انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة البقرة

تفسير الطبريالآيات 36–40

تفسير سورة البقرة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة البقرة

الخلاصة من تفسير الطبري · 20 مقطعًا · 5:38:46

  1. 1 الآيات 26–43في هذه الصفحة 17:28

التفسير الصوتي لسورة البقرة كاملًا (20 مقطعًا)

فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ ۝٣٦

قال أبو جعفر: اختلف القرّاء فـي قراءة ذلك فقرأته عامتهم: {فأزلَّهما} بتشديد اللام، بـمعنى استزلهما من قولك: زلّ الرجل فـي دينه: إذا هفـا فـيه وأخطأ فأتـى ما لـيس له إتـيانه فـيه، وأزلّه غيره: إذا سبب له ما يزلّ من آجله فـي دينه أو دنـياه. ولذلك أضاف الله تعالـى ذكره إلـى إبلـيس خروج آدم وزوجته من الـجنة فقال: {فَأَخْرَجَهُمَا} يعنـي إبلـيس {مِمَّا كَانَا فِيهِ} لأنه كان الذي سبب لهما الـخطيئة التـي عاقبهما الله علـيها بإخراجهما من الـجنة.

وقرأه آخرون: «فأزالهما»، بـمعنى إزالة الشيء عن الشيء، وذلك تنـحيته عنه.

وقد رُوي عن ابن عبـاس فـي تأويـل قوله {فَأَزَلَّهُمَا} ما:

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج: قال: قال ابن عبـاس فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ} قال: أغواهما.

وأولـى القراءتـين بـالصواب قراءة من قرأ: {فَأَزَلَّهُمَا} لأن الله جل ثناؤه قد أخبر فـي الـحرف الذي يتلوه بأن إبلـيس أخرجهما مـما كانا فـيه، وذلك هو معنى قوله فأزالهما، فلا وجه إذ كان معنى الإزالة معنى التنـحية والإخراج أن يقال: «فأزالهما الشيطان عنها فأخرجهما مـما كانا فـيه»، فـيكون كقوله: «فأزالهما الشيطان عنها فأزالهما مـما كانا فـيه»، ولكن الـمعنى الـمفهوم أن يقال: فـاستزلهما إبلـيس عن طاعة الله، كما قال جل ثناؤه: {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ} وقرأت به القراء، فأخرجهما بـاستزلاله إياهما من الـجنة.

فإن قال لنا قائل: وكيف كان استزلال إبلـيس آدم وزوجته حتـى أضيف إلـيه إخراجهما من الـجنة؟ قـيـل: قد قالت العلـماء فـي ذلك أقوالاً سنذكر بعضها. فحكي عن وهب بن منبه فـي ذلك ما:

حدثنا به الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عمر بن عبد الرحمن بن مُهرب، قال: سمعت وهب بن منبه يقول: لـما أسكن الله آدم وذرّيته، أو زوجته، الشك من أبـي جعفر، وهو فـي أصل كتابه: وذرّيته ونهاه عن الشجرة، وكانت شجرة غصونها متشعب بعضها فـي بعض، وكان لها ثمر تأكله الـملائكة لـخـلدهم، وهي الثمرة التـي نهى الله آدم عنها وزوجته. فلـما أراد إبلـيس أن يستزلهما دخـل فـي جوف الـحية، وكانت للـحية أربع قوائم كأنها بُخْتـية من أحسن دابة خـلقها الله. فلـما دخـلت الـحية الـجنة، خرج من جوفها إبلـيس، فأخذ من الشجرة التـي نهى الله عنها آدم وزوجته، فجاء بها إلـى حوّاء، فقال: انظري إلـى هذه الشجرة، ما أطيب ريحها، وأطيب طعمها، وأحسن لونها فأخذت حوّاء فأكلت منها، ثم ذهبت بها إلـى آدم، فقالت: انظر إلـى هذه الشجرة، ما أطيب ريحها، وأطيب طعمها، وأحسن لونها فأكل منها آدم، فبدت لهما سوآتهما، فدخـل آدم فـي جوف الشجرة، فناداه ربه: يا آدم أين أنت؟ قال: أنا هنا يا رب، قال: ألا تـخرج: قال: أستـحيـي منك يا ربّ، قال: ملعونة الأرض التـي خـلقت منها لعنة يتـحوّل ثمرها شوكا. قال: ولـم يكن فـي الـجنة ولا فـي الأرض شجرة كان أفضل من الطلـح والسدر ثم قال: يا حوّاء أنت التـي غررت عبدي، فإنك لا تـحملـين حملاً إلا حملته كرها، فإذا أردت أن تضعي ما فـي بطنك أشرفت علـى الـموت مرارا. وقال للـحية: أنت التـي دخـل الـملعون فـي جوفك حتـى غرّ عبدي، ملعونة أنت لعنة تتـحوّل قوائمك فـي بطنك، ولا يكن لك رزق إلا التراب، أنت عدوة بنـي آدم وهم أعداؤك حيث لقـيت أحدا منهم أخذت بعقبه، وحيث لقـيك شدخ رأسك.

قال عمر: قـيـل لوهب: وما كانت الـملائكة تأكل؟ قال: يفعل الله ما يشاء.

ورُوي عن ابن عبـاس نـحو هذه القصة.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح عن ابن عبـاس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: لـما قال الله لآدم:

{ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ }[البقرة: 35] أراد إبلـيس أن يدخـل علـيهما الـجنة فمنعته الـخزنة، فأتـى الـحية وهي دابة لها أربع قوائم كأنها البعير، وهي كأحسن الدوابّ، فكلـمها أن تدخـله فـي فمها حتـى تدخـل به إلـى آدم، فأدخـلته فـي فمها، فمرّت الـحية علـى الـخزنة فدخـلت ولا يعلـمون لـما أراد الله من الأمر، فكلـمه من فمها فلـم يبـال بكلامه، فخرج إلـيه فقال: { يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ }[طه: 120] يقول: هل أدلك علـى شجرة إن أكلت منها كنت ملكا مثل الله عزّ وجل، أو تكونا من الـخالدين فلا تـموتان أبدا. وحلف لهما بـالله { إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ }[الأعراف: 21] وإنـما أراد بذلك لـيبدي لهما ما توارى عنهما من سوآتهما بهتك لبـاسهما. وكان قد علـم أن لهما سوأة لـما كان يقرأ من كتب الـملائكة، ولـم يكن آدم يعلـم ذلك، وكان لبـاسهما الظفر. فأبى آدم أن يأكل منها، فتقدمت حوّاء فأكلت، ثم قالت: يا آدم كل فإنـي قد أكلت فلـم يضرّنـي. فلـما أكل آدم { بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ }

[الأعراف: 22] وحدثت عن عمار بن الـحسن، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال: حدثنـي مـحدّث أن الشيطان دخـل الـجنة فـي صورة دابة ذات قوائم، فكان يرى أنه البعير. قال: فلعن فسقطت قوائمه، فصار حية.

وحدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال: وحدثنـي أبو العالـية أن من الإبل ما كان أولها من الـجنّ، قال: فأبـيحت له الـجنة كلها إلا الشجرة، وقـيـل لهما:

{ لاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ }[البقرة: 35] قال: فأتـى الشيطان حوّاء فبدأ بها فقال: أنهيتـما عن شيء؟ قالت: نعم، عن هذه الشجرة. فقال: { مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ }[الأعراف: 20] قال: فبدأت حوّاء فأكلت منها، ثم أمرت آدم فأكل منها. قال: وكانت شجرة من أكل منها أحدث. قال: ولا ينبغي أن يكون فـي الـجنة حدث. قال: {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيه} قال: فـاخرج آدم من الـجنة.

وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، قال: حدثنا ابن إسحاق، عن بعض أهل العلـم: أن آدم حين دخـل الـجنة ورأى ما فـيها من الكرامة وما أعطاه الله منها، قال: لو أن خُـلْدا كان فـاغتنـمها منه الشيطان لـما سمعها منه، فأتاه من قِبَل الـخُـلْد.

وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثت أن أوّل ما ابتدأهما به من كيده إياهما أنه ناح علـيهما نـياحة أحزنتهما حين سمعاها، فقالا له: ما يبكيك؟ قال: أبكي علـيكما تـموتان فتفـارقان ما أنتـما فـيه من النعمة والكرامة. فوقع ذلك فـي أنفسهما. ثم أتاهما فوسوس إلـيهما، فقال:

{ يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ }[طه: 120] وقال: { مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ }[الأعراف: 20-21] أي تكونا ملكين أو تـخـلدا إن لـم تكونا ملكين فـي نعمة الـجنة فلا تـموتان، يقول الله جل ثناؤه: { فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ }

[الأعراف: 22] وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وسوس الشيطان إلـى حوّاء فـي الشجرة حتـى أتـى بها إلـيها، ثم حسّنها فـي عين آدم. قال: فدعاها آدم لـحاجته، قالت: لا، إلا أن تأتـي ههنا. فلـما أتـى قالت: لا، إلا أن تأكل من هذه الشجرة، قال: فأكلا منها فبدت لـهما سوآتهما. قال: وذهب آدم هاربـاً فـي الـجنة، فناداه ربه: يا آدم أمنـي تفرّ؟ قال: لا يا ربّ، ولكن حياءً منك. قال: يا آدم أنَّى أُتـيت؟ قال: من قبل حوّاء أي ربّ. فقال الله: فإن لها علـيّ أن أدميها فـي كل شهر مرة كما أدميت هذه الشجرة، وأن أجعلها سفـيهة، فقد كنت خـلقتها حلـيـمة، وأن أجعلها تـحمل كرها وتضع كرها، فقد كنت جعلتها تـحمل يسراً وتضع يسراً.

قال ابن زيد: ولولا البلـية التـي أصابت حوّاء لكان نساء الدنـيا لا يحضن، ولكنّ حلـيـمات، وكنّ يحملن يُسْراً ويضعن يُسْرا.

وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن سعيد بن الـمسيب، قال: سمعته يحلف بـالله ما يستثنـي ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل، ولكن حوّاء سقته الـخمر حتـى إذا سكر قادته إلـيها فأكل.

وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن لـيث بن أبـي سلـيـم، عن طاوس الـيـمانـي، عن ابن عبـاس، قال: إن عدوّ الله إبلـيس عرض نفسه علـى دوابّ الأرض أنها تـحمله حتـى يدخـل الـجنة معها، ويكلـم آدم وزوجته، فكل الدوابّ أبى ذلك علـيه، حتـى كلـم الـحية فقال لها: أمنعك من ابن آدم، فأنت فـي ذمتـي إن أنت أدخـلتنـي الـجنة فجعلته بـين نابـين من أنـيابها، ثم دخـلت به. فكلـمهما من فـيها، وكانت كاسية تـمشي علـى أربع قوائم، فأعراها الله، وجعلها تـمشي علـى بطنها. قال: يقول ابن عبـاس: اقتلوها حيث وجدتـموها، اخفروا ذمة عدوّ الله فـيها.

وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، قال: قال ابن إسحاق: وأهل التوراة يدرسون: إنـما كلّـم آدم الـحية، ولـم يفسروا كتفسير ابن عبـاس.

وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن أبـي معشر، عن مـحمد بن قـيس، قال: نهى الله آدم وحوّاء أن يأكلا من شجرة واحدة فـي الـجنة ويأكلا منها رغداً حيث شاءا. فجاء الشيطان فدخـل فـي جوف الـحية، فكلـم حواء، ووسوس الشيطان إلـى آدم، فقال:

{ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ }[الأعراف: 20-21] قال: فعضت حواء الشجرة، فدميت الشجرة وسقط عنهما رياشهما الذي كان علـيهما { وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ }[الأعراف: 22] لـم أكلتها وقد نهيتك عنها؟ قال: يا ربّ أطعمتنـي حوّاء. قال لـحوّاء: لـم أطعمته؟ قالت: أمرتنـي الـحية. قال للـحية: لـم أمرتها؟ قالت: أمرنـي إبلـيس. قال: ملعون مدحور أما أنت يا حوّاء فكما أدميت الشجرة فتَدْمين فـي كل هلال. وأما أنت يا حية فأقطع قوائمك فتـمشين جريا علـى وجهك، وسيشدخ رأسك من لقـيك بـالـحجر اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ.

قال أبو جعفر: وقد رويت هذه الأخبـار عمن رويناها عنه من الصحابة والتابعين وغيرهم فـي صفة استزلال إبلـيس عدوّ الله آدم وزوجته حتـى أخرجهما من الـجنة.

وأولـى ذلك بـالـحقّ عندنا، ما كان لكتاب الله موافقا، وقد أخبر الله تعالـى ذكره عن إبلـيس أنه وسوس لآدم وزوجته لـيبدي لهما ما وورى عنهما من سوآتهما، وأنه قال لهما:

{ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ }[الأعراف: 20] وأنه قاسمهما إنـي لكما لـمن الناصحين مدلّـيا لهما بغرور. ففـي إخبـاره جل ثناؤه عن عدوّ الله أنه قاسم آدم وزوجته بقـيـله لهما: { إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ }[الأعراف: 21] الدلـيـل الواضح علـى أنه قد بـاشر خطابهما بنفسه، إما ظاهراً لأعينهما، وإما مستـجنًّا فـي غيره. وذلك أنه غير معقول فـي كلام العرب أن يقال: قاسم فلان فلاناً فـي كذا وكذا، إذا سبب له سببـاً وصل به إلـيه دون أن يحلف له. والـحلف لا يكون بتسبب السبب، فكذلك قوله: فوسوس إلـيه الشيطان، لو كان ذلك كان منه إلـى آدم علـى نـحو الذي منه إلـى ذريته من تزيـين أكل ما نهى الله آدم عن أكله من الشجرة بغير مبـاشرة خطابه إياه بـما استزله به من القول والـحيـل، لـما قال جل ثناؤه: { وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ }[الأعراف: 21] كما غير جائز أن يقول الـيوم قائل مـمن أتـى معصية: قاسمنـي إبلـيس أنه لـي ناصح فـيـما زين لـي من الـمعصية التـي أتـيتها، فكذلك الذي كان من آدم وزوجته لو كان علـى النـحو الذي يكون فـيـما بـين إبلـيس الـيوم وذرية آدم لـمّا قال جل ثناؤه: { وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ }[الأعراف: 21] ولكن ذلك كان إن شاء الله علـى نـحو ما قال ابن عبـاس ومن قال بقوله.

فأما سبب وصوله إلـى الـجنة حتـى كلـم آدم بعد أن أخرجه الله منها وطرده عنها، فلـيس فـيـما رُوي عن ابن عبـاس ووهب بن منبه فـي ذلك معنى يجوز لذي فهم مدافعته، إذ كان ذلك قولاً لا يدفعه عقلٌ ولا خبرٌ يـلزم تصديقه من حجة بخلافه، وهو من الأمور الـمـمكنة. والقول فـي ذلك أنه قد وصل إلـى خطابهما علـى ما أخبرنا الله جل ثناؤه، ومـمكن أن يكون وصل إلـى ذلك بنـحو الذي قاله الـمتأوّلون بل ذلك إن شاء الله كذلك لتتابع أقوال أهل التأويـل علـى تصحيح ذلك، وإن كان ابن إسحاق قد قال فـي ذلك ما:

حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، قال: قال ابن إسحاق فـي ذلك، والله أعلـم، كما قال ابن عبـاس وأهل التوراة: أنه خـلص إلـى آدم وزوجته بسلطانه الذي جعل الله له لـيبتلـي به آدم وذريته، وأنه يأتـي ابن آدم فـي نومته وفـي يقظته، وفـي كل حال من أحواله، حتـى يخـلص إلـى ما أراد منه حتـى يدعوه إلـى الـمعصية، ويوقع فـي نفسه الشهوة وهو لا يراه، وقد قال الله:{فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا} وقال:

{ يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ }[الأعراف: 27] وقد قال الله لنبـيه علـيه الصلاة والسلام: { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ * مَلِكِ ٱلنَّاسِ }[الناس: 1-2] إلـى آخر السورة. ثم ذكر الأخبـار التـي رويت عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ۝٣٧

قال أبو جعفر: أما تأويـل قوله: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ} فقـيـل إنه أخذ وقيل، أصله التفعل من اللقاء كما يتلقـى الرجل الرجل يستقبله عند قدومه من غيبة أو سفر، فكذلك ذلك فـي قوله: {فَتَلَقَّىٰ} كأنه استقبله فتلقاه بـالقبول، حين أوحى إلـيه، أو أخبر به. فمعنى ذلك إذا: فلقَّـى الله آدمَ كلـمات توبة فتلقاها آدم من ربه وأخذها عنه تائبـاً فتاب الله علـيه بقـيـله إياها وقبوله إياها من ربه. كما:

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ} الآية، قال: لقاهما هذه الآية:

{ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ }

[الأعراف: 23] وقد قرأ بعضهم: «فَتَلَقَّـى آدَمَ مِنْ رَبِّهِ كَلِـماتٌ» فجعل الكلـمات هي الـمتلقـية آدم. وذلك وإن كان من وجهة العربـية جائزاً إذ كان كل ما تلقاه الرجل فهو له متلق وما لقـيه فقد لقـيه، فصار للـمتكلـم أن يوجه الفعْل إلـى أيهما شاء ويخرج من الفعل أيهما أحب، فغير جائز عندي فـي القراءة إلا رفع «آدم» علـى أنه الـمتلقـي الكلـمات لإجماع الـحجة من القراء وأهل التأويـل من علـماء السلف والـخـلف علـى توجيه التلقـي إلـى آدم دون الكلـمات، وغير جائز الاعتراض علـيها فـيـما كانت علـيه مـجمعة بقول من يجوز علـيه السهو والـخطأ.

واختلف أهل التأويـل فـي أعيان الكلـمات التـي تلقاها آدم من ربه، فقال بعضهم بـما:

حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا ابن عطية، عن قـيس، عن ابن أبـي لـيـلـى، عن الـمنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} قال: أي ربّ ألـم تـخـلقنـي بـيدك؟ قال: بلـى، قال: أي ربّ ألـم تنفخ فـيّ من روحك؟ قال: بلـى، قال: أي ربّ ألـم تسكنـي جنتك؟ قال: بلـى، أي ربّ ألـم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلـى، قال: أرأيت إن أنا تبت وأصلـحت أراجعي أنت إلـى الـجنة؟ قال: نعم. قال: فهو قوله: {فَتَلَقَّـى آدمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِـماتٍ}.

وحدثنـي علـيّ بن الـحسن، قال: حدثنا مسلـم، قال: حدثنا مـحمد بن مصعب، عن قـيس بن الربـيع، عن عاصم بن كلـيب، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس نـحوه.

وحدثنـي مـحمد بن سعد، قال: حدثنـي أبـي، قال: حدثنـي عمي، قال: حدثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} قال: إن آدم قال لربه إذ عصاه ربّ أرأيت إن أنا تبت وأصلـحت؟ فقال له ربه: إنـي راجعك إلـى الـجنة.

وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ} ذكر لنا أنه قال: يا ربّ أرأيت إن أنا تبت وأصلـحت؟ قال: إنـي إذا راجعك إلـى الـجنة. قال: وقال الـحسن إنهما قالا:

{ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ }

[الأعراف: 23] وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا آدم العسقلانـي، قال: حدثنا أبو جعفر عن الربـيع، عن أبـي العالـية فـي قوله: {فَتَلَقَّـى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلـماتٍ} قال: إن آدم لـما أصاب الـخطيئة، قال: يا ربّ أرأيت إن تبت وأصلـحت؟ فقال الله: إذا أرجعك إلـى الـجنة. فهي من الكلـمات. ومن الكلـمات أيضا:

{ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ }

[الأعراف: 23] وحدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ} قال: ربّ ألـم تـخـلقنـي بـيدك؟ قـيـل له: بلـى، قال: ونفخت فـيّ من روحك؟ قـيـل له: بلـى، قال: وسبقت رحمتك غصبك؟ قـيـل له: بلـى، قال: ربّ هل كنت كتبت هذا علـيّ؟ قـيـل له: نعم، قال: ربّ إن تبت وأصلـحت هل أنت راجعي إلـى الـجنة؟ قـيـل له: نعم. قال الله تعالـى:

{ ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ }

[طه: 122] وقال آخرون بـما:

حدثنا به مـحمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن ابن مهدي، قال: حدثنا سفـيان، عن عبد العزيز بن رفـيع، قال: حدثنـي من سمع عبـيد بن عمير، يقول: قال آدم: يا ربّ خطيئتـي التـي أخطأتها أشيء كتبته علـيّ قبل أن تـخـلقنـي، أو شيء ابتدعته من قبل نفسي؟ قال: بلـى شيء كتبته علـيك قبل أن أخـلقك. قال: فكما كتبته علـيّ فـاغفره لـي قال: فهو قول الله: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ}.

وحدثنا ابن سنان، قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفـيان، عن عبد العزيز بن رفـيع، قال: أخبرنـي من سمع عبـيد بن عمير بـمثله.

وحدثنا ابن سنان، قال: حدثنا وكيع بن الـجرّاح، قال: حدثنا سفـيان، عن عبد العزيز ابن رفـيع، عمن سمع عبـيد بن عمير يقول: قال آدم، فذكر نـحوه.

وحدثنا الـمثنى، قال: حدثنا أبو نعيـم، قال: حدثنا سفـيان، عن عبد العزيز بن رفـيع، قال: أخبرنـي من سمع عبـيد الله بن عمير بنـحوه.

وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن عبد العزيز، عن عبـيد بن عمير بـمثله.

وقال آخرون بـما:

حدثنـي به أحمد بن عثمان بن حكيـم الأودي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن شريك، قال: حدثنا أبـي، قال: حدثنا حصين ابن عبد الرحمن، عن حميد بن نبهان، عن عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية أنه قال: قوله: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} قال آدم: اللهمّ لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، أستغفرك وأتوب إلـيك، تب علـيّ إنك أنت التوّاب الرحيـم.

وحدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال: حدثنا أبو غسان، قال: أنبأنا أبو زهير، وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: أخبرنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفـيان وقـيس جميعاً عن خصيف، عن مـجاهد فـي قوله: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ} قال قوله:

{ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا }[الأعراف: 23] حتـى فرغ منها.

وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنـي شبل، عن ابن نـجيح، عن مـجاهد، كان يقول فـي قول الله: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ} الكلـمات: اللهمّ لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، ربّ إنـي ظلـمت نفسي فـاغفر لـي إنك خير الغافرين. اللهمّ لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، ربـي إنـي ظلـمت نفسي فـارحمنـي إنك خير الراحمين. اللهمّ لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، ربّ إنـي ظلـمت نفسي فتب علـيّ إنك أنت التوّاب الرحيـم.

وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبـي، عن النضر بن عربـي، عن مـجاهد: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ} قال: هو قوله:

{ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا }[الأعراف: 23] الآية.

وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ} قال: أي ربّ أتتوب علـيّ إن تبت؟ قال: نعم فتاب آدم، فتاب علـيه ربه.

وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ} قال: هو قوله:

{ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ }

[الأعراف: 23] حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: هو قوله:

{ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ }

[الأعراف: 23] وهذه الأقوال التـي حكيناها عمن حكيناها عنه وإن كانت مختلفة الألفـاظ، فإن معانـيها متفقة فـي أن الله جل ثناؤه لقَّـى آدم كلـمات، فتلقاهن آدم من ربه فقبلهن وعمل بهن وتاب بقـيـله إياهن وعمله بهن إلـى الله من خطيئته، معترفـاً بذنبه، متنصلاً إلـى ربه من خطيئته، نادماً علـى ما سلف منه من خلاف أمره. فتاب الله علـيه بقبوله الكلـمات التـي تلقاهن منه وندمه علـى سالف الذنب منه.

والذي يدلّ علـيه كتاب الله أن الكلـمات التـي تلقاهن آدم من ربه هنّ الكلـمات التـي أخبر الله عنه أنه قالها متنصلاً بقـيـلها إلـى ربه معترفـاً بذنبه، وهو قوله:

{ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ }[الأعراف: 23] ولـيس ما قاله من خالف قولنا هذا من الأقوال التـي حكيناها بـمدفوع قوله، ولكنه قول لا شاهد علـيه من حجة يجب التسلـيـم لها فـيجوز لنا إضافته إلـى آدم، وأنه مـما تلقاه من ربه عند إنابته إلـيه من ذنبه.

وهذا الـخبر الذي أخبر الله عن آدم من قـيـله الذي لقاه إياه فقاله تائبـاً إلـيه من خطيئته، تعريف منه جل ذكره جميع الـمخاطبـين بكتابه كيفـية التوبة إلـيه من الذنوب، وتنبـيه للـمخاطبـين بقوله:

{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ }[البقرة: 28] علـى موضع التوبة مـما هم علـيه من الكفر بـالله، وأن خلاصهم مـما هم علـيه مقـيـمون من الضلالة نظير خلاص أبـيهم آدم من خطيئته مع تذكيره إياهم به السالف إلـيهم من النعم التـي خصّ بها أبـاهم آدم وغيره من آبـائهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَتَابَ عَلَيْهِ}.

قال أبو جعفر: وقوله: {فَتَابَ عَلَيْهِ} يعنـي علـى آدم، والهاء التـي فـي «علـيه» عائدة علـى «آدم». وقوله: {فَتَابَ عَلَيْهِ} يعنـي رزقه التوبة من خطيئته. والتوبة معناها الإنابة إلـى الله والأوبة إلـى طاعته مـما يكره من معصيته.

القول في تأويل قوله تعالى {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً} قال أبو جعفر وتأويـل قوله: {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} أن الله جل ثناؤه هو التواب علـى من تاب إلـيه من عبـاده الـمذنبـين من ذنوبه التارك مـجازاته بإنابته إلـى طاعته بعد معصيته بـما سلف من ذنبه.

وقد ذكرنا أن معنى التوبة من العبد إلـى ربه: إنابته إلـى طاعته، وأوبته إلـى ما يرضيه بتركه ما يسخطه من الأمور التـي كان علـيها مقـيـماً مـما يكرهه ربه، فكذلك توبة الله علـى عبده هو أن يرزقه ذلك، ويؤب من غضبه علـيه إلـى الرضا عنه، ومن العقوبة إلـى العفو والصفح عنه.

وأما قوله: {ٱلرَّحِيمُ} فإنه يعنـي أنه الـمتفضل علـيه مع التوبة بـالرحمة، ورحمته إياه إقالة عثرته وصفحه عن عقوبة جرمه.

قُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝٣٨

وقد ذكرنا القول في تأويل قوله:{قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً} فـيـما مضى فلا حاجة بنا إلـى إعادته، إذ كان معناه فـي هذا الـموضع هو معناه فـي ذلك الـموضع. وقد:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: حدثنا هشيـم، قال: أخبرنا إسماعيـل بن سالـم، عن أبـي صالـح فـي قوله: {ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً} قال: آدم، وحوّاء، والـحية، وإبلـيس.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى}.

قال أبو جعفر: وتأويـل قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم} فإن يأتكم، و«ما» التـي مع «إن» توكيد للكلام، ولدخولها مع «إن» أدخـلت النون الـمشددة فـي «يأتـينكم» تفرقة بدخولها بـين «ما» التـي تأتـي بـمعنى توكيد الكلام التـي تسميها أهل العربـية صلة وحشواً، وبـين «ما» التـي تأتـي بـمعنى «الذي»، فتؤذن بدخولها فـي الفعل، أن «ما» التـي مع «إن» التـي بـمعنى الـجزاء توكيد، ولـيست «ما» التـي بـمعنى «الذي».

وقد قال بعض نـحويـي البصريـين: إنّ «إما» «إن» زيدت معها «ما»، وصار الفعل الذي بعده بـالنون الـخفـيفة أو الثقـيـلة، وقد يكون بغير نون. وإنـما حسنت فـيه النون لـمّا دخـلته «ما»، لأن «ما» نفـي، فهي مـما لـيس بواجب، وهي الـحرف الذي ينفـي الواجب، فحسنت فـيه النون، نـحو قولهم: «بعين ما أرينك» حين أدخـلت فـيها «ما» حسنت النون فـيـما ههنا. وقد أنكر جماعة من أهل العربـية دعوى قائلـي هذه الـمقالة أن «ما» التـي مع «بعين ما أرينّك» بـمعنى الـجحد، وزعموا أن ذلك بـمعنى التوكيد للكلام.

وقال آخرون: بل هو حشو فـي الكلام، ومعناها الـحذف، وإنـما معنى الكلام: بعين أراك، وغير جائز أن يجعل مع الاختلاف فـيه أصلاً يقاس علـيه غيره.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.

قال أبو جعفر: والهدى فـي هذا الـموضع البـيان والرشاد، كما:

حدثنا الـمثنى ابن إبراهيـم، قال: حدثنا آدم العسقلانـي، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية فـي قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} قال: الهدى: الأنبـياء والرسل والبـيان.

فإن كان ما قال أبو العالـية فـي ذلك كما قال، فـالـخطاب بقوله: {ٱهْبِطُواْ} وإن كان لآدم وزوجته، فـيجب أن يكون مراداً به آدم وزوجته وذرّيتهما. فـيكون ذلك حينئذٍ نظير قوله:

{ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ }[فصلت: 11] بـمعنى أتـينا بـما فـينا من الـخـلق طائعين. ونظير قوله فـي قراءة ابن مسعود: «رَبَّنا وَاجْعَلْنَا مُسْلِـمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرّيَّتِنا أمةً مُسْلِـمَةً لَكَ وأرِهِمْ مَناسِكَهُمْ» فجمع قبل أن تكون ذرية، وهو فـي قراءتنا: { وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا }[البقرة: 128] وكما يقول القائل لآخر: كأنك قد تزوّجت وولد لك وكثرتـم وعززتـم. ونـحو ذلك من الكلام.

وإنـما قلنا إن ذلك هو الواجب علـى التأويـل الذي ذكرناه عن أبـي العالـية لأن آدم كان هو النبـي صلى الله عليه وسلم أيام حياته بعد أن أهبط إلـى الأرض، والرسول من الله جل ثناؤه إلـى ولده، فغير جائز أن يكون معنـياً وهو الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} خطابـاً له ولزوجته: فإما يأتـينكم منـي هدى أنبـياء ورسل إلا علـى ما وصفت من التأويـل.

وقول أبـي العالـية فـي ذلك وإن كان وجهاً من التأويـل تـحتـمله الآية، فأقرب إلـى الصواب منه عندي وأشبه بظاهر التلاوة أن يكون تأويـلها: فإما يأتـينكم منـي يا معشر من أهبطته إلـى الأرض من سمائي، وهو آدم وزوجته وإبلـيس، كما قد ذكرنا قبل فـي تأويـل الآية التـي قبلها: إما يأتـينكم منـي بـيان من أمري وطاعتـي ورشاد إلـى سبـيـلـي ودينـي، فمن اتبعه منكم فلا خوف علـيهم ولا هم يحزنون، وإن كان قد سلف منهم قبل ذلك إلـيّ معصية وخلاف لأمري وطاعتـي. يعرّفهم بذلك جل ثناؤه أنه التائب علـى من تاب إلـيه من ذنوبه، والرحيـم لـمن أناب إلـيه كما وصف نفسه بقوله: {إنه هُوَ التَّوَّاب الرَّحِيـمُ}. وذلك أن ظاهر الـخطاب بذلك إنـما هو للذين قال لهم جل ثناؤه: {ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً} والذين خوطبوا به هم من سمينا فـي قول الـحجة من الصحابة والتابعين الذين قد قدمنا الرواية عنهم. وذلك وإن كان خطابـاً من الله جل ذكره لـمن أهبط حينئذٍ من السماء إلـى الأرض، فهو سنة الله فـي جميع خـلقه، وتعريف منه بذلك للذين أخبر عنهم فـي أول هذه السورة بـما أخبر عنهم فـي قوله:

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }[البقرة: 6] وفـي قوله: { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ }[البقرة: 8] وأن حكمه فـيهم إن تابوا إلـيه وأنابوا واتبعوا ما أتاهم من البـيان من عند الله، علـى لسان رسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم، أنهم عنده فـي الآخرة، مـمن لا خوف علـيهم ولا هم يحزنون، وأنهم إن هلكوا علـى كفرهم وضلالتهم قبل الإنابة والتوبة، كانوا من أهل النار الـمخـلدين فـيها.

وقوله: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ} يعنـي فمن اتبع بـيانـي الذي أبـينه علـى ألسن رسلـي أو مع رسلـي، كما:

حدثنا به الـمثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ} يعنـي بـيانـي.

وقوله: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} يعنـي فهم آمنون فـي أهوال القـيامة من عقاب الله غير خائفـين عذابه، بـما أطاعوا الله فـي الدنـيا واتبعوا أمره وهداه وسبـيـله ولا هم يحزنون يومئذٍ علـى ما خالفوا بعد وفـاتهم فـي الدنـيا، كما:

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} يقول لا خوف علـيكم أمامكم، ولـيس شيء أعظم فـي صدر الذي يـموت مـما بعد الـموت، فأمّنهم منه وسلاّهم عن الدنـيا، فقال: {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝٣٩

يعنـي: والذين جحدوا آياتـي وكذّبوا رسلـي، وآيات الله: حججه وأدلته علـى وحدانـيته وربوبـيته، وما جاءت به الرسل من الأعلام والشواهد علـى ذلك، وعلـى صدقها فـيـما أنبأت عن ربها. وقد بـينا أن معنى الكفر: التغطية علـى الشيء. {أُولَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ} يعنـي أهلها الذين هم أهلها دون غيرهم الـمخـلدون فـيها أبداً إلـى غير أمد ولا نهاية، كما:

حدثنا به عقبة بن سنان البصري، قال: حدثنا غسان بن مضر، قال: حدثنا سعيد بن يزيد، وحدثنا سوار بن عبد الله العنبري، قال: حدثنا بشر بن الـمفضل، قال: حدثنا أبو مسلـمة سعيد بن يزيد، وحدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، وأبو بكر بن عون، قالا: حدثنا إسماعيـل بن علـية، عن سعيد بن يزيد، عن أبـي نضرة، عن أبـي سعيد الـخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:


يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّٰىَ فَٱرْهَبُونِ ۝٤٠

قال أبو جعفر: يعنـي بقوله جل ثناؤه: {يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ}: يا ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيـم خـلـيـل الرحمن وكان يعقوب يدعى إسرائيـل، بـمعنى عبد الله وصفوته من خـلقه وإيـل هو الله وإسرا: هو العبد، كما قـيـل جبريـل بـمعنى عبد الله. وكما:

حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن الأعمش، عن إسماعيـل بن رجاء، عن عمير مولـى ابن عبـاس، عن ابن عبـاس: إن إسرائيـل كقولك عبد الله.

وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن الـمنهال، عن عبد الله بن الـحارث، قال: إيـل: الله بـالعبرانـية.

وإنـما خاطب الله جل ثناؤه بقوله: {يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ} أحبـار الـيهود من بنـي إسرائيـل الذين كانوا بـين ظهرانـي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنسبهم جلّ ذكره إلـى يعقوب، كما نسب ذرية آدم إلـى آدم، فقال:

{ يَابَنِيۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ }[الأعراف: 31] وما أشبه ذلك. وإنـما خصهم بـالـخطاب فـي هذه الآية والتـي بعدها من الآي التـي ذكرهم فـيها نعمه، وإن كان قد تقدم ما أنزل فـيهم وفـي غيرهم فـي أول هذه السورة ما قد تقدم أن الذي احتـجّ به من الـحجج والآيات التـي فـيها أنبـاء أسلافهم وأخبـار أوائلهم، وقصص الأمور التـي هم بعلـمها مخصوصون دون غيرهم من سائر الأمـم لـيس عند غيرهم من العلـم بصحته، وحقـيقته مثل الذي لهم من العلـم به إلا لـمن اقتبس علـم ذلك منهم. فعرّفهم بـاطلاع مـحمد علـى علـمها مع بعد قومه وعشيرته من معرفتها، وقلة مزاولة مـحمد صلى الله عليه وسلم دراسة الكتب التـي فـيها أنبـاء ذلك، أن مـحمداً صلى الله عليه وسلم لـم يصل إلـى علـم ذلك إلا بوحي من الله وتنزيـل منه ذلك إلـيه لأنهم من علـم صحة ذلك بـمـحل لـيس به من الأمـم غيرهم. فلذلك جل ثناؤه خصّ بقوله: {يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ} خطابهم كما:

حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير عن ابن عبـاس قوله: {يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ} قال: يا أهل الكتاب للأحبـار من يهود.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}.

قال أبو جعفر: ونعمته التـي أنعم بها علـى بنـي إسرائيـل جل ذكره اصطفـاؤه منهم الرسل، وإنزاله علـيهم الكتب، واستنقاذه إياهم مـما كانوا فـيه من البلاء والضرّاء من فرعون وقومه، إلـى التـمكين لهم فـي الأرض، وتفجير عيون الـماء من الـحجر، وإطعام الـمنّ والسلوى. فأمر جل ثناؤه أعقابهم أن يكون ما سلف منه إلـى آبـائهم علـى ذكر، وأن لا ينسوا صنـيعه إلـى أسلافهم وآبـائهم، فـيحلّ بهم من النقم ما أحل بـمن نسي نعمه عنده منهم وكفرها وجحد صنائعه عنده. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} أي آلائي عندكم وعند آبـائكم لـما كان نـجاهم به من فرعون وقومه.

وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية فـي قوله: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ} قال: نعمته أن جعل منهم الأنبـياء والرسل، وأنزل علـيهم الكتب.

وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} يعنـي نعمته التـي أنعم علـى بنـي إسرائيـل فـيـما سمى وفـيـما سوى ذلك، فجر لهم الـحجر، وأنزل علـيهم الـمنّ والسلوى، وأنـجاهم عن عبودية آل فرعون.

وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: { نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} قال: نعمه عامة، ولا نعمة أفضل من الإسلام، والنعم بعد تبعَ لها. وقرأ قول الله

{ يَـمُنُّونَ عَلَـيْكَ أنْ أسْلَـمُوا قُلْ لاَ تَـمُنُّوا عَلَـيَّ إسْلاَمَكُمْ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [الحجرات: 17] الآية. وتذكير الله الذين ذكرهم جل ثناؤه بهذه الآية من نعمه علـى لسان رسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم، نظير تذكير موسى صلوات الله علـيه أسلافهم علـى عهده الذي أخبر الله عنه أنه قال لهم. وذلك قوله: { وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ }

[المائدة: 20] القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}.

قال أبو جعفر: قد تقدم بـياننا معنى العهد فـيـما مضى من كتابنا هذا واختلاف الـمختلفـين فـي تأويـله والصوابُ عندنا من القول فـيه. وهو فـي هذا الـموضع عهد الله ووصيته التـي أخذ علـى بنـي إسرائيـل فـي التوراة أن يبـينوا للناس أمر مـحمد صلى الله عليه وسلم أنه رسول، وأنهم يجدونه مكتوبـا عندهم فـي التوراة أنه نبـيّ الله، وأن يؤمنوا به وبـما جاء به من عند الله. {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} وعهده إياهم: أنهم إذا فعلوا ذلك أدخـلهم الـجنة، كما قال جل ثناؤه:

{ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً }[المائدة: 12] الآية، وكما قال: { فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ }[الأعراف: 156-157] الآية. وكما:

حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ} الذي أخذت فـي أعناقكم للنبـي صلى الله عليه وسلم إذا جاءكم. {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}: أي أنـجز لكم ما وعدتكم علـيه بتصديقه واتبـاعه، بوضع ما كان علـيكم من الإصر والأغلال التـي كانت فـي أعناقكم بذنوبكم التـي كانت من أحداثكم.

وحدثنا الـمثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية فـي قوله: {أَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} قال: عهده إلـى عبـاده: دين الإسلام أن يتبعوه. {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} يعنـي الـجنة.

وحدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} أما أوفوا بعهدي: فما عهدت إلـيكم فـي الكتاب، وأما أوف بعهدكم: فـالـجنة، عهدت إلـيكم أنكم إن عملتـم بطاعتـي أدخـلتكم الـجنة.

وحدثنـي القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج فـي قوله: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} قال: ذلك الـميثاق الذي أخذ علـيهم فـي الـمائدة

{ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً }[المائدة: 12] إلـى آخر الآية. فهذا عهد الله الذي عهد إلـيهم، وهو عهد الله فـينا، فمن أوفـى بعهد الله وفـى الله له بعهده.

وحدثت عن الـمنـجاب، قال: حدثنا بشر، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس فـي قوله: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} يقول: أوفوا بـما أمرتكم به من طاعتـي ونهيتكم عنه من معصيتـي فـي النبـي صلى الله عليه وسلم وفـي غيره أوف بعهدكم يقول: أرض عنكم وأدخـلكم الـجنة.

وحدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قول: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} قال: أوفوا بأمري، أوف بـالذي وعدتكم، وقرأ:

{ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ }[التوبة: 111] حتـى بلغ: { وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ }[التوبة: 111] قال: هذا عهده الذي عهده لهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَإِيَّٰيَ فَٱرْهَبُونِ}.

قال أبو جعفر: وتأويـل قوله: {وَإِيَّٰيَ فَٱرْهَبُونِ} وإياي فـاخشوا، واتقوا أيها الـمضيعون عهدي من بنـي إسرائيـل والـمكذّبون رسولـي الذي أخذت ميثاقكم فـيـما أنزلت من الكتب علـى أنبـيائي أن تؤمنوا به وتتبعوه، أن أحلّ بكم من عقوبتـي، إن لـم تنـيبوا وتتوبوا إلـيّ بـاتبـاعه والإقرار بـما أنزلت إلـيه ما أحللت بـمن خالف أمري وكذّب رسلـي من أسلافكم. كما:

حدثنـي به مـحمد بن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {وَإِيَّٰيَ فَٱرْهَبُونِ} أن أنزل بكم ما أنزلت بـمن كان قبلكم من آبـائكم من النقمات التـي قد عرفتـم من الـمسخ وغيره.

وحدثنا الـمثنى بن إبراهيـم، قال: حدثنـي آدم العسقلانـي، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية فـي قوله: {وَإِيَّٰيَ فَٱرْهَبُونِ} يقول: فـاخشون.

وحدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي: {وَإِيَّٰيَ فَٱرْهَبُونِ} بقول: وإياي فـاخشون.

الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ