انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة البقرة

تفسير الطبريالآيات 3–8

تفسير سورة البقرة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة البقرة

الخلاصة من تفسير الطبري · 20 مقطعًا · 5:38:46

  1. 1 الآيات 1–25في هذه الصفحة 22:11

التفسير الصوتي لسورة البقرة كاملًا (20 مقطعًا)

ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ ۝٣

حدثنا مـحمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا سلـمة بن الفضل، عن مـحمد بن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس:{ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} قال: يصدقون.

حدثنـي يحيى بن عثمان بن صالـح السهمي، قال: حدثنا أبو صالـح، قال: حدثنـي معاوية بن صالـح عن علـيّ إبن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس:{يُؤْمِنُونَ} يصدّقون.

حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال: حدثنا إسحاق بن الـحجاج، قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع:{يُؤْمِنُونَ} يخشون.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى الصنعانـي، قال: حدثنا مـحمد بن ثور عن معمر، قال: قال الزهري: الإيـمان: العمل.

وحدثت عن عمار بن الـحسن، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر عن أبـيه عن العلاء بن الـمسيب بن رافع، عن أبـي إسحاق، عن أبـي الأحوص عن عبد الله، قال: الإيـمان: التصديق.

ومعنى الإيـمان عند العرب: التصديق، فـيُدْعَى الـمصدّق بـالشيء قولاً مؤمناً به، ويُدْعَى الـمصدّق قوله بفعله مؤمناً. ومن ذلك قول الله جل ثناؤه:

{ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ }[يوسف: 17] يعنـي: وما أنت بـمصدق لنا فـي قولنا. وقد تدخـل الـخشية لله فـي معنى الإيـمان الذي هو تصديق القول بـالعمل. والإيـمان كلـمة جامعة للإقرار بـالله وكتبه ورسله، وتصديق الإقرار بـالفعل. وإذا كان ذلك كذلك، فـالذي هو أولـى بتأويـل الآية وأشبه بصفة القوم: أن يكونوا موصوفـين بـالتصديق بـالغيب، قولاً، واعتقاداً، وعملاً، إذ كان جل ثناؤه لـم يحصرهم من معنى الإيـمان علـى معنى دون معنى، بل أجمل وصفهم به من غير خصوص شيء من معانـية أخرجه من صفتهم بخبر ولا عقل. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {بـالغَيْبِ}.

حدثنا مـحمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا سلـمة بن الفضل، عن مـحمد بن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد، مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: بـالغيب قال: بـما جاء به، يعنـي من الله جل ثناؤه.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة الهمدانـي، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـيصلى الله عليه وسلم: بـالغيب أما الغيب: فما غاب عن العبـاد من أمر الـجنة وأمر النار، وما ذكر الله تبـارك وتعالـى فـي القرآن. لـم يكن تصديقهم بذلك يعنـي الـمؤمنـين من العرب من قِبَلِ أصل كتاب أو علـم كان عندهم.

حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: حدثنا سفـيان عن عاصم، عن زر، قال: الغيب: القرآن.

حدثنا بشر بن معاذ العقدي، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبـي عروبة، عن قتادة فـي قوله: {يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} قال: آمنوا بـالـجنة والنار والبعث بعد الـموت وبـيوم القـيامة، وكل هذا غيب.

حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس:{يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ}: آمنوا بـالله وملائكته ورسله والـيوم الآخر وجنته وناره ولقائه، وآمنوا بـالـحياة بعد الـموت، فهذا كله غيب. وأصل الغيب: كل ما غاب عنك من شيء، وهو من قولك: غاب فلان يغيب غيبـاً.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي أعيان القوم الذين أنزل الله جل ثناؤه هاتـين الآيتـين من أول هذه السورة فـيهم، وفـي نعتهم وصفتهم التـي وصفهم بها من إيـمانهم بـالغيب، وسائر الـمعانـي التـي حوتها الآيتان من صفـاتهم غيره. فقال بعضهم: هم مؤمنوا العرب خاصة، دون غيرهم من مؤمنـي أهل الكتاب. واستدلوا علـى صحة قولهم ذلك وحقـيقة تأويـلهم بـالآية التـي تتلو هاتـين الآيتـين، وهو قول الله عز وجل:

{ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ }[البقرة: 4] قالوا: فلـم يكن للعرب كتاب قبل الكتاب الذي أنزله الله عز وجل علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم تدين بتصديقه والإقرار والعمل به، وإنـما كان الكتاب لأهل الكتابـين غيرها. قالوا: فلـما قص الله عز وجل نبأ الذين يؤمنون بـما أنزل إلـى مـحمد وما أنزل من قبله بعد اقتصاصه نبأ الـمؤمنـين بـالغيب، علـمنا أن كل صنف منهم غير الصنف الآخر، وأن الـمؤْمنـين بـالغيب نوع غير النوع الـمصدّق بـالكتابـين اللذين أحدهما منزل علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم، والآخر منهما علـى من قبله من رسل الله تعالـى ذكره. قالوا: وإذا كان ذلك كذلك صح ما قلنا من أن تأويـل قول الله تعالـى: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ } إنـما هم الذين يؤمنون بـما غاب عنهم من الـجنة والنار والثواب والعقاب والبعث، والتصديق بـالله وملائكته وكتبه ورسله وجميع ما كانت العرب لا تدين به فـي جاهلـيتها، بـما أوجب الله جل ثناؤه علـى عبـاده الدينونة به دون غيرهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس وعن مرة الهمدانـي، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم أما: رالذين يؤمنون بـالغيب } فهم الـمؤمنون من العرب، {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ} أما الغيب: فما غاب عن العبـاد من أمر الـجنة والنار، وما ذكر الله فـي القرآن. لـم يكن تصديقهم بذلك من قِبَلِ أصلِ كتابٍ أو علـم كان عندهم.

{ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلأْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } } [البقرة: 4] هؤلاء الـمؤمنون من أهل الكتاب.

وقال بعضهم: بل نزلت هذه الآيات الأربع فـي مؤمنـي أهل الكتاب خاصة، لإيـمانهم بـالقرآن عند إخبـار الله جل ثناؤه إياهم فـيه عن الغيوب التـي كانوا يخفونها بـينهم ويسرّونها، فعلـموا عند إظهار الله جل ثناؤه نبـيه صلى الله عليه وسلم علـى ذلك منهم فـي تنزيـله أنه من عند الله جل وعز، فآمنوا بـالنبـي صلى الله عليه وسلم وصدقوا بـالقرآن وما فـيه من الإخبـار عن الغيوب التـي لا علـم لهم بها لـما استقرّ عندهم بـالـحجة التـي احتـجّ الله تبـارك وتعالـى بها علـيهم فـي كتابه، من الإخبـار فـيه عما كانوا يكتـمونه من ضمائرهم أن جميع ذلك من عند الله.

وقال بعضهم: بل الآيات الأربع من أول هذه السورة أنزلت علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم بوصف جميع الـمؤمنـين الذين ذلك صفتهم من العرب والعجم وأهل الكتابـين و سواهم، وإنـما هذه صفة صنف من الناس، والـمؤمن بـما أنزل الله علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل من قبله هو الـمؤمن بـالغيب. قالوا: وإنـما وصفهم الله بـالإيـمان بـما أنزل إلـى مـحمد وبـما أنزل إلـى من قبله بعد تَقَضِّي وصفه إياهم بـالإيـمان بـالغيب لأن وصفه إياهم بـما وصفهم به من الإيـمان بـالغيب كان معنـياً به أنهم يؤمنون بـالـجنة والنار والبعث، وسائر الأمور التـي كلفهم الله جل ثناؤه بـالإيـمان بها مـما لـم يروه ولـم يأت بَعْدُ مـما هو آت، دون الإخبـار عنهم أنهم يؤمنون بـما جاء به مـحمد صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الرسل والكتب. قالوا: فلـما كان معنى قوله:

{ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ }[البقرة: 4]غير موجود فـي قوله:{ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} كانت الـحاجة من العبـاد إلـى معرفة صفتهم بذلك لـيعرفوهم نظير حاجتهم إلـى معرفتهم بـالصفة التـي وصفوا بها من إيـمانهم بـالغيب لـيعلـموا ما يرضي الله من أفعال عبـاده، ويحبه من صفـاتهم، فـيكونوا به إن وفقهم له ربهم. مؤمنـين. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو بن العبـاس البـاهلـي، قال: حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخـلد، قال: حدثنا عيسى بن ميـمون الـمكي، قال: حدثنا عبد الله بن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: أربع آيات من سورة البقرة فـي نعت الـمؤمنـين وآيتان فـي نعت الكافرين وثلاث عشرة فـي الـمنافقـين.

حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: حدثنا أبـي عن سفـيان، عن رجل، عن مـجاهد بـمثله.

وحدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال حدثنا موسى بن مسعود، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد مثله.

وحدثت عن عمار بن الـحسن، قال: حدثنا عبد الله إبن أبـي جعفر، عن أبـيه عن الربـيع بن أنس، قال: أربع آيات من فـاتـحة هذه السورة يعنـي سورة البقرة فـي الذين آمنوا، وآيتان فـي قادة الأحزاب.

وأولـى القولـين عندي بـالصواب وأشبههما بتأويـل الكتاب، القول الأول، وهو: أن الذين وصفهم الله تعالـى ذكره بـالإيـمان بـالغيب، وما وصفهم به جل ثناؤه فـي الآيتـين الأوَّلَتـين غير الذين وصفهم بـالإيـمان بـالذي أنزل علـى مـحمد والذي أنزل إلـى من قبله من الرسل لـما ذكرت من العلل قبل لـمن قال ذلك، ومـما يدل أيضاً مع ذلك علـى صحة هذا القول إنه جَنَّسَ بعد وصف الـمؤمنـين بـالصفتـين اللتـين وصف، وبعد تصنـيفه كل صنف منهما علـى ما صنف الكفـار جِنْسَين، فجعل أحدهما مطبوعاً علـى قلبه مختوماً علـيه مأيوساً من إيـمانه، والآخر منافقاً يرائي بإظهار الإيـمان فـي الظاهر، ويستسرّ النفـاق فـي البـاطن، فصير الكفـار جنسين كما صير الـمؤمنـين فـي أول السورة جنسين. ثم عرّف عبـاده نعت كل صنف منهم وصفتهم وما أعدّ لكل فريق منهم من ثواب أو عقاب، وذمّ أهل الذمّ منهم، وشكر سعي أهل الطاعة منهم. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَيُقِيمُونَ}.

إقامتها: أداؤها بحدودها وفروضها والواجب فـيها علـى ما فُرضت علـيه، كما يقال: أقام القوم سوقهم، إذا لـم يعطلوها من البـيع والشراء فـيها، وكما قال الشاعر:

أقَمْنا لأِهْلِ العِرَاقَـيْنِ سُوقَ الضِرابِ فخاسُوا ووَلَّوْا جَمِيعَا

وكما حدثنا مـحمد بن حميد، قال: حدثنا سلـمة بن الفضل، عن مـحمد بن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس:{{وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ} قال: الذين يقـيـمون الصلاة بفروضها.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد عن بشر بن عمار، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ} قال: إقامة الصلاة: تـمام الركوع والسجود والتلاوة والـخشوع والإقبـال علـيها فـيها.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ٱلصَّلَوٰةَ }.

حدثنـي يحيى بن أبـي طالب، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا جويبر عن الضحاك فـي قوله: { الَّذِينَ يُقِـيـمُونَ الصَّلاةَ } يعنـي الصلاة الـمفروضة.

وأما الصلاة فـي كلام العرب فإنها الدعاء كما قال الأعشى:

لَهَا حَارِسٌ لا يَبْرَحُ الدَّهْرَ بَـيْتَهَاوَإنْ ذُبِحَتْ صَلَّـى عَلَـيْهَا وَزَمْزَما

يعنـي بذلك: دعا لها، وكقول الآخر أيضاً:

وَقابَلَها الرِّيحَ فـي دَنِّهاوَصَلَّـى علـى دَنِّها وَارْتَسَمَ

وأرى أن الصلاة الـمفروضة سميت صلاة لأن الـمصلـي متعرّض لاستنـجاح طلبته من ثواب الله بعمله مع ما يسأل ربه فـيها من حاجاته تعرض الداعي بدعائه ربه استنـجاح حاجاته وسؤله. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ}.

اختلف الـمفسرون فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم بـما:

حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ} قال: يؤتون الزكاة احتسابـاً بها.

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالـح، عن معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس:{وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ} قال: زكاة أموالهم.

حدثنـي يحيى بن أبـي طالب، قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر عن الضحاك: {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ} قال: كانت النفقات قربـات يتقرّبون بها إلـى الله علـى قدر ميسورهم وجهدهم، حتـى نزلت فرائض الصدقات سبع آيات فـي سورة براءة، مـما يذكر فـيهن الصدقات، هن الـمثبتات الناسخات.

وقال بعضهم بـما:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة الهمدانـي، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم: {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ} هي نفقة الرجل علـى أهله، وهذا قبل أن تنزل الزكاة.

وأولـى التأويلات بـالآية وأحقها بصفة القوم أن يكونوا كانوا لـجميع اللازم لهم فـي أموالهم، مؤدين زكاة كان ذلك أو نفقة من لزمته نفقته من أهل وعيال وغيرهم، مـمن تـجب علـيهم نفقته بـالقرابة والـملك وغير ذلك لأن الله جل ثناؤه عمّ وصفهم، إذ وصفهم بـالإنفـاق مـما رزقهم، فمدحهم بذلك من صفتهم، فكان معلوماً أنه إذ لـم يخصص مدحهم ووصفهم بنوع من النفقات الـمـحمود علـيها صاحبها دون نوع بخبر ولا غيره أنهم موصوفون بجميع معانـي النفقات الـمـحمود علـيها صاحبها من طيب ما رزقهم ربهم من أموالهم وأملاكهم، وذلك الـحلال منه الذي لـم يشبه حرام.

وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ۝٤

قد مضى البـيان عن الـمنعوتـين بهذا النعت، وأيّ أجناس الناس هم. غير أنا نذكر ما روي فـي ذلك عمن روي عنه فـي تأويـله قوله:

فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } أي يصدقونك بـما جئت به من الله جل وعز، وما جاء به من قبلك من الـمرسلـين، لا يفرقون بـينهم ولا يجحدون ما جاءوهم به من عند ربهم.

حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح عن ابن عبـاس، وعن مرة الهمدانـي، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم:{ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـمَا أُنْزِلَ إِلَـيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبـالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} هؤلاء الـمؤمنون من أهل الكتاب. القول فـي تأويـل قوله تعالـى:

{ وبـالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}.

قال أبو جعفر: أما الآخرة، فإنها صفة للدار، كما قال جل ثناؤه:

{ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }[العنكبوت: 64] وإنـما وصفت بذلك لـمصيرها آخرة لأولـى كانت قبلها كما تقول للرجل: أنعمت علـيك مرة بعد أخرى فلـم تشكر لـي الأولـى ولا الآخرة. وإنـما صارت الآخرة آخرة للأولـى، لتقدم الأولـى أمامها، فكذلك الدار الآخرة سميت آخرة لتقدم الدار الأولـى أمامها، فصارت التالـية لها آخرة. وقد يجوز أن تكون سميت آخرة لتأخرها عن الـخـلق، كما سميت الدنـيا دنـيا لدنوّها من الـخـلق. وأما الذي وصف الله جل ثناؤه به الـمؤمنـين بـما أنزل إلـى نبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم، وما أنزل إلـى من قبله من الـمرسلـين من إيقانهم به من أمر الآخرة، فهو إيقانهم بـما كان الـمشركون به جاحدين، من البعث والنشر والثواب والعقاب والـحساب والـميزان، وغير ذلك مـما أعدّ الله لـخـلقه يوم القـيامة. كما:

حدثنا به مـحمد بن حميد، قال: حدثنا سلـمة عن مـحمد بن إسحاق عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس:{ وبـالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} أي بـالبعث والقـيامة والـجنة والنار والـحساب والـميزان، أي لا هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بـما كان قبلك، ويكفرون بـما جاءك من ربك.

وهذا التأويـل من ابن عبـاس قد صرّح عن أن السورة من أولها وإن كانت الآيات التـي فـي أولها من نعت الـمؤمنـين تعريض من الله عز وجل بذم الكفـار أهل الكتاب، الذين زعموا أنهم بـما جاءت به رسل الله عز وجل الذين كانوا قبل مـحمد صلوات الله علـيهم وعلـيه مصدقون وهم بـمـحمد علـيه الصلاة والسلام مكذبون، ولـما جاء به من التنزيـل جاحدون، ويدعون مع جحودهم ذلك أنهم مهتدون وأنه لن يدخـل الـجنة إلا من كان هوداً أو نصارى. فأكذب الله جل ثناؤه ذلك من قـيـلهم بقوله: {الم ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلأْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ }. وأخبر جل ثناؤه عبـاده أن هذا الكتاب هدى لأهل الإيـمان بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وبـما جاء به الـمصدقـين بـما أنزل إلـيه وإلـى من قبله من رسله من البـينات والهدى خاصة، دون من كذب بـمـحمد صلى الله عليه وسلم وبـما جاء به، وادعى أنه مصدق بـمن قبل مـحمد علـيه الصلاة والسلام من الرسل وبـما جاء به من الكتب. ثم أكد جل ثناؤه أمر الـمؤمنـين من العرب ومن أهل الكتاب الـمصدقـين بـمـحمد علـيه الصلاة والسلام وبـما أُنزل إلـيه وإلـى من قبله من الرسل بقوله:

{ أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مّن رَّبّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ }[البقرة: 5] فأخبر أنهم هم أهل الهدى والفلاح خاصة دون غيرهم، وأن غيرهم هم أهل الضلال والـخسار.

أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ۝٥

اختلف أهل التأويـل فـيـمن عنى الله جل ثناؤه بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} فقال بعضهم: عَنَى بذلك أهل الصفتـين الـمتقدمتـين، أعنـي الـمؤمنـين بـالغيب من العرب والـمؤمنـين بـما أنزل إلـى مـحمد صلى الله عليه وسلم وإلـى من قبله من الرسل، وإياهم جميعاً وصف بأنهم علـى هدى منهم وأنهم هم الـمفلـحون. ذكر من قال ذلك من أهل التأويـل:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة الهمدانـي، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: أما الذين يؤمنون بـالغيب، فهم الـمؤمنون من العرب، والذين يؤمنون بـما أنزل إلـيك: الـمؤمنون من أهل الكتاب. ثم جمع الفريقـين فقال: {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}.

وقال بعضهم: بل عَنَى بذلك الـمتقـين الذين يؤمنون بـالغيب وهم الذين يؤمنون بـما أنزل إلـى مـحمد، وبـما أنزل إلـى من قبله من الرسل.

وقال آخرون: بل عَنَى بذلك الذي يؤمنون بـما أنزل إلـى مـحمد صلى الله عليه وسلم، وبـما أنزل إلـى من قبله من الرسل.

وقال آخرون: بل عَنَى بذلك الذين يؤمنون بـما أنزل إلـى مـحمد صلى الله عليه وسلم، وبـما أنزل إلـى من قبله، وهم مؤمنوا أهل الكتاب الذين صدقوا بـمـحمد صلى الله عليه وسلم وبـما جاء به، وكانوا مؤمنـين من قبلُ بسائر الأنبـياء والكتب.

وعلـى هذا التأويـل الآخر، يحتـمل أن يكون:{ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ} فـي مـحل خفض، ومـحل رفع فأما الرفع فـيه فإنه يأتـيها من وجهين: أحدهما من قبل العطف علـى ما فـي{يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} من ذكر «الذين». والثانـي: أن يكون خبر مبتدأ، ويكون:{أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} مرافعها. وأما الـخفض فعلـى العطف علـى {الْـمُتَّقِـينَ}. وإذا كانت معطوفة علـى «الذين» اتـجه لها وجهان من الـمعنى، أحدهما: أن تكون هي «والذين» الأولـى من صفة الـمتقـين، وذلك علـى تأويـل من رأى أن الآيات الأربع بعد {الـم} نزلت فـي صنف واحد من أصناف الـمؤمنـين. والوجه الثانـي: أن تكون «الذين» الثانـية معطوفة فـي الإعراب علـى «الـمتقـين» بـمعنى الـخفض، وهم فـي الـمعنى صنف غير الصنف الأول. وذلك علـى مذهب من رأى أن الذين نزلت فـيهم الآيتان الأوَّلتان من الـمؤمنـين بعد قوله {الـم} غير الذين نزلت فـيهم الآيتان الآخرتان اللتان تلـيان الأوّلتـين. وقد يحتـمل أن تكون «الذين» الثانـية مرفوعة فـي هذا الوجه بـمعنى الاستئناف، إذ كانت مبتدأ بها بعد تـمام آية وانقضاء قصة. وقد يجوز الرفع فـيها أيضاً بنـية الاستئناف إذ كانت فـي مبتدأ آية وإن كانت من صفة الـمتقـين. فـالرفع إذا يصح فـيها من أربعة أوجه، والـخفض من وجهين.

وأولـى التأويلات عندي بقوله:{أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} ما ذكرت من قول ابن مسعود وابن عبـاس، وأن تكون «أولئك» إشارة إلـى الفريقـين، أعنـي الـمتقـين{ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـمَا أُنْزِلَ إِلَـيْكَ}، وتكون «أولئك» مرفوعة بـالعائد من ذكرهم فـي قوله: {عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} وأن تكون «الذين» الثانـية معطوفة علـى ما قبل من الكلام علـى ما قد بـيناه.

وإنـما رأينا أن ذلك أولـى التأويلات بـالآية، لأن الله جل ثناؤه نعت الفريقـين بنعتهم الـمـحمود ثم أثنى علـيهم فلـم يكن عزّ وجل لـيخص أحد الفريقـين بـالثناء مع تساويهما فـيـما استـحقا به الثناء من الصفـات، كما غير جائز فـي عدله أن يتساويا فـيـما يتسحقان به الـجزاء من الأعمال فـيخص أحدهما بـالـجزاء دون الآخر ويحرم الآخر جزاء عمله، فكذلك سبـيـل الثناء بـالأعمال لأن الثناء أحد أقسام الـجزاء. وأما معنى قوله:{أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} فإن معنى ذلك أنهم علـى نور من ربهم وبرهان واستقامة وسداد بتسديد الله إياهم وتوفـيقه لهم كما:

حدثنـي ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة بن الفضل، عن مـحمد بن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} أي علـى نور من ربهم، واستقامة علـى ما جاءهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}.

وتأويـل قوله:{وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي أولئك هم الـمُنْـجِحُون الـمدركون ما طلبوا عند الله تعالـى ذكره بأعمالهم وإيـمانهم بـالله وكتبه ورسله، من الفوز بـالثواب، والـخـلود فـي الـجنان، والنـجاة مـما أعد الله تبـارك وتعالـى لأعدائه من العقاب. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة. قال: حدثنا ابن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي الذين أدركوا ما طلبوا، ونـجوا من شرّ ما منه هربوا. ومن الدلالة علـى أن أحد معانـي الفلاح إدراك الطلبة والظفر بـالـحاجة، قول لبـيد بن ربـيعة:

اعْقِلِـي إنْ كُنْتِ لَـمَّا تَعْقِلِـيولَقَدْ أفْلَـحَ مَنْ كانَ عَقَلْ

يعنـي ظفر بحاجته وأصاب خيراً. ومنه قول الراجز:

عَدِمْتُ أُمّا وَلَدَتْ رَبـاحاجاءَتْ بِهِ مُفَرْكَحاً فِرْكَاحَا تَـحْسَبُ أنْ قَدْ وَلَدَتْ نَـجاحاأشْهَدُ لاَ يَزِيدُهَا فَلاحا

يعنـي خيراً وقربـاً من حاجتها. والفلاح: مصدر من قولك: أفلـح فلان يُفلـح إفلاحاً، وفلاحاً، وفَلَـحاً. والفلاح أيضاً البقاء، ومنه قول لبـيد:

نـحُلُّ بلاداً كُلَّها حُلَّ قَبْلَنَاوَنَرْجُو الفَلاَحَ بَعْدَ عادٍ وحِمْيَرِ

يريد البقاء. ومنه أيضاً قول عَبـيد:

أفْلِـحْ بـما شِئْتَ فَقَدْ يَبْلُعُ بـالضَّريعْفِ وَقَدْ يُخْدَعُ الأرِيبُ

يريد: عش وابق بـما شئت. وكذلك قول نابغة بنـي ذبـيان:

وكُلُّ فَتًـى سَتَشْعَبُهُ شَعُوبٌوَإنْ أثْرَى وَإنْ لاقـى فَلاحا

أي نـجاحاً بحاجته وبقاءً.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ۝٦

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (*) اختلف أهل التأويـل فـيـمن عنى بهذه الآية، وفـيـمن نزلت، فكان ابن عبـاس يقول، كما:

حدثنا به مـحمد بن حميد، قال: حدثنا سلـمة بن الفضل، عن مـحمد بن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي بـما أنزل إلـيك من ربك، وإن قالوا إنا قد آمنا بـما قد جاءنا من قبلك. وكان ابن عبـاس يرى أن هذه الآية، نزلت فـي الـيهود الذين كانوا بنواحي الـمدينة علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم توبـيخاً لهم فـي جحودهم نبوّة مـحمد صلى الله عليه وسلم، وتكذيبهم به، مع علـمهم به ومعرفتهم بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلـيهم وإلـى الناس كافة.

حدثناابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن اسحاق عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ان صدر سورة البقرة إلى المائة منها نزل في رجال سماهم بأعيانهم وأنسابهم من أحبار يهود ومن المنافقين من الأوس والخزرج كرهنا تطويل الكتاب بذكر أسمائهم

وقد روى عن ابن عباس في تأويل ذلك قول آخر وهو: ما حدثنا به المثنى بن ابراهيم قال حدثنا عبد الله ابن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على أن يؤمن جميع الناس، ويتابعوه على الهدى فأخبره الله جل ثناؤه أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الاول ولا يضل الا من سبق الله الشقاء في الذكر الاول

وقال آخرون بما حدثت به عن عمار بن الحسن قال حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع بن أنس قال آيتان في قادة الاحزاب {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} إلى قوله {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} قال وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار قال فهم الذين قتلوا يوم بدر

وأولى هذه التأويلات بالآية تأويل ابن عباس الذي ذكره محمد بن أبي محمد،عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عنه، وإن كان لكل قول مما قاله الذين ذكرنا قولهم في ذلك مذهب من تأول في ذلك ما قاله الربيع بن أنس فهو أن الله تعالى ذكره لما أخبر عن قوم من أهل الكفر بأنهم لا يؤمنون، وأن الانذار غير نافعهم، ثم كان من الكفار من قد نفعه الله بإنذار النبي صلى الله عليه وسلم اياه لايمانه بالله وبالنبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله بعد نزول هذه السورة، لم يجز أن تكون الآية نزلت إلا في خاص من الكفار. وإذ كان ذلك كذلك وكانت قادة الاحزاب لا شك أنهم ممن لم ينفعه الله عز وجل بإنذار النبي صلى الله عليه وسلم اياه حتى قتلهم الله تبارك وتعالى بأيدي المؤمنين يوم بدر، علم أنهم ممن عنى الله جل ثناؤه بهذه الآية وأما علتنا في اختيارنا ما اخترنا من التأويل في ذلك، فهي أن قول الله جل ثناؤه {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} عقيب خبر الله جل ثناؤه عن مؤمني أهل الكتاب، وعقيب نعتهم، وصفتهم وثنائه عليهم بإيمانهم به وبكتبه ورسله؛ فأولى الامور بحكمة أن يتلى ذلك الخبر عن كفارهم ونعوتهم وذم أسبابهم وأحوالهم واظهار شتمهم والبراءة منهم لأن مؤمنيهم ومشركيهم وإن اختلفت أحوالهم باختلاف أديانهم، فإن الجنس يجمع جميعهم بأنهم بنو اسرائيل.

وإنما احتج الله جل ثناؤه بأول هذه السورة لنبيه صلى الله عليه وسلم على مشركي اليهود من أحبار بني اسرائيل الذين كانوا مع علمهم بنبوته منكرين نبوته بإظهار نبيه صلى الله عليه وسلم على ما كانت تسره الاحبار منهم وتكتمه فيجهله عظم اليهود وتعلمه الاحبار منهم ليعلموا ان الذي أطلعه على علم ذلك هو الذي أنزل الكتاب على موسى، اذ كان ذلك من الامور التي لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم ولا قومه ولا عشيرته يعلمونه ولا يعرفونه من قبل نزول الفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم، فيمكنهم ادعاء البس في أمره عليه السلام أنه نبي، وأن ما جاء به من عند الله وأنى يمكنهم ادعاء اللبس في صدق أمي نشأ بين أميين لا يكتب، ولا يقرأ، ولا يحسب، فيقال: قرأ الكتب فعلم أو حسب فنجم، وانبعث على أحبار قرّاء كتب، قد درسوا الكتب ورأسوا الأمم يخبرهم عن مستور عيوبهم، ومصون علومهم، ومكتوم أخبارهم، وخفيات أمورهم التي جهلها من هو دونهم من أحبارهم؟! ان أمرمن كان كذلك لغير مشكل، وأن صدقه لبين.

ومما ينبىء عن صحة ما قلنا من ان الذين عنى الله تعالى ذكره بقوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} هم أحبار اليهود الذين قتلوا على الكفر وماتوا عليه اقتصاص الله تعالى ذكرنبأهم وتذكيره إياهم ما أخذ عليهم من العهود،والمواثيق من أمر محمد صلى الله عليه وسلم بعد اقتصاصه تعالى ذكره ما اقتص من أمر المنافقين واعتراضه بين ذلك بما اعترض به من الخبر عن ابليس وآدم في قوله:

{ ٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ }[البقرة: 40] الآيات واحتجاجه لنبيه عليهم بما احتج عليهم فيها بعد جحودهم نبوّته، فإذا كان الخبر أولا عن مؤمني أهل الكتاب وآخر عن مشركيهم، فأولى أن يكون وسطاً عنهم، إذ كان الكلام بعضه لبعض تبع،الا أن تأتيهم دلالة واضحة بعدول بعض ذلك عما ابتدىء به من معانيه، فيكون معروفا حينئذ انصرافه عنه.

وأما معنى الكفر في قوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} فإنه الجحود، وذلك ان الاحبار من يهود المدينة جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وستروه عن الناس وكتموا أمره، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وأصل الكفر عند العرب تغطية الشيء، ولذلك سمو الليل كافر التغطية ظلمته ما لبسته، كما قال الشاعر

فتذكرا ثقلا رثيدا بعدماألقت ذكاء يمينها في كافر

وقال لبيد بن ربيعة

في ليلة كفر النجوم غمامها

يعني عطاها فكذلك الاحبار من اليهود غطوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وكتموه الناس مع علمهم بنبوته ووجودهم صفته في كتبهم،فقال الله جل ثناؤه فيهم { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ }[البقرة: 159] وهم الذين أنزل الله عز وجل فيهم {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}. القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}

وتأويل سواء معتدل مأخوذ من التساوي، كقولك متساو هذان الامران عندي، وهما عندي سواء:أي هما متعادلان عندي. ومنه قول الله جل ثناؤه "فانبذ اليهم على سواء"، يعني أعلمهم وآذنهم بالحرب، حتى يستوي علمك وعلمهم بما عليه كل فريق منهم للفريق الآخر، فكذلك قوله: {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ} معتدل عندهم أي الامرين كان منك اليهم الإنذارأم ترك الإنذار لأنهم كانوا لا يؤمنون، وقد ختمت على قلوبهم وسمعهم، ومن ذلك قول عبد الله بن قيس الرقيات:

تغذ بي الشهباء نحو ابن جعفرسواء عليها ليلها ونهارها

يعني بذلك معتدل عندها في السير الليل والنهار، لأنه لا فتور فيه. ومنه قول الآخر:

وليل يقول المرء من ظلماتهسواء صحيحات العيون وعورها

لأن الصحيح لا يبصر فيه إلا بصرا ضعيفا من ظلمته.

وأما قوله {ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} فإنه ظهر به الكلام ظهور الاستفهام وهو خبر لأنه وقع موقع أي، كما تقول لا نبالي أقمت أم قعدت، وأنت مخبر لا مستفهم لوقوع ذلك موقع أي،وذلك أن معناه إذا قلت ذلك ما نبالي أي هذين كان منك، فكذلك ذلك في قوله {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} لما كان معنى الكلام: سواء عليهم أي هذين كان منك اليهم حسن في موضعه مع سواء أفعلت أم لم تفعل، وقد كان بعض نحوبي البصرة يزعم أن حرف الاستفهام إنما دخل مع سواه وليس باستفهام، لأن المستفهم إذا استفهم غيره فقال: أزيد عندك أم عمرو ومستثبت صاحبه أيهما عنده فليس أحدهما أحق بالاستفهام من الآخر، فلما كان قوله: {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} بمعنى التسوية أشبه ذلك الاستفهام إذ ؤشبهه في التسوية،وقد بينا الصواب في ذلك، فتأويل الكلام إذا معتدل يا محمد على هؤلاء الذين جحدوا نبوتك من أحبار يهود المدينة بعد علمهم بها،وكتموا بيان أمرك للناس بأنك رسولي إلى خلقي، وقد أخذت عليهم العهد والميثاق أن لا يكتموا ذلك وأن يبينوه للناس ويخبروهم أنهم يجدون صفتك في كتبهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم فأنهم لا يؤمنون ولا يرجعون إلى الحق ولا يصدقون بك وبما جئتهم به. كما:

حدثنا محمد بن حميد، قال:حدثنا سلمة بن الفضل،عن محمد بن إسحاق،عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت،عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي إنهم قد كفروا بما عندهم من العلم من ذكر وجحد، ما أخذ عليهم من اليثاق لك فقد كفروا بما جاءك وبما عندهم مما جاءهم به غيرك،فكيف يسمعون منك إنذار وتحذيرا وقد كفروا بما عندهم من علمك.

خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰٓ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَٰوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝٧

القول في تأويل قوله جل ثناؤه {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} وأصل الختم الطبع، والخاتم: هو الطابع، يقال: منه ختمت الكتاب: إذا طبعته،

فإن قال لنا قائل: وكيف يختم على القلوب،وإنما الختم طبع على الأوعية والظروف والغلف؟ قيل: فإن قلوب العباد أوعية لما أودعت من العلوم وظروف لما جعل فيها من المعارف بالأمور، فمعنى الختم عليها وعلى الاسماع التي بها تدرك المسموعات، ومن قبلها يوصل إلى معرفة حقائق الأنباء،عن المغيبات نظير معنى الختم،على سائر الأوعية والظروف.

فإن قال: فهل لذلك من صفة تصفها لنا فنفهمها؟ أهي مثل الختم الذي يعرف لما ظهر للأبصار، أم هي بخلاف ذلك؟ قيل: قد اختلف أهل التأويل في صفة ذلك، وسنخبر بصفته بعد ذكرنا قولهم.

فحدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملى،قال: حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش قال أرانا مجاهد بيده فقال كانوا يرون أن القلب في مثل هذا يعني الكف فإذا أذنب العبد ذنبا ضم منه وقال بإصبعه الخنصر هكذا فإذا أذنب ضم وقال بإصبع أخرى فإذا أذنب ضم وقال باصبع أخرى هكذا حتى ضم اصابعه كلها قال ثم يطبع عليه بطابع قال مجاهد وكانوا يرون أن ذلك الرين.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع عن الأعمش، عن مجاهد قال القلب مثل الكف، فإذا أذنب ذنبا قبض أصبعا حتى يقبض أصابعه كلها، وكان أصحابنا يرون أنه الران.

حدثنا القاسم بن الحسن، قال حدثنا الحسين بن داود، قال حدثني حجاج، قال حدثنا ابن جريج، قال: قال مجاهد: نبئت أن الذنوب على القلب تحف به من نواحيه حتى تلتقي عليه فالتقاؤها عليه الطبع، والطبع الختم. قال ابن جريج: الختم، ختم على القلب والسمع.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: حدثني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهد يقول: الران أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الاقفال، والإقفال أشد ذلك كله.

وقال بعضهم: إنما معنى قوله: {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ} إخبار من الله جل ثناؤه عن تكبرهم واعراضهم عن الاستماع لما دوا إليه من الحق كما يقال إن فلاناً الأصم عن هذا الكلام إذا امتنع من سماعه ورفع نفسه عن تفهمه تكبرا.

والحق في ذلك عندي ما صحّ بنظيره الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما.حدثنا به محمد بن يسار، قال حدثنا صفوان بن عيسى، قال حدثنا: ابن عجلان عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ۝٨

قال أبو جعفر: أما قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ} فإن فـي الناس وجهين: أحدهما أن يكون جمعاً لا واحد له من لفظه، وإنـما واحده إنسان وواحدته إنسانة. والوجه الآخر: أن يكون أصله «أُناس» أسقطت الهمزة منها لكثرة الكلام بها، ثم دخـلتها الألف واللام الـمعرّفتان، فأدغمت اللام التـي دخـلت مع الألف فـيها للتعريف فـي النون، كما قـيـل فـي:

{ لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي }[الكهف: 38] علـى ما قد بـينا فـي اسم الله الذي هو الله.

وقد زعم بعضهم أن الناس لغة غير أناس، وأنه سمع العرب تصغره نُوَيْس من الناس، وأن الأصل لو كان أناس لقـيـل فـي التصغير: أُنَـيْس، فردّ إلـى أصله.

وأجمع جميع أهل التأويـل علـى أن هذه الآية نزلت فـي قوم من أهل النفـاق، وأن هذه الصفة صفتهم. ذكر بعض من قال ذلك من أهل التأويـل بأسمائهم:

حدثنا مـحمد بن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} يعنـي الـمنافقـين من الأوس والـخزرج، ومن كان علـى أمرهم. وقد سُمِّي فـي حديث ابن عبـاس هذا أسماؤهم عن أبـيّ بن كعب، غير أنـي تركت تسميتهم كراهة إطالة الكتاب بذكرهم.

حدثنا الـحسين بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} حتـى بلغ:

{ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ }[البقرة: 16] قال: هذه فـي الـمنافقـين.

حدثنا مـحمد بن عمرو البـاهلـي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميـمون، قال: حدثنا عبد الله بن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: هذه الآية إلـى ثلاث عشرة فـي نعت الـمنافقـين.

حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد مثله.

حدثنا سفـيان، قال: حدثنا أبـي، عن سفـيان، عن رجل، عن مـجاهد مثله.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط عن إسماعيـل السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرّة، وعن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} هم الـمنافقون.

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق، عن ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس فـي قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} إلـى: {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ} قال: هؤلاء أهل النفـاق.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين بن داود، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج فـي قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} قال: هذا الـمنافق يخالف قولُه فعلَه وسرُّه علانـيَته، ومدخـلُه مخرجَه، ومشهدُه مغيَبه.

وتأويـل ذلك أن الله جل ثناؤه لـمَّا جمع لرسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم أمره فـي دار هجرته واستقر بها قرارُه وأظهر الله بها كلـمته، وفشا فـي دور أهلها الإسلام، وقهر بها الـمسلـمون من فـيها من أهل الشرك من عبدة الأوثان، وذلّ بها من فـيها من أهل الكتاب أظهر أحبـار يهودها لرسول الله صلى الله عليه وسلم الضغائن وأبدوا له العداوة والشنآن حسداً وبغياً إلا نفراً منهم، هداهم الله للإسلام فأسلـموا، كما قال الله جل ثناؤه:

{ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ } } [البقرة: 109] وطابقهم سرّاً علـى معاداة النبـي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وبغيهم الغوائل قومٌ من أراهط الأنصار الذين آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصروه وكانوا قد عتوا فـي شركهم وجاهلـيتهم قد سُمُّوا لنا بأسمائهم، كرهنا تطويـل الكتاب بذكر أسمائهم وأنسابهم. وظاهروهم علـى ذلك فـي خفـاء غير جهار حذار القتل علـى أنفسهم والسبـاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وركونا إلـى الـيهود، لـما هم علـيه من الشرك وسوء البصيرة بـالإسلام. فكانوا إذا لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الإيـمان به من أصحابه، قالوا لهم حذاراً علـى أنفسهم: إنا مؤمنون بـالله وبرسوله وبـالبعث، وأعطوهم بألسنتهم كلـمة الـحق لـيدرءوا عن أنفسهم حكم الله فـيـمن اعتقد ما هم علـيه مقـيـمون من الشرك لو أظهروا بألسنتهم ما هم معتقدوه من شركهم، وإذا لقوا إخوانهم من الـيهود وأهل الشرك والتكذيب بـمـحمد صلى الله عليه وسلم وبـما جاء به فخـلوا بهم، قالوا: { إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ }[البقرة: 14] فإياهم عنى جل ذكره بقوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} يعنـي بقوله تعالـى خبراً عنهم «آمّنا بـالله»: صدقنا بـالله. وقد دللنا علـى أن معنى التصديق فـيـما مضى قبل من كتابنا هذا. وقوله: {وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} يعنـي بـالبعث يوم القـيامة. وإنـما سُمِي يوم القـيامة الـيوم الآخر: لأنه آخر يوم، لا يوم بعده سواه.

فإن قال قائل: وكيف لا يكون بعده يوم، ولا انقطاع للآخرة، ولا فناء، ولا زوال؟.

قـيـل: إن الـيوم عند العرب إنـما سمي يوما بلـيـلته التـي قبله، فإذا لـم يتقدم النهار لـيـل لـم يسمّ يوماً، فـيوم القـيامة يوم لا لـيـل له بعده سوى اللـيـلة التـي قامت فـي صبـيحتها القـيامة، فذلك الـيوم هو آخر الأيام، ولذلك سماه الله جل ثناؤه: {الـيَوْم الآخر}، ونعته بـالعقـيـم، ووصفه بأنه يوم عقـيـم لأنه لا لـيـل بعده.

وأما تأويـل قوله: {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} ونفـيه عنهم جل ذكره اسم الإيـمان، وقد أخبر عنهم أنهم قد قالوا بألسنتهم آمنَّا بـالله وبـالـيوم الآخر فإن ذلك من الله جل وعز تكذيب لهم فـيـما أخبروا عن اعتقادهم من الإيـمان والإقرار بـالبعث، وإعلام منه نبـيه صلى الله عليه وسلم أن الذي يبدونه له بأفواههم خلاف ما فـي ضمائر قلوبهم، وضد ما فـي عزائم نفوسهم. وفـي هذه الآية دلالة واضحة علـى بطول ما زعمته الـجهمية من أن الإيـمان هو التصديق بـالقول دون سائر الـمعانـي غيره. وقد أخبر الله جل ثناؤه عن الذين ذكرهم فـي كتابه من أهل النفـاق أنهم قالوا بألسنتهم: { آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} ثم نفـى عنهم أن يكونوا مؤمنـين، إذ كان اعتقادهم غير مصدق قـيـلهم ذلك. وقوله: {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} يعنـي بـمصدقـين فـيـما يزعمون أنهم به مصدقون.

الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ