انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة البقرة

تفسير الطبريالآيات 103–109

تفسير سورة البقرة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة البقرة

الخلاصة من تفسير الطبري · 20 مقطعًا · 5:38:46

  1. 1 الآيات 92–105في هذه الصفحة 15:18
  2. 2 الآيات 106–123في هذه الصفحة 17:51

التفسير الصوتي لسورة البقرة كاملًا (20 مقطعًا)

وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ۝١٠٣

يعنـي جل ثناؤه بقوله: {وَلَوْ أَنّهُمْ آمَنُوا وَاتّقُوا} لو أن الذين يتعلـمون من الـملكين ما يفرّقون به بـين الـمرء وزوجه آمنوا، فصدّقوا الله ورسوله وما جاءهم به من عند ربهم، واتقوا ربهم فخافوه فخافوا عقابه، فأطاعوه بأداء فرائضه وتـجنبوا معاصيه لكان جزاء الله إياهم وثوابه لهم علـى إيـمانهم به وتقواهم إياه خيراً لهم من السحر وما اكتسبوا به لو كانوا يعلـمون أن ثواب الله إياهم علـى ذلك خير لهم من السحر ومـما اكتسبوا به. وإنـما نفـى بقوله: {لَوْ كَانُوا يَعْلَـمُونَ} العلـم عنهم أن يكونوا عالـمين بـمبلغ ثواب الله وقدر جزائه علـى طاعته.

والـمثوبة فـي كلام العرب مصدرٌ من قول القائل: أثبتك إثابةً وثوابـاً ومَثُوبة، فأصل ذلك من ثاب إلـيك الشيء بـمعنى رجع، ثم يقال: أثبته إلـيك: أي رجعته إلـيك ورددته. فكان معنى إثابة الرجل الرجل علـى الهدية وغيرها: إرجاعه إلـيها منها بدلاً، وردّه علـيه منها عوضاً. ثم جعل كلّ معوّض غيره من عمله أو هديته أويد له سلفت منه إلـيه مثـيبـاً له. ومنه ثواب الله عزّ وجل عبـاده علـى أعمالهم، بـمعنى إعطائه إياهم العوض والـجزاء علـيه، حتـى يرجع إلـيهم بدل من عملهم الذي عملوا له. وقد زعم بعض نـحويـي البصرة أن قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتّقَوا لَـمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ} مـما اكتفـي بدلالة الكلام علـى معناه عن ذكر جوابه، وأن معناه: ولو أنهم آمنوا واتقوا لاثـيبوا ولكنه استغنى بدلالة الـخبر عن الـمثوبة عن قوله: لأثـيبوا. وكان بعض نـحويـي أهل البصرة ينكر ذلك، ويرى أن جواب قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوا لَـمَثُوبَةٌ} وأن «لو» إنـما أجيبت بـالـمثوبة، وإن كانت أخبر عنها بـالـماضي من الفعل لتقارب معناه من معنى «لئن» فـي أنهما جزاءان، فإنهما جوابـان للإيـمان، فأدخـل جواب كلّ واحدة منهما علـى صاحبتها، فأجيبت «لو» بجواب «لئن»، و«لئن» بجواب «لو» لذلك وإن اختلفت أجوبتهما فكانت «لو» من حكمها وحظها أن تـجاب بـالـماضي من الفعل، وكانت «لئن» من حكمها وحظها أن تـجاب بـالـمستقبل من الفعل لـما وصفنا من تقاربهما، فكان يتأوّل معنى قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوا}: ولئن آمنوا واتقوا لـمثوبة من عند الله خير.

وبـما قلنا فـي تأويـل الـمثوبة قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {لَـمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} يقول: ثواب من عند الله.

حدثنـي يونس، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتّقَوْا لَـمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أما الـمثوبة، فهو الثواب.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتّقُوا لَـمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ} يقول: لثواب من عند الله.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝١٠٤

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا} فقال بعضهم: تأويـله لا تقولوا خلافـا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن ابن جريج، عن عطاء فـي قوله: {لاَ تَقُولُوا رَاعِنا} قال: لا تقولوا خلافـاً.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {لاَ تَقُولُوا رَاعِنا} لا تقولوا خلافـاً.

وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: ثنا سفـيان، عن رجل عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا سفـيان، عن مـجاهد، مثله.

وقال آخرون: تأويـله: أرعنا سمعك: أي اسمع منا ونسمع منك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: حدثنـي ابن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس قوله: {رَاعِنَا} أي أَرْعِنَا سمعك.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله جلّ وعزّ: {يا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنا} لا تقولوا اسمع منا ونسمع منك.

وحدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {رَاعِنا} قال: كان الرجل من الـمشركين يقول: أرْعنـي سمعك.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي السبب الذي من أجله نهى الله الـمؤمنـين أن يقولوا راعنا، فقال بعضهم: هي كلـمة كانت الـيهود تقولها علـى وجه الاستهزاء والـمسبّة، فنهى الله تعالـى ذكره الـمؤمنـين أن يقولوا ذلك للنبـيّ صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {يا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنا} قولٌ كانت تقوله الـيهود استهزاءً، فزجر الله الـمؤمنـين أن يقولوا كقولهم.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد الزبـيري، عن فضيـل بن مرزوق، عن عطية: لا تَقُولُوا رَاعِنا قال: كان أناس من الـيهود يقولون: أرعنا سمعك، حتـى قالها أناس من الـمسلـمين. فكره الله لهم ما قالت الـيهود، فقال: {يا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنا} كما قالت الـيهود والنصارى.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {لا تَقُولوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا} قال: كانوا يقولون راعنا سمعك، فكان الـيهود يأتون فـيقولون مثل ذلك مستهزئين، فقال الله: {لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا}.

وحدثت عن الـمنـجاب، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس فـي قوله: {لاَ تَقُولُوا رَاعِنا} قال: كانوا يقولون للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: راعنا سمعك وإنـما راعنا كقولك عَاطِنَا.

وحدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {يا أيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنا وَقُولُوا انْظُرْنَا} قال: راعنا القول الذي قاله القوم قَالُوا

{ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَٰعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي ٱلدِّينِ }[النساء: 46] قال: قال هذا الراعن، والراعن: الـخطّاء. قال: فقال للـمؤمنـين: لا تقولوا خطاء كما قال القوم وقولوا انظرنا واسمعوا، قال: كانوا ينظرون إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم ويكلـمونه ويسمع منهم، ويسألونه ويجيبهم.

وقال آخرون: بل هي كلـمة كانت الأنصار فـي الـجاهلـية تقولها، فنهاهم الله فـي الإسلام أن يقولوها لنبـيه صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: حدثنـي هشيـم، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن عطاء فـي قوله: {لاَ تَقُولُوا رَاعِنا} قال: كانت لغة فـي الأنصار فـي الـجاهلـية، فنزلت هذه الآية: {لا تَقُولُوا رَاعِنا} وَلكن {قُولُوا انْظُرْنَا} إلـى آخر الآية.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا هشيـم، عن عبد الـملك، عن عطاء قال: {لاَ تَقُولُوا رَاعِنا} قال: كانت لغة فـي الأنصار.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عبد الـملك، عن عطاء، مثله.

وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، عن ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، عن أبـي العالـية فـي قوله: {لاَ تَقُولُوا رَاعِنا} قال: إن مشركي العرب كانوا إذا حدّث بعضهم بعضا يقول أحدهم لصاحبه: أَرْعنـي سمعك فنهوا عن ذلك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، راعنا قول الساخر، فنهاهم أن يسخروا من قول مـحمد صلى الله عليه وسلم.

وقال بعضهم: بل كان ذلك كلام يهودي من الـيهود بعينه يقال له رفـاعة بن زيد، كان يكلـم النبـيّ صلى الله عليه وسلم به علـى وجه السبّ له، وكان الـمسلـمون أخذوا ذلك عنه، فنهى الله الـمؤمنـين عن قـيـله للنبـي صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي موسى، قال ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {يا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنا وَقُولُوا انْظُرْنَا} كان رجل من الـيهود من قبـيـلة من الـيهود يقال لهم بنو قـينقاع كان يُدْعَى رفـاعة بن زيد بن السائب.

قال أبو جعفر: هذا خطأ إنـما هو ابن التابوت لـيس ابن السائب كان يأتـي النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فإذا لقـيه فكلـمه قال: أرعنـي سمعك واسمع غير مسمع. فكان الـمسلـمون يحسبون أن الأنبـياء كانت تفخّم بهذا، فكان ناس منهم يقولون: اسمع غير مسمع، كقولك اسمع غير صاغر، وهي التـي فـي النساء:

{ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَٰعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي ٱلدِّينِ }[النساء: 46] يقول: إنـما يريد بقوله: {طَعْنا فِـي الدّينِ}. ثم تقدم إلـى الـمؤمنـين فقال: لا تقولوا راعنا.

والصواب من القول فـي نهي الله جل ثناؤه الـمؤمنـين أن يقولوا لنبـيه: راعنا، أن يقال إنها كلـمة كرهها الله لهم أن يقولوها لنبـيه صلى الله عليه وسلم، نظير الذي ذكر عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:


مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَلَا ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ۝١٠٥

يعنـي بقوله: {ما يَوَدُّ} ما يحبّ، أي لـيس يحبّ كثـير من أهل الكتاب، يقال منه: ودّ فلان كذا يَوَده وُدًّا ووَدًّا ومودّةً. وأما «الـمشركين» فإنهم فـي موضع خفض بـالعطف علـى أهل الكتاب.

ومعنى الكلام: ما يحبّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا الـمشركين أن ينزل علـيكم من خير من ربكم. وأما {أنْ} فـي قوله: {أنْ يُنَزَّلَ} فنصب بقوله: {يَودُّ}. وقد دللنا علـى وجه دخول «مِن» فـي قوله: مِنْ خَيْرٍ وما أشبه ذلك من الكلام الذي يكون فـي أوله جحد فـيـما مضى، فأغنى ذلك عن إعادته فـي هذا الـموضع.

فتأويـل الكلام: ما يحبّ الكافرون من أهل الكتاب ولا الـمشركين بـالله من عبدة الأوثان أن ينزل علـيكم من الـخير الذي كان عند الله ينزله علـيكم. فتـمنى الـمشركون وكفرة أهل الكتاب أن لا ينزل الله علـيهم الفرقان وما أوحاه إلـى مـحمد صلى الله عليه وسلم من حكمه وآياته، وإنـما أحبت الـيهود وأتبـاعهم من الـمشركين ذلك حسداً وبغياً منهم علـى الـمؤمنـين.

وفـي هذه الآية دلالة بـيّنة علـى أن الله تبـارك وتعالـى نهى الـمؤمنـين عن الركون إلـى أعدائهم من أهل الكتاب والـمشركين، والاستـماع من قولهم وقبول شيء مـما يأتونهم به، علـى وجه النصيحة لهم منهم بإطلاعه جلّ ثناؤه إياهم علـى ما يستبطنه لهم أهل الكتاب والـمشركون من الضغن والـحسد وإن أظهروا بألسنتهم خلاف ما هم مستبطنون.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيـمِ}.

يعنـي بقوله جل ثناؤه: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} والله يختصّ من يشاء بنبوّته ورسالته فـيرسله إلـى من يشاء من خـلقه، فـيتفضل بـالإيـمان علـى من أحبّ فـيهديه له. واختصاصه إياهم بها إفرادهم بها دون غيرهم من خـلقه. وإنـما جعل الله رسالته إلـى من أرسل إلـيه من خـلقه وهدايته من هدى من عبـاده رحمة منه له لـيصيره بها إلـى رضاه ومـحبته، وفوزه بها بـالـجنة واستـحقاقه بها ثناءه وكل ذلك رحمة من الله له.

وأما قوله: {وَاللَّهُ ذو الفَضْلِ العَظِيـمِ} فإنه خبر من الله جل ثناؤه عن أن كل خير ناله عبـاده فـي دينهم ودنـياهم فإنه من عنده ابتداءً وتفضلاً منه علـيهم من غير استـحقاق منهم ذلك علـيه.

وفـي قوله: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيـمِ} تعريض من الله تعالـى ذكره بأهل الكتاب أن الذي آتـى نبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم والـمؤمنـين به من الهداية تفضلاً منه، وأن نعمه لا تدرك بـالأمانـي ولكنها مواهب منه يختصّ بها من يشاء من خـلقه.

مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝١٠٦

يعنـي جل ثناؤه بقوله: {ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} إلـى غيره، فنبدله ونغيره. وذلك أن يحوّل الـحلال حراماً والـحرام حلالاً، والـمبـاح مـحظوراً والـمـحظور مبـاحاً ولا يكون ذلك إلا فـي الأمر والنهي والـحظر والإطلاق والـمنع والإبـاحة، فأما الأخبـار فلا يكون فـيها ناسخ ولا منسوخ. وأصل النسخ من «نَسْخَ الكتاب» وهو نَقْلُه من نُسخة إلـى أخرى غيرها، فكذلك معنى نسخ الـحكم إلـى غيره إنـما هو تـحويـله ونقل عبـارته عنه إلـى غيره. فإذا كان ذلك معنى نسخ الآية فسواء إذا نسخ حكمها فغُير وبُدّل فرضها ونقل فرض العبـاد عن اللازم كان لهم بها أوفر حَظها فتُرك، أو مُـحي أثرها، فُعفِّـي ونُسي، إذ هي حينئذٍ فـي كلتا حالتـيها منسوخة. والـحكم الـحادث الـمبدل به الـحكم الأوّل والـمنقول إلـيه فرض العبـاد هو الناسخ، يقال منه: نسخ الله آية كذا وكذا ينسخه نسخاً، والنسخة الاسم. وبـمثل الذي قلنا فـي ذلك كان الـحسن البصري يقول.

حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، قال: ثنا خالد بن الـحرث، قال: ثنا عوف، عن الـحسن أنه قال فـي قوله: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسِها نأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} قال: قال أقرىء قرآناً ثم نسيه فلم يكن شيئاً، ومن القرآن ما قد نسخ وأنتـم تقرءونه.

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {ما نَنْسَخْ} فقال بعضهم بـما:

حدثنـي به موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن عمار، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {ما نَنْسَخْ مِنْ آيةٍ} أما نسخُها فقَبْضُها. وقال آخرون بـما:

حدثنـي به الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: حدثنـي معاوية ابن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس قوله: {ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} يقول: ما نبدّل من آية. وقال آخرون بـما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن أصحاب عبد الله ابن مسعود أنهم قالوا: {ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} نثبت خطها ونبدل حكمها.

وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {ما نَنْسَخُ مِنْ آيَةٍ} نثبت خطها، ونبدل حكمها، حُدثت به عن أصحاب ابن مسعود.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: حدثنـي بكر بن شوذب، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، عن أصحاب ابن مسعود: {ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} نثبت خطها.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {أوْ نُنْسِها}.

اختلفت القراءة فـي قوله ذلك، فقرأها قرّاء أهل الـمدينة والكوفة: {أوْ نُنْسِها} ولقراءة من قرأ ذلك وجهان من التأويـل، أحدهما: أن يكون تأويـله: ما ننسخ يا مـحمد من آية فنغير حكمها أو ننسها. وقد ذكر أنها فـي مصحف عبد الله: «ما نُنْسِكَ من آية أو ننسخها نـجيء بـمثلها»، فذلك تأويـل النسيان. وبهذا التأويـل قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أوْ مِثْلِها} كان ينسخ الآية بـالآية بعدها، ويقرأ نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم الآية أو أكثر من ذلك ثم تُنسى وتُرفع.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسِها} قال: كان الله تعالـى ذكره ينسي نبـيه صلى الله عليه وسلم ما شاء وينسخ ما شاء.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: كان عبـيد بن عمير يقول: {نُنْسِها} نرفعها من عندكم.

حدثنا سوار بن عبد الله، قال: ثنا خالد بن الـحرث، قال: ثنا عوف، عن الـحسن أنه قال فـي قوله: {أوْ نُنْسِها} قال: إن نبـيكم صلى الله عليه وسلم أقرىء قرآنا، ثم نسيه.

وكذلك كان سعد بن أبـي وقاص يتأوّل الآية إلا أنه كان يقروها: «أو تَنْسَها» بـمعنى الـخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنه عنـي أو تَنْسَها أنت يا مـحمد. ذكر الأخبـار بذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا يعلـى بن عطاء، عن القاسم، قال: سمعت سعد بن أبـي وقاص يقول: «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ ننْسَها» قلت له: فإن سعيد بن الـمسيب يقرؤها: «أَو نُنْسَها» قال: فقال سعد: إن القرآن لـم ينزل علـى الـمسيب ولا علـى آل الـمسيب، قال الله:

{ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ }[الأعلى: 6] { وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ }[الكهف: 24].

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا هشيـم، قال: ثنا يعلـى بن عطاء، قال: ثنا القاسم بن ربـيعة بن قانف الثقـفـي، قال: سمعت ابن أبـي وقاص يذكر نـحوه.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى وآدم العسقلانـي قالا جميعا، عن شعبة، عن يعلـى بن عطاء، قال: سمعت القاسم بن ربـيعة الثقـفـي يقول: قلت لسعد بن أبـي وقاص: إنـي سمعت ابن الـمسيب يقرأ: «ما نَنَسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسَها» فقال سعد: إن الله لـم ينزل القرآن علـى الـمسيب ولا علـى ابنه، إنـما هي: «ما ننسخ من آية أو تَنْسَها» يا مـحمد. ثم قرأ:{سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ} {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله: {ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسِها} يقول: نُنسها: نرفعها وكان الله تبـارك وتعالـى أنزل أمورا من القرآن ثم رفعها.

والوجه الآخر منهما أن يكون بـمعنى الترك، من قول الله جل ثناؤه:

{ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ }[التوبة: 67] يعنـي به تركوا الله فتركهم. فـيكون تأويـل الآية حينئذٍ علـى هذا التأويـل: ما ننسخ من آية فنغير حكمها ونبدّل فرضها نأت بخير من التـي نسخناها أو مثلها. وعلـى هذا التأويـل تأوّل جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: حدثنـي معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس فـي قوله: {أوْ نُنْسِها} يقول: أو نتركها لا نبدّلها.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي قوله: {أوْ نُنْسِها} نتركها لا ننسخها.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك فـي قوله: {ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسِها} قال: الناسخ والـمنسوخ.

قال: وكان عبد الرحمن بن زيد يقول فـي ذلك ما:

حدثنـي به يونس ابن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: نُنْسِها نـمـحها. وقرأ ذلك آخرون: «أو ننسأها» بفتـح النون وهمزة بعد السين بـمعنى نؤخرها، من قولك: نسأت هذا الأمر أنسؤه نسأً ونساءً إذا أخرته، وهو من قولهم: بعته بنسَاءٍ، يعنـي بتأخير. ومن ذلك قول طَرَفَة بن العبد:

لعَمْرُكَ إِنَّ الـمَوْتَ ما أنْسأ الفَتـى لكالطِّوَلِ الـمُرْخَى وثِنْـياهُ بـالـيَدِ

يعنـي بقوله أنسأ: أخّر.

ومـمن قرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين، وقرأه جماعة من قرّاء الكوفـيـين والبصريـين، وتأوّله كذلك جماعة من أهل التأويـل ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، ويعقوب ابن إبراهيـم، قالا: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا عبد الـملك، عن عطاء فـي قوله: «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نَنْسأها» قال نؤخرها.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، قال: سمعت ابن أبـي نـجيح، يقول فـي قول الله: «أوْ نَنْسأها» قال: نُرْجئها.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: «أوْ نَنْسأها» نرجئها ونؤخرها.

حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: ثنا فضيـل، عن عطية: «أوْ نَنْسأها» قال: نؤخرها فلا ننسخها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي عبد الله بن كثـير عن عبـيد الأزدي، عن عبـيد بن عمير «أوْ نَنْسأها» إرجاؤها وتأخيرها. هكذا حدثنا القاسم عن عبد الله بن كثـير، عن عبـيد الأزدي. وإنـما هو عن علـيّ الأزدي.

حدثنـي أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثـير، عن علـيّ الأزدي، عن عبـيد بن عمير أنه قرأها: «نَنْسأها».

قال: فتأويـل من قرأ ذلك كذلك: ما نبدّل من آية أنزلناها إلـيك يا مـحمد، فنبطل حكمها ونثبت خطها، أو نؤخرها فنرجئها ونقرّها فلا نغيرها ولا نبطل حكمها نأت بخير منها أو مثلها.

وقد قرأ بعضهم ذلك: «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أو تُنْسَها» وتأويـل هذه القراءة نظير تأويـل قراءة من قرأ {أوْ نُنْسِها} إلا أن معنى «أو تُنْسَها» أنت يا مـحمد.

وقد قرأ بعضهم: «ما نُنْسِخْ مِنْ آيَةٍ» بضم النون وكسر السين، بـمعنى: ما نُنسخك يا مـحمد نـحن من آية، من أنسختك فأنا أُنسخك. وذلك خطأ من القراءة عندنا لـخروجه عما جاءت به الـحجة من القراءة بـالنقل الـمستفـيض. وكذلك قراءة من قرأ «تُنسَها» أو «تَنْسَها» لشذوذها وخروجها عن القراءة التـي جاءت بها الـحجة من قرّاء الأمة. وأولـى القراءات فـي قوله: {أوْ نُنْسِها} بـالصواب من قرأ: {أو نُنْسِها}، بـمعنى نتركها لأن الله جل ثناؤه أخبر نبـيه صلى الله عليه وسلم أنه مهما بدّل حكما أو غيره أو لـم يبدّله ولـم يغيره، فهو آتـيه بخير منه أو بـمثله. فـالذي هو أولـى بـالآية إذ كان ذلك معناها، أن يكون إذ قدّم الـخبر عما هو صانع إذا هو غير وبدّل حكم آية أن يعقب ذلك بـالـخبر عما هو صانع، إذا هو لـم يبدّل ذلك ولـم يغير. فـالـخبر الذي يجب أن يكون عقـيب قوله: {ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} قوله: أو نترك نسخها، إذ كان ذلك الـمعروف الـجاري فـي كلام الناس. مع أن ذلك إذا قرىء كذلك بـالـمعنى الذي وصفت، فهو يشتـمل علـى معنى الإنساء الذي هو بـمعنى الترك، ومعنى النَّساء الذي هو بـمعنى التأخير، إذْ كان كل متروك فمؤخر علـى حال مّا هو متروك. وقد أنكر قوم قراءة من قرأ: «أوْ تُنْسَها» إذا عنـي به النسيان، وقالوا: غير جائز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم نسي من القرآن شيئا مـما لـم ينسخ إلا أن يكون نسي منه شيئا ثم ذكره. قالوا: وبعد، فإنه لو نسي منه شيئاً لـم يكن الذين قرءوه وحفظوه من أصحابه بجائز علـى جميعهم أن ينسوه.

قالوا: وفـي قول الله جل ثناؤه:

{ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ }[الإسراء: 86] ما ينبىء عن أن الله تعالـى ذكره لـم يُنْسِ نبـيه شيئاً مـما آتاه من العلـم.

قال أبو جعفر: وهذا قول يشهد علـى بطوله وفساده الأخبـار الـمتظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بنـحو الذي قلنا.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك: إن أولئك السبعين من الأنصار الذين قتلوا ببئر معونة قرأنا بهم وفـيهم كتابـاً: «بلغوا عنا قومنا أنا لقـينا ربنا فرضي عنا وأرضانا». ثم إن ذلك رفع.

فـالذي ذكرنا عن أبـي موسى الأشعري أنهم كانوا يقرءون: «لو أن لابن آدم واديـين من مال لابتغى لهما ثالثاً، ولا يـملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله علـى من تاب» ثم رُفع وما أشبه ذلك من الأخبـار التـي يطول بإحصائها الكتاب. وغير مستـحيـل فـي فطرة ذي عقل صحيح ولا بحجة خبر أن ينسي الله نبـيه صلى الله عليه وسلم بعض ما قد كان أنزله إلـيه. فإذا كان ذلك غير مستـحيـل من أحد هذين الوجهين، فغير جائز لقائل أن يقول ذلك غير جائز.

وأما قوله:

{ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ }[الإسراء: 86] فإنه جلّ ثناؤه لـم يخبر أنه لا يذهب بشيء منه، وإنـما أخبر أنه لو شاء لذهب بجميعه، فلـم يذهب به والـحمد لله بل إنـما ذهب بـما لا حاجة بهم إلـيه منه، وذلك أن ما نسخ منه فلا حاجة بـالعبـاد إلـيه، وقد قال الله تعالـى ذكره: { سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ * إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ }[الأعلى: 6-7] فأخبر أنه ينسي نبـيه منه ما شاء، فـالذي ذهب منه الذي استثناه الله. فأما نـحن فإنـما اخترنا ما اخترنا من التأويـل طلب اتساق الكلام علـى نظام فـي الـمعنى، لا إنكار أن يكون الله تعالـى ذكره قد كان ٱتى نبـيه بعض ما نسخ من وحيه إلـيه وتنزيـله.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {نأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أوْ مِثْلِها}.

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أوْ مِثْلِها}، فقال بعضهم بـما:

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالـح، قال: حدثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أوْ مِثْلِها} يقول: خير لكم فـي الـمنفعة وأرفق بكم. وقال آخرون بـما:

حدثنـي به الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أوْ مِثْلِها} يقول: آية فـيها تـخفـيف، فـيها رحمة، فـيها أمر، فـيها نهي.

وقال آخرون: نأت بخير من التـي نسخناها، أو بخير من التـي تركناها فلـم ننسخها. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي: {نَأتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} يقول: نأت بخير من التـي نسخناها أو مثلها أو مثل التـي تركناها. فـالهاء والألف اللتان فـي قوله: مِنْهَا عائدتان علـى هذه الـمقالة علـى الآية فـي قوله: {ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} والهاء والألف اللتان فـي قوله: أوْ مِثلِها عائدتان علـى الهاء والألف اللتـين فـي قوله: {أوْ نُنْسِها}. وقال آخرون بـما:

حدثنـي به الـمثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: كان عبـيد بن عمير يقول: {نُنْسِها} نرفعها من عندكم، نأت بـمثلها أو خير منها.

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {أوْ نُنْسِها} نرفعها نأت بخير منها أو بـمثلها.

وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا بكر بن شوذب، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، عن أصحاب ابن مسعود، مثله.

والصواب من القول فـي معنى ذلك عندنا: ما نبدّل من حكم آية فنغيره أو نترك تبديـله فنقرّه بحاله، نأت بخير منها لكم من حكم الآية التـي نسخنا فغيرنا حكمها، إما فـي العاجل لـخفته علـيكم، من أجل أنه وضع فرض كان علـيكم فأسقط ثقله عنكم، وذلك كالذي كان علـى الـمؤمنـين من فرض قـيام اللـيـل، ثم نسخ ذلك فوضع عنهم، فكان ذلك خيرا لهم فـي عاجلهم لسقوط عبء ذلك وثقل حمله عنهم وإما فـي الآجل لعظم ثوابه من أجل مشقة حمله وثقل عبئه علـى الأبدان، كالذي كان علـيهم من صيام أيام معدودات فـي السنة، فنُسخ وفرض علـيهم مكانه صوم شهر كامل فـي كلّ حَوْل، فكان فرض صوم شهر كامل كل سنة أثقل علـى الأبدان من صيام أيام معدودات. غير أن ذلك وإن كان كذلك، فـالثواب علـيه أجزل والأجر علـيه أكثر، لفضل مشقته علـى مكلفـيه من صوم أيام معدودات، فذلك وإن كان علـى الأبدان أشقّ فهو خير من الأوّل فـي الآجل لفضل ثوابه وعظم أجره الذي لـم يكن مثله لصوم الأيام الـمعدودات. فذلك معنى قوله: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها} لأنه إما بخير منها فـي العاجل لـخفته علـى من كلفه، أو فـي الآجل لعظم ثوابه وكثرة أجره. أو يكون مثلها فـي الـمشقة علـى البدن واستواء الأجر والثواب علـيه، نظير نسخ الله تعالـى ذكره فرض الصلاة شطر بـيت الـمقدس إلـى فرضها شطر الـمسجد الـحرام. فـالتوجه شطر بـيت الـمقدس، وإن خالف التوجه شطر الـمسجد، فكلفة التوجه شطر أيهما توجه شطره واحدة لأن الذي علـى الـمتوجه شطر البـيت الـمقدّس من مؤنة توجهه شطره، نظير الذي علـى بدنه مؤنة توجهه شطر الكعبة سواء. فذلك هو معنى الـمثل الذي قال جل ثناؤه: {أوْ مِثْلِها}.

وإنـما عنى جل ثناؤه بقوله: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسِها} ما ننسخ من حكم آية أو نُنْسِه. غير أن الـمخاطبـين بـالآية لـما كان مفهوما عندهم معناها اكتفـي بدلالة ذكر الآية من ذكر حكمها. وذلك نظير سائر ما ذكرنا من نظائره فـيـما مضى من كتابنا هذا، كقوله:

{ وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ }[البقرة: 93] بـمعنى حُبّ العجل ونـحو ذلك. فتأويـل الآية إذا: ما نغير من حكم آية فنبدّله أو نتركه فلا نبدّله، نأت بخير لكم أيها الـمؤمنون حكما منها، أو مثل حكمها فـي الـخفة والثقل والأجر والثواب.

فإن قال قائل: فإنا قد علـمنا أن العجل لا يُشْرَبُ فـي القلوب وأنه لا يـلتبس علـى من سمع قوله:

{ وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ }[البقرة: 93] أن معناه: وأشربوا فـي قلوبهم حُبّ العجل، فما الذي يدلّ علـى أن قوله: {ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أوْ نُنْسِهَا نَأتِ بِخَيْرٍ مِنْها} لذلك نظير؟

قـيـل: الذي دلّ علـى أن ذلك كذلك قوله: {نأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أوْ مِثْلِها} وغير جائز أن يكون من القرآن شيء خير من شيء لأن جميعه كلام الله، ولا يجوز فـي صفـات الله تعالـى ذكره أن يقال بعضها أفضل من بعض وبعضها خير من بعض.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ألَـمْ تَعْلَـمْ أنَّ اللَّهَ علـى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

يعنـي جل ثناؤه بقوله: {ألَـمْ تَعْلَـمْ أنَّ اللَّهَ علـى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ألـم تعلـم يا مـحمد أنـي قادر علـى تعويضك مـما نسخت من أحكامي وغيرته من فرائضي التـي كنت افترضتها علـيك ما أشاء مـما هو خير لك ولعبـادي الـمؤمنـين معك وأنفع لك ولهم، إما عاجلاً فـي الدنـيا وإما آجلاً فـي الآخرة. أو بأن أبدّل لك ولهم مكانه مثله فـي النفع لهم عاجلاً فـي الدنـيا وآجلاً فـي الآخرة وشبـيهه فـي الـخفة علـيك وعلـيهم. فـاعلـم يا مـحمد أنـي علـى ذلك وعلـى كل شيء قدير. ومعنى قوله: قَدِير فـي هذا الـموضع: قويّ، يقال منه: «قد قَدَرْت علـى كذا وكذا». إذا قويت علـيه «أقدْرُ علـيه وأَقْدُرُ علـيه قُدْرة وقِدْرانا ومَقْدِرةً». وبنو مُرَّة من غطفـان تقول: «قَدِرْت علـيه» بكسر الدال. فأما من التقدير من قول القائل: «قَدَرْتُ الشيء» فإنه يقال منه: «قَدَرْتُه أَقْدِرُه قَدْراً وقَدَراً».

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ ۝١٠٧

قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: أوَ لـم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلـم أن الله علـى كل شيء قدير وأنه له ملك السموات والأرض حتـى قـيـل له ذلك؟ قـيـل: بلـى، فقد كان بعضهم يقول: إنـما ذلك من الله جل ثناؤه خبر عن أن مـحمداً قد علـم ذلك ولكنه قد أخرج الكلام مخرج التقرير كما تفعل مثله العرب فـي خطاب بعضها بعضاً، فـيقول أحدهم لصاحبه: ألـم أكرمك؟ ألـم أتفضل علـيك؟ بـمعنى إخبـاره أنه قد أكرمه وتفضل علـيه، يريد ألـيس قد أكرمتك؟ ألـيس قد تفضلت علـيك؟ بـمعنى قد علـمتَ ذلك.

قال: وهذا لا وجه له عندنا وذلك أن قوله جل ثناؤه {ألَـمْ تَعْلَـمْ} إنـما معناه: أما علـمت. وهو حرف جحد أدخـل علـيه حرف استفهام، وحروف الاستفهام إنـما تدخـل فـي الكلام إما بـمعنى الاستثبـات، وإما بـمعنى النفـي. فأما بـمعنى الإثبـات فذلك غير معروف فـي كلام العرب، ولاسيـما إذا دخـلت علـى حروف الـجحد ولكن ذلك عندي وإن كان ظهر ظهور الـخطاب للنبـيّ صلى الله عليه وسلم، فإنـما هو معنّـي به أصحابه الذين قال الله جل ثناؤه:

{ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا وَٱسْمَعُواْ }[البقرة: 104]. والذي يدّل علـى أن ذلك كذلك قوله جل ثناؤه: {وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِـيّ وَلاَ نَصِيرٍ} فعاد بـالـخطاب فـي آخر الآية إلـى جميعهم، وقد ابتدأ أوّلها بخطاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم بقوله: {ألَـمْ تَعْلَـمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ} لأن الـمراد بذلك الذين وصفت أمرهم من أصحابه، وذلك من كلام العرب مستفـيض بـينهم فصيح. أن يخرج الـمتكلـم كلامه علـى وجه الـخطاب منه لبعض الناس وهو قاصد به غيره، وعلـى وجه الـخطاب لواحد وهو يقصد به جماعة غيره، أو جماعة والـمخاطب به أحدهم وعلـى وجه الـخطابُ للـجماعة والـمقصود به أحدهم، من ذلك قول الله جل ثناؤه: { يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ }[الأحزاب: 1] فرجع إلـى خطاب الـجماعة، وقد ابتدأ الكلام بخطاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم. ونظير ذلك قول الكُميت بن زيد فـي مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إلـى السِّرَاجِ الـمُنـيرِ أحْمَدَ لا يَعْدِلُنِـي رَغْبَةٌ وَلا رَهَبُ عَنْهُ إلـى غيرِهِ وَلَوْ رَفَعَ النّا س إلـيَّ العُيُونَ وَارْتَقَبُوا فوقـيـلَ أفْرَطْتَ بَلْ قَصَدْتُ وَلَوْ عَنّفَنِـي القائِلُونَ أوْ ثَلَبُوا لـجَّ بتَفْضِيـلِكَ اللِّسانُ وَلَوْ أُكْثِرَ فِـيكَ الضِّجاجُ واللّـجَبُ أنتَ الـمُصَفّـي الـمـحْضُ الـمهذَّبُ فـي النِّسْبةِ إنْ نَصَّ قوْمَكَ النّسَبُ

فأخرج كلامه علـى وجه الـخطاب للنبـيّ صلى الله عليه وسلم وهو قاصد بذلك أهل بـيته، فكنـي عن وصفهم ومدحهم بذكر النبـيّ صلى الله عليه وسلم وعن بنـي أمية بـالقائلـين الـمعنفـين لأنه معلوم أنه لا أحد يوصف بتعنـيف مادح النبـيّ صلى الله عليه وسلم وتفضيـله، ولا بإكثار الضجاج واللـجب فـي إطناب القـيـل بفضله. وكما قال جميـل بن معمر:

ألا إنَّ جِيرَانِـي العَشِيَّةَ رَائِحُ دَعَتْهُمْ دَوَاعٍ مِنْ هَوًى وَمَنَادِحُ

فقال: «ألا إن جيرانـي العشية» فـابتدأ الـخبر عن جماعة جيرانه، ثم قال: «رائح» لأن قصده فـي ابتدائه ما ابتدأ به من كلامه الـخبر عن واحد منهم دون جماعتهم. وكما قال جميـل أيضا فـي كلـمته الأخرى:

خَـلِـيـلَـيَّ فِـيـما عِشْتُـما هَلْ رأيْتُـما قَتِـيلاً بَكَى مِنْ حُبّ قاتِلِهِ قَبْلِـي

وهو يريد قاتلته لأنه إنـما يصف امرأة فكنـي بـاسم الرجل عنها وهو يعنـيها. فكذلك قوله: { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }[البقرة: 106] {ألَـمْ تَعْلَـمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السّمَوَاتِ وَالأرْضِ} وإن كان ظاهر الكلام علـى وجه الـخطاب للنبـيّ صلى الله عليه وسلم، فإنه مقصود به قصد أصحابه وذلك بـيّنٌ بدلالة قوله: {وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِـيّ وَلاَ نَصِيرٍ أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسألُوا رَسُولَكُمْ كما سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} الآيات الثلاث بعدها علـى أن ذلك كذلك. أما قوله: {لَهُ مُلْكُ السّمَوَاتِ والأرْضِ} ولـم يقل ملك السموات، فإنه عنى بذلك مُلْك السلطان والـمـملكة دون الـمِلْك، والعرب إذا أرادت الـخبر عن الـمـملكة التـي هي مـملكة سلطان قالت: مَلَك الله الـخـلق مُلْكا، وإذا أرادت الـخبر عن الـملك قالت: مَلَك فلان هذا الشيء فهو يـملكه مِلْكاً وَمَلِكَةً ومَلْكاً.

فتأويـل الآية إذا: ألـم تعلـم يا مـحمد أن لـي ملك السموات والأرض وسلطانهما دون غيري أحكم فـيهما وفـيـما فـيهما ما أشاء وآمر فـيهما وفـيـما فـيهما بـما أشاء، وأنهي عما أشاء، وأنسخ وأبدّل وأغير من أحكامي التـي أحكم بها فـي عبـادي ما أشاء إذا أشاء، وأقرّ منها ما أشاء؟ هذا الـخبر وإن كان من الله عزّ وجلّ خطابـاً لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم علـى وجه الـخبر عن عظمته، فإنه منه جل ثناؤه تكذيب للـيهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة وجحدوا نبوّة عيسى، وأنكروا مـحمداً صلى الله عليه وسلم، لـمـجيئهما بـما جاءا به من عند الله بتغيـير ما غير الله من حكم التوراة. فأخبرهم الله أن له ملك السموات والأرض وسلطانهما، فإن الـخـلق أهل مـملكته وطاعته، علـيهم السمع له والطاعة لأمره ونهيه، وإن له أمرهم بـما شاء ونهيهم عما شاء، ونسخ ما شاء وإقرار ما شاء، وإنساء ما شاء من أحكامه وأمره ونهيه. ثم قال لنبـيه صلى الله عليه وسلم وللـمؤمنـين معه: انقادوا لأمري، وانتهوا إلـى طاعتـي فـيـما أنسخ وفـيـما أترك، فلا أنسخ من أحكامي وحدودي وفرائضي، ولا يهولنّكم خلاف مخالف لكم فـي أمري ونهيـي وناسخي ومنسوخي، فإنه لا قـيّـم بأمركم سواي، ولا ناصر لكم غيري، وأنا الـمنفرد بولايتكم والدفـاع عنكم، والـمتوحد بنصرتكم بعزّي وسلطانـي وقوّتـي علـى من ناوأكم وحادَّكم ونصب حرب العداوة بـينه وبـينكم، حتـى أُعلـي حجتكم، وأجعلها علـيهم لكم. والولـيّ معناه «فعيـل»، من قول القائل: ولـيت أمر فلان: إذا صرت قَـيّـما به فأنا إلـيه فهو ولـيه وقَـيّـمه ومن ذلك قـيـل: فلان ولـي عهد الـمسلـمين، يعنـي به: القائم بـما عهد إلـيه من أمر الـمسلـمين. وأما النصير فإنه فعيـل من قولك: نصرتك أنصرك فأنا ناصرك ونصيرك وهو الـمؤيد والـمقوّي.

وأما معنى قوله: {مِنْ دُونِ اللَّهِ} فإنه سوى الله وبعد الله. ومنه قول أمية بن أبـي الصلت:

يا نَفْسُ مالَكِ دُونَ اللَّهِ مِنْ وَاقِـي وَما عَلـى حَدَثانِ الدَّهْرِ مِنْ بـاقِـي

يريد: ما لك سوى الله وبعد الله من يقـيك الـمكاره.

فمعنى الكلام إذا: ولـيس لكم أيها الـمؤمنون بعد الله من قـيـم بأمركم ولا نصير فـيؤيدكم ويقوّيكم فـيعينكم علـى أعدائكم.

أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـَٔلُوا۟ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَٰنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ۝١٠٨

اختلف أهل التأويـل فـي السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية. فقال بعضهم بـما:

حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنـي يونس بن بكير، وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة بن الفضل، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: حدثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، قال: حدثنـي سعيد بن جبـير أو عكرمة عن ابن عبـاس: قال رافع بن حريـملة ووهب بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ائتنا بكتاب تنزله علـينا من السماء نقرؤه وفجّرْ لنا أنهارا نتبعك ونصدّقك فأنزل الله فـي ذلك من قولهم: {أمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسألُوا رَسُولَكُمْ كما سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} الآية. وقال آخرون بـما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسألُوا رَسُولَكُمْ كما سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} وكان موسى يُسأل فقـيـل له:

{ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً }

[النساء: 153]. حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسألُوا رَسُولَكُمْ كما سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} أن يريهم الله جهرة، فسألت العرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتـيهم بـالله فـيروه جهرة. وقال آخرون بـما:

حدثنـي به مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله الله: {أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسألُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} أن يريهم الله جهرة. فسألت قريش مـحمدا صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله له الصفـا ذهبـا، قال:

نَعَمْ، وَهُوَ لَكُمْ كمائِدَةِ بَنِـي إسْرَائِيـلَ إنْ كَفَرْتُـمْ. فأبوا ورجعوا.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد قال: سألت قريش مـحمداً أن يجعل لهم الصفـا ذهبـا، فقال:

نَعَمْ، وَهُوَ لَكُمْ كالـمَائِدَةِ لِبَنِـي إسْرَائِيـلَ إنْ كَفَرَتُـمْ . فأبوا ورجعوا، فأنزل الله {أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسألُوا رَسُولَكُمْ كما سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} أن يريهم الله جهرة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد مثله/

وقال آخرون بـما:

حدثنـي به الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، قال:قال رجل: يا رسول الله لو كانت كفـاراتنا كفـارات بنـي إسرائيـل فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

اللّهُمَّ لا نَبْغِيها ما أعْطاكُمُ اللَّهُ خَيْرٌ مِـمّا أعْطَى بَنِـي إسْرَائِيـلَ كانت بَنُو إسْرَائِيـلَ إذَا فَعَلَ أحَدُهُمُ الـخَطِيئَةَ وَجَدَهَا مَكْتُوبَةً علـى بـابِهِ وَكَفّـارَتَها، فإنْ كَفّرَها كانَتْ لَهُ خِزْياً فِـي الدُّنْـيا، وإنْ لَـمْ يُكَفِّرْهَا كانَتْ لَهُ خِزْياً فِـي الآخِرَةِ. وَقَدْ أعْطاكُمُ اللَّهُ خَيْراً مِـمّا أعْطَى بَنِـي إسْرائِيـلَ، قالَ: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أوْ يَظْلِـمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيـماً}. قال: وقال:

وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ فَٱعْفُوا۟ وَٱصْفَحُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝١٠٩

قال أبو جعفر: وقد صرّح هذا القول من قول الله جل ثناؤه، بأن خطابه بجميع هذه الآيات من قوله:

{ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا }[البقرة: 104] وإن صرف فـي نفسه الكلام إلـى خطاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم، إنـما هو خطاب منه للـمؤمنـين وأصحابه، وعتاب منه لهم، ونهي عن انتصاح الـيهود ونظرائهم من أهل الشرك وقبول آرائهم فـي شيء من أمور دينهم، ودلـيـل علـى أنهم كانوا استعملوا، أو من استعمل منهم فـي خطابه ومسألته رسول الله صلى الله عليه وسلم الـجفـاء، وما لـم يكن له استعماله معه، تأسياً بـالـيهود فـي ذلك أو ببعضهم. فقال لهم ربهم ناهيا عن استعمال ذلك: لا تقولوا لنبـيكم صلى الله عليه وسلم كما تقول له الـيهود: «راعنا» تأسياً منكم بهم، ولكن قولوا: «انظرنا واسمعوا»، فإن أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر بـي وجحود لـحقّـي الواجب لـي علـيكم فـي تعظيـمه وتوقـيره، ولـمن كفر بـي عذاب ألـيـم فإن الـيهود والـمشركين ما يودّون أن ينزل علـيكم من خير من ربكم، ولكن كثـيرا منهم ودّوا أنهم يردّونكم من بعد إيـمانكم كفـاراً حسداً من عند أنفسهم لكم ولنبـيكم مـحمد صلى الله عليه وسلم، من بعدما تبـين لهم الـحقّ فـي أمر مـحمد وأنه نبـيّ إلـيهم وإلـى خـلقـي كافة. وقد قـيـل إن الله جل ثناؤه عنى بقوله: {وَدَّ كَثِـيرٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ} كعب بن الأشرف.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري فـي قوله: {وَدّ كَثِـيرٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ} هو كعب بن الأشرف.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان العمري، عن معمر، عن الزهري وقتادة: {وَدَّ كَثِـيرٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ} قال كعب بن الأشرف. وقال بعضهم بـما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: حدثنـي ابن إسحاق. وحدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا مـحمد بن إسحاق، قال: حدثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، قال: حدثنـي سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس قال: كان حُيـي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشدّ يهود للعرب حسداً، إذ خصهم الله برسوله صلى الله عليه وسلم، وكانا جاهدين فـي ردّ الناس عن الإسلام بـما استطاعا، فأنزل الله فـيهما: {وَدَّ كَثِـيرٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ} الآية.

ولـيس لقول القائل عَنَى بقوله: {وَدَّ كَثِـيرٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ} كعب بن الأشرف معنى مفهوم لأن كعب بن الأشرف واحد، وقد أخبر الله جلّ ثناؤه أن كثـيراً منهم يودّون لو يردّون الـمؤمنـين كفـاراً بعد إيـمانهم. والواحد لا يقال له كثـير بـمعنى الكثرة فـي العدد، إلا أن يكون قائل ذلك أراد بوجه الكثرة التـي وصف الله بها من وصفه بها فـي هذه الآية الكثرة فـي العزّ ورفعة الـمنزلة فـي قومه وعشيرته، كما يقال: فلان فـي الناس كثـير، يراد به كثرة الـمنزلة والقدر. فإن كان أراد ذلك فقد أخطأ، لأن الله جل ثناؤه قد وصفهم بصفة الـجماعة، فقال: {لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إيـمانِكُمْ كُفّـاراً حَسَداً} فذلك دلـيـل علـى أنه عنى الكثرة فـي العدد. أو يكون ظن أنه من الكلام الذي يخرج مخرج الـخبر عن الـجماعة، والـمقصود بـالـخبر عنه الواحد، نظير ما قلنا آنفـاً فـي بـيت جميـل فـيكون ذلك أيضاً خطأ، وذلك أن الكلام إذا كان بذلك الـمعنى فلا بد من دلالة فـيه تدلّ علـى أن ذلك معناه، ولا دلالة تدلّ فـي قوله: {وَدَّ كَثِـيرٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ} أن الـمراد به واحد دون جماعة كثـيرة، فـيجوز صرف تأويـل الآية إلـى ذلك وإحالة دلـيـل ظاهره إلـى غير الغالب فـي الاستعمال.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {حَسَداً مِنْ عِنْدِ أنْفُسِهِمْ}.

ويعنـي جل ثناؤه بقوله: {حَسَداً مِنْ عِنْدِ أنْفُسِهِمْ} أن كثـيراً من أهل الكتاب يودّون للـمؤمنـين ما أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم يودونه لهم من الردّة عن إيـمانهم إلـى الكفر حسداً منهم وبغياً علـيهم. والـحسد إذا منصوب علـى غير النعت للكفـار، ولكن علـى وجه الـمصدر الذي يأتـي خارجاً من معنى الكلام الذي يخالف لفظه لفظ الـمصدر، كقول القائل لغيره: تـمنـيت لك ما تـمنـيت من السوء حسداً منـي لك. فـيكون الـحسن مصدراً من معنى قوله: تـمنـيت من السوء لأن فـي قوله تـمنـيت لك ذلك، معنى حسدتك علـى ذلك. فعلـى هذا نصب الـحسد، لأن فـي قوله: {وَدَّ كَثِـير مِنْ أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إيـمَانكُمْ كُفّـاراً} يعنـي: حسدكم أهل الكتاب علـى ما أعطاكم الله من التوفـيق، ووهب لكم من الرشاد لدينه والإيـمان برسوله، وخصكم به من أن جعل رسوله إلـيكم رجلاً منكم رءوفـاً بكم رحيـما، ولـم يجعله منهم، فتكونوا لهم تبعاً. فكان قوله: حَسَداً مصدراً من ذلك الـمعنى.

وأما قوله: {مِنْ عِنْدِ أنْفُسِهِمْ} فإنه يعنـي بذلك: من قِبَلِ أنفسهم، كما يقول القائل: لـي عندك كذا وكذا، بـمعنى: لـي قِبَلك. وكما:

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر قوله: {مِنْ عِنْدِ أنْفُسِهِمْ}.

وإنـما أخبر الله جل ثناؤه عنهم الـمؤمنـين أنهم ودوا ذلك للـمؤمنـين من عند أنفسهم إعلاماً منه لهم بأنهم لـم يؤمروا بذلك فـي كتابهم، وأنهم يأتون ما يأتون من ذلك علـى علـم منهم بنهي الله إياهم عنه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {مِنْ بَعْدِ ما تَبَـيّنَ لهُمُ الـحَقُّ}.

يعنـي جل ثناؤه بقوله: {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَـيَّنَ لَهُمُ الـحَقُّ} أي من بعد ما تبـين لهؤلاء الكثـير من أهل الكتاب الذين يودّون أنهم يردونكم كفـاراً من بعد إيـمانكم الـحقّ فـي أمر مـحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند ربه والـملة التـي دعا إلـيها فأضاء لهم أن ذلك الـحقّ الذي لا يـمترون فـيه. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: {مِنْ بَعْدِ ما تَبَـيَّنَ لَهُمُ الـحَقُّ} من بعد ما تبـين لهم أن مـحمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإسلامَ دينُ الله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: {مِنْ بَعْدِ ما تَبَـيّنَ لَهُمُ الـحَقُّ} يقول: تبـين لهم أن مـحمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم يجدونه مكتوبـاً عندهم فـي التوراة والإنـجيـل.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله وزاد فـيه: فكفروا به حسداً وبغياً، إذْ كان من غيرهم.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {مِنْ بَعْدِ ما تَبَـيَّنَ لَهُمُ الـحَقُّ} قال: الـحقّ: هو مـحمد صلى الله عليه وسلم فتبـين لهم أنه هو الرسول.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {مِنْ بَعْدِ ما تَبَـيَّنَ لَهُمُ الـحَقّ} قال: قد تبـين لهم أنه رسول الله.

قال أبو جعفر: فدلّ بقوله ذلك أن كُفْرَ الذين قصّ قصتهم فـي هذه الآية بـالله وبرسوله عنادٌ، وعلـى علـم منهم ومعرفة، بأنهم علـى الله مفترون. كما:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: {مِنْ بَعْدِ ما تَبَـيَّنَ لَهُمُ الـحَقُّ} يقول الله تعالـى ذكره: من بعد ما أضاء لهم الـحقّ لـم يجهلوا منه شيئاً، ولكن الـحسد حملهم علـى الـجحد. فعيرهم الله ولامهم ووبخهم أشدّ الـملامة.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فـاعْفُوا وَاصْفَحُوا حتـى يَأتِـيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ}.

يعنـي جل ثناؤه بقوله: {فـاعْفُوا} فتـجاوزوا عما كان منهم من إساءة وخطأ فـي رأي أشاروا به علـيكم فـي دينكم، إرادةَ صَدِّكم عنه، ومـحاولة ارتدادكم بعد إيـمانكم، وعما سلف منهم من قـيـلهم لنبـيكم صلى الله عليه وسلم:

{ ٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَٰعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي ٱلدِّينِ }[النساء: 46] واصفحوا عما كان منهم من جهل فـي ذلك حتـى يأتـي الله بأمره، فـيحدث لكم من أمره فـيكم ما يشاء، ويقضي فـيهم ما يريد. فقضى فـيهم تعالـى ذكره، وأتـى بأمره، فقال لنبـيه صلى الله عليه وسلم وللـمؤمنـين به: { قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ }[التوبة: 29]. فنسخ الله جل ثناؤه العفو عنهم والصفح بفرض قتالهم علـى الـمؤمنـين حتـى تصير كلـمتهم وكلـمة الـمؤمنـين واحدة، أو يؤدّوا الـجزية عن يد صَغَاراً. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: حدثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس قوله: {فـاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتـى يَأْتِـيَ اللَّهُ بأمْرِهِ إنَّ اللَّهَ علـى كلِّ شَيْءٍ قَدِير} ونسخ ذلك قوله:

{ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ }

[التوبة: 5]. حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فَـاعْفُوا وَاصْفَحُوا حتـى يأتِـي اللَّهُ بأمْرِهِ} فأتـى الله بأمره فقال:

{ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ }[التوبة: 29] حتـى بلغ: { وَهُمْ صَاغِرُونَ }[التوبة: 29] أي صَغَاراً ونقمة لهم فنسخت هذه الآية ما كان قبلها: {فَـاعْفُوا وَاصْفَحُوا حتـى يَأْتِـيَ اللَّهُ بأمْرِهِ}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله: {فـاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتـى يَأْتِـيَ اللَّهُ بأمْرِهِ} قال: اعفوا عن أهل الكتاب حتـى يحدث الله أمرا. فأحدث الله بعد فقال:

{ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ }[التوبة: 29] إلـى: { وهُمْ صَاغِرُونَ }

[التوبة: 29]. حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {فـاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتـى يَأْتِـيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ} قال: نسختها: «اقْتُلُوا الـمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُـمُوهُمْ».

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {فَـاعْفُوا وَاصْفَحُوا حتـى يَأتِـيَ اللَّهُ بأمْرِهِ} قال: هذا منسوخ، نَسَخَه:

{ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ }[التوبة: 29] إلـى قوله: وَهُمْ صَاغِرُونَ.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {إنَّ الله علـى كُلّ شيْءٍ قَدِير}.

قال أبو جعفر: قد دللنا فـيـما مضى علـى معنى القدير وأنه القويّ. فمعنى الآية ههنا: أن الله علـى كل ما يشاء بـالذين وصفت لكم أمرهم من أهل الكتاب وغيرهم قديرٌ، إن شاء الانتقام منهم بعنادهم ربهم وإن شاء هداهم لـما هداكم الله له من الإيـمان، لا يتعذّر علـيه شيء أراده ولا يتعذّر علـيه أمر شاء قضاءه لأن له الـخـلق والأمر.

الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ