انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة البقرة

تفسير الطبريالآيات 80–85

تفسير سورة البقرة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة البقرة

الخلاصة من تفسير الطبري · 20 مقطعًا · 5:38:46

  1. 1 الآيات 75–91في هذه الصفحة 18:14

التفسير الصوتي لسورة البقرة كاملًا (20 مقطعًا)

وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُۥٓ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۝٨٠

يعنـي بقوله: {وقَالُوا} الـيهود، يقول: وقالت الـيهود: {لَنْ تَـمَسّنا النّارُ}، يعنـي لن تلاقـي أجسامنا النار، ولن ندخـلها إلا أياما معدودة. وإنـما قـيـل معدودة وإن لـم يكن مبـينا عددها فـي التنزيـل لأن الله جل ثناؤه أخبر عنهم بذلك وهم عارفون عدد الأيام التـي يوقتونها لـمكثهم فـي النار، فلذلك ترك ذكر تسمية عدد تلك الأيام وسماها معدودة لـما وصفنا.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي مبلغ الأيام الـمعدودة التـي عينها الـيهود القائلون ما أخبر الله عنهم من ذلك. فقال بعضهم بـما:

حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: {وَقَالُوا لَنْ تَـمَسّنَا النّارُ إِلاَّ أيّاما مَعْدُودَةً} قال ذلك أعداء الله الـيهود، قالوا: لن يدخـلنا الله النار إلا تَـحِلَّةَ القسم الأيام التـي أصبنا فـيها العجل أربعين يوما، فإذا انقضت عنا تلك الأيام، انقطع عنا العذاب والقسم.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {لَنْ تَـمَسّنَا النّارُ إِلاَّ أيّاما مَعْدُودَةً} قالوا: أياما معدودة بـما أصبنا فـي العجل.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {وَقَالُوا لَنْ تَـمَسّنَا النّارُ إِلاَّ أَيّاما مَعْدُودَةً} قال: قالت الـيهود: إن الله يدخـلنا النار فنـمكث فـيها أربعين لـيـلة، حتـى إذا أكلت النار خطايانا واسْتَنْقَتْنا، نادى منادٍ: أخرجوا كلَّ مختون من ولد بنـي إسرائيـل، فلذلك أمرنا أن نـختتن. قالوا: فلا يدعون منّا فـي النار أحدا إلا أخرجوه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، قال: قالت الـيهود: إن ربنا عتب علـينا فـي أمرنا، فأقسم لـيعذّبنا أربعين لـيـلة، ثم يخرجنا. فأكذبهم الله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن قتادة، قال: قالت الـيهود: لن ندخـل النار إلا تـحلّة القسم، عدد الأيام التـي عبدنا فـيها العجل.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: حدثنـي أبـي، قال: حدثنـي عمي، قال: حدثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {لَنْ تَـمَسّنا النّارُ إِلاَّ أيّاماً مَعْدُودَةً} الآية. قال ابن عبـاس: ذكر أن الـيهود وجدوا فـي التوراة مكتوبـاً: «إن ما بـين طرفـي جهنـم مسيرة أربعين سنة إلـى أن ينتهوا إلـى شجرة الزقوم نابتة فـي أصل الـجحيـم». وكان ابن عبـاس يقول: إن الـجحيـم سَقَر، وفـيه شجرة الزقّوم، فزعم أعداء الله أنه إذا خلا العدد الذي وجدوا فـي كتابهم أياما معدودة. وإنـما يعنـي بذلك الـمسير الذي ينتهي إلـى أصل الـجحيـم، فقالوا: إذا خلا العدد انتهى الأجل فلا عذاب وتذهب جهنـم وتهلك فذلك قوله: {لَنْ تَـمَسّنا النّارُ إِلاَّ أَيّاماً مَعْدُودَةً} يعنون بذلك الأجل. فقال ابن عبـاس: لـما اقتـحموا من بـاب جهنـم ساروا فـي العذاب، حتـى انتهوا إلـى شجرة الزقوم آخر يوم من الأيام الـمعدودة، قال لهم خزّان سقر: زعمتـم أنكم لن تـمسكم النار إلا أياماً معدودة، فقد خلا العدد وأنتـم فـي الأبد فأخذ بهم فـي الصَّعود فـي جهنـم يرهقون.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: حدثنـي أبـي، قال: حدثنـي عمي، قال: حدثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {وَقَالُوا لَنْ تَـمَسّنَا النّارُ إِلاَّ أَيّاما مَعْدُودَةً} إلا أربعين لـيـلة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا حفص بن عمر، عن الـحكم بن أبـان، عن عكرمة، قال: خاصمت الـيهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لن ندخـل النار إلا أربعين لـيـلة، وسيخـلفنا فـيها قوم آخرون يعنون مـحمداً وأصحابه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بـيده علـى رءوسهم:

بَلْ أَنْتُـمْ فِـيها خَالِدُونَ لاَ يَخْـلُفُكُمْ فِـيها أحَدٌفأنزل الله جل ثناؤه: {وَقَالُوا لَنْ تَـمَسّنَا النّارُ إِلاَّ أَيّاما مَعْدُودَةً}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي الـحكم بن أبـان، عن عكرمة، قال: اجتـمعت يهود يوماً تـخاصم النبـيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: {لَنْ تَـمَسّنا النّارُ إِلاَّ أَيّاماً مَعْدُودَةً} وسموا أربعين يوما ثم يخـلفنا أو يـلـحقنا فـيها أناس فأشاروا إلـى النبـي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كَذَبْتُـمْ، بَلْ أنْتُـمْ فِـيها خَالِدُونَ مُخَـلّدُونَ لاَ نَلْـحَقُكُمْ وَلا نَـخْـلُفَكُمْ فِـيها إِنْ شاءَ اللَّهُ أبَداً

حدثنـي يونس ابن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا علـيّ بن معبد، عن أبـي معاوية، عن جويبر، عن الضحاك فـي قوله: {لَنْ تَـمَسّنا النّارُ إِلاَّ أَيّاما مَعْدُودَةً} قال: قالت الـيهود: لا نعذّب فـي النار يوم القـيامة إلا أربعين يوما مقدار ما عبدنا العِجْلَ.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: حدثنـي أبـي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم:

أَنْشُدُكُمْ بِـاللَّهِ وَبِـالتّوْرَاةِ الّتِـي أنْزَلَهَا اللَّهُ علـى مُوسَى يَوْمَ طُورِسَيْنَاءَ، مَنْ أَهْلُ النّارِ الّذِينَ أنْزَلَهُمُ اللَّهُ فِـي التّوْرَاةِ؟قالوا: إن ربهم غضب علـيهم غضبة، فنـمكث فـي النار أربعين لـيـلة، ثم نـخرج فتـخـلفوننا فـيها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلمكَذَبْتُـمْ وَاللَّهِ لا نَـخْـلَفُكُمْ فِـيها أبَداً. فنزل القرآن تصديقاً لقول النبـي صلى الله عليه وسلم، وتكذيبـا لهم: {وَقَالُوا لَنْ تَـمَسّنَا النّارُ إِلاَّ أَيّاماً مَعْدُودَةً قُلْ اتّـخَذْتُـمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً} إلـى قوله: { هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ }[البقرة: 39] .

وقال آخرون فـي ذلك بـما:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: حدثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، قال: حدثنـي سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: كانت يهود يقولون: إنـما مدة الدنـيا سبعة آلاف سنة، وإنـما يعذّب الله الناس يوم القـيامة بكل ألف سنة من أيام الدنـيا يوماً واحداً من أيام الآخرة، وإنها سبعة أيام. فأنزل الله فـي ذلك من قولهم: {وَقَالُوا لَنْ تَـمَسّنَا النّارُ إِلاَّ أيَّاماً مَعْدُودَةً} الآية.

حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، قال: حدثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد، عن سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الـمدينة ويهود تقول: إنـما مدة الدنـيا سبعة آلاف سنة، وإنـما يعذّب الناس فـي النار بكل ألف سنة من أيام الدنـيا يوماً واحداً فـي النار من أيام الآخرة، فإنـما هي سبعة أيام ثم ينقطع العذاب. فأنزل الله عزّ وجلّ فـي ذلك من قولهم {لَنْ تَـمَسّنَا النّارُ} الآية.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {وَقَالُوا لَنْ تَـمَسّنَا النّارُ إِلاَّ أَيّاما مَعْدُودَةً} قال: كانت تقول: إنـما الدنـيا سبعة آلاف سنة، وإنـما نعذّب مكان كل ألف سنة يوماً.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله، إلا أنه قال: كانت الـيهود تقول: إنـما الدنـيا، وسائر الـحديث مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مـجاهد: {وَقَالُوا لَنْ تَـمَسّنَا النّارُ إِلاَّ أيَّاماً مَعْدُودَةً} من الدهر، وسموا عدة سبعة آلاف سنة، من كل ألف سنة يوما يهودُ تقول.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قُلْ أتّـخَذْتُـمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدا فَلَنْ يُخْـلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلـى اللَّهِ مَا لا تَعْلَـمُونَ}.

قال أبو جعفر: لـما قالت الـيهود ما قالت من قولها: {لَنْ تَـمَسّنَا النّارُ إِلاَّ أَيّاما مَعْدُودَةً} علـى ما قد بـينا من تأويـل ذلك، قال الله لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لـمعشر الـيهود {أتّـخَذْتُـمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً} أخذتـم بـما تقولون من ذلك من الله ميثاقا فـالله لا ينقض ميثاقه ولا يبدل وعده وعقده، أم تقولون علـى الله البـاطل جهلاً وجراءة علـيه؟ كما:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {قُلْ أتّـخَذْتُـمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً} أي مَوْثِقاً من الله بذلك أنه كما تقولون.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن قتادة قال: قالت الـيهود: لن ندخـل النار إلا تَـحِلَّة القسم عدّة الأيام التـي عبدنا فـيها العجل. فقال الله: {أتّـخَذْتُـمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً} بهذا الذي تقولونه، ألكم بهذا حجة وبرهان {فَلَنْ يَخْـلفَ اللَّهُ عَهْدَهُ} فهاتوا حجتكم وبرهانكم {أمْ تَقُولُونَ عَلـى اللَّهِ مَا لا تَعْلَـمُونَ}.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس، قال: لـما قالت الـيهود ما قالت، قال الله جل ثناؤه لـمـحمد: {قُلْ أتّـخَذْتُـمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً} يقول: أدّخرتـم عند الله عهدا؟ يقول: أقلتـم لا إلٰه إلا الله لـم تشركوا، ولـم تكفروا به؟ فإن كنتـم قلتـموها فـارجوا بها، وإن كنتـم لـم تقولوها فلـم تقولون علـى الله ما لا تعلـمون؟ يقول: لو كنتـم قلتـم لا إلٰه إلا الله، ولـم تشركوا به شيئا، ثم متّـم علـى ذلك لكان لكم ذخراً عندي، ولـم أخـلف وعدي لكم أنـي أجازيكم بها.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط عن السدي، قال: لـما قالت الـيهود ما قالت، قال الله عز وجل: {قُلْ أتّـخَذْتُـمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدا فَلَنْ يُخْـلِفَ اللَّه عَهْدَهُ} وقال فـي مكان آخر:

{ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }[آل عمران: 24]. ثم أخبر الـخبر فقال: { بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً }[آل عمران: 81].

وهذه الأقوال التـي رويناها عن ابن عبـاس ومـجاهد وقتادة بنـحو ما قلنا فـي تأويـل قوله: {قُلْ أتّـخَذْتُـمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً} لأن مـما أعطاه الله عبـاده من ميثاقه أن من آمن به وأطاع أمره نـجّاه من ناره يوم القـيامة. ومن الإيـمان به الإقرارُ بأن لا إلٰه إلا الله، وكذلك من ميثاقه الذي واثقهم به أن من أتـى الله يوم القـيامة بحجة تكون له نـجاة من النار فـينـجيه منها. وكل ذلك وإن اختلفت ألفـاظ قائلـيه، فمتفق الـمعانـي علـى ما قلنا فـيه، والله تعالـى أعلـم.

بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَٰطَتْ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝٨١

وقوله: {بَلـى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً} تكذيب من الله القائلـين من الـيهود:

{ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً }[البقرة: 80] وإخبـار منه لهم أنه يعذّب من أشرك وكفر به وبرسله وأحاطت به ذنوبه فمخـلِّدُه فـي النار فإن الـجنة لا يسكنها إلا أهل الإيـمان به وبرسوله، وأهل الطاعة له، والقائمون بحدوده. كما:

حدثنا مـحمد بن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: حدثنـي مـحمد بن إسحاق، قال: حدثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد، عن سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس: {بَلـى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} أي من عمل مثل أعمالكم وكفر بـمثل ما كفرتـم به حتـى يحيط كفره بـما له من حسنة، {فـاولَئِك أصْحَابُ النّارِ هُمْ فِـيها خَالِدُونَ}.

قال: وأما {بَلـى} فإنها إقرار فـي كل كلام فـي أوله جحد، كما «نعم» إقرار فـي الاستفهام الذي لا جحد فـيه، وأصلها «بل» التـي هي رجوع عن الـجحد الـمـحض فـي قولك: ما قام عمرو بل زيد فزيد فـيها الـياء لـيصلـح علـيها الوقوف، إذ كانت «بل» لا يصلـح علـيها الوقوف، إذْ كانت عطفـا ورجوعا عن الـجحد، ولتكون أعنـي بلـى رجوعاً عن الـجحد فقط، وإقراراً بـالفعل الذي بعد الـجحد فدلت الـياء منها علـى معنى الإقرار والإنعام، ودلّ لفظ «بل» بل الرجوع عن الـجحد.

قال: وأما السيئة التـي ذكر الله فـي هذا الـمكان فإنها الشرك بـالله. كما:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفـيان، قال: حدثنـي عاصم، عن أبـي وائل {بَلْـى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً} قال: الشرك بـالله.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {بَلَـى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً} شركاً.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {بَلَـى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً} قال: أما السيئة فـالشرك.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {بَلـى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً} أما السيئة فهي الذنوب التـي وعد علـيها النار.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: {بَلـى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً} قال: الشرك.

قال ابن جريج، قال: قال مـجاهد: {سَيِّئَةً} شركا.

حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع قوله: {بَلـى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً} يعنـي الشرك.

وإنـما قلنا: إن السيئة التـي ذكر الله جل ثناؤه أن من كسبها وأحاطت به خطيئته فهو من أهل النار الـمخـلدين فـيها فـي هذا الـموضع، إنـما عنى الله بها بعض السيئات دون بعض، وإن كان ظاهرها فـي التلاوة عاما، لأن الله قضى علـى أهلها بـالـخـلود فـي النار، والـخـلود فـي النار لأهل الكفر بـالله دون أهل الإيـمان به لتظاهر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أهل الإيـمان لا يخـلدون فـيها، وأن الـخـلود فـي النار لأهل الكفر بـالله دون أهل الإيـمان به فإن الله جل ثناؤه قد قرن بقوله: {بَلـى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فـاولئِكَ أصحَابُ النارِ هُم فِـيها خالِدُونَ} قولَهُ: {والّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ أُولَئِكَ أصحَابُ الـجَنّةِ هُمْ فِـيها خَالِدُونَ} فكان معلوما بذلك أن الذين لهم الـخـلود فـي النار من أهل السيئات، غير الذين لهم الـخـلود فـي الـجنة من أهل الإيـمان.

فإن ظنّ ظانٌّ أن الذين لهم الـخـلود فـي الـجنة من الذين آمنوا هم الذين عملوا الصالـحات دون الذين عملوا السيئات، فإن فـي إخبـار الله أنه مكفر بـاجتنابنا كبـائر ما ننهى عنه سيئاتنا، ومدخـلنا الـمدخـل الكريـم، ما ينبىء عن صحة ما قلنا فـي تأويـل قوله: {بَلـى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً} بأن ذلك علـى خاص من السيئات دون عامها.

فإن قال لنا قائل: فإن الله جل ثناؤه إنـما ضمن لنا تكفـير سيئاتنا بـاجتنابنا كبـائر ما ننهى عنه، فما الدلالة علـى أن الكبـائر غير داخـلة فـي قوله: {بَلـى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً}؟ قـيـل: لـما صحّ من أن الصغائر غير داخـلة فـيه، وأن الـمعنّى بـالآية خاص دون عام، ثبت وصحّ أن القضاء والـحكم بها غير جائز لأحد علـى أحد إلا علـى من وَقَـفَه الله علـيه بدلالة من خبر قاطع عذر من بلغه. وقد ثبت وصحّ أن الله تعالـى ذكره قد عنى بذلك أهل الشرك والكفر به، بشهادة جميع الأمة، فوجب بذلك القضاء علـى أن أهل الشرك والكفر مـمن عناه الله بـالآية. فأما أهل الكبـائر فإن الأخبـار القاطعة عذر من بلغته قد تظاهرت عندنا بأنهم غير معنـيـين بها، فمن أنكر ذلك مـمن دافع حجة الأخبـار الـمستفـيضة والأنبـاء الـمتظاهرة فـاللازم له ترك قطع الشهادة علـى أهل الكبـائر بـالـخـلود فـي النار بهذه الآية ونظائرها التـي جاءت بعمومهم فـي الوعيد، إذْ كان تأويـل القرآن غير مدرك إلا ببـيان من جَعَلَ اللَّهُ إلـيه بـيانَ القرآن، وكانت الآية تأتـي عاماً فـي صنف ظاهرها، وهي خاص فـي ذلك الصنف بـاطنها. ويُسئل مدافعوا الـخبر بأن أهل الكبـائر من أهل الاستثناء سؤالنا منكر رجم الزانـي الـمـحصن، وزوال فرض الصلاة عن الـحائض فـي حال الـحيض، فإن السؤال علـيهم نظير السؤال علـى هؤلاء سواء.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ}.

يعنـي بقوله جل ثناؤه: وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ اجتـمعت علـيه فمات علـيها قبل الإنابة والتوبة منها. وأصل الإحاطة بـالشيء: الإحداق به بـمنزلة الـحائط الذي تـحاط به الدار فتـحدق به، ومنه قول الله جل ثناؤه: {نارا أحاطَ بِهِمْ سُرَادِقُها}.

فتأويـل الآية إذا: من أشرك بـالله واقترف ذنوبـاً جمة فمات علـيها قبل الإنابة والتوبة، فأولئك أصحاب النار هم فـيها مخـلدون أبدا. وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك، قال الـمتأولون. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يـمان، عن سفـيان، عن الأعمش، عن أبـي روق، عن الضحاك: {وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} قال: مات بذنبه.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جرير بن نوح، قال: ثنا الأعمش، عن أبـي رزين، عن الربـيع بن خثـيـم: {وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} قال: مات علـيها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: أخبرنـي ابن إسحاق، قال: حدثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد، عن سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس: {وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} قال: يحيط كفره بـما له من حسنة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: حدثنـي عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} قال: ما أوجب الله فـيه النار.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} قال: أما الـخطيئة فـالكبـيرة الـموجبة.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن قتادة: {وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} قال: الـخطيئة: الكبـائر.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا وكيع ويحيى بن آدم، عن سلام بن مسكين، قال: سأل رجل الـحسن عن قوله: {وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} فقال: ما ندري ما الـخطيئة يا بنـيّ اتْلُ القرآن، فكل آية وعد الله علـيها النار فهي الـخطيئة.

حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد فـي قوله: {بَلَـى مَنْ كَسَبَ سَيئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} قال: كل ذنب مـحيط فهو ما وعد الله علـيه النار.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن أبـي رزين: {وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} قال: مات بخطيئته.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا الأعمش، قال: ثنا مسعود أبو رزين، عن الربـيع بن خثـيـم فـي قوله: {وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} قال: هو الذي يـموت علـى خطيئته، قبل أن يتوب.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: قال وكيع: سمعت الأعمش يقول فـي قوله: {وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} مات بذنوبه.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {وَأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} الكبـيرة الـموجبة.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {أحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} فمات ولـم يتب.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حسان، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: {وأحاطَت بِهِ خَطِيئَتُهُ} قال: الشرك، ثم تلا:

{ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ }[النمل: 90] .

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فـاولَئِكَ أصحَابُ النّارِ هُمْ فِـيها خَالِدُونَ}.

يعنـي بقوله جل ثناؤه: {فأولئك} الذين كسبوا السّيئات وأحاطتْ بهم خطيئاتهم أصحاب النار هم فـيها خالدون. ويعنـي بقوله جل ثناؤه: {أصحَابُ النّارِ} أهل النار وإنـما جعلهم لها أصحابـا لإيثارهم فـي حياتهم الدنـيا ما يوردهموها، ويوردهم سعيرها علـى الأعمال التـي توردهم الـجنة، فجعلهم جل ذكره بإيثارهم أسبـابها علـى أسبـاب الـجنة لها أصحابـاً، كصاحب الرجل الذي يصاحبه مؤثراً صحبته علـى صحبة غيره حتـى يعرف به. {هُمْ فِـيها} يعنـي فـي النار خالدون، ويعنـي بقوله {خالِدُونَ} مقـيـمون. كما:

حدثنـي مـحمد بن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: حدثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد، عن سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس: {هُمْ فِـيها خالِدُونَ}: أي خالدون أبداً.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {هُمْ فِـيها خالِدُونَ} لا يخرجون منها أبداً.

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝٨٢

ويعنـي بقوله: {وَالّذِينَ آمَنُوا}: أي صدقوا بـما جاء به مـحمد صلى الله عليه وسلم. ويعنـي بقوله: {وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ}: أطاعوا الله فأقاموا حدوده، وأدّوا فرائضه، واجتنبوا مـحارمه. ويعنـي بقوله: {أُولَئِكَ} فالذين هم كذلك {أصحَابُ الـجَنّةِ هُمْ فِـيها خَالِدُونَ} يعنـي أهلها الذين هم أهلها {هم فـيها خالدون}، مقـيـمون أبداً. وإنـما هذه الآية والتـي قبلها إخبـار من الله عبـاده عن بقاء النار وبقاء أهلها فـيها، ودوام ما أعدّ فـي كل واحدة منهما لأهلها، تكذيبـاً من الله جل ثناؤه القائلـين من يهود بنـي إسرائيـل إن النار لن تـمسهم إلا أياماً معدودة، وأنهم صائرون بعد ذلك إلـى الـجنة فأخبرهم بخـلود كفـارهم فـي النار وخـلود مؤمنـيهم فـي الـجنة. كما:

حدثنـي ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: حدثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد، عن سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس: {وَالّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ أُولَئِكَ أصحَابُ الـجَنّةِ هُمْ فِـيها خَالِدُونَ} أي من آمن بـما كفرتـم به وعمل بـما تركتـم من دينه، فلهم الـجنة خالدين فـيها يخبرهم أن الثواب بـالـخير والشرّ مقـيـم علـى أهله أبداً لا انقطاع له أبداً.

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {وَالّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ} مـحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه أولئك أصحاب الـجنة {هُمْ فِـيها خَالِدُونَ}

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ ۝٨٣

قد دللنا فـيـما مضى من كتابنا هذا علـى أن الـميثاق مفعال، من التوثق بـالـيـمين ونـحوها من الأمور التـي تؤكد القول. فمعنى الكلام إذا: واذكروا أيضاً يا معشر بنـي إسرائيـل إذْ أخذنا ميثاقكم لا تعبدون إلا الله. كما:

حدثنـي به ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: حدثنـي ابن إسحاق، قال: حدثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد، عن سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس: {وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِـي إسْرَائِيـلَ} أي ميثاقكم {لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ}.

قال أبو جعفر: والقراءة مختلفة فـي قراءة قوله: {لا تَعْبُدُونَ} فبعضهم يقرؤها بـالتاء، وبعضهم يقرؤها بـالـياء، والـمعنى فـي ذلك واحد. وإنـما جازت القراءة بـالـياء والتاء وأن يقال: «لا تعبدون»، و«لا يعبدون» وهم غَيَب لأن أخذ الـميثاق بـمعنى الاستـحلاف، فكما تقول: استـحلفت أخاك لـيقومنّ، فتـخبر عنه خبرك عن الغائب لغيبته عنك، وتقول: استـحلفته لتقومنّ، فتـخبر عنه خبرك عن الـمخاطب لأنك قد كنت خاطبته بذلك، فـيكون ذلك صحيحاً جائزاً، فكذلك قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِـي إِسْرَائِيـلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ} و«لا يعبدون». من قرأ ذلك بـالتاء فمعنى الـخطاب إذْ كان الـخطاب قد كان بذلك، ومن قرأ بـالـياء فلأنهم ما كانوا مخاطبـين بذلك فـي وقت الـخبر عنهم. وأما رفع لا تعبدون فبـالتاء التـي فـي تعبدون، ولا ينصب ب«أن» التـي كانت تصلـح أن تدخـل مع: {لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ} لأنها إذا صلـح دخولها علـى فعل فحذفت ولـم تدخـل كان وجه الكلام فـيه الرفع كما قال جل ثناؤه:

{ قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ }[الزمر: 64] فرفع «أعبدُ» إذ لـم تدخـل فـيها أن بـالألف الدالة علـى معنى الاستقبـال. وكما قال الشاعر:

ألاَ أيُّهذَا الزَّاجِرِي أحْضُرُ الوَغَى وأنْ أشْهَدَ اللّذَّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْـلِدِي

فرفع «أحضر» وإن كان يصلـح دخول «أن» فـيها، إذ حذفت بـالألف التـي تأتـي الاستقبـال. وإنـما صلـح حذف «أن» من قوله: {وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِـي إسْرائِيـلَ لا تَعْبُدُونَ} لدلالة ما ظهر من الكلام علـيها، فـاكتفـى بدلالة الظاهر علـيها منها.

وقد كان بعض نـحويـي البصرة يقول: معنى قوله: {وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِـي إسْرَائِيـلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ} حكاية، كأنك قلت: استـحلفناهم لا تعبدون، أي قلنا لهم: والله لا تعبدون، وقالوا: والله لا يعبدون. والذي قال من ذلك قريب معناه من معنى القول الذي قلنا فـي ذلك.

وبنـحو الذي قلنا فـي قوله: {وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِـي إسْرَائِيـلَ لا تَعْبُدُونَ إلاَّ اللَّهَ} تأوّله أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: أخذ مواثـيقهم أن يخـلصوا له وأن لا يعبدوا غيره.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: أخبرنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله: {وَإذْ أخَذْنا مِيثاق بنِـي إسْرَائِيـلَ لا تَعْبُدُونَ إلاَّ الله} قال: أخذنا ميثاقهم أن يخـلصوا لله ولا يعبدوا غيره.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج: {وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنـي إسْرَائيـلَ لا تَعْبُدُونَ إلاَّ اللّهَ} قال: الـميثاق الذي أخذ علـيهم فـي الـمائدة.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَبـالْوَالِدَيْنِ إحْساناً}.

وقوله جل ثناؤه: {وبـالْوَالِدَيْنِ إحْساناً} عطف علـى موضع «أن» الـمـحذوفة فـي {لا تعبدون إلا الله}. فكان معنى الكلام: وإذْ أخذنا ميثاق بنـي إسرائيـل بأن لا تعبدوا إلا الله وبـالوالدين إحساناً. فرفع «لا تعبدون» لـما حذف «أن»، ثم عطف بـالوالدين علـى موضعها، كما قال الشاعر:

مُعاوِيَ إنّنا بَشَر فأسْجِحْ فَلَسْنا بـالـجبـال وَلا الـحَدِيدا

فنصب «الـحديد» علـى العطف به علـى موضع الـجبـال لأنها لو لـم تكن فـيها بـاء خافضة كانت نصبـاً، فعطف بـالـحديد علـى معنى الـجبـال لا علـى لفظها، فكذلك ما وصفت من قوله: {وَبـالْوَالِدَيْنِ إحْساناً}. وأما الأحسان فمنصوب بفعل مضمر يؤدي معناه قوله: {وَبِـالْوَالِدَيْنِ} إذْ كان مفهوما معناه، فكان معنى الكلام لو أظهر الـمـحذوف: وإذ أخذنا ميثاق بنـي إسرائيـل بأن لا تعبدوا إلا الله، وبأن تـحسنوا إلـى الوالدين إحساناً. فـاكتفـى بقوله: {وَبـالْوَالِدَيْنِ} من أن يقال: وبأن تـحسنوا إلـى الوالدين إحساناً، إذْ كان مفهوماً أن ذلك معناه بـما ظهر من الكلام.

وقد زعم بعض أهل العربـية فـي ذلك أن معناه: وبـالوالدين فأحسنوا إحساناً فجعل «البـاء» التـي فـي «الوالدين» من صلة الإحسان مقدمة علـيه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن لا تعبدوا إلا الله، وأحسنوا بـالوالدين إحساناً. فزعموا أن «البـاء» التـي فـي «الوالدين» من صلة الـمـحذوف، أعنـي «أَحْسِنوا»، فجعلوا ذلك من كلامين. وإنـما يصرف الكلام إلـى ما ادعوا من ذلك إذا لـم يوجد لاتساق الكلام علـى كلام واحد وجه، فأما وللكلام وجه مفهوم علـى اتساقه علـى كلام واحد فلا وجه لصرفه إلـى كلامين. وأخرى: أن القول فـي ذلك لو كان علـى ما قالوا لقـيـل: «وإلـى الوالدين إحساناً» لأنه إنـما يقال: أحسن فلان إلـى والديه، ولا يقال: أحسن بوالديه، إلاّ علـى استكراه للكلام. ولكن القول فـيه ما قلنا، وهو: وإذْ أخذنا ميثاق بنـي إسرائيـل بكذا وبـالوالدين إحساناً، علـى ما بـينا قبل. فـيكون «الإحسان» حينئذ مصدرا من الكلام لا من لفظه كما بـينا فـيـما مضى من نظائره.

فإن قال قائل: وما ذلك الإحسان الذي أخذ علـيهم وبـالوالدين الـميثاق؟ قـيـل: نظير ما فرض الله علـى أمتنا لهما من فعل الـمعروف لهما والقول الـجميـل، وخفض جناح الذل رحمة بهما والتـحنن علـيهما، والرأفة بهما والدعاء بـالـخير لهما، وما أشبه ذلك من الأفعال التـي ندب الله عبـاده أن يفعلوا بهما.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَذي القُرْبَى وَالـيتَامَى وَالـمسَاكين}.

يعنـي بقوله: {وَذي القرْبَى} وبذي القربى أن يصلوا قرابته منهم ورحمة. والقربى مصدر علـى تقدير «فُعْلَـى» من قولك: قربت منـي رحم فلان قرابة وقربى وقربـا بـمعنى واحد. وأما الـيتامى فهم جمع يتـيـم، مثل أسير وأَسارى ويدخـل فـي الـيتامى الذكور منهم والإناث. ومعنى ذلك: وإذْ أخذنا ميثاق بنـي إسرائيـل لا تعبدون إلا الله وحده دون من سواه من الأنداد وبـالوالدين إحساناً وبذي القربى، أن تصلوا رَحِمَه، وتعرفوا حقه، وبـالـيتامى: أن تتعطفوا علـيهم بـالرحمة والرأفة، وبـالـمساكين: أن تؤتوهم حقوقهم التـي ألزمها الله أموالكم. والـمسكين: هو الـمتـخشع الـمتذلل من الفـاقة والـحاجة، وهو «مِفْعيـل» من الـمسكنة، والـمسكنة هي ذلّ الـحاجة والفـاقة.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَقُولُوا للنّاس حُسُناً}.

إن قال قائل: كيف قـيـل: {وقُولُوا للنّاس حُسْناً} فأخرج الكلام أمراً ولـما يتقدمه أمرٌ، بل الكلام جار من أول الآية مـجرى الـخبر؟ قـيـل: إن الكلام وإن كان قد جرى فـي أول الآية مـجرى الـخبر فإنه مـما يحسن فـي موضعه الـخطاب بـالأمر والنهي، فلو كان مكان: «لا تعبدون إلا الله» «لا تعبدوا إلا الله» علـى وجه النهي من الله لهم عن عبـادة غيره كان حسناً صوابـاً وقد ذكر أن ذلك كذلك فـي قراءة أبـيّ بن كعب. وإنـما حسن ذلك وجاز لو كان مقروءا به لأن أخذ الـميثاق قول، فكان معنى الكلام لو كان مقروءا كذلك: وإذْ قلنا لبنـي إسرائيـل لا تعبدوا إلا الله، كما قال جل ثناؤه فـي موضع آخر: {وَإذْ أخَذْنا ميثاقَكُمْ ورَفَعْنا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا ما آتـيْناكُمْ بِقُوَّة}. فلـما كان حسناً وضع الأمر والنهي فـي موضع: {لا تعبدون إلا الله}، عطف بقوله: {وَقُولُوا للنّاس حُسْناً} علـى موضع {لا تعبدون}، وإن كان مخالفـا كل واحد منهما معناه معنى ما فـيه، لـما وصفنا من جواز وضع الـخطاب بـالأمر والنهي موضع لا تعبدون فكأنه قـيـل: وإذا أخذنا ميثاق بنـي إسرائيـل لا تعبدوا إلا الله، وقولوا للناس حسناً. وهو نظير ما قدمنا البـيان عنه من أن العرب تبتدىء الكلام أحياناً علـى وجه الـخبر عن الغائب فـي موضع الـحكايات لـما أخبرت عنه، ثم تعود إلـى الـخبر علـى وجه الـخطاب، وتبتدىء أحيانا علـى وجه الـخطاب ثم تعود إلـى الإخبـار علـى وجه الـخبر عن الغائب لـما فـي الـحكاية من الـمعنـيـين كما قال الشاعر:

أَسِيئي بنا أوْ أحْسِنـي لا مَلُومَةً لَديْنا وَلا مَقْلِـيّةً إنْ تَقَلَّتِ

يعنـي تقلّـيت، وأمّا «الـحسن» فإن القراءة اختلفت فـي قراءته، فقرأته عامة قراءة الكوفة غير عاصم: «وَقُولُوا للنّاس حَسَناً» بفتـح الـحاء والسين. وقرأته عامة قرّاء الـمدينة: {حُسْناً} بضم الـحاء وتسكين السين. وقد رُوي عن بعض القراء أنه كان يقرأ: «وَقُولُوا للنّاس حُسْنَى» علـى مثال «فُعْلَـى».

واختلف أهل العربـية فـي فرق ما بـين معنى قوله: حُسْنا، وحَسَنا. فقال بعض البصريـين: هو علـى أحد وجهين: إما أن يكون يراد بـالـحَسَنِ الـحُسْنِ، وكلاهما لغة، كما يقال: البُخْـل والبَخَـل. وإما أن يكون جعل الـحُسْنَ هو الـحَسَن فـي التشبـيه، وذلك أن الـحُسْنَ مصدر، والـحَسَنُ هو الشيء الـحسن، ويكون ذلك حينئذ كقولك: «إنـما أنت أَكْلٌ وشُرْب»، وكما قال الشاعر:

وخَيْـلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْـلٍ تَـحِيّةُ بَـيْنِهمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ

فجعل التـحية ضربـاً.

وقال آخر: بل «الـحُسْن» هو الاسم العام الـجامع جميع معانـي الـحسن، «والـحَسَن» هو البعض من معانـي الـحُسْن، قال: ولذلك قال جل ثناؤه إذ أوصى بـالوالدين: وَوَصّيْنا الإنْسانَ بوَالِدَيْهِ حُسْناً يعنـي بذلك أنه وصاه فـيهما بجميع معانـي الـحسن، وأمر فـي سائر الناس ببعض الذي أمره به فـي والديه فقال: {وَقُولُوا للنّاسِ حُسْناً} يعنـي بذلك بعض معانـي الـحُسْن. والذي قاله هذا القائل فـي معنى «الـحُسْن» بضم الـحاء وسكون السين غير بعيد من الصواب، وأنه اسم لنوعه الذي سمي به. وأما «الـحَسَن» فإنه صفة وقعت لـما وصف به، وذلك يقع بخاص. وإذا كان الأمر كذلك، فـالصواب من القراءة فـي قوله: «وَقُولُوا للنّاسِ حَسَناً» لأن القوم إنـما أمروا فـي هذا العهد الذي قـيـل لهم: وقولوا للناس بـاستعمال الـحَسَن من القول دون سائر معانـي الـحسن، الذي يكون بغير القول، وذلك نعت لـخاص من معانـي الـحُسْن وهو القول. فلذلك اخترت قراءته بفتـح الـحاء والسين، علـى قراءته بضم الـحاء وسكون السين.

وأما الذي قرأ ذلك: «وَقُولُوا للنّاسِ حُسْنَى» فإنه خالف بقراءته إياه كذلك قراءة أهل الإسلام، وكفـى شاهدا علـى خطأ القراءة بها كذلك خروجها من قراءة أهل الإسلام لو لـم يكن علـى خطئها شاهد غيره، فكيف وهي مع ذلك خارجة من الـمعروف من كلام العرب؟ وذلك أن العرب لا تكاد أن تتكلـم بفُعْلـى وأَفْعل إلا بـالألف واللام أو بـالإضافة، لا يقال: جاءنـي أحسن حتـى يقولوا الأحسن، ولا يقال أجمل حتـى يقولوا الأجمل وذلك أن الأفعل والفُعْلَـى لا يكادان يوجدان صفة إلا لـمعهود معروف، كما تقول: بل أخوك الأحسن، وبل أختك الـحسنى، وغير جائز أن يقال: امرأة حُسْنى، ورجل أحسن.

وأما تأويـل القول الـحسن الذي أمر الله به الذين وصف أمرهم من بنـي إسرائيـل فـي هذه الآية أن يقولوه للناس، فهو ما:

حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس فـي قوله: {وَقُولُوا للنّاسِ حُسْناً} أمرهم أيضا بعد هذا الـخـلق أن يقولوا للناس حسناً: أن يأمروا بلا إله إلا الله من لـم يقلها ورغب عنها حتـى يقولوها كما قالوها، فإن ذلك قربة من الله جل ثناؤه.

وقال الـحسن أيضا: لـين القول من الأدب الـحسن الـجميـل، والـخـلق الكريـم، وهو مـما ارتضاه الله وأحبه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: {وَقُولُوا للنّاسِ حُسْناً} قال: قولوا للناس معروفـا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج: {وَقُولُوا للنّاسِ حُسْناً} قال: صدقا فـي شأن مـحمد صلى الله عليه وسلم.

وحدثت عن يزيد بن هارون، قال: سمعت سفـيان الثوري، يقول فـي قوله: {وَقُولُوا للنّاسِ حُسْنا} قال: مروهم بـالـمعروف، وانهوهم عن الـمنكر.

حدثنـي هارون بن إدريس الأصم، قال: ثنا عبد الرحمن بن مـحمد الـمـحاربـي، قال: ثنا عبد الـملك بن أبـي سلـيـمان، قال: سألت عطاء بن أبـي ربـاح، عن قول الله جل ثناؤه: {وَقُولُوا للنّاسِ حُسْناً} قال: من لقـيت من الناس فقل له حسناً من القول. قال: وسألت أبـا جعفر، فقال مثل ذلك.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا القاسم، قال: أخبرنا عبد الـملك، عن أبـي جعفر وعطاء بن أبـي ربـاح فـي قوله: {وَقُولُوا للنّاسِ حُسْناً} قال: للناس كلهم.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا عبد الـملك، عن عطاء مثله.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وأقِـيـمُوا الصَّلاةَ}.

يعنـي بقوله: {وأقِـيـمُو الصَّلاةَ} أدّوها بحقوقها الواجبة علـيكم فـيها. كما:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن مسعود، قال: {وأقِـيـمُوا الصَّلاة} هذه، وإقامة الصلاة تـمام الركوع والسجود والتلاوة والـخشوع والإقبـال علـيها فـيها.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَآتُوا الزَّكاة}. قد بـينا فـيـما مضى قبلُ معنى الزكاة وما أصلها. وأما الزكاة التـي كان الله أمر بها بنـي إسرائيـل الذين ذكر أمرهم فـي هذه الآية، فهي ما:

حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: {وآتُوا الزَّكاةَ} قال: إيتاء الزكاة ما كان الله فرض علـيهم فـي أموالهم من الزكاة، وهي سنّة كانت لهم غير سنة مـحمد صلى الله عليه وسلم كانت زكاة أموالهم قربـاناً تهبط إلـيه نار فتـحملها، فكان ذلك تَقَبُّله، ومن لـم تفعل النار به ذلك كان غير متقبل. وكان الذي قُرّب من مكسب لا يحلّ من ظلـم أو غشم، أو أخذ بغير ما أمر الله به وبـينه له.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: حدثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: {وَآتُوا الزَّكاةَ} يعنـي بـالزكاة: طاعة الله والإخلاص.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ثُمَّ تَوَلّـيْتُـمْ إلاَّ قَلِـيلاً مِنْكُمْ وأنْتُـمْ مُعْرِضُونَ}. وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن يهود بنـي إسرائيـل أنهم نكثوا عهده ونقضوا ميثاقه، بعدما أخذ الله ميثاقهم علـى الوفـاء له بأن لا يعبدوا غيره، وأن يحسنوا إلـى الآبـاء والأمهات، ويَصِلُوا الأرحام، ويتعطفوا علـى الأيتام، ويؤدوا حقوق أهل الـمسكنة إلـيهم، ويأمروا عبـاد الله بـما أمرهم الله به ويحثوهم علـى طاعته، ويقـيـموا الصلاة بحدودها وفرائضها، ويؤتوا زكاة أموالهم. فخالفوا أمره فـي ذلك كله، وتولوا عنه معرضين، إلا من عصمه الله منهم فوفـى لله بعهده وميثاقه. كما:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك عن ابن عبـاس، قال: لـما فرض الله جل وعزّ علـيهم يعنـي علـى هؤلاء الذين وصف الله أمرهم فـي كتابه من بنـي إسرائيـل هذا الذي ذكر أنه أخذ ميثاقهم به، أعرضوا عنه استثقالاً وكراهية، وطلبوا ما خفّ علـيهم إلا قلـيلاً منهم، وهم الذين استثنى الله فقال: {ثُمَّ تَوَلَّـيْتُـمْ} يقول: أعرضتـم عن طاعتـي {إلاَّ قَلِـيلاً منكمْ} قال: القلـيـل الذين اخترتهم لطاعتـي، وسيحلّ عقابـي بـمن تولّـى وأعرض عنها يقول: تركها استـخفـافـاً بها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: حدثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد، عن سعيد بن جبـير أو عن عكرمة، عن ابن عبـاس: {ثُمَّ تَوَلّـيْتُـمْ إلاَّ قَلـيلاً مِنْكُمْ وأنْتُـمْ مُعْرِضُونَ} أي تركتـم ذلك كله.

وقال بعضهم: عنى الله جل ثناؤه بقوله: {وأنتُـمْ مُعْرِضُونَ} الـيهود الذين كانوا علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنى بسائر الآية أسلافهم كأنه ذهب إلـى أن معنى الكلام: {ثُمَّ تَوَلّـيْتُـمْ إلاَّ قَلِـيلاً مِنْكُمْ} ثم تولـى سلفكم إلا قلـيلاً منهم، ولكنه جعل خطابـاً لبقايا نسلهم علـى ما ذكرناه فـيـما مضى قبل. ثم قال: وأنتـم يا معشر بقاياهم مُعْرضون أيضا عن الـميثاق الذي أخذ علـيكم بذلك وتاركوه ترك أوائلكم.

وقال آخرون: بل قوله: {ثُمَّ تَوَلّـيْتُـمْ إلاَّ قَلِـيلاً مِنْكُمْ وأنْتُـمْ مُعْرضُونَ} خطاب لـمن كان بـين ظهرانـي مُهَاجَرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بنـي إسرائيـل، وذمٌّ لهم بنقضهم الـميثاق الذي أخذ علـيهم فـي التوراة وتبديـلهم أمر الله وركوبهم معاصيه.

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ۝٨٤

قال أبو جعفر: قوله: {وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} فـي الـمعنى والإعراب نظير قوله:

{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ }[البقرة: 83]. وأما سفك الدم، فإنه صبه وإراقته.

فإن قال قائل: وما معنى قوله: {لا تَسْفِكونَ دِماءَكُمْ وَلا تُـخْرِجُونَ أنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ}؟ وقال: أَوَ كان القوم يقتلون أنفسهم، ويخرجونها من ديارها، فنهوا عن ذلك؟ قـيـل: لـيس الأمر فـي ذلك علـى ما ظننتَ، ولكنهم نهوا عن أن يقتل بعضهم بعضا، فكان فـي قتل الرجل منهم الرجلَ قتلُ نفسه، إذْ كانت ملّتهما بـمنزلة رجل واحد، كما قال علـيه الصلاة والسلام:


ثُمَّ أَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمْ تَظَٰهَرُونَ عَلَيْهِم بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ۝٨٥

قال أبو جعفر: ويتـجه فـي قوله: {ثُمَّ أنْتُـمْ هَؤُلاَءِ} وجهان: أحدهما أن يكون أريد به: ثم أنتـم يا هؤلاء، فترك «يا» استغناء بدلالة الكلام علـيه، كما قال:

{ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا }[يوسف: 29] وتأويـله: يا يوسف أعرض عن هذا. فـيكون معنى الكلام حينئذ: ثم أنتـم يا معشر يهود بنـي إسرائيـل بعد إقراركم بـالـميثاق الذي أخذته علـيكم لا تسفكون دماءكم ولا تـخرجون أنفسكم من دياركم، ثم أقررتـم بعد شهادتكم علـى أنفسكم بأن ذلك حق لـي علـيكم لازم لكم الوفـاء لـي به {تقتلون أنفسكم وتـخرجون فريقا منكم من ديارهم} متعاونـين علـيهم فـي إخراجكم إياهم بـالإثم والعدوان. والتعاون: هو التظاهر وإنـما قـيـل: للتعاون التظاهر، لتقوية بعضهم ظهر بعض، فهو تفـاعل من الظهر، وهو مساندة بعضهم ظهره إلـى ظهر بعض. والوجه الآخر أن يكون معناه: ثم أنتـم قومٌ تقتلون أنفسكم فـيرجع إلـى الـخبر عن «أنتـم»، وقد اعترض بـينهم وبـين الـخبر عنهم بهؤلاء، كما تقول العرب: أنا ذا أقوم، وأنا هذا أجلس، ولو قـيـل: أنا هذا أجلس كان صحيحاً جائزاً، كذلك أنت ذاك تقوم.

وقد زعم بعض البصريـين أن قوله «هؤلاء» فـي قوله: {ثُمَّ أنْتُـمْ هَؤُلاءِ} تنبـيه وتوكيد لـ«أنتـم»، وزعم أن «أنتـم» وإن كانت كناية أسماء جماع الـمخاطبـين، فإنـما جاز أن يؤكدوا ب«هؤلاء» و«أولاء»، لأنها كناية عن الـمخاطبـين، كما قال خُفـاف بن ندبة:

أقُولُ لَهُ وَالرُّمْـحُ يَأْطِرُ مَتْنُهُ تَبَـيّنْ خُفـافـاً إنّنِـي أنا ذَلِكا

يريد: أنا هذا. وكما قال جل ثناؤه: { حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم }[يونس: 22].

ثم اختلف أهل التأويـل فـيـمن عنى بهذه الآية نـحو اختلافهم فـيـمن عنـي بقوله:

{ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ }[البقرة: 84]. ذكر اختلاف الـمختلفـين فـي ذلك:

حدثنا مـحمد بن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: حدثنـي مـحمد بن إسحاق، قال: حدثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: {ثُمَّ أنْتُـمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ وتُـخْرِجُونَ فَرِيقا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَـيْهِمْ بإِلاثْمِ والعُدْوَانِ} إلـى أهل الشرك حتـى تسفكوا دماءهم معهم، وتـخرجوهم من ديارهم معهم. فقال: أنّبهم الله من فعلهم، وقد حرّم علـيهم فـي التوراة سفك دمائهم، وافترض علـيهم فـيها فداء أسراهم فكانوا فريقـين طائفة منهم من بنـي قـينقاع حلفـاء الـخزرج والنضير وقريظة حلفـاء الأوس، فكانوا إذا كانت بـين الأوس والـخزرج حرب خرجت بنو قـينقاع مع الـخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر كل من الفريقـين حلفـاءه علـى إخوانه حتـى يتسافكوا دماءهم بـينهم وبأيديهم التوراة يعرفون منها ما علـيهم وما لهم، والأوس والـخزرج أهل الشِرْك يعبدون الأوثان لا يعرفون جنة ولا ناراً، ولا بعثاً، ولا قـيامة، ولا كتابـاً، ولا حراماً، ولا حلالاً فإذا وضعت الـحرب أوزارها افتدوا أسراهم، تصديقاً لـما فـي التوراة وأخذا به بعضهم من بعض: يفتدي بنو قـينقاع ما كان من أسراهم فـي أيدي الأوس، وتفتدي النضير وقريظة ما كان فـي أيدي الـخزرج منهم، ويُطِلُّون ما أصابوا من الدماء وقتلوا من قتلوا منهم فـيـما بـينهم مظاهراً لأهل الشرك علـيهم. يقول الله تعالـى ذكره حين أنّبأهم بذلك: {أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} أي تفـادونه بحكم التوراة وتقتلونه وفـي حكم التوراة أن لا يقتل ولا يخرج من ذلك، ولا يظاهر علـيه من يشرك بـالله ويعبد الأوثان من دونه ابتغاء عَرضَ من عَرضَ الدنـيا. ففـي ذلك من فعلهم مع الأوس والـخزرج فـيـما بلغنـي نزلت هذه القصة.

وحدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنـي عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي:

{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ }[البقرة: 84] قال: إن الله أخذ علـى بنـي إسرائيـل فـي التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضاً، وأيّـما عبد أو أمة وجدتـموه من بنـي إسرائيـل فـاشتروه بـما قام ثمنه فأعتقوه. فكانت قريظة حلفـاء الأوس، والنضير حلفـاء الـخزرج، فكانوا يقتتلون فـي حرب سُمَيْر، فتقاتل بنو قريظة مع حلفـائها النضير وحلفـاءَها. وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفـاءها فـيغلبونهم، فـيخرّبون بـيوتهم ويخرجونهم منها، فإذا أسر الرجل من الفريقـين كلـيهما جمعوا له حتـى يفدوه، فتعيرهم العرب بذلك، ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم وحرّم علـينا قتالهم، قالوا: فلـم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستـحيـي أن تستذلّ حلفـاؤنا. فذلك حين عيرهم جل وعز فقال: {ثُمَّ أنْتُـمْ هَولاء تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ وَتُـخْرِجُونَ فَرَيقاً مِنْكُمْ مِنْ ديارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَـيْهِمْ بِـالإثم وَالعُدْوَانَ}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: كانت قريظة والنضير أخوين، وكانوا بهذه الـمثابة، وكان الكتاب بأيديهم. وكانت الأوس والـخزرج أخوين فـافترقا، وافترقت قريظة والنضير، فكانت النضير مع الـخزرج، وكانت قريظة مع الأوس. فـاقتتلوا، وكان بعضهم يقتل بعضاً، فقال الله جل ثناؤه: {ثُمَّ أنَّتُـمْ هَولاء تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ وَتُـخْرجُونَ فَريقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارهِمْ} الآية. وقال آخرون بـما:

حدثنـي به الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية قال: كان فـي بنـي إسرائيـل إذا استضعفوا قوماً أخرجوهم من ديارهم، وقد أخذ علـيهم الـميثاق أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم.

وأما العدوان فهو الفعلان من التعدي، يقال منه: عدا فلان فـي كذا عدواً وعدواناً، واعتدى يعتدي اعتداءً، وذلك إذا جاوز حدّه ظلـماً وبغياً.

وقد اختلف القراء فـي قراءة: {تَظَاهَرُونَ} فقرأها بعضهم: تظاهرون، علـى مثال «تفـاعلون» فحذف التاء الزائدة وهي التاء الآخرة. وقرأها آخرون: «تظَّاهرون»، فشدّد بتأويـل «تتظاهرون»، غير أنهم أدغموا التاء الثانـية فـي الظاء لتقارب مخرجيهما فصيَّروهما ظاء مشددة. وهاتان القراءتان وإن اختلفت ألفـاظهما فإنهما متفقتا الـمعنى، فسواء بأي ذلك قرأ القارىء لأنهما جميعا لغتان معروفتان وقراءتان مستفـيضتان فـي أمصار الإسلام بـمعنى واحد لـيس فـي إحداهما معنى تستـحق به اختـيارها علـى الأخرى إلا أن يختار مختار تظاهرون الـمشددة طلبـاً منه تتـمة الكلـمة.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَإِنْ يَأتُوكُمْ أسارَى تُفـادُوهُمْ وَهُوَ مُـحَرَّمٌ عَلَـيْكُمْ إخْرَاجُهُمْ أفَتُؤمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}.

يعنـي بقوله جل ثناؤه: {وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أسارَى تُفـادُوهُمْ} الـيهود يوبخهم بذلك، ويعرّفهم به قبـيح أفعالهم التـي كانوا يفعلونها. فقال لهم: ثم أنتـم بعد إقراركم بـالـميثاق الذي أخذته علـيكم أن لا تسفكوا دماءكم ولا تـخرجوا أنفسكم من دياركم {تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ} يعنـي به يقتل بعضُكم بعضا، وأنتـم مع قتلكم من تقتلون منكم إذا وجدتـم الأسير منكم فـي أيدي غيركم من أعدائكم تَفْدُونه ويخرج بعضكم بعضا من دياره. وقَتْلُكم إياهم وإخراجُكُموهم من ديارهم حرام علـيكم وتَرْكُهم أسرى فـي أيدي عدوّكم، فكيف تستـجيزون قتلهم ولا تستـجيزون ترك فدائهم من عدوّهم؟ أم كيف لا تستـجيزون ترك فدائهم وتستـجيزون قتلهم؟ وهم جميعا فـي اللازم لكم من الـحكم فـيهم سواء لأن الذي حرّمت علـيكم من قتلهم وإخراجهم من دورهم نظير الذي حرمت علـيكم من تركهم أسرى فـي أيدي عدوّهم {أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْض الكِتاب} الذي فرضت علـيكم فـيه فرائضي وبـينت لكم فـيه حدودي وأخذت علـيكم بـالعمل بـما فـيه ميثاقـي فتصدّقون به، فتفـادون أسراكم من أيدي عدوّكم {وتَكْفُرُونَ ببعضه} فتـجحدونه فتقتلون من حرّمت علـيكم قتله من أهل دينكم ومن قومكم، وتـخرجونهم من ديارهم؟ وقد علـمتـم أن الكفر منكم ببعضه نقض منكم عهدي وميثاقـي. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: «ثُمَّ أنْتُـمْ هَولاء تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ وَتُـخْرِجُونَ فَرِيقا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَـيْهِمْ بِـالإثْمِ والعُدْوَانِ وَإِنْ يأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَـادُوهم وَهُوَ مُـحَرَّمٌ عَلَـيْكُمْ إخْرَاجُهُمْ أفتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ» فـادين والله إن فداءهم لإيـمان وإن إخراجهم لكفر، فكانوا يخرجونهم من ديارهم، وإذا رأوهم أسارى فـي أيدي عدوّهم افْتَكّوهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: حدثنـي ابن إسحاق، قال: حدثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد، عن سعيد بن جبـير أو عن عكرمة، عن ابن عبـاس: «وَإِنْ يَأتُوكُمْ أُسارَى تَفْادُوهُمْ» قد علـمتـم أن ذلكم علـيكم فـي دينكم، {وَهُوَ مـحرّمٌ علـيكُم} فـي كتابكم {إخراجهُم أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} أتفـادونهم مؤمنـين بذلك، وتـخرجونهم كفرا بذلك؟

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: «وَإِنْ يأتُوكُمْ أسَارَى تُفْادُوهُمْ» يقول: إن وجدته فـي يد غيرك فديته وأنت تقتله بـيدك؟

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، قال: قال أبو جعفر: كان قتادة يقول فـي قوله: {أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} فكان إخراجهم كفراً وفداؤهم إيـماناً.

حدثنا الـمثنى، قال: حدثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية فـي قوله: {ثُمَّ أنتُـمْ هَولاَءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ} الآية، قال: كان فـي بنـي إسرائيـل إذا استضعفوا قوماً أخرجوهم من ديارهم، وقد أخذ علـيهم الـميثاق أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسم من ديارهم، وأخذ علـيهم الـميثاق إن أسر بعضهم أن يفـادوهم. فأخرجوهم من ديارهم ثم فـادوهم. فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض آمنوا بـالفداء ففدوا، وكفروا بـالإخراج من الديار فأخرجوا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، قال: ثنا الربـيع بن أنس، قال: أخبرنـي أبو العالـية: أن عبد الله بن سلام مرّ علـى رأس الـجالوت بـالكوفة وهو يفـادي من النساء من لـم يقع علـيه العرب ولا يفـادي من وقع علـيه العرب، فقال له عبد الله بن سلام: أما إنه مكتوب عندك فـي كتابك أنْ فـادوهنّ كلهن.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج: {أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} قال: كفرهم القتل والإخراج، وإيـمانهم الفداء. قال ابن جريج: يقول: إذا كانوا عندكم تقتلونهم وتـخرجونهم من ديارهم. وأما إذا أسروا تفادوهم؟ وبلغنـي أن عمر بن الـخطاب قال فـي قصة بنـي إسرائيـل: إن بنـي إسرائيـل قد مضوا وإنكم أنتـم تُعْنَون بهذا الـحديث.

واختلف القراء فـي قراءة قوله: «وَإنْ يأتُوكُمْ أسارَى تَفْادوهُمْ» فقرأه بعضهم: «أسرى تفادوهم»، وبعضهم: «أسارى تفـادوهم»، وبعضهم: «أسارى تفادوهم»، وبعضهم: «أسرى تفـادوهم».

قال أبو جعفر: فمن قرأ ذلك: «وإن يأتوكم أسرى»، فإنه أراد جمع الأسير، إذْ كان علـى «فعيـل» علـى مثال جمع أسماء ذوي العاهات التـي يأتـي واحدها علـى تقدير فعيـل، إذْ كان الأسر شبـيه الـمعنى فـي الأذى والـمكروه الداخـل علـى الأسير ببعض معانـي العاهات وألـحق جمع الـمستلـحق به بجمع ما وصفنا، فقـيـل أسير وأَسْرى، كما قـيـل مريض ومَرْضَى وكَسِير وكَسْرى، وجريح وجَرْحى.

وقال أبو جعفر: وأما الذين قرءوا ذلك: «أُسارى»، فإنهم أخرجوه علـى مخرج جمع فُعْلان، إذ كان جمع «فعلان» الذي له «فَعْلَـى» قد يشارك جمع «فعيـل»، كما قالوا سكارى وسكرى وكسالـى وكسلـى، فشبهوا أسيراً وجمعوه مرة أُسارى وأخرى أَسْرى بذلك. وكان بعضهم يزعم أن معنى الأسرى مخالف معنى الأسارى، ويزعم أن معنى الأسرى استئسار القوم بغير أسر من الـمستأسر لهم، وأن معنى الأسارى معنى مصير القوم الـمأسورين فـي أيدي الآسرين بأسرهم وأخذهم قهرا وغلبة.

قال أبو جعفر: وذلك ما لا وجه له يفهم فـي لغة أحد من العرب، ولكن ذلك علـى ما وصفت من جمع الأسير مرة علـى «فَعْلـى» لـما بـينت من العلة، ومرة علـى «فُعالـى» لـما ذكرت من تشبـيههم جمعه بجمع سكران وكسلان وما أشبه ذلك.

وأولـى بـالصواب فـي ذلك قراءة من قرأ: «وَإِنْ يَأتُوكُمْ أَسْرَى» لأن «فُعالـى» فـي جمع «فَعِيـل» غير مستفـيض فـي كلام العرب. فإذا كان ذلك غير مستفـيض فـي كلامهم، وكان مستفـيضاً فـاشياً فـيهم جمع ما كان من الصفـات التـي بـمعنى الآلام والزمانة واحدة علـى تقدير «فعيـل» علـى «فَعْلـى» كالذي وصفنا قبل، وكان أحد ذلك الأسير كان الواجب أن يـلـحق بنظائره وأشكاله فـيجمع جمعها دون غيرها مـمن خالفها.

وأما من قرأ: {تُفـادُوهُمْ} فإنه أراد أنكم تفدونهم من أسرهم، ويفدى منكم الذين أسروهم ففـادوكم بهم أسراكم منهم.

وأما من قرأ ذلك: «تَفْادُوهُمْ» فإنه أراد أنكم يا معشر الـيهود إن أتاكم الذين أخرجتـموهم منكم من ديارهم أسرى فديتـموهم فـاستنقذتـموهم. وهذه القراءة أعجب إلـيّ من الأولـى، أعنـي: «أسرى تفادوهم» لأن الذي علـى الـيهود فـي دينهم فداء أسراهم بكل حال فَدَى الآسرون أسراهم منهم أم لـم يفدوهم.

وأما قوله: {وَهُوَ مُـحَرَّمٌ عَلَـيْكُمْ إخْرَاجُهُمْ} فإن فـي قوله: {وَهُوَ} وجهين من التأويـل أحدهما: أن يكون كناية عن الإخراج الذي تقدم ذكره، كأنه قال: وتـخرجون فريقاً منكم من ديارهم، وإخراجهم مـحرّم علـيكم. ثم كرّر الإخراج الذي بعد وهو مـحرم علـيكم تكريرا علـى «هو»، لـما حال بـين «الإخراج» و«هو» كلام. والتأويـل الثانـي: أن يكون عماداً لـما كانت الواو التـي مع «هو» تقتضي اسماً يـلـيها دون الفعل، فلـما قدم الفعل قبل الاسم الذي تقتضيه الواو أن يـلـيها أولِـيَتْ «هو» لأنه اسم، كما تقول: أتـيتك وهو قائم أبوك، بـمعنى: وأبوك قائم، إذْ كانت الواو تقتضي اسما فعمدت ب«هو»، إذ سبق الفعل الاسم لـيصلـح الكلام كما قال الشاعر:

فأبْلِغْ أبـا يَحيى إذَا ما لَقِـيتَهُ علـى العِيسِ فِـي آبـاطِها عَرَقٌ يَبْسُ بأنَّ السُّلامَى الّذِي بِضَرِيّةٍ أمِيرَ الـحِمَى قدْ بَـاعَ حَقِّـي بنـي عَبْسِ بِثَوْبٍ وَدِينارٍ وَشاةٍ ودِرْهَمٍ فَهْل هُوَ مَرْفُوعٌ بِـما هَهُنَا رأسُ

فأولـيت «هل» لطلبها الاسم العماد.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِـي الـحَيَاةِ الدُّنْـيَا}.

يعنـي بقوله جل ثناؤه: {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ} فلـيس لـمن قتل منكم قتـيلاً فكفر بقتله إياه بنقض عهد الله الذي حكم به علـيه فـي التوراة، وأخرج منكم فريقا من ديارهم مظاهراً علـيهم أعداءهم من أهل الشرك ظلـماً وعدواناً وخلافـاً لـما أمره الله به فـي كتابه الذي أنزله إلـى موسى، جزاء يعنـي بـالـجزاء: الثواب وهو العوض مـما فعل من ذلك والأجر علـيه، {إِلاَّ خِزْيٌ فِـي الـحَيَاةِ الدُّنْـيَا} والـخِزْي الذلّ والصغار، يقال منه: «خَزِي» الرجل يَخْزَى خِزْياً». {فِـي الـحياة الدنـيا}، يعنـي فـي عاجل الدنـيا قبل الآخرة.

ثم اختلف فـي الـخزي الذي أخزاهم الله بـما سلف من معصيتهم إياه.

فقال بعضهم: ذلك هو حكم الله الذي أنزله إلـى نبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم من أخذ القاتل بـمن قتل والقَوَد به قصاصاً، والانتقام للـمظلوم من الظالـم.

وقال آخرون: بل ذلك هو أخذ الـجزية منهم ما أقاموا علـى دينهم ذلة لهم وصَغَاراً.

وقال آخرون: بل ذلك الـخزي الذي جَوَّزوا به فـي الدنـيا إخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم النَّضِيرَ من ديارهم لأوّل الـحشر، وقتل مقاتلة قريظة وسَبْـي ذراريهم فكان ذلك خزيا فـي الدنـيا، ولهم فـي الآخرة عذاب عظيـم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَيَوْمَ القِـيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلـى أشَدّ العَذَابِ}.

يعنـي بقوله: {وَيَوْمَ القِـيَامَةِ يُرَدُّونَ إلـى أشَدّ العَذَابِ}: ويوم تقوم الساعة يردّ من يفعل ذلك منكم بعد الـخزي الذي يحلّ به فـي الدنـيا جزاءً علـى معصية الله إلـى أشدِّ العذاب الذي أعدّ الله لأعدائه.

وقد قال بعضهم: معنى ذلك: {وَيَوْمَ القِـيَامَةِ يُرَدُّونَ إلـى أشَدّ العَذَابِ} من عذاب الدنـيا. ولا معنى لقول قائل ذلك. ذلك بأن الله جل ثناؤه إنـما أخبر أنهم يردّون إلـى أشدّ معانـي العذاب ولذلك أدخـل فـيه الألف واللام، لأنه عنى به جنس العذاب كله دون نوع منه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ}.

اختلف القراء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: «وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ» بـالـياء علـى وجه الإخبـار عنهم، فكأنهم نَـحَوْا بقراءتهم معنى «فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذلكَ مِنْكُمْ إلاَّ خِزْيٌ فِـي الـحَياةِ الدُّنْـيا ويَوْمَ القِـيامَةِ يُرَدُّونَ إلـى أشَدّ العَذَابِ وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ» يعنـي عما يعمله الذين أخبر الله عنهم أنه لـيس لهم جزاء علـى فعلهم إلا الـخزي فـي الـحياة الدنـيا، ومرجعهم فـي الآخرة إلـى أشدّ العذاب.

وقرأه آخرون: {وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ} بـالتاء علـى وجه الـمخاطبة قال: فكأنهم نَـحَوْا بقراءتهم: {أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضِ... وَما اللَّهُ بِغافِلٍ} يا معشر الـيهود {عَمّا تَعْمَلُونَ} أنتـم.

وأعجب القراءتـين إلـيّ قراءة من قرأ بـالـياء إتبـاعا لقوله: {فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلكَ مِنْكُمْ} ولقوله: {وَيَوْمَ القِـيامَةِ يُرَدُّونَ} لأن قوله: «وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ» إلـى ذلك أقرب منه إلـى قوله: {أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وَتَكْفُرُون بِبَعْضٍ} فإتبـاعه الأقرب إلـيه أولـى من إلـحاقه بـالأبعد منه. والوجه الآخر غير بعيد من الصواب. وتأويـل قوله: وما الله بساه عن أعمالهم الـخبـيثة، بل هو مُـحْصٍ لها وحافظها علـيهم حتـى يجازيهم بها فـي الآخرة ويخزيهم فـي الدنـيا فـيذلهم ويفضحهم.

الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ