وإلـيه مصيرها، إذ كان خـلقه فـي الدنـيا يتظالـمون، ويـلـي النظر بـينهم أحياناً فـي الدنـيا بعضُ خـلقه، فـيحكم بـينهم بعضُ عبـيده، فـيجور بعض، ويعدل بعض، ويصيب واحد، ويخطىء واحد، ويـمكَّن من تنفـيذ الـحكم علـى بعض، ويتعذّر ذلك علـى بعض لـمنعة جانبه وغلبته بـالقوّة.

فأعلـم عبـاده تعالـى ذكره أن مرجع جميع ذلك إلـيه فـي موقـف القـيامة، فـينصف كلاًّ من كل، ويجازي حق الـجزاء كلاًّ، حيث لا ظلـم ولا مـمتنع من نفوذ حكمه علـيه، وحيث يستوي الضعيف والقويّ، والفقـير والغنـيّ، ويضمـحل الظلـم وينزل سلطان العدل.

وإنـما أدخـل جل وعز الألف واللام فـي الأمور لأنه جل ثناؤه عنى بها جميع الأمور، ولـم يعن بها بعضاً دون بعض، فكان ذلك بـمعنى قول القائل: يعجبنـي العسل، والبغل أقوى من الـحمار، فـيدخـل فـيه الألف واللام، لأنه لـم يقصد به قصد بعض دون بعض، إنـما يراد به العموم والـجمع.

الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ