انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة البقرة

تفسير الطبريالآيات 55–61

تفسير سورة البقرة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة البقرة

الخلاصة من تفسير الطبري · 20 مقطعًا · 5:38:46

  1. 1 الآيات 44–59في هذه الصفحة 10:33
  2. 2 الآيات 60–74في هذه الصفحة 14:29

التفسير الصوتي لسورة البقرة كاملًا (20 مقطعًا)

وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ۝٥٥

وتأويـل ذلك: واذكروا أيضاً إذ قلتـم: يا موسى لن نصدّقك ولن نقرّ بـما جئتنا به حتـى نرى الله جهرة عيانا، برفع الساتر بـيننا وبـينه، وكشف الغطاء دوننا ودونه حتـى ننظر إلـيه بأبصارنا، كما تُـجهر الركِيَّة، وذلك إذا كان ماؤها قد غطاه الطين، فنفـى ما قد غطاه حتـى ظهر الـماء وصَفَـاً، يقال منه: قد جهرت الركية أجهرها جهراً وجهرة ولذلك قـيـل: قد جهر فلان بهذا الأمر مـجاهرة وجهاراً: إذا أظهره لرأي العين وأعلنه، كما قال الفرزدق بن غالب:

من اللاّئي يَضِلُّ الألفُ منْهُ مِسَحّاً مِنْ مَخافَتِهِ جِهاراً

وكما حدثنا به القاسم بن الـحسن، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} قال: علانـية.

وحدثت، عن عمارة بن الـحسن قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه عن الربـيع: {حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} يقول: عيانا.

وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً}: حتـى يطلع إلـينا.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً}: أي عيانا.

فذكرهم بذلك جل ذكره اختلاف آبـائهم وسوء استقامة أسلافهم لأنبـيائهم، مع كثرة معاينتهم من آيات الله جل وعزّ وعِبَره ما تثلـج بأقلها الصدور، وتطمئنّ بـالتصديق معها النفوس وذلك مع تتابع الـحجج علـيه، وسبوغ النعم من الله لديهم. وهم مع ذلك مرّة يسألون نبـيهم أن يجعل لهم إلها غير الله ومرة يعبدون العجل من دون الله، ومرة يقولون لا نصدقك حتـى نرى الله جهرة، وأخرى يقولون له إذا دعوا إلـى القتال:

{ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ }[المائدة: 24] ومرة يقال لهم: { وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيۤئَاتِكُمْ }[الأعراف: 161] فـيقولون: حنطة فـي شعيرة، ويدخـلون البـاب من قبل أستاههم، مع غير ذلك من أفعالهم التـي آذوا بها نبـيهم علـيه السلام التـي يكثر إحصاؤها. فأعلـم ربنا تبـارك وتعالـى ذكره الذين خاطبهم بهذه الآيات من يهود بنـي إسرائيـل الذين كانوا بـين ظهرانـي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لن يعدوا أن يكونوا فـي تكذيبهم مـحمداً صلى الله عليه وسلم، وجحودهم نبوّته، وتركهم الإقرار به وبـما جاء به، مع علـمهم به ومعرفتهم بحقـيقة أمره كأسلافهم وآبـائهم الذين فصل علـيهم قصصهم فـي ارتدادهم عن دينهم مرة بعد أخرى، وتوثبهم علـى نبـيهم موسى صلوات الله وسلامه علـيه تارة بعد أخرى، مع عظيـم بلاء الله جل وعزّ عندهم وسبوغ آلائه علـيهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ}.

اختلف أهل التأويـل فـي صفة الصاعقة التـي أخذتهم. فقال بعضهم بـما:

حدثنا به الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ} قال: ماتوا.

وحدثت عن عمار بن الـحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ} قال: سمعوا صوتاً فصعقوا. يقول: فماتوا. وقال آخرون: بـما:

حدثنـي موسى بن هارون الهمدانـي، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ} والصاعقة: نار.

وقال آخرون بـما:

حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: أخذتهم الرجفة وهي الصاعقة فماتوا جميعاً. وأصل الصاعقة: كل أمر هائل رآه أو عاينه أو أصابه حتـى يصير من هوله وعظيـم شأنه إلـى هلاك وعطب، وإلـى ذهاب عقل وغُمور فهم، أو فقد بعض آلات الـجسم، صوتاً كان ذلك، أو ناراً، أو زلزلة، أو رَجْفـاً. ومـما يدل علـى أنه قد يكون مصعوقاً وهو حيّ غير ميت، قول الله عزّ وجل:

{ وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً }[الأعراف: 143] يعنـي مغشيًّا علـيه. ومنه قول جرير بن عطية:

وهَلْ كان الفَرَزْذَقُ غَيْرَ قِرْدٍأصَابَتْهُ الصَّواعِقُ فـاسْتَدَارَا

فقد علـم أن موسى لـم يكن حين غشي علـيه وصعق ميتاً لأن الله جل وعزّ أخبر عنه أنه لـما أفـاق قال: تُبْتُ إلـيك ولا شبه جرير الفرزدق وهو حيّ بـالقرد ميتاً، ولكن معنى ذلك ما وصفنا.

ويعنـي بقوله: {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ}: وأنتـم تنظرون إلـى الصاعقة التـي أصابتكم، يقول: أخذتكم الصاعقة عياناً جهاراً وأنتـم تنظرون إلـيها.

ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّنۢ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۝٥٦

يعنـي بقوله: { ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم} ثم أحيـيناكم. وأصل البعث: إثارة الشيء من مـحله، ومنه قـيـل: بعث فلان راحلته: إذا أثارها من مبركها للسير، كما قال الشاعر:

فأبْعَثُها وهِيَّ صَنـيعُ حَوْلٍ كركنِ الرَّعْنِ ذِعْلِبَةً وَقَاحَا

والرعن: منقطع أنف الـجبل، والذعلبة: الـخفـيفة، والوقاح، الشديدة الـحافر أو الـخفّ. ومن ذلك قـيـل: بعثت فلاناً لـحاجتـي: إذا أقمته من مكانه الذي هو فـيه للتوجه فـيها. ومن ذلك قـيـل لـيوم القـيامة: يوم البعث، لأنه يوم يثار الناس فـيه من قبورهم لـموقـف الـحساب.

ويعنـي بقوله: {مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} من بعد موتكم بـالصاعقة التـي أهلكتكم.

وقوله: { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} يقول: فعلنا بكم ذلك لتشكرونـي علـى ما أولـيتكم من نعمتـي علـيكم بإحيائي إياكم استبقاء منـي لكم لتراجعوا التوبة من عظيـم ذنبكم بعد إحلالـي العقوبة بكم بـالصاعقة التـي أحللتها بكم، فأماتتكم بعظيـم خطئكم الذي كان منكم فـيـما بـينكم وبـين ربكم. وهذا القول علـى تأويـل من تأوّل قوله {ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم} ثم أحيـيناكم.

وقال آخرون: معنى قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم} أي بعثناكم أنبـياء.

حدثنـي بذلك موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي.

قال أبو جعفر: وتأويـل الكلام علـى ما تأوله السدي: فأخذتكم الصاعقة، ثم أحيـيناكم من بعد موتكم، وأنتـم تنظرون إلـى إحيائنا إياكم من بعد موتكم، ثم بعثناكم أنبـياء لعلكم تشركون. وزعم السدي أن ذلك من الـمقدم الذي معناه التأخير، والـمؤخر الذي معناه التقديـم.

حدثنا بذلك موسى، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي. وهذا تأويـل يدل ظاهر التلاوة علـى خلافه مع إجماع أهل التأويـل علـى تـخطئته. والواجب علـى تأويـل السدي الذي حكيناه عنه أن يكون معنى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تشكرونـي علـى تصيـيري إياكم أنبـياء.

وكان سبب قـيـلهم لـموسى ما أخبر الله جل وعزّ عنهم أنهم قالوا له من قولهم:

{ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً }[البقرة: 55] ما:

حدثنا به مـحمد بن حميد، قال: ثنا سلـمة بن الفضل، عن مـحمد بن إسحاق، قال: لـما رجع موسى إلـى قومه، ورأى ما هم فـيه من عبـادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحرّق العجل وذراه فـي الـيـم اختار موسى منهم سبعين رجلاً الـخيّر فـالـخيرُ، وقال: انطلقوا إلـى الله عزّ وجل، فتوبوا إلـيه مـما صنعتـم وسلوه التوبة علـى من تركتـم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا وطهروا ثـيابكم فخرج بهم إلـى طور سيناء لـميقات وقته له ربه، وكان لا يأتـيه إلا بإذن منه وعلـم. فقال له السبعون فـيـما ذكر لـي حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا للقاء الله: يا موسى اطلب لنا إلـى ربك لنسمع كلام ربنا فقال: أفعل. فلـما دنا موسى من الـجبل وقع علـيه الغمام حتـى تغشى الـجبل كله، ودنا موسى فدخـل فـيه، وقال للقوم: ادنوا. وكان موسى إذا كلـمه ربه وقع علـى جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بنـي آدم أن ينظر إلـيه، فضرب دونه الـحجاب. ودنا القوم حتـى إذا دخـلوا فـي الغمام وقعوا سجوداً، فسمعوه وهو يكلـم موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل. فلـما فرغ من أمره وانكشف عن موسى الغمام فأقبل إلـيهم فقالوا لـموسى:

{ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً }[البقرة: 55] { { فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ }[الأعراف: 78] وهي الصاعقة فماتوا جميعاً. وقام موسى يناشد ربه ويدعوه، ويرغب إلـيه ويقول: { رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ }[الأعراف: 155] قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بنـي إسرائيـل بـما تفعل السفهاء منا؟ أي أن هذا لهم هلاك، اخترت منهم سبعين رجلاً، الـخيّر فـالـخيّر ارجع إلـيهم، ولـيس معي منهم رجل واحد، فما الذي يصدّقونـي به أو يأمنونـي علـيه بعد هذا؟ { إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ }[الأعراف: 156] فلـم يزل موسى يناشد ربه عز وجل ويطلب إلـيه، حتـى ردّ إلـيهم أرواحهم، فطلب إلـيه التوبة لبنـي إسرائيـل من عبـادة العجل، فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط بن نصر، عن السدي: لـما تابت بنو إسرائيـل من عبـادة العجل، وتاب الله علـيهم بقتل بعضهم بعضاً كما أمرهم به، أمر الله تعالـى موسى أن يأتـيه فـي ناس من بنـي إسرائيـل يعتذرون إلـيه من عبـادة العجل، ووعدهم موعداً، فـاختار موسى من قومه سبعين رجلاً علـى عينه، ثم ذهب بهم لـيعتذروا. فلـما أتوا ذلك الـمكان قالوُا

{ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً }[البقرة: 55] فإنك قد كلـمته فأرناه. فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى يبكي، ويدعو الله ويقول: ربّ ماذا أقول لبنـي إسرائيـل إذا أتـيتهم وقد أهلكت خيارهم { رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ }[الأعراف: 155] فأوحى الله إلـى موسى إن هؤلاء السبعين مـمن اتـخذ العجل، فذلك حين يقول موسى: { إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ... إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ }[الأعراف: 155-156] وذلك قوله: { وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ }[البقرة: 55] ثُم إن الله جل ثناؤه أحياهم، فقاموا وعاشوا رجلاً رجلاً ينظر بعضهم إلـى بعض كيف يحيون، فقالوا: يا موسى أنت تدعو الله فلا تسأله شيئاً إلا أعطاك، فـادعه يجعلنا أنبـياء فدعا الله تعالـى، فجعلهم أنبـياء، فذلك قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} ولكنه قدّم حرفـاً وأخر حرفـاً.

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قال لهم موسى لـما رجع من عند ربه بـالألواح، قد كتب فـيها التوراة فوجدهم يعبدون العجل، فأمرهم بقتل أنفسهم، ففعلوا، فتاب الله علـيهم، فقال: إن هذه الألواح فـيها كتاب الله فـيه أمره الذي أمركم به، ونهيه الذي نهاكم عنه. فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتـى نرى الله جهرة، حتـى يطلع الله علـينا فـيقول: هذا كتابـي فخذوه فماله لا يكلـمنا كما يكلـمك أنت يا موسى؟ فـيقول: هذا كتابـي فخذوه؟ وقرأ قول الله تعالـى:

{ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً }[البقرة: 55] قال: فجاءت غضبة من الله عز وجل، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة، فصعقتهم فماتوا أجمعون. قال: ثم أحياهم الله من بعد موتهم، وقرأ قول الله تعالـى: {ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله فقالوا لا، فقال: أيّ شيء أصابكم؟ قالوا: أصابنا أنا متنا ثم حيـينا. قال: خذوا كتاب الله قالوا لا. فبعث الله تعالـى ملائكة، فنتقت الـجبل فوقهم.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} قال: أخذتهم الصاعقة، ثم بعثهم الله تعالـى لـيكملوا بقـية آجالهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس فـي قوله:

{ فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ }[البقرة: 55] قال: هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه. قال: فسمعوا كلاماً، فقالوا: { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً }[البقرة: 55] قال: فسمعوا صوتاً فصعقوا. يقول: ماتوا. فذلك قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} فَبُعِثُوا من بعد موتهم لأن موتهم ذاك كان عقوبة لهم، فبعثوا لبقـية آجالهم.

فهذا ما روي فـي السبب الذي من أجله قالوا لـموسى:

{ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً }[البقرة: 55] ولا خبر عندنا بصحة شيء مـما قاله من ذكرنا قوله فـي سبب قـيـلهم ذلك لـموسى تقوم به حجة فتسلـم لهم. وجائز أن يكون ذلك بعض ما قالوه، فإذ كان لا خبر بذلك تقوم به حجة، فـالصواب من القول فـيه أن يقال: إن الله جل ثناؤه قد أخبر عن قوم موسى أنهم قالوا له: { يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً }[البقرة: 55] كما أخبر عنهم أنهم قالوه. وإنـما أخبر الله عزّ وجلّ بذلك عنهم الذين خوطبوا بهذه الآيات توبـيخاً لهم فـي كفرهم بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وقد قامت حجته علـى من احتـج به علـيه، ولا حاجة لـمن انتهت إلـيه إلـى معرفة السبب الداعي لهم إلـى قـيـل ذلك. وقد قال الذين أخبرنا عنهم الأقوال التـي ذكرناها، وجائز أن يكون بعضها حقاً كما قال.

وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ۝٥٧

{وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ} عطف علـى قوله:

{ ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ }[البقرة: 56] فتأويـل الآية: ثم بعثناكم من بعد موتكم، وظللنا علـيكم الغمام، وعدد علـيهم سائر ما أنعم به علـيهم لعلكم تشكرون. والغمام جمع غمامة كما السحاب جمع سحابة، والغمام هو ما غمّ السماء فألبسها من سحاب وقتام وغير ذلك مـما يسترها عن أعين الناظرين، وكل مغطّى فإن العرب تسميه مغموماً. وقد قـيـل: إن الغمام التـي ظللها الله علـى بنـي إسرائيـل لـم تكن سحابـاً.

حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد قوله: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ} قال: لـيس بـالسحاب.

وحدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد قوله: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ} قال: لـيس بـالسحاب هو الغمام الذي يأتـي الله فـيه يوم القـيامة لـم يكن إلا لهم.

وحدثنـي مـحمد بن عمرو البـاهلـي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله جل ثناؤه: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ} قال: هو بـمنزلة السحاب.

وحدثنـي القاسم بن الـحسن، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ} قال: هو غمام أبرد من هذا وأطيب، وهو الذي يأتـي الله عز وجل فـيه يوم القـيامة فـي قوله: فـي ظلل من الغمام، وهو الذي جاءت فـيه الـملائكة يوم بدر. قال ابن عبـاس: وكان معهم فـي التـيه. وإذ كان معنى الغمام ما وصفنا مـما غمّ السماء من شيء فغطى وجهها عن الناظر إلـيها، فلـيس الذي ظلله الله عز وجل علـى بنـي إسرائيـل فوصفه بأنه كان غماما بأولـى بوصفه إياه بذلك أن يكون سحابـاً منه بأن يكون غير ذلك مـما ألبس وجه السماء من شيء، وقد قـيـل: إنه ما ابـيضّ من السحاب.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ}.

اختلف أهل التأويـل فـي صفة الـمنّ. فقال بعضهم بـما:

حدثنـي به مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عز وجل: {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ} قال: الـمن: صمغة.

حدثنا الـمثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} يقول: كان الـمنّ ينزل علـيهم مثل الثلـج.

وقال آخرون: هو شراب. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس، قال: الـمنّ: شراب كان ينزل علـيهم مثل العسل، فـيـمزجونه بـالـماء، ثم يشربونه.

وقال آخرون: الـمن: عسل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا يونس بن عبد الأعلـى، أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الـمنّ: عسل كان ينزل لهم من السماء.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيـل، عن جابر، عن عامر، قال: عسلكم هذا جزء من سبعين جزءاً من الـمنّ.

وقال آخرون: الـمنّ: خبز الرقاق. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم، قال: حدثنـي عبد الصمد، قال: سمعت وهبـا وسئل ما الـمنّ، قال: خبز الرقاق، مثل الذرة، ومثل النَّقْـي.

وقال آخرون: الـمنّ: الترنـجبـين. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي: الـمنّ كان يسقط علـى شجر الترنـجبـين.

وقال آخرون: الـمنّ هو الذي يسقط علـى الشجر الذي تأكله الناس. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: كان الـمنّ ينزل علـى شجرهم فـيغدون علـيه فـيأكلون منه ما شاءوا.

وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا الـحمانـي، قال: حدثنا شريك، عن مـجالد. عن عامر فـي قوله: {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ} قال: الـمنّ: الذي يقع علـى الشجر.

وحدثت عن الـمنـجاب بن الـحرث، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس فـي قوله: الـمنَّ قال: الـمن: الذي يسقط من السماء علـى الشجر فتأكله الناس.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: حدثنا شريك، عن مـجالد، عن عامر، قال: الـمنّ: هذا الذي يقع علـى الشجر. وقد قـيـل إن الـمنّ: هو الترنـجبـين.

وقال بعضهم: الـمنّ: هو الذي يسقط علـى الثمام والعُشَر، وهو حلو كالعسل، وإياه عنى الأعشى ميـمون بن قـيس بقوله:

لَوْ أُطْعِمُوا الـمَنَّ وَالسّلْوَى مكانَهُمُ ما أبْصَرَ النّاسُ طُعْماً فِـيهمُ نَـجَعا

وتظاهرت الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُوا۟ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُوا۟ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا۟ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَٰيَٰكُمْ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٥٨

والقرية التـي أمرهم الله جل ثناؤه أن يدخـلوها، فـيأكلوا منها رغداً حيث شاءوا فـيـما ذكر لنا: بـيت الـمقدس. ذكر الرواية بذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} قال: بـيت الـمقدس.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنـي عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدِي: {وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} أما القرية فقرية بـيت الـمقدس.

حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} يعنـي بـيت الـمقدس.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألته يعنـي ابن زيد عن قوله: {ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا} قال: هي أريحا، وهي قريبة من بـيت الـمقدس.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً}.

يعنـي بذلك: فكلوا من هذه القرية حيث شئتـم عيشا هنـياً واسعاً بغير حساب. وقد بـينا معنى الرغد فـيـما مضى من كتابنا، وذكرنا أقوال أهل التأويـل فـيه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً}.

أما البـاب الذي أمروا أن يدخـلوه، فإنه قـيـل: هو بـاب الـحطة من بـيت الـمقدس. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو البـاهلـي، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} قال: بـاب الـحطة من بـاب إيـلـياء من بـيت الـمقدس.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} أما البـاب فبـاب من أبواب بـيت الـمقدس.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: حدثنـي أبـي، قال: حدثنـي عمي، قال حدثنـي أبـي عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} أنه أحد أبواب بـيت الـمقدس، وهو يدعى بـاب حطة.

وأما قوله: {سُجَّداً} فإن ابن عبـاس كان يتأوّله بـمعنى الركع.

حدثنـي مـحمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: ثنا سفـيان عن الأعمش، عن الـمنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس فـي قوله: {ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} قال: ركعاً من بـاب صغير.

حدثنا الـحسن بن الزبرقان النـخعي، قال: ثنا أبو أسامة، عن سفـيان، عن الأعمش، عن الـمنهال، عن سعيد، عن ابن عبـاس فـي قوله: {ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} قال: أمروا أن يدخـلوا ركعاً. وأصل السجود: الانـحناء لـمن سجد له معظماً بذلك، فكل منـحن لشيء تعظيـماً له فهو ساجد، ومنه قول الشاعر:

بِجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ فِـي حَجَرَاتِهِ تَرَى أُلاكْمَ فِـيهِ سُجّداً للْـحَوَافِرِ

يعنـي بقوله: سجداً: خاشعة خاضعة. ومن ذلك قول أعشى بنـي قـيس بن ثعلبة:

يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ الـمَلِـيـ كِ طَوْراً سُجُوداً وَطَوْراً جؤارا

فذلك تأويـل ابن عبـاس قوله: {سُجَّداً} ركعاً، لأن الراكع منـحن، وإن كان الساجد أشدّ انـحناء منه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَقُولُواْ حِطَّةٌ}.

وتأويـل قوله: {حِطّةٌ}: فعلة، من قول القائل: حطّ الله عنك خطاياك فهو يحطها حطة، بـمنزلة الردة والـحدّة والـمدة من حددت ومددت.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـله، فقال بعضهم بنـحو الذي قلنا فـي ذلك. ذكر من قال ذلك منهم:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال أنبأنا معمر: {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} قال الـحسن وقتادة: أي احطط عنا خطايانا.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {وَقُولُواْ حِطَّةٌ}: يحطّ الله بها عنكم ذنبكم وخطاياكم.

حدثنا القاسم بن الـحسن، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عبـاس: {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} قال: يحطّ عنكم خطاياكم.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفـيان، عن الأعمش، عن الـمنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس قوله: {حِطّةٌ}: مغفرة.

حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع قوله: {حِطّةٌ} قال: يحطّ عنكم خطاياكم.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: أخبرنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال لـي عطاء فـي قوله: {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} قال: سمعنا أنه يحطّ عنهم خطاياهم.

وقال آخرون: معنى ذلك: قولوا لا إلٰه إلا الله. كأنهم وجهوا تأويـله: قولوا الذي يحطّ عنكم خطاياكم، وهو قول لا إلٰه إلا الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى وسعد بن عبد الله بن عبد الـحكم الـمصري، قالا: أخبرنا حفص بن عمر، ثنا الـحكم بن أبـان، عن عكرمة: {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} قال: قولوا لا إلٰه إلا الله.

وقال آخرون بـمثل معنى قول عكرمة، إلا أنهم جعلوا القول الذي أمروا بقـيـله الاستغفـار. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن الزبرقان النـخعي، ثنا أبو أسامة، عن سفـيان، عن الأعمش، عن الـمنهال، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} قال: أمروا أن يستغفروا.

وقال آخرون نظير قول عكرمة، إلا أنهم قالوا القول الذي أمروا أن يقولوه هو أن يقولوا هذا الأمر حقّ كما قـيـل لكم. ذكر من قال ذلك:

حدثت عن الـمنـجاب، قال: ثنا بشر، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس فـي قوله: {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} قال: قولوا هذا الأمر حقّ كما قـيـل لكم.

واختلف أهل العربـية فـي الـمعنى الذي من أجله رفعت الـحطة، فقال بعض نـحويـي البصرة: رفعت الـحطة بـمعنى «قولوا» لـيكن منكم حطة لذنوبنا، كما تقول للرجل سَمْعُك.

وقال آخرون منهم: هي كلـمة أمرهم الله أن يقولوها مرفوعة، وفرض علـيهم قـيـلها كذلك.

وقال بعض نـحويـي الكوفـيـين: رفعت الـحطة بضمير «هذه»، كأنه قال: وقولوا هذه حطة.

وقال آخرون منهم: هي مرفوعة بضمير معناه الـخبر، كأنه قال: قولوا ما هو حطة، فتكون حطة حينئذٍ خبراً ل«ما».

والذي هو أقرب عندي فـي ذلك إلـى الصواب وأشبه بظاهر الكتاب، أن يكون رفع حطة بنـية خبر مـحذوف قد دل علـيه ظاهر التلاوة، وهو دخولنا البـاب سجداً حطة، فكفـى من تكريره بهذا اللفظ ما دل علـيه الظاهر من التنزيـل، وهو قوله: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} كما قال جل ثناؤه:

{ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ }[الأعراف: 164] يعنـي موعظتنا إياهم معذرة إلـى ربكم. فكذلك عندي تأويـل قوله: {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} يعنـي بذلك: {وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ... وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ} دخولنا ذلك سجداً {حُطّةٌ} لذنوبنا، وهذا القول علـى نـحو تأويـل الربـيع بن أنس وابن جريج وابن زيد الذي ذكرناه آنفـا.

وأما علـى تأويـل قول عكرمة، فإن الواجب أن تكون القراءة بـالنصب فـي «حطة»، لأن القوم إن كانوا أمروا أن يقولوا: لا إلٰه إلا الله، أو أن يقولوا: نستغفر الله، فقد قـيـل لهم: قولوا هذا القول، ف«قولوا» واقع حينئذٍ علـى الـحطة، لأن الـحطة علـى قول عكرمة هي قول لا إلٰه إلا الله، وإذ كانت هي قول لا إلٰه إلا الله، فـالقول علـيها واقع، كما لو أمر رجل رجلاً بقول الـخير، فقال له: «قل خيراً» نصبـاً، ولـم يكون صوابـاً أن يقول له «قل خير» إلا علـى استكراه شديد.

وفـي إجماع القراء علـى رفع «الـحطة» بـيان واضح علـى خلاف الذي قاله عكرمة من التأويـل فـي قوله: {وَقُولُوا حِطّةٌ}. وكذلك الواجب علـى التأويـل الذي رويناه عن الـحسن وقتادة فـي قوله: {وَقُولُوا حِطّةٌ} أن تكون القراءة فـي «حطة» نصبـاً، لأن من شأن العرب إذا وضعوا الـمصادر مواضع الأفعال وحذفوا الأفعال أن ينصبوا الـمصادر، كما قال الشاعر:

أُبِـيدوا بأيْدِي عُصْبَةٍ وَسُيُوفُهُمْ علـى أُمّهاتِ الهَامِ ضَرْبـا شآمِيَا

وكقول القائل للرجل: سمعاً وطاعة، بـمعنى: أسمع سمعاً وأطيع طاعة، وكما قال جل ثناؤه: مَعَاذ الله بـمعنى: نعوذ بـالله.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { نَّغْفِرْ لَكُمْ}.

يعنـي بقوله: { نَّغْفِرْ لَكُمْ} نتغمد لكم بـالرحمة خطاياكم ونسترها علـيكم، فلا نفضحكم بـالعقوبة علـيه. وأصل الغفر: التغطية والستر، فكل ساتر شيئاً فهو غافره. ومن ذلك قـيـل للبـيضة من الـحديد التـي تتـخذ جنة للرأس «مِغْفر»، لأنها تغطي الرأس وتُـجِنُّه، ومنه غمد السيف، وهو ما يغمده فـيواريه ولذلك قـيـل لزئبر الثوب «غفْر»، لتغطيته العورة، وحَوْلِه بـين الناظر والنظر إلـيها. ومنه قول أوس بن حجر:

فَلا أعْتِبُ ابنَ العَمّ إنْ كانَ جاهِلاً وأغْفِرُ عَنْهُ الـجَهْلَ إنْ كانَ أَجْهَلاَ

يعنـي بقوله: وأغفر عنه الـجهل: أستر علـيه جهله بحلـمي عنه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {خَطَٰيَٰكُمْ} والـخطايا جمع خطية بغير همز كما الـمطايا جمع مطية، والـحشايا جمع حشية. وإنـما ترك جمع الـخطايا بـالهمز، لأن ترك الهمز فـي خطيئة أكثر من الهمز، فجمع علـى خطايا، علـى أن واحدتها غير مهموزة. ولو كانت الـخطايا مـجموعة علـى خطيئة بـالهمز لقـيـل خطائي علـى مثل قبـيـلة وقبـائل، وصحيفة وصحائف. وقد تـجمع خطيئة بـالتاء فـيهمز فـيقال خطيئات، والـخطيئة فعلـية من خَطِىء الرجل يَخْطَا خِطْأً، وذلك إذا عدل عن سبـيـل الـحق. ومنه قول الشاعر:

وَإِنْ مُهاجِرَينَ تَكَنّفـاهُ لَعَمْرُ اللَّهِ قَدْ خَطِئا وَخابَـا

يعنـي أضلا الـحقّ وأثما.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ}.

وتأويـل ذلك ما رُوي لنا عن ابن عبـاس، وهو ما:

حدثنا به القاسم بن الـحسن، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عبـاس: {وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ}: من كان منكم مـحسنا زيد فـي إحسانه، ومن كان مخطئاً نغفر له خطيئته.

فتأويـل الآية: وإذْ قلنا ادخـلوا هذه القرية مبـاحا لكم كل ما فـيها من الطيبـات، موسعاً علـيكم بغير حساب، وادخـلوا البـاب سجداً، وقولوا: سجودنا هذا لله حطة من ربنا لذنوبنا يحطّ به آثامنا، نتغمد لكم ذنوب الـمذنب منكم، فنسترها علـيه، ونـحطّ أوزاره عنه، وسنزيد الـمـحسنـين منكم إلـى إحساننا السالف عنده إحساناً. ثم أخبر الله جل ثناؤه عن عظيـم جهالتهم، وسوء طاعتهم ربهم وعصيانهم لأنبـيائهم واستهزائهم برسله، مع عظيـم آلاء الله عز وجل عندهم، وعجائب ما أراهم من آياتهم وعبره، موبخاً بذلك أبناءهم الذين خوطبوا بهذه الآيات، ومعلـمهم أنهم إن تعدّوا فـي تكذيبهم مـحمداً صلى الله عليه وسلم وجحودهم نبوّته مع عظيـم إحسان الله بـمبعثه فـيهم إلـيهم، وعجائب ما أظهر علـى يديه من الـحجج بـين أظهرهم، أن يكونوا كأسلافهم الذين وصف صفتهم. وقصّ علـينا أنبـاءهم فـي هذه الآيات، فقال جل ثناؤه:

{ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }[البقرة: 59] الآية.

فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ رِجْزًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ۝٥٩

وتأويـل قوله: {فَبَدَّلَ} فغير. ويعنـي بقوله: {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} الذين فعلوا ما لـم يكن لهم فعله. ويعنـي بقوله: {قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ} بدلوا قولاً غير الذي أمروا أن يقولوه فقالوا خلافه، وذلك هو التبديـل والتغيـير الذي كان منهم. وكان تبديـلهم بـالقول الذي أمروا أن يقولوه قولاً غيره، ما:

حدثنا به الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبـا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ۝٦٠

يعنـي بقوله: {وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ}: وإذ استسقانا موسى لقومه: أي سألنا أن نسقـي قومه ماء. فترك ذكر الـمسؤول ذلك، والـمعنى الذي سأل موسى، إذ كان فـيـما ذكر من الكلام الظاهر دلالة علـى معنى ما ترك. وكذلك قوله: {فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً} مـما استغنـي بدلالة الظاهر علـى الـمتروك منه. وذلك أن معنى الكلام، فقلنا: اضرب بعصاك الـحجر، فضربه فـانفجرت. فترك ذكر الـخبر عن ضرب موسى الـحجر، إذ كان فـيـما ذكر دلالة علـى الـمراد منه. وكذلك قوله: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} إنـما معناه: قد علـم كل أناس منهم مشربهم، فترك ذكر منهم لدلالة الكلام علـيه. وقد دللنا فـيـما مضى علـى أن الناس جمع لا واحد له من لفظه، وأن الإنسان لو جمع علـى لفظه لقـيـل: أناسيّ وأناسية. وقوم موسى هم بنو إسرائيـل الذين قصّ الله عز وجل قصصهم فـي هذه الآيات، وإنـما استسقـى لهم ربه الـماء فـي الـحال التـي تاهوا فـيها فـي التـيه، كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبـي عروبة، عن قتادة قوله: {وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} الآية قال: كان هذا إذ هم فـي البرية اشتكوا إلـى نبـيهم الظمأ، فأمروا بحجر طوريّ أي من الطور أن يضربه موسى بعصاه، فكانوا يحملونه معهم، فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه، فـانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، لكل سبط عين معلومة مستفـيض ماؤها لهم.

حدثنـي تـميـم بن الـمنتصر، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا أصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبـي أيوب، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: ذلك فـي التـيه ظلل علـيهم الغمام، وأنزل علـيهم الـمنّ والسلوى، وجعل لهم ثـيابـاً لا تبلـى ولا تتسخ، وجعل بـين ظهرانـيهم حجر مربَّع، وأمر موسى فضرب بعصاه الـحجر، فـانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً فـي كل ناحية منه ثلاث عيون، لكل سبط عين، ولا يرتـحلون مَنْقلة إلا وجدوا ذلك الـحجر معهم بـالـمكان الذي كان به معهم فـي الـمنزل الأول.

حدثنـي عبد الكريـم، قال: أخبرنا إبراهيـم بن بشار، قال: حدثنا سفـيان، عن أبـي سعيد، عن عكرمة عن ابن عبـاس، قال: ذلك فـي التـيه، ضرب لهم موسى الـحجر، فصار فـيه اثنتا عشرة عيناً من ماء، لكل سبط منهم عين يشربون منها.

وحدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً} لكل سبط منهم عين، كل ذلك كان فـي تـيههم حين تاهوا.

حدثنا القاسم بن الـحسن، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد قوله: {وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} قال: خافوا الظمأ فـي تـيههم حين تاهوا، فـانفجر لهم الـحجر اثنتـي عشرة عينا ضربه موسى. قال ابن جريج، قال ابن عبـاس: الأسبـاط: بنو يعقوب كانوا اثنـي عشر رجلاً كل واحد منهم ولد سبطاً أمّة من الناس.

وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: استسقـى لهم موسى فـي التـيه، فسقوا فـي حجر مثل رأس الشاة. قال: يـلقونه فـي جانب الـجوالق إذا ارتـحلوا، ويقرعه موسى بـالعصا إذا نزل، فتنفجر منه اثنتا عشرة عيناً، لكل سبط منهم عين. فكان بنو إسرائيـل يشربون منه، حتـى إذا كان الرحيـل استـمسكت العيون، وقـيـل به فألقـي فـي جانب الـجوالق، فإذا نزل رُمي به. فقرعه بـالعصا، فتفجرت عين من كل ناحية مثل البحر.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنـي أسبـاط، عن السدي، قال: كان ذلك فـي التـيه.

وأما قوله: { قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} فإنـما أخبر الله عنهم بذلك، لأن معناهم فـي الذي أخرج الله جل وعز لهم من الـحجر الذي وصف جل ذكره فـي هذه الآية صفته من الشرب كان مخالفـاً معانـي سائر الـخـلق

فيما أخرج الله لهم من المياه من الجبال والارضين التي لا مالك لها سوى الله عز وجل وذلك أن الله كان جعل لكل سبط من الاسباط الاثنى عشر عيناً من الحجر الذي وصف صفته في هذه الآية يشرب منها دون سائر الاسباط غيره لا يدخل سبط منهم في شرب سبط غيره وكان مع ذلك لكل عين من تلك العيون الاثنتي عشرة موضع من الحجر قد عرفه السبط الذي منه شربه فلذلك خص جل ثناؤه هؤلاء بالخبر عنهم أن كل أناس منهم كانوا علمين بمشربهم دون غيرهم من الناس إذ كان غيرهم في الماء الذي لا يملكه أحد شركاء في منابعه ومسايله وكان كل سبط من هؤلاء مفراد بشرب منبع من منابع الحجر دون سائر منابعه خاص لهم دون سائر الاسباط غيرهم فلذلك خصوا بالخبر عنهم أن كل أناس منهم قد علموا مشربهم. القول في تأويل قوله تعالى { كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ} وهذا أيضا مما استغنى بذكر ما هو ظاهر منه. عن ذكره ما ترك ذكره. وذلك أن تأويـل الكلام: {فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ} فضربه فـانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، قد علـم كل أناس مشربهم، فقـيـل لهم: كلوا واشربوا من رزق الله أخبر الله جل ثناؤه أنه أمرهم بأكل ما رزقهم فـي التـيه من الـمنّ والسلوى، وبشرب ما فجر لهم فـيه من الـماء من الـحجر الـمتعاور الذي لا قرار له فـي الأرض ولا سبـيـل إلـيه لـمالكيه يتدفق بعيون الـماء ويزخر بـينابـيع العذب الفرات بقدرة ذي الـجلال والإِكرام ثم تقدم جل ذكره إلـيهم مع إبـاحتهم ما أبـاح وإنعامه علـيهم بـما أنعم به علـيهم من العيش الهنـيء بـالنهي عن السعي فـي الأرض فسادا والعثا فـيها استكبـاراً فقال جل ثناؤه: لهم {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} يعنـي بقوله {لاَ تَعْثَوْاْ} لا تطغوا ولا تسعوا فـي الأرض مفسدين كما:

حدثنـي به الـمثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} يقول: لا تسعوا فـي الأرض فساداً.

حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} لا تعث لا تطع.

حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا سعيد عن قتادة {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} أي لا تسيروا في الأرض مفسدين.

حدثت عن المنجاب قال حدثنا بشر عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} لا تسعوا في الأرض وأصل العثا شدة الافساد بل هو أشد الافساد يقال منه عثى فلان في الأرض إذا تجاوز في الافساد إلى غايته يعثى عثا مقصور وللجماعة هم يعثون وفيه لغتان أخريان أحدهما عثا يعثوا عثوا ومن قرأها بهذه اللغة فأنه ينبغي له أن يضم الثاء من يعثو ولا أعلم قارئا يقتدى بقراءته قرأ به ومن نطق بهذه اللغة مخبرا عن نفسه قال عثوت أعثو ومن نطق باللغة الأولى قال عثيت أعثى والأخرى منهما عاث يعيث عيثاً وعيوثاً وعيثاناً كل ذلك بمعنى واحد ومن العيث قول رؤبة بن العجاج:

وعاث فينا مستحل عائث مصدق أو تاجر مقاعث

يعني بقوله عاث فينا أفسد فينا..

وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَٰحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ مِنۢ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ ٱهْبِطُوا۟ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ ۝٦١

القول في تأويل قوله تعالى ذكره {وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} قد دللنا فيما مضى قبل على معنى الصبر وأنه كف النفس وحبسها عن الشيء فإذا كان ذلك كذلك فمعنى الآية إذا واذكروا إذ قلتم يا معشر بني إسرائيل.

لن نطيق حبس أنفسنا علـى طعام واحد وذلك الطعام الواحد هو ما أخبر الله جل ثناؤه أنه أطعمهموه فـي تـيههم وهو السلوى فـي قول بعض أهل التأويـل، وفـي قول وهب بن منبه هو الـخبز النّقـيّ مع اللـحم فـاسأل لنا ربك يخرج لنا مـما تنبت الأرض من البقل والقثاء. وما سمى الله مع ذلك وذكر أنهم سألوه موسى. وكان سبب مسألتهم موسى ذلك فـيـما بلغنا، ما:

حدثنا به بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ} قال: كان القوم فـي البرية قد ظلل علـيهم الغمام، وأنزل علـيهم الـمنّ والسلوى، فملوا ذلك، وذكروا عيشاً كان لهم بـمصر، فسألوه موسى، فقال الله تعالـى: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ}.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {لَنْ نَصْبِرَ علـى طَعامٍ وَاحِدٍ} قال: ملوا طعامهم، وذكروا عيشهم الذي كانوا فـيه قبل ذلك، قالُوا {ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا}... الآية.

حدثنـي الـمثنى ابن إبراهيـم، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية فـي قوله: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ} قال: كان طعامهم السلوى، وشرابهم الـمنّ، فسألوا ما ذكر، فقـيـل لهم: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ}.

قال أبو جعفر، وقال قتادة: إنهم لـما قدموا الشأم فقدوا أطعمتهم التـي كانوا يأكلونها، فقالوا: {ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} وكانوا قد ظلل علـيهم الغمام وأنزل علـيهم الـمنّ والسلوى، فملوا ذلك، وذكروا عيشاً كانوا فـيه بـمصر.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، قال: سمعت ابن أبـي نـجيح فـي قوله عزّ وجل: { لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ} الـمنّ والسلوى، فـاستبدلوا به البقل وما ذكر معه.

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد بـمثله سواء.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد بـمثله.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي: أعطوا فـي التـيه ما أعطوا، فملوا ذلك وقالوا{يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أنبأنا ابن زيد، قال: كان طعام بنـي إسرائيـل فـي التـيه واحداً، وشرابهم واحداً، كان شرابهم عسلاً ينزل لهم من السماء يقال له الـمنّ، وطعامهم طير يقال له السلوى، يأكلون الطير ويشربون العسل، لـم يكونوا يعرفون خبزاً ولا غيره. فقالوا: يا موسى إنا لن نصبر علـى طعام واحد، فـادع لنا ربك يخرج لنا مـما تنبت الأرض من بقلها فقرأ حتـى بلغ: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ}.

وإنـما قال جل ذكره: {يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ} ولـم يذكر الذي سألوه أن يدعو ربه لـيخرج لهم من الأرض، فـيقول: قالوا ادع لنا ربك يخرج لنا كذا وكذا مـما تنبته الأرض من بقلها وقثائها، لأن «من» تأتـي بـمعنى التبعيض لـما بعدها، فـاكْتُفـي بها عن ذكر التبعيض، إذ كان معلوماً بدخولها معنى ما أريد بـالكلام الذي هي فـيه كقول القائل: أصبح الـيوم عند فلان من الطعام يريد شيئاً منه.

وقد قال بعضهم: «من» ههنا بـمعنى الإلغاء والإسقاط، كأن معنى الكلام عنده: يخرج لنا ما تنبت الأرض من بقلها. واستشهد علـى ذلك بقول العرب: ما رأيت من أحد، بـمعنى: ما رأيت أحداً، وبقول الله: {وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ} وبقولهم: قد كان من حديث، فخـلّ عنـي حتـى أذهب، يريدون: قد كان حديث.

وقد أنكر من أهل العربـية جماعة أن تكون «من» بـمعنى الإلغاء فـي شيء من الكلام، وادّعُوا أنّ دخولها فـي كل موضع دخـلت فـيه مؤذن أن الـمتكلـم مريد لبعض ما أدخـلت فـيه لا جميعه، وأنها لا تدخـل فـي موضع إلا لـمعنى مفهوم.

فتأويـل الكلام إذا علـى ما وصفنا من أمر من ذكرنا: فـادع لنا ربك يخرج لنا بعض ما تنبت الأرض من بقلها وقثائها. والبقل والقثاء والعدس والبصل، هو ما قد عرفه الناس بـينهم من نبـات الأرض وحبها. وأما الفوم، فإن أهل التأويـل اختلفوا فـيه. فقال بعضهم: هو الـحنطة والـخبز. ذكر من قال ذلك.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد ومؤمل، قالا: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن عطاء، قال: الفوم: الـخبز.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، ثنا سفـيان، عن ابن جريج، عن عطاء ومـجاهد قوله: {وَفُومِها} قالا: خبزها.

حدثنـي زكريا بن يحيى بن أبـي زائدة ومـحمد بن عمرو، قالا: ثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميـمون، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَفُومِها} قال: الـخبز.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة والـحسن: الفوم: هو الـحبّ الذي تـختبزه الناس.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة والـحسن بـمثله.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا حصين، عن أبـي مالك فـي قوله: {وَفُومِها} قال: الـحنطة.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط بن نصر عن السدي: {وَفُومِهَا} الـحنطة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيـم، عن يونس، عن الـحسن وحصين، عن أبـي مالك فـي قوله: {وَفُومِها}: الـحنطة.

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن قتادة قال: الفوم: الـحبّ الذي يختبز الناس منه.

حدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال لـي عطاء بن أبـي ربـاح قوله: {وَفُومِها} قال: خبزها. قالها مـجاهد.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال لـي ابن زيد: الفوم: الـخبز.

حدثنـي يحيى بن عثمان السهمي، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: حدثنـي معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس فـي قوله: {وَفُومِها} يقول: الـحنطة والـخبز.

حدثت عن الـمنـجاب، قال: ثنا بشر، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس فـي قوله: {وَفُومِها} قال: هو البرّ بعينه الـحنطة.

حدثنا علـيّ بن الـحسن، قال: ثنا مسلـم الـجرمي، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن رشدين بن كريب، عن أبـيه، عن ابن عبـاس فـي قول الله عزّ وجل: {وَفُومِها} قال: الفوم: الـحنطة بلسان بنـي هاشم.

حدثنـي عبد الرحمن بن عبد الله ابن عبد الـحكم، قال: ثنا عبد العزيز بن منصور، عن نافع بن أبـي نعيـم أن عبد الله بن عبـاس سئل عن قول الله: {وَفُومِها} قال: الـحنطة، أما سمعت قول أحيحة بن الـجلاح وهو يقول:

قَدْ كُنْتُ أغْنَى النّاسِ شَخْصاً وَاحداً وَرَدَ الـمَدِينَةَ عَنْ زِرَاعَةِ فُومِ

وقال آخرون: هو الثوم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن لـيث، عن مـجاهد، قال: هو هذا الثوم.

حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، قال: الفوم: الثوم.

وهو فـي بعض القراءات «وثومها». وقد ذكر أن تسمية الـحنطة والـخبز جميعاً فوماً من اللغة القديـمة، حكي سماعاً من أهل هذه اللغة: فوّموا لنا، بـمعنى اختبزوا لنا وذكر أن ذلك قراءة عبد الله بن مسعود «وثومها» بـالثاء. فإن كان ذلك صحيحاً فإنه من الـحروف الـمبدلة، كقولهم: وقعوا فـي عاثور شرّ وعافور شرّ، وكقولهم للأثافـي أثاثـي، وللـمغافـير مغاثـير، وما أشبه ذلك مـما تقلب الثاء فـاء والفـاء ثاء لتقارب مخرج الفـاء من مخرج الثاء. والـمغافـير شبـيه بـالشيء الـحلو يشبه بـالعسل ينزل من السماء حلواً يقع علـى الشجر ونـحوها.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ}.

يعنـي بقوله: {أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ} قال لهم موسى: أتأخذون الذي هو أخسّ خطراً وقـيـمة وقدراً من العيش، بدلاً بـالذي هو خير منه خطراً وقـيـمة وقدراً وذلك كان استبدالهم. وأصل الاستبدال: هو ترك شيء لآخر غيره مكان الـمتروك. ومعنى قوله: أدْنى أخسّ وأوضع وأصغر قدراً وخطراً، وأصله من قولهم: هذا رجل دنـيّ بـيّن الدناءة، وإنه لـيدنـي فـي الأمور بغير همز إذا كان يتتبع خسيسها. وقد ذكر الهمز عن بعض العرب فـي ذلك سماعاً منهم، يقولون: ما كنت دنـيا ولقد دنأت. وأنشدنـي بعض أصحابنا عن غيره أنه سمع بعض بنـي كلاب ينشد بـيت الأعشى:

بـاسِلَةُ الوَقْعِ سَرَابِـيـلُها بِـيضٌ إلـى دانِئها الظّاهرِ

بهمز الدانىء، وأنه سمعهم يقولون: إنه لدانىء خبـيث، بـالهمز. فإن كان ذلك عنهم صحيحاً، فـالهمز فـيه لغة وتركه أخرى.

ولا شكّ أن من استبدل بـالـمنّ والسلوى البقل والقثاء والعدس والبصل والثوم، فقد استبدل الوضيع من العيش بـالرفـيع منه.

وقد تأول بعضهم قوله: {ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ} بـمعنى الذي هو أقرب، ووجه قوله: {أَدْنَىٰ} إلـى أنه أفعل من الدنوّ الذي هو بـمعنى القرب. وبنـحو الذي قلنا فـي معنى قوله: {ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ} قاله عدد من أهل التأويـل فـي تأويـله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قال: {أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيْرٌ} يقول: أتستبدلون الذي هو شرّ بـالذي هو خير منه؟.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج عن ابن جريج، عن مـجاهد قوله: {ٱلَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ} قال: أردأ.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ}.

وتأويـل ذلك: فدعا موسى فـاستـجبنا له، فقلنا لهم: اهبطوا مصر. وهو من الـمـحذوف الذي اجتزىء بدلالة ظاهره علـى ذكر ما حذف وترك منه. وقد دللنا فـيـما مضى علـى أن معنى الهبوط إلـى الـمكان إنـما هو النزول إلـيه والـحلول به.

فتأويـل الآية إذا: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} قال لهم موسى: أتستبدلون الذي هو أخسّ وأردأ من العيش بـالذي هو خير منه؟ فدعا لهم موسى ربه أن يعطيهم ما سألوه، فـاستـجاب الله له دعاءه، فأعطاهم ما طلبوا، وقال الله لهم: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ}.

ثم اختلف القرّاء فـي قراءة قوله: {مِصْراً} فقرأه عامة القرّاء: «مصراً» بتنوين الـمصر وإجرائه وقرأه بعضهم بترك التنوين وحذف الألف منه. فأما الذين نوّنوه وأجروه، فإنهم عنوا به مصراً من الأمصار لا مصراً بعينه، فتأويـله علـى قراءتهم: اهبطوا مصراً من الأمصار، لأنكم فـي البدو، والذي طلبتـم لا يكون فـي البوادي والفـيافـي، وإنـما يكون فـي القرى والأمصار، فإن لكم إذا هبطتـموه ما سألتـم من العيش. وقد يجوز أن يكون بعض من قرأ ذلك بـالإجراء والتنوين، كان تأويـل الكلام عنده: اهبطوا مصراً البلدة التـي تعرف بهذا الاسم وهي «مصر» التـي خرجوا عنها، غير أنه أجراها ونوّنها اتبـاعاً منه خط الـمصحف، لأن فـي الـمصحف ألفـا ثابتة فـي مصر، فـيكون سبـيـل قراءته ذلك بـالإجراء والتنوين سبـيـل من قرأ:

{ قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً }[الإنسان: 15-16] منوّنة اتبـاعاً منه خط الـمصحف. وأما الذي لـم ينوّن مصر فإنه لا شك أنه عنى مصر التـي تعرف بهذا الاسم بعينها دون سائر البلدان غيرها.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي ذلك نظير اختلاف القرّاء فـي قراءته.

فحدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً} أي مصرا من الأمصار {فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ}.

وحدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً} من الأمصار، {فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ} فلـما خرجوا من التـيه رفع الـمنّ والسلوى وأكلوا البقول.

وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنـي آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن قتادة فـي قوله: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً} قال: يعنـي مصراً من الأمصار.

وحدثنا القاسم بن الـحسن، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً} قال: مصراً من الأمصار، زعموا أنهم لـم يرجعوا إلـى مصر.

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً} قال: مصرا من الأمصار. ومصر لا تـجري فـي الكلام، فقـيـل: أيّ مصر؟ فقال: الأرض الـمقدسة التـي كتب الله لهم. وقرأ قول الله جل ثناؤه:

{ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ }[المائدة: 21].

وقال آخرون: هي مصر التـي كان فـيها فرعون. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، ثنا آدم، ثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية فـي قوله: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً} قال: يعنـي به مصر فرعون.

حدثت عن عمار بن الـحسن، عن ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

ومن حجة من قال: إن الله جل ثناؤه إنـما عنى بقوله: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً} مصرا من الأمصار دون مصر فرعون بعينها، أن الله جعل أرض الشام لبنـي إسرائيـل مساكن بعد أن أخرجهم من مصر، وإنـما ابتلاهم بـالتـيه بـامتناعهم علـى موسى فـي حرب الـجبـابرة إذ قال لهم:

{ يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَٰسِرِينَ }[المائدة: 21] إلـى قوله: { { إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ }[المائدة: 24] فحرّم الله جل وعز علـى قائلي ذلك فـيـما ذكر لنا دخولها حتـى هلكوا فـي التـيه وابتلاهم بـالتـيهان فـي الأرض أربعين سنة، ثم أهبط ذرّيتهم الشام، فأسكنهم الأرض الـمقدسة، وجعل هلاك الـجبـابرة علـى أيديهم مع يوشع بن نون بعد وفـاة موسى بن عمران. فرأينا الله جل وعز قد أخبر عنهم أنه كتب لهم الأرض الـمقدسة، ولـم يخبرنا عنهم أنه ردّهم إلـى مصر بعد إخراجه إياهم منها، فـيجوز لنا أن نقرأ اهبطوا مصر، ونتأوّله أنه ردّهم إلـيها.

قالوا: فإن احتـجّ مـحتـجّ بقول الله جل ثناؤه:

{ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ }[الشعراء: 57-59] قـيـل لهم: فإن الله جل ثناؤه إنـما أورثهم ذلك فملكهم إياها ولـم يردّهم إلـيها، وجعل مساكنهم الشأم.

وأما الذين قالوا: إن الله إنـما عنى بقوله جل وعز: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً} مِصْرَ، فإن من حجتهم التـي احتـجوا بها الآية التـي قال فـيها:

{ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ }[الشعراء: 57-59] وقوله: { كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ }[الدخان: 25-28] قالوا: فأخبر الله جل ثناؤه أنه قد ورّثهم ذلك وجعلها لهم، فلـم يكونوا يرثونها ثم لا ينتفعون بها. قالوا: ولا يكونون منتفعين بها إلا بـمصير بعضهم إلـيها، وإلا فلا وجه للانتفـاع بها إن لـم يصيروا أو يصر بعضهم إلـيها. قالوا: وأخرى أنها فـي قراءة أبـيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود: «اهْبِطُوا مِصْرَ» بغير ألف، قالوا: ففـي ذلك الدلالة البـينة أنها مصر بعينها.

والذي نقول به فـي ذلك أنه لا دلالة فـي كتاب الله علـى الصواب من هذين التأويـلـين، ولا خبر به عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقطع مـجيئه العذر، وأهل التأويـل متنازعون تأويـله.

فأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب أن يقال: إن موسى سأل ربه أن يعطي قومه ما سألوه من نبـات الأرض علـى ما بـينه الله جل وعز فـي كتابه وهم فـي الأرض تائهون، فـاستـجاب الله لـموسى دعاءه، وأمره أن يهبط بـمن معه من قومه قراراً من الأرض التـي تنبت لهم ما سأل لهم من ذلك، إذ كان الذي سألوه لا تنبته إلا القرى والأمصار وأنه قد أعطاهم ذلك إذ صاروا إلـيه، وجائز أن يكون ذلك القرار مصر، وجائز أن يكون الشأم. فأما القراءة فإنها بـالألف والتنوين: {ٱهْبِطُواْ مِصْراً} وهي القرائة التـي لا يجوز عندي غيرها لاجتـماع خطوط مصاحف الـمسلـمين، واتفـاق قراءة القراء علـى ذلك. ولـم يقرأ بترك التنوين فـيه وإسقاط الألف منه إلا من لا يجوز الإعتراض به علـى الـحجة فـيـما جاءت به من القراءة مستفـيضاً بـينها.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ}.

قال أبو جعفر: يعنـي بقوله: {وَضُرِبَتْ} أي فُرضت، ووضعت علـيهم الذلة وأُلزموها من قول القائل: ضرب الإمام الـجزية علـى أهل الذمة، وضرب الرجل علـى عبده الـخراج يعنـي بذلك وضعه فألزمه إياه، ومن قولهم: ضرب الأمير علـى الـجيش البعث، يراد به ألزمهموه.

وأما الذلة، فهي الفعلة من قول القائل: ذلّ فلان يذلّ ذلاً وذلة، كالصغرة من صغر الأمر، والقعدة من قعد، والذلة: هي الصغار الذي أمر الله جل ثناؤه عبـاده الـمؤمنـين أن لا يعطوهم أمانا علـى القرار علـى ماهم علـيه من كفرهم به وبرسوله إلا أن يبذلوا الـجزية علـيه لهم، فقال جل وعز:

{ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ }[التوبة: 29] كما:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الـحسن وقتادة فـي قوله: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ} قالا: يعطون الـجزية عن يد وهم صاغرون.

وأما الـمسكنة، فإنها مصدر الـمسكين، يقال: ما فـيهم أسكن من فلان وما كان مسكيناً ولقد تـمسكن مسكنة. ومن العرب من يقول: تـمسكن تـمسكناً. والـمسكنة فـي هذا الـموضع مسكنة الفـاقة والـحاجة، وهي خشوعها وذلها، كما:

حدثنـي به الـمثنى بن إبراهيـم، قال: ثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية فـي قوله: {وَٱلْمَسْكَنَةُ} قال: الفـاقة.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي، قوله: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ} قال: الفقر.

وحدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ} قال هؤلاء يهود بنـي إسرائيـل. قلت له: هم قبط مصر، قال: وما لقبط مصر وهذا؟ لا والله ما هم هم، ولكنهم الـيهود يهود بنـي إسرائيـل. فأخبرهم الله جل ثناؤه أنه يبدلهم بـالعزّ ذلاًّ، وبـالنعمة بؤساً، وبـالرضا عنهم غضبـاً، جزاءً منه لهم علـى كفرهم بآياته وقتلهم أنبـياءه ورسله اعتداءً وظلـماً منهم بغير حقّ، وعصيانهم له، وخلافـاً علـيه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ}.

قال أبو جعفر: يعنـي بقوله: {وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} انصرفوا ورجعوا، ولا يقال بـاءوا إلا موصولاً إما بخير وإما بشرّ، يقال منه: بـاء فلان بذنبه يبوء به بَوْءا وَبَوْاءً. ومنه قول الله عزّ وجلّ

{ إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ }[المائدة: 29] يعنـي: تنصرف متـحملهما وترجع بهما قد صارا علـيك دونـي.

فمعنى الكلام إذا: ورجعوا منصرفـين متـحملـين غضب الله، قد صار علـيهم من الله غضب، ووجب علـيهم منه سخط. كما:

حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله: {وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} فحدث علـيهم غضب من الله.

حدثنا يحيى بن أبـي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك فـي قوله: وَبـاءوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ قال: استـحقوا الغضب من الله.

وقدمنا معنى غضب الله علـى عبده فـيـما مضى من كتابنا هذا، فأغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ}.

قال أبو جعفر: يعنـي بقوله جل ثناؤه: «ذلك» ضرب الذلة والـمسكنة علـيهم، وإحلاله غضبه بهم. فدل بقوله: «ذلك» وهو يعنـي به ما وصفنا علـى أن قول القائل ذلك يشمل الـمعانـي الكثـيرة إذا أشير به إلـيها.

ويعنـي بقوله: {بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ}: من أجل أنهم كانوا يكفرون، يقول: فعلنا بهم من إحلال الذلّ والـمسكنة والسخط بهم من أجل أنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبـيـين بغير الـحقّ، كما قال أعشى بنـي ثعلبة:

مَلِـيكِيّةٌ جَاوَرتْ بـالـحِجَا زِ قَوماً عُداةً وأرْضاً شَطِيراً بِـمَا قَدْ تَربّعُ روْضَ القَطا وَرَوْضَ التَّناضِبِ حتّـى تَصِيرَاً

يعنـي بذلك: جاورتْ بهذا الـمكان هذه الـمرأةُ قوماً عداة وأرضاً بعيدة من أهله بمكان قربها كان منه ومن قومه وبدلا من تربعها روض القطا وروض التناضب. فكذلك قوله: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} يقول: كان ذلك منا بكفرهم بآياتنا، وجزاء لهم بقتلهم أنبـياءنا. وقد بـينا فـيـما مضى من كتابنا أن معنى الكفر: تغطية الشيء وستره، وأن آيات الله: حججه وأعلامه وأدلته علـى توحيده وصدق رسله.

فمعنى الكلام إذا: فعلنا بهم ذلك من أجل أنهم كانوا يجحدون حجج الله علـى توحيده، وتصديق رسله ويدفعون حقـيتها، ويكذبون بها.

ويعنـي بقوله: {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ}: ويقتلون رسل الله الذين ابتعثهم لإنبـاء ما أرسلهم به عنه لـمن أرسلوا إلـيه. وهم جماع واحدهم نبـيّ غير مهموز، وأصله الهمز، لأنه من أنبأ عن الله، فهو يُنْبِىء عنه إنبـاء، وإنـما الاسم منه منبىء ولكنه صرف وهو «مُفعِل» إلـى «فَعِيـل»، كما صرف سميع إلـى فعيـل من مفعل، وبصير من مبصر، وأشبـاه ذلك، وأبدل مكان الهمزة من النبىء الـياء، فقـيـل نبـي هذا. ويجمع النبـيّ أيضاً علـى أنبـياء، وإنـما جمعوه كذلك لإلـحاقهم النبـيء بإبدال الهمزة منه ياء بـالنعوت التـي تأتـي علـى تقدير فعيـل من ذوات الـياء والواو، وذلك أنهم إذا جمعوا ما كان من النعوت علـى تقدير فعيـل من ذوات الـياء والواو جمعوه علـى أفعلاء، كقولهم ولـي وأولـياء، ووصي وأوصياء، ودعيّ وأدعياء، ولو جمعوه علـى أصله الذي هو أصله، وعلـى أن الواحد «نبـيء» مهموز لـجمعوه علـى فعلاء، فقـيـل لهم النبآء، علـى مثال النبغاء، لأن ذلك جمع ما كان علـى فعيـل من غير ذوات الـياء والواو من النعوت كجمعهم الشريك شركاء، والعلـيـم علـماء، والـحكيـم حكماء، وما أشبه ذلك. وقد حكي سماعاً من العرب فـي جمع النبـي النبآء، وذلك من لغة الذين يهمزون النبـيء، ثم يجمعونه علـى النبآء علـى ما قد بـينت، ومن ذلك قول عبـاس بن مرداس فـي مدح النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

يا خاتـمَ النّبآءِ إنّك مُرْسَل بـالـخَير كُلُّ هُدى السّبِـيـلِ هُدَاكَا

فقال: يا خاتـم النبآء، علـى أن واحدهم نبـيء مهموز. وقد قال بعضهم: النبـي والنبوّة غير مهموز، لأنهما مأخوذان من النَّبْوَة، وهي مثل النـجوة، وهو الـمكان الـمرتفع. وكان يقول: إن أصل النبـي الطريق، ويستشهد علـى ذلك ببـيت القطامي:

لـمّا وَرَدْنَ نَبِـيّاً واسْتَتَبَّ بنا مُسْحَنْفِرٌ كخُطوط السَّيْحِ مُنْسَحِلُ

يقول: إنـما سمي الطريق نبـياً، لأنه ظاهر مستبـين من النَّبوّة. ويقول: لـم أسمع أحداً يهمز النبـي. قال: وقد ذكرنا ما فـي ذلك وبـينا ما فـيه الكفـاية إن شاء الله.

ويعنـي بقوله: {وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ}: أنهم كانوا يقتلون رسل الله بغير إذن الله لهم بقتلهم منكرين رسالتهم جاحدين نبوّتهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ}.

وقوله: {ذٰلِكَ} ردّ علـى «ذلك» الأولـى. ومعنى الكلام: وضربت علـيهم الذلة والـمسكنة، وبـاءوا بغضب من الله، من أجل كفرهم بآيات الله، وقتلهم النبـيـين بغير الـحقّ، من أجل عصيانهم ربهم، واعتدائهم حدوده فقال جل ثناؤه: {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ} والـمعنى: ذلك بعصيانهم وكفرهم معتدين. والاعتداء: تـجاوز الـحدّ الذي حدّه الله لعبـاده إلـى غيره، وكل متـجاوز حدّ شيء إلـى غيره فقد تعدّاه إلـى ما جاوز إلـيه. ومعنى الكلام: فعلت بهم ما فعلت من ذلك بـما عصوا أمري، وتـجاوزوا حدّي إلـى ما نهيتهم عنه.

الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ