انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة البقرة

تفسير الطبريالآيات 62–66

تفسير سورة البقرة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة البقرة

الخلاصة من تفسير الطبري · 20 مقطعًا · 5:38:46

  1. 1 الآيات 60–74في هذه الصفحة 14:29

التفسير الصوتي لسورة البقرة كاملًا (20 مقطعًا)

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝٦٢

قال أبو جعفر: أما الذين آمنوا فهم الـمصدّقون رسول الله فـيـما أتاهم به من الـحقّ من عند الله، وإيـمانهم بذلك: تصديقهم به علـى ما قد بـيناه فـيـما مضى من كتابنا هذا. وأما الذين هادوا، فهم الـيهود، ومعنى هادوا: تابوا، يقال منه: هاد القوم يهودون هَوْدا وهادةً. وقـيـل: إنـما سميت الـيهود يهود من أجل قولهم: إنا هُدْنا إلَـيْكَ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاح، عن ابن جريج، قال: إنـما سميت الـيهود من أجل أنهم قالوا:

{ إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ قَالَ }

[الأعراف: 156] القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَٱلنَّصَارَىٰ}.

قال أبو جعفر: والنصارى جمع، واحدهم نَصْران، كما واحد السَكارى سكران، وواحد النّشاوى نشوان. وكذلك جمع كل نعت كان واحده علـى فعلان، فإن جمعه علـى فعالـى إلا أن الـمستفـيض من كلام العرب فـي واحد النصارى نصرانـيّ. وقد حُكي عنهم سماعاً «نَصْرَان» بطرح الـياء، ومنه قول الشاعر:

تَرَاهُ إذَا زَارَ العَشِيُّ مُـحَنِّفـاً ويُضْحِي لَدَيْهِ وَهْوَ نَصْرانُ شَامِسُ

وسمع منهم فـي الأنثى نصرانة، قال الشاعر:

فكِلْتاهُما خَرَّتْ وأسْجَدَ رأسُها كما سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لـمْ تَـحَنَّفِ

يقال: أسجد: إذا مال. وقد سمع فـي جمعهم أنصار بـمعنى النصارى، قال الشاعر:

لَـمّا رأيْتُ نَبَطاً أنْصَارَا شَمّرْتُ عَنْ رُكْبَتِـي الإزارَا كُنْتُ لَهُمْ مِن النّصَارَى جارَا

وهذه الأبـيات التـي ذكرتها تدل علـى أنهم سُموا نصارى لنصرة بعضهم بعضاً وتناصرهم بـينهم. وقد قـيـل إنهم سموا نصارى من أجل أنهم نزلوا أرضاً يقال لها «ناصرة».

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج: النصارى إنـما سموا نصارى من أجل أنهم نزلوا أرضاً يقال لها ناصرة.

ويقول آخرون: لقوله:

{ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ } [آل عمران: 52].

وقد ذكر عن ابن عبـاس من طريق غير مرتضى أنه كان يقول: إنـما سميت النصارى نصارى، لأن قرية عيسى بن مريـم كانت تسمى ناصرة، وكان أصحابه يسمون الناصريـين، وكان يقال لعيسى: الناصري.

حدثت بذلك عن هشام بن مـحمد، عن أبـيه، عن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: إنـما سموا نصارى لأنهم كانوا بقرية يقال لها ناصرة ينزلها عيسى بن مريـم، فهو اسم تسموا به ولـم يؤمروا به.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ} قال: تسموا بقرية يقال لها ناصرة، كان عيسى بن مريـم ينزلها.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَٱلصَّابِئِينَ} قال أبو جعفر: والصابئون جمع صابىء، وهو الـمستـحدث سوى دينه ديناً، كالـمرتدّ من أهل الإسلام عن دينه. وكل خارج من دين كان علـيه إلـى آخر غيره تسميه العرب صابئاً، يقال منه: صَبَأ فلان يَصْبَأ صَبْأً، ويقال: صبأت النـجوم: إذا طلعت، وصبأ علـينا فلان موضع كذا وكذا، يعنـي به طلع.

واختلف أهل التأويـل فـيـمن يـلزمه هذا الاسم من أهل الـملل. فقال بعضهم: يـلزم ذلك كل من خرج من دين إلـى غير دين. وقالوا: الذين عنى الله بهذا الاسم قوم لا دين لهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق جميعاً، عن سفـيان، عن لـيث، عن مـجاهد، قال: (الصَّابِئُونَ) لـيسوا بـيهود ولا نصارى ولا دين لهم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن الـحجاج بن أرطاة، عن القاسم بن أبـي بزة، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن الـحجاج، عن مـجاهد، قال: الصابئون بـين الـمـجوس والـيهود لا تؤكل ذبـائحهم ولا تنكح نساؤهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن حجاج، عن قتادة، عن الـحسن مثل ذلك.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح: الصابئين بـين الـيهود والـمـجوس لا دين لهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مـجاهد: الصابئين بـين الـمـجوس والـيهود، لا دين لهم.

قال ابن جريج: قلت لعطاء: «الصابئين» زعموا أنها قبـيـلة من نـحو السواد لـيسوا بـمـجوس ولا يهود ولا نصارى. قال: قد سمعنا ذلك، وقد قال الـمشركون للنبـي صلى الله عليه وسلم: قد صبأ.

وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: (الصَّابِئُون) قال: الصابئون: دين من الأديان، كانوا بجزيرة الـموصل يقولون: «لا إلٰه إلاّ الله»، ولـيس لهم عمل ولا كتاب ولا نبـيّ إلا قول لا إلٰه إلاّ الله. قال: ولـم يؤمنوا برسول الله، فمن أجل ذلك كان الـمشركون يقولون للنبـيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه: هؤلاء الصابئون. يشبهونهم بهم.

وقال آخرون: هم قوم يعبدون الـملائكة، ويصلون إلـى القبلة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، عن أبـيه، عن الـحسن، قال: حدثنـي زياد: أن الصابئين يصلون إلـى القبلة ويصلون الـخمس. قال: فأراد أن يضع عنهم الـجزية. قال: فخُبِّر بعد أنهم يعبدون الـملائكة.

وحدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {وَٱلصَّابِئِينَ} قال: الصابئون قوم يعبدون الـملائكة، ويصلون إلـى القبلة، ويقرؤن الزبور.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، ثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية قال: الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور.

قال أبو جعفر الرازي: وبلغنـي أيضا أن الصابئين قوم يعبدون الـملائكة، ويقرءون الزبور، ويصلون إلـى القبلة.

وقال آخرون: بل هم طائفة من أهل الكتاب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: حدثنا أبـي عن سفـيان، قال: سئل السديّ عن الصابئين فقال: هم طائفة من أهل الكتاب.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ}.

قال أبو جعفر: يعنـي بقوله: {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}: من صدق وأقرّ بـالبعث بعد الـمـمات يوم القـيامة وعمل صالـحا فأطاع الله، فلهم أجرهم عند ربهم، يعنـي بقوله: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} فلهم ثواب عملهم الصالـح عند ربهم.

فإن قال لنا قائل: فأين تـمام قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلصَّابِئِينَ}؟ قـيـل: تـمامه جملة قوله: {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} لأن معناه: من آمن منهم بـالله والـيوم الآخر فترك ذكر منهم لدلالة الكلام علـيه استغناء بـما ذكر عما ترك ذكره.

فإن قال: وما معنى هذا الكلام؟ قـيـل: إن معناه: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من يؤمن بـالله والـيوم الآخر فلهم أجرهم عند ربهم.

فإن قال: وكيف يؤمن الـمؤمن؟ قـيـل: لـيس الـمعنى فـي الـمؤمن الـمعنى الذي ظننته من انتقال من دين إلـى دين كانتقال الـيهودي والنصرانـي إلـى الإيـمان، وإن كان قد قـيـل إن الذين عنوا بذلك من كان من أهل الكتاب علـى إيـمانه بعيسى، وبـما جاء به، حتـى أدرك مـحمداً صلى الله عليه وسلم، فآمن به وصدّقه، فقـيـل لأولئك الذين كانوا مؤمنـين بعيسى وبـما جاء به إذ أدركوا مـحمداً صلى الله عليه وسلم: آمنوا بـمـحمد وبـما جاء به، ولكن معنى إيـمان الـمؤمن فـي هذا الـموضع ثبـاته علـى إيـمانه وتركه تبديـله.

وأما إيـمان الـيهود والنصارى والصابئين، فـالتصديق بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وبـما جاء به، فمن يؤمن منهم بـمـحمد، وبـما جاء به والـيوم الآخر، ويعمل صالـحاً، فلـم يبدّل ولـم يغير، حتـى توفـي علـى ذلك، فله ثواب عمله وأجره عند ربه، كما وصف جل ثناؤه.

فإن قال قائل: وكيف قال: فلهم أجرهم عند ربهم، وإنـما لفظ من لفظ واحد، والفعل معه موحد؟ قـيـل: «مَنْ» وإن كان الذي يـلـيه من الفعل موحدا، فإن له معنى الواحد والاثنـين والـجمع والتذكير والتأنـيث، لأنه فـي كل هذه الأحوال علـى هيئة واحدة وصورة واحدة لا يتغير، فـالعرب توحد معه الفعل وإن كان فـي معنى جمع للفظه، وتـجمع أخرى معه الفعل لـمعناه، كما قال جل ثناؤه:

{ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ }[يونس: 42-43] فجمع مرة مع من الفعل لـمعناه، ووحد أخرى معه الفعل لأنه فـي لفظ الواحد، كما قال الشاعر:

ألِـمَّا بسَلْـمَى عَنْكما إنْ عَرَضْتُـما وَقُولا لَهَا عُوجي علـى مَنْ تَـخَـلَّفُوا

فقال: تـخـلفوا، وجعل «من» بـمنزلة الذين. وقال الفرزدق:

تَعالَ فإنْ عاهَدْتَنِـي لا تـخُونُنِـي نَكُنْ مِثْل مَنْ يا ذِئبُ يَصْطَحِبـانِ

فثنى يصطحبـان لـمعنى «من». فكذلك قوله: {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ... فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} وحد آمن وعمل صالـحاً للفظ من، وجمع ذكرهم فـي قوله: {فَلَهُمْ أجْرُهُمْ} لـمعناه، لأنه فـي معنى جمع.

وأما قوله: {ولا خَوْفٌ عَلَـيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون} فإنه يعنـي به جل ذكره: ولا خوف علـيهم فـيـما قدموا علـيه من أهوال القـيامة، ولا هم يحزنون علـى ما خـلفوا وراءهم من الدنـيا وعيشها عند معاينتهم ما أعدّ الله لهم من الثواب والنعيـم الـمقـيـم عنده.

ذكر من قال عُنِـي بقوله: {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ}: مؤمنوا أهل الكتاب الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط بن نصر، عن السديّ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} الآية، قال: نزلت هذه الآية فـي أصحاب سلـمان الفـارسي، وكان سلـمان من جُنْد يْسابور، وكان من أشرافهم، وكان ابن الـملك صديقاً له مواخياً، لا يقضي واحد منهما أمراً دون صاحبه، وكانا يركبـان إلـى الصيد جميعاً. فبـينـما هما فـي الصيد إذ رفع لهما بـيت من خبَـاء، فأتـياه فإذا هما فـيه برجل بـين يديه مصحف يقرأ فـيه وهو يبكي، فسألاه ما هذا، فقال: الذي يريد أن يعلـم هذا لا يقـف موقـفكما، فإن كنتـما تريدان أن تعلـما ما فـيه فـانزلا حتـى أعلـمكما، فنزلا إلـيه، فقال لهما: هذا كتاب جاء من عند الله، أمر فـيه بطاعته، ونهى عن معصيته، فـيه: أن لا تزنـي، ولا تسرق، ولا تأخذ أموال الناس بـالبـاطل. فقصّ علـيهما ما فـيه، وهو الإنـجيـل الذي أنزله الله علـى عيسى. فوقع فـي قلوبهما وتابعاه فأسلـما، وقال لهما: إن ذبـيحة قومكما علـيكما حرام، فلـم يزالا معه كذلك يتعلـمان منه، حتـى كان عيد للـملك، فجعل طعاما، ثم جمع الناس والأشراف، وأرسل إلـى ابن الـملك فدعاه إلـى صنـيعه لـيأكل مع الناس، فأبى الفتـى وقال: إنـي عنك مشغول، فكل أنت وأصحابك، فلـما أكثر علـيه من الرسل، أخبرهم أنه لا يأكل من طعامهم، فبعث الـملك إلـى ابنه، فدعاه وقال: ما أمرك هذا؟ قال: إنا لا نأكل من ذبـائحكم، إنكم كفـار لـيس تـحلّ ذبـائحكم، فقال له الـملك: من أمرك بهذا؟ فأخبره أن الراهب أمره بذلك، فدعا الراهب فقال: ماذا يقول ابنـي؟ قال: صدق ابنك، قال له: لولا أن الدم فـينا عظيـم لقتلتك، ولكن اخرج من أرضنا فأجّله أجلاً. فقال سلـمان: فقمنا نبكي علـيه، فقال لهما: إن كنتـما صادقـين، فإنا فـي بـيعة بـالـموصل مع ستـين رجلاً نعبد الله فـيها، فأتونا فـيها. فخرج الراهب، وبقـي سلـمان وابن الـملك فجعل يقول لابن الـملك: انطلق بنا، وابن الـملك يقول: نعم، وجعل ابن الـملك يبـيع متاعه يريد الـجهاز. فلـما أبطأ علـى سلـمان، خرج سلـمان حتـى أتاهم، فنزل علـى صاحبه وهو ربّ البـيعة، وكان أهل تلك البـيعة من أفضل الرهبـان، فكان سلـمان معهم يجتهد فـي العبـادة، ويتعب نفسه، فقال له الشيخ: إنك غلام حدث تتكلف من العبـادة ما لا تطيق، وأنا خائف أن تفتر وتعجز، فـارفق بنفسك وخفف علـيها فقال له سلـمان: أرأيت الذي تأمرنـي به أهو أفضل، أو الذي أصنع؟ قال: بل الذي تصنع؟ قال: فخـلّ عنـي. ثم إن صاحب البـيعة دعاه فقال: أتعلـم أن هذه البـيعة لـي، وأنا أحقّ الناس بها، ولو شئت أن أخرج هؤلاء منها لفعلت؟ ولكنـي رجل أضعف عن عبـادة هؤلاء، وأنا أريد أن أتـحوّل من هذه البـيعة إلـى بـيعة أخرى هم أهون عبـادة من هؤلاء، فإن شئت أن تقـيـم ههنا فأقم، وإن شئت أن تنطلق معي فـانطلق. قال له سلـمان: أيّ البـيعتـين أفضل أهلاً؟ قال: هذه. قال سلـمان: فأنا أكون فـي هذه. فأقام سلـمان بها وأوصى صاحب البـيعة عالـم البـيعة بسلـمان، فكان سلـمان يتعبد معهم، ثم إن الشيخ العالـم أراد أن يأتـي بـيت الـمقدس، فقال لسلـمان: إن أردت أن تنطلق معي فـانطلق، وإن شئت أن تقـيـم فأقم. فقال له سلـمان: أيهما أفضل أنطلق معك أم أقـيـم؟ قال: لا بل تنطلق معي. فـانطلق معه فمرّوا بـمقعد علـى ظهر الطريق ملقـى، فلـما رآهما نادى: يا سيد الرهبـان ارحمنـي يرحمك الله، فلـم يكلـمه، ولـم ينظر إلـيه، وانطلقا حتـى أتـيا بـيت الـمقدس، فقال الشيخ لسلـمان: اخرج فـاطلب العلـم فإنه يحضر هذا الـمسجد علـماء أهل الأرض. فخرج سلـمان يسمع منهم، فرجع يوماً حزيناً، فقال له الشيخ: مالك يا سلـمان؟ قال: أرى الـخير كله قد ذهب به من كان قبلنا من الأنبـياء وأتبـاعهم، فقال له الشيخ: يا سلـمان لا تـحزن، فإنه قد بقـي نبـيّ لـيس من نبـيّ بأفضل تبعاً منه وهذا زمانه الذي يخرج فـيه، ولا أرانـي أدركه، وأما أنت فشاب لعلك أن تدركه، وهو يخرج فـي أرض العرب، فإن أدركته فآمن به واتبعه فقال له سلـمان: فأخبرنـي عن علامته بشيء. قال: نعم، هو مختوم فـي ظهره بخاتـم النبوّة، وهو يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة. ثم رجعا حتـى بلغا مكان الـمقعد، فناداهما فقال: يا سيد الرهبـان ارحمنـي يرحمك الله، فعطف إلـيه حماره، فأخذ بـيده فرفعه، فضرب به الأرض ودعا له، وقال: قم بإذن الله، فقام صحيحاً يشتدّ، فجعل سلـمان يتعجب وهو ينظر إلـيه يشتدّ. وسار الراهب فتغيب عن سلـمان ولا يعلـم سلـمان. ثم إن سلـمان فزع فطلب الراهب، فلقـيه رجلان من العرب من كلب فسألهما: هل رأيتـما الراهب؟ فأناخ أحدهما راحلته، قال: نعم راعي الصِّرْمة هذا، فحمله فـانطلق به إلـى الـمدينة. قال سلـمان: فأصابنـي من الـحزن شيء لـم يصبنـي مثله قط. فـاشترته امرأة من جهينة فكان يرعى علـيها هو وغلام لها يتراوحان الغنـم هذا يوماً وهذا يوماً، فكان سلـمان يجمع الدراهم ينتظر خروج مـحمد صلى الله عليه وسلم. فبـينا هو يوما يرعى، إذ أتاه صاحبه الذي يعقبه، فقال: أشعرت أنه قد قدم الـيوم الـمدينة رجل يزعم أنه نبـيّ؟ فقال له سلـمان: أقم فـي الغنـم حتـى آتـيك. فهبط سلـمان إلـى الـمدينة، فنظر إلـى النبـي صلى الله عليه وسلم ودار حوله، فلـما رآه النبـي صلى الله عليه وسلم عرف ما يريد، فأرسل ثوبه، حتـى خرج خاتـمه، فلـما رآه أتاه وكلـمه، ثم انطلق، فـاشترى بدينار ببعضه شاة وببعضه خبزاً، ثم أتاه به، فقال:

ما هذا؟قال سلـمان: هذه صدقة قال:لا حاجة لـي بها فأخْرِجْها فلـيأْكُلْها الـمسلـمون. ثم انطلق فـاشترى بدينار آخر خبزاً ولـحماً، فأتـى به النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فقال:ما هذا؟قال: هذه هدية، قال:فـاقْعُدْ، فقعد فأكلا جميعاً منها. فبـينا هو يحدّثه إذ ذكر أصحابه، فأخبره خبرهم، فقال: كانوا يصومون ويصلون ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبـياً فلـما فرغ سلـمان من ثنائه علـيهم قال له نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم:يا سَلْـمانُ هُمْ مِنْ أهْلِ النّارِ. فـاشتدّ ذلك علـى سلـمان، وقد كان قال له سلـمان: لو أدركوك صدّقوك واتبعوك، فأنزل الله هذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}.

فكان إيـمان الـيهود أنه من تـمسك بـالتوراة وسنة موسى حتـى جاء عيسى، فلـما جاء عيسى كان من تـمسك بـالتوراة وأخذ بسنة موسى فلـم يدعها ولـم يتبع عيسى كان هالكا. وإيـمان النصارى أنه من تـمسك بـالإنـجيـل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولاً منه، حتـى جاء مـحمد صلى الله عليه وسلم، فمن لـم يتبع مـحمدا صلى الله عليه وسلم منهم ويدع ما كان علـيه من سنة عيسى والإنـجيـل كان هالكاً.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} الآية. قال سلـمان الفـارسي للنبـي صلى الله عليه وسلم عن أولئك النصارى وما رأى من أعمالهم، قال: لـم يـموتوا علـى الإسلام. قال سلـمان: فأظلـمت علـيّ الأرض. وذكر اجتهادهم، فنزلت هذه الآية، فدعا سلـمان فقال:

نزلت هذه الآية فـي أصحابك. ثم قال النبـي صلى الله عليه وسلم:مَنْ مَاتَ علـى دِينِ عِيسَى ومات علـى الإسْلامِ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ بِـي فَهُوَ علـى خَيْرٍ وَمَنْ سَمِعَ بِـي الـيَوْمَ وَلَـمْ يُؤْمِنْ بِـي فَقَدْ هَلَكَ

وقال ابن عبـاس بـما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: حدثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلصَّابِئِينَ} إلـى قوله: {ولا هُمْ يَحْزَنُونَ}. فأنزل الله تعالـى بعد هذا: وَمَنْ يَبْتَغِ غيرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِـي الآخِرَةِ مِنَ الـخَاسِرِينَ. وهذا الـخبر يدلّ علـى أن ابن عبـاس كان يرى أن الله جل ثناؤه كان قد وعد من عمل صالـحاً من الـيهود والنصارى والصابئين علـى عمله فـي الآخرة الـجنة، ثم نسخ ذلك بقوله:

{ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ }

[آل عمران: 85] فتأويـل الآية إذا علـى ما ذكرنا عن مـجاهد والسدي: إن الذين آمنوا من هذه الأمة، والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن من الـيهود والنصارى والصابئين بـالله والـيوم الآخر، {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.

والذي قلنا من التأويـل الأول أشبه بظاهر التنزيـل، لأن الله جل ثناؤه لـم يخصص بـالأجر علـى العمل الصالـح مع الإيـمان بعض خـلقه دون بعض منهم، والـخبر بقوله: {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} عن جميع ما ذكر فـي أول الآية.

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ۝٦٣

قال أبو جعفر: الـميثاق: الـمفعال من الوثـيقة إما بـيـمين، وإما بعهد أو غير ذلك من الوثائق.

ويعنـي بقوله: {وَأذْ أخَذْنا ميثاقَكُمْ} الـميثاق الذي أخبر جل ثناؤه أنه أخذ منهم فـي قوله:

{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }[البقرة: 83] الآيات الذي ذكر معها. وكان سبب أخذ الـميثاق علـيهم فـيـما ذكره ابن زيد ما:

حدثنـي به يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: لـما رجع موسى من عند ربه بـالألواح قال لقومه بنـي إسرائيـل: إن هذه الألواح فـيها كتاب الله، وأمره الذي أمركم به، ونهيه الذي نهاكم عنه، فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتـى نرى الله جهرة حتـى يطلع الله علـينا فـيقول: هذا كتابـي فخذوه فما له لا يكلـمنا كما كلـمك أنت يا موسى فـيقول: هذا كتابـي فخذوه؟ قال: فجاءت غضبة من الله فجاءتهم صاعقة فصعقتهم، فماتوا أجمعون. قال: ثم أحياهم الله بعد موتهم، فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله فقالوا: لا، قال: أيّ شيء أصابكم؟ قالوا: متنا ثم حيـينا، قال: خذوا كتاب الله قالوا: لا. فبعث ملائكته فنتقت الـجبل فوقهم، فقـيـل لهم: أتعرفون هذا؟ قالوا: نعم، هذا الطور، قال: خذوا الكتاب وإلا طرحناه علـيكم قال: فأخذوه بـالـميثاق. وقرأ قول الله:

{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }[البقرة: 83] حتـى بلغ: { وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }[البقرة: 74] قال: ولو كانوا أخذوه أوّل مرّة لأخذوه بغير ميثاق.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ}.

قال أبو جعفر: وأما الطور فإنه الـجبل فـي كلام العرب، ومنه قول العجاج:

دَانَى جنَاحَيْهِ مِنَ الطُّورِ فَمَرّ تَقَضِّيَ البـازِي إذا البـازِي كَسَرْ

وقـيـل إنه اسم جبل بعينه. وذكر أنه الـجبل الذي ناجى الله علـيه موسى. وقـيـل: إنه من الـجبـال ما أنبت دون ما لـم ينبت. ذكر من قال: هو الـجبل كائنا ما كان.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: أمر موسى قومه أن يدخـلوا البـاب سجداً ويقولوا حطة وطؤطىء لهم البـاب لـيسجدوا، فلـم يسجدوا ودخـلوا علـى أدبـارهم، وقالوا حنطة. فنتق فوقهم الـجبل يقول: أخرج أصل الـجبل من الأرض فرفعه فوقهم كالظلة، والطور بـالسريانـية: الـجبل تـخويفـاً أو خوفـاً، شك أبو عاصم فدخـلوا سُجّداً علـى خوف وأعينهم إلـى الـجبل، وهو الـجبل الذي تـجلـى له ربه.

وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: رفع الـجبل فوقهم كالسحابة، فقـيـل لهم: لتؤمننّ أو لـيقعنّ علـيكم، فآمنوا. والـجبل بـالسريانـية: الطور.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ} قال: الطور: الـجبل، كانوا بأصله فرفع علـيهم فوق رءوسهم، فقال: لتأخذُنّ أمري أو لأرمينكم به.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ} قال: الطور: الـجبل اقتلعه الله فرفعه فوقهم، فقال: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ} فأقرّوا بذلك.

وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر عن الربـيع، عن أبـي العالـية: {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ} قال: رفع فوقهم الـجبل يخوّفهم به.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبـيّ، عن النضر، عن عكرمة، قال: الطور: الـجبل.

وحدثنا موسى، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي: لـما قال الله لهم:

{ ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ }[البقرة: 58] فأبوا أن يسجدوا أمر الله الـجبل أن يقع علـيهم، فنظروا إلـيه وقد غشيهم، فسقطوا سجداً علـى شقّ، ونظروا بـالشق الآخر. فرحمهم الله، فكشفه عنهم. فذلك قوله: { وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ }[الأعراف: 171] وقوله: {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ}.

وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الـجبل بـالسريانـية: الطور.

وقال آخرون: الطور: اسم للـجبل الذي ناجى الله موسى علـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس الطور: الـجبل الذي أنزلت علـيه التوراة، يعنـي علـى موسى، وكانت بنو إسرائيـل أسفل منه.

قال ابن جريج: وقال لـي عطاء: رفع الـجبل علـى بنـي إسرائيـل فقال: لتؤمننّ به أو لـيقعن علـيكم، فذلك قوله:

{ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ }

[الأعراف: 171] وقال آخرون: الطور من الـجبـال: ما أنبت خاصة. ذكر من قال ذلك:

حدثت عن الـمنـجاب، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس فـي قوله: {ٱلطُّورَ} قال: الطور من الـجبـال: ما أنبت، وما لـم ينبت فلـيس بطور.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ}.

قال أبو جعفر: اختلف أهل العربـية فـي تأويـل ذلك، فقال بعض نـحويـي أهل البصرة: هو مـما استغنـي بدلالة الظاهر الـمذكور عما ترك ذكره له، وذلك أن معنى الكلام: ورفعنا فوقكم الطور وقلنا لكم خذوا ما آتـيناكم بقوة، وإلا قذفناه علـيكم.

وقال بعض نـحويـي أهل الكوفة: أخذ الـميثاق قول فلا حاجة بـالكلام إلـى إضمار قول فـيه، فـيكون من كلامين غير أنه ينبغي لكل ما خالف القول من الكلام الذي هو بـمعنى القول أن يكون معه أن كما قال الله جل ثناؤه:

{ إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ }[نوح: 1] قال: ويجوز أن تـحذف أن.

والصواب فـي ذلك عندنا أن كل كلام نطق به مفهوم به معنى ما أريد ففـيه الكفـاية من غيره، ويعنـي بقوله: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم}: ما أمرناكم به فـي التوراة، وأصل الإيتاء: الإعطاء. ويعنـي بقوله: {بِقُوَّةٍ} بجدّ فـي تأدية ما أمركم فـيه وافترض علـيكم. كما:

حدثت عن إبراهيـم بن بشار، قال: حدثنا ابن عيـينة، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ} قال: تعملوا بـما فـيه.

وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ} قال: بطاعة.

وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ} قال: القوّة: الـجدّ، وإلا قذفته علـيكم. قال: فأقرّوا بذلك أنهم يأخذون ما أوتوا بقوّة.

وحدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي: {بِقُوَّةٍ}: يعنـي بجدّ واجتهاد.

وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد وسألته عن قول الله: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ} قال: خذوا الكتاب الذي جاء به موسى بصدق وبحقّ.

فتأويـل الآية إذا: خذوا ما افترضناه علـيكم فـي كتابنا من الفرائض فـاقبلوه واعملوا بـاجتهاد منكم فـي أدائه من غير تقصير ولا توان. وذلك هو معنى أخذهم إيّاه بقوّة بجدّ.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

قال أبو جعفر: يعنـي: واذكروا ما فـيـما آتـيناكم من كتابنا من وعد ووعيد شديد وترغيب وترهيب، فـاتلوه واعتبروا به وتَدبَّرُوه إذا فعلتـم ذلك كي تتقوا وتـخافوا عقابـي بإصراركم علـى ضلالكم فتنتهوا إلـى طاعتـي وتنزّعوا عما أنتـم علـيه من معصيتـي. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، قال: حدثنـي ابن إسحاق، عن داود بن الـحصين، عن عكرمة عن ابن عبـاس: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} قال: تنزعون عما أنتـم علـيه.

والذي آتاهم الله هو التوراة. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ} يقول: اذكروا ما فـي التوراة.

كما حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله: {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ} يقول: أمروا بـما فـي التوراة.

وحدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألت ابن زيد عن قول الله: {وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ} قال: اعملوا بـما فـيه بطاعةٍ لله وصدق، قال: وقال اذكروا ما فـيه لا تنسوه ولا تُغفلوه.

ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ۝٦٤

قال أبو جعفر: يعنـي بقوله جل ثناؤه: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} ثم أعرضتـم. وإنـما هو «تفعّلتـم» من قولهم: ولانـي فلان دبره: إذا استدبر عنه وخـلفه خـلف ظهره، ثم يستعمل ذلك فـي كل تارك طاعة أمر بها عزّ وجل معرض بوجهه، يقال: قد تولـى فلان عن طاعة فلان، وتولـى عن مواصلته. ومنه قول الله جل ثناؤه:

{ فَلَمَّآ آتَاهُمْ مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ }[التوبة: 76] يعنـي بذلك: خالفوا ما كانوا وعدوا الله من قولهم: { لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ }[التوبة: 75] ونبذوا ذلك وراء ظهورهم، ومن شأن العرب استعارة الكلـمة ووضعها مكان نظيرها، كما قال أبو ذؤيب الهذلـي:

فَلَـيْسَ كعَهْدِ الدَّارِ يا أُمَّ مالِكٍ ولَكِنْ أحاطَتْ بـالرّقابِ السّلاسِلُ وَعادَ الفَتَـى كالكَهْلِ لَـيْسَ بقائِلٍ سِوَى الـحَقّ شَيْئاً واسْتَرَاح العَواذِلُ

يعنـي بقوله: «أحاطت بـالرقاب السلاسل» أن الإسلام صار فـي منعه إيانا ما كنا نأتـيه فـي الـجاهلـية مـما حرّمه الله علـينا فـي الإسلام بـمنزلة السلاسل الـمـحيطة برقابنا التـي تـحول بـين من كانت فـي رقبته مع الغلّ الذي فـي يده وبـين ما حاول أن يتناوله. ونظائر ذلك فـي كلام العرب أكثر من أن تـحصى، فكذلك قوله: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} يعنـي بذلك أنكم تركتـم العمل بـما أخذنا ميثاقكم وعهودكم علـى العمل به بجدّ واجتهاد بعد إعطائكم ربكم الـمواثـيق علـى العمل به والقـيام بـما أمركم به فـي كتابكم فنبذتـموه وراء ظهوركم. وكنـي بقوله جلّ ذكره: «ذلك» عن جميع ما قبله فـي الآية الـمتقدمة، أعنـي قوله: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ }

[البقرة: 63] القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ}.

قال أبو جعفر: يعنـي بقوله جل ذكره: {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} فلولا أن الله تفضل علـيكم بـالتوبة بعد نكثكم الـميثاق الذي واثقتـموه، إذ رفع فوقكم الطور، بأنكم تـجتهدون فـي طاعته، وأداء فرائضه، والقـيام بـما أمركم به، والانتهاء عما نهاكم عنه فـي الكتاب الذي آتاكم، فأنعم علـيكم بـالإسلام ورحمته التـي رحمكم بها، وتـجاوز عنكم خطيئتكم التـي ركبتـموها بـمراجعتكم طاعة ربكم لكنتـم من الـخاسرين. وهذا وإن كان خطابـاً لـمن كان بـين ظهرانـي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنـما هو خبر عن أسلافهم، فأخرج الـخبر مخرج الـمخبر عنهم علـى نـحو ما قد بـينا فـيـما مضى من أن القبـيـلة من العرب تـخاطب القبـيـلة عند الفخار أو غيره بـما مضى من فعل أسلاف الـمخاطب بأسلاف الـمخاطب، فتضيف فعل أسلاف الـمخاطب إلـى نفسها، فتقول: فعلنا بكم، وفعلنا بكم. وقد ذكرنا بعض الشواهد فـي ذلك من شعرهم فـيـما مضى.

وقد زعم بعضهم أن الـخطاب فـي هذه الآيات إنـما أخرج بإضافة الفعل إلـى الـمخاطبـين به والفعل لغيرهم لأن الـمخاطبـين بذلك كانوا يتولون من كان فعل ذلك من أوائل بنـي إسرائيـل، فصيرهم الله منهم من أجل ولايتهم لهم.

وقال بعضهم: إنـما قـيـل ذلك كذلك، لأن سامعيه كانوا عالـمين، وإن كان الـخطاب خرج خطابـاً للأحياء من بنـي إسرائيـل وأهل الكتاب إذ الـمعنى فـي ذلك إنـما هو خبر عما قصّ الله من أنبـاء أسلافهم، فـاستغنى بعلـم السامعين بذلك عن ذكر أسلافهم بأعيانهم. ومثّل ذلك بقول الشاعر:

إذَا ما انْتَسَبْنا لَـمْ تَلِدْنِـي لَئِيـمَةٌ ولَـمْ تَـجِدِي مِنْ أنْ تُقِرِّي بِهِ بُدَّا

فقال: «إذا ما انتسبنا»، و«إذا» تقتضي من الفعل مستقبلاً. ثم قال: «لـم تلدنـي لئيـمة»، فأخبر عن ماض من الفعل، وذلك أن الولادة قد مضت وتقدمت. وإنـما فعل ذلك عند الـمـحتـجّ به لأن السامع قد فهم معناه، فجعل ما ذكرنا من خطاب الله أهل الكتاب الذين كانوا بـين ظهرانـي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم بإضافة أفعال أسلافهم إلـيهم نظير ذلك. والأول الذي قلنا هو الـمستفـيض من كلام العرب وخطابها. وكان أبو العالـية يقول فـي قوله: {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} فـيـما ذكر لنا نـحو القول الذي قلناه.

حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو النضر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: {فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} قال: فضل الله: الإسلام، ورحمته: القرآن.

وحدثت عن عمار،قال ثنا ابن أبـي جعفر، عن الربـيع بـمثله.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {لَكُنْتُم مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ}.

قال أبو جعفر: فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَـيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ إياكم بـانقاذه إياكم بـالتوبة علـيكم من خطيئتكم وجرمكم، لكنتـم البـاخسين أنفسكم حظوظها دائماً، الهالكين بـما اجترمتـم من نقض ميثاقكم وخلافكم أمره وطاعته. وقد تقدم بـياننا قبل بـالشواهد عن معنى الـخسار بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَوْا۟ مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ۝٦٥ فَجَعَلْنَٰهَا نَكَٰلًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ۝٦٦

يعنـي بقوله: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ} ولقد عرفتـم، كقولك: قد علـمت أخاك ولـم أكن أعلـمه، يعنـي عرفته ولـم أكن أعرفه، كما قال جل ثناؤه:

{ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ }[الأنفال: 60] يعنـي: لا تعرفونهم الله يعرفهم. وقوله: {ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ} أي الذين تـجاوزوا حدى وركبوا ما نهيتهم عنه فـي يوم السبت وعصوا أمري. وقد دللت فـيـما مضى علـى أن الاعتداء أصله تـجاوز الـحدّ فـي كل شيء بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

قال: وهذه الآية وآيات بعدها تتلوها، مـما عدّد جل ثناؤه فـيها علـى بنـي إسرائيـل الذين كانوا بـين خلال دور الأنصار زمان النبـي صلى الله عليه وسلم الذين ابتدأ بذكرهم فـي أول هذه السورة من نكث أسلافهم عهد الله وميثاقه ما كانوا يبرمون من العقود، وحذّر الـمخاطبـين بها أن يحلّ بهم بإصرارهم علـى كفرهم ومقامهم علـى جحود نبوّة مـحمد صلى الله عليه وسلم وتركهم أتبـاعه والتصديق بـما جاءهم به من عند ربه مثل الذي حلّ بأوائلهم من الـمسخ والرَّجْف والصَّعْق، وما لا قِبَل لهم به من غضب الله وسخطه. كالذي:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ} يقول: ولقد عرفتـم وهذا تـحذير لهم من الـمعصية، يقول: احذروا أن يصيبكم ما أصاب أصحاب السبت إذ عصونـي، اعتدوا يقول اجترءوا فـي السبت. قال: لـم يبعث الله نبـياً إلا أمره بـالـجمعة وأخبره بفضلها وعظمها فـي السموات وعند الـملائكة، وأن الساعة تقوم فـيها، فمن اتبع الأنبـياء فـيـما مضى كما اتبعت أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم مـحمدا قبل الـجمعة وسمع وأطاع وعرف فضلها وثبت علـيها بـما أمره الله تعالـى به ونبـيه صلى الله عليه وسلم، ومن لـم يفعل ذلك كان بـمنزلة الذين ذكر الله فـي كتابه، فقال: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ}. وذلك أن الـيهود قالت لـموسى حين أمرهم بـالـجمعة وأخبرهم بفضلها: يا موسى كيف تأمرنا بـالـجمعة وتفضلها علـى الأيام كلها، والسبت أفضل الأيام كلها لأن الله خـلق السموات والأرض والأقوات فـي ستة أيام وسَبَت له كل شيء مطيعا يوم السبت، وكان آخر الستة؟ قال: وكذلك قالت النصارى لعيسى ابن مريـم حين أمرهم بـالـجمعة، قالوا له: كيف تأمرنا بـالـجمعة، وأوّل الأيام أفضلها وسيدها، والأول أفضل، والله واحد، والواحد الأول أفضل؟ فأوحى الله إلـى عيسى أن دعهم والأحد، ولكن لـيفعلوا فـيه كذا وكذا مـما أمرهم به. فلـم يفعلوا، فقصّ الله تعالـى قصصهم فـي الكتاب بـمعصيتهم. قال: وكذلك قال الله لـموسى حين قالت له الـيهود ما قالوا فـي أمر السبت: أن دعهم والسبت فلا يصيدوا فـيه سمكاً ولا غيره، ولا يعملون شيئاً كما قالوا. قال: فكان إذا كان السبت ظهرت الـحيتان علـى الـماء فهو قوله:

{ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً }[الأعراف: 163] يقول: ظاهرة علـى الـماء، ذلك لـمعصيتهم موسى. وإذا كان غير يوم السبت صارت صيداً كسائر الأيام، فهو قوله: { وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ }[الأعراف: 163]. ففعلت الـحيتان ذلك ما شاء الله فلـما رأوها كذلك طمعوا فـي أخذها وخافوا العقوبة، فتناول بعضهم منها فلـم تـمتنع علـيه، وحذر العقوبة التـي حذّرهم موسى من الله تعالـى. فلـما رأوا أن العقوبة لا تـحلّ بهم عادوا وأخبر بعضهم بعضاً بأنهم قد أخذوا السمك ولـم يصبهم شيء، فكثروا فـي ذلك وظنوا أن ما قال لهم موسى كان بـاطلاً، وهو قول الله جل ثناؤه: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} يقول لهؤلاء الذين صادوا السمك، فمسخهم الله قردة بـمعصيتهم، يقول: إذا لـم يحيوا فـي الأرض إلا ثلاثة أيام، ولـم تأكل، ولـم تشرب، ولـم تنسل، وقد خـلق الله القردة والـخنازير وسائر الـخـلق فـي الستة الأيام التـي ذكر الله فـي كتابه، فمسخ هؤلاء القوم فـي صورة القردة، وكذلك يفعل بـمن شاء كما يشاء، ويحوّله كما يشاء.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة بن الفضل، قال: ثنا مـحمد بن إسحاق، عن داود بن الـحصين، عن عكرمة مولـى ابن عبـاس، قال: قال ابن عبـاس: إن الله إنـما افترض علـى بنـي إسرائيـل الـيوم الذي افترض علـيكم فـى عيدكم يوم الـجمعة، فخالفوا إلـى السبت فعظموه وتركوا ما أمروا به، فلـما أبوا إلا لزوم السبت ابتلاهم الله فـيه، فحرّم علـيهم ما أحلّ لهم فـي غيره. وكانوا فـي قرية بـين أيـلة والطور يقال لها «مَدْيَن»، فحرّم الله علـيهم فـي السبت الـحيتان صيدها وأكلها، وكانوا إذا كان يوم السبت أقبلت إلـيهم شُرَّعاً إلـى ساحل بحرهم، حتـى إذا ذهب السبت ذهبن، فلـم يروا حوتاً صغيراً ولا كبـيراً. حتـى إذا كان يوم السبت أتـين إلـيهم شرّعاً، حتـى إذا ذهب السبت ذهبن. فكانوا كذلك، حتـى إذا طال علـيهم الأمد وقَرِموا إلـى الـحيتان، عمد رجل منهم فأخذ حوتاً سرّاً يوم السبت فخَزَمه بخيط، ثم أرسله فـي الـماء، وأوتَد له وتدا فـي الساحل، فأوثقه ثم تركه. حتـى إذا كان الغد جاء فأخذه أي إنـي لـم آخذه فـي يوم السبت، ثم انطلق به فأكله. حتـى إذا كان يوم السبت الآخر عاد لـمثل ذلك. ووجد الناس ريح الـحيتان. فقال أهل القرية: والله لقد وجدنا ريح الـحيتان. ثم عثروا علـى ما صنع ذلك الرجل. قال: ففعلوا كما فعل، وأكلوا سرّاً زماناً طويلاً لـم يعجل الله علـيهم بعقوبة حتـى صادوها علانـية وبـاعوها بـالأسواق، وقالت طائفة منهم من أهل التقـية: ويحكم اتقوا الله ونهوهم عما كانوا يصنعون. وقالت طائفة أخرى لـم تأكل الـحيتان ولـم تنه القوم عما صنعوا:

{ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ }[الأعراف: 164] لسخطنا أعمالهم ولعلهم يتقون.

قال ابن عبـاس: فبـينـما هم علـى ذلك أصبحت تلك البقـية فـي أنديتهم ومساجدهم، وفقدوا الناس فلا يرونهم، فقال بعضهم لبعض: إن للناس لشأنا فـانظروا ما هو فذهبوا ينظرون فـي دورهم، فوجدوها مغلقة علـيهم، قد دخـلوا لـيلاً فغلقوها علـى أنفسهم كما تغلق الناس علـى أنفسهم، فأصبحوا فـيها قردة، إنهم لـيعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد، والـمرأة بعينها وإنها لقردة، والصبـي بعينه وإنه لقرد.

قال: يقول ابن عبـاس: فلولا ما ذكر الله أنه أنـجى الذين نهوا عن السوء لقلنا أهلك الـجميع منهم. قالوا: وهي القرية التـي قال الله لـمـحمد صلى الله عليه وسلم:

{ وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ }[الأعراف: 163] الآية.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} أحلت لهم الـحيتان وحرمت علـيهم يوم السبت بلاءً من الله لـيعلـم من يطيعه مـمن يعصيه. فصار القوم ثلاثة أصناف: فأما صنف فأمسك ونهى عن الـمعصية، وأما صنف فأمسك عن حرمة الله، وأما صنف فـانتهك حرمة الله ومرَد علـى الـمعصية، فلـما أبوا إلا الاعتداء إلـى ما نهوا عنه، قال الله لهم: {كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} فصاروا قردة لها أذنابٌ، تَعَاوَى، بعد ما كانوا رجالاً ونساء.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ} قال: نُهوا عن صيد الـحيتان يوم السبت، فكانت تشرع إلـيهم يوم السبت، وبُلوا بذلك فـاعتدوا فـاصطادوها، فجعلهم الله قردة خاسئين.

حدثنـي موسى قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} قال: فهم أهل أيـلة، وهي القرية التـي كانت حاضرة البحر. فكانت الـحيتان إذا كان يوم السبت وقد حرّم الله علـى الـيهود أن يعملوا فـي السبت شيئاً لـم يبق فـي البحر حوت إلا خرج حتـى يخرجن خراطيـمهن من الـماء، فإذا كان يوم الأحد لزمن سفل البحر فلـم ير منهن شيء حتـى يكون يوم السبت. فذلك قوله:

{ وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ }[الأعراف: 163]. فـاشتهى بعضهم السمك، فجعل الرجل يحفر الـحفـيرة ويجعل لها نهراً إلـى البحر، فإذا كان يوم السبت فتـح النهر، فأقبل الـموج بـالـحيتان يضربها حتـى يـلقـيها فـي الـحفـيرة، ويريد الـحوت أن يخرج فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر، فـيـمكث، فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه. فجعل الرجل يشوي السمك، فـيجد جاره ريحه، فـيسأله فـيخبره فـيصنع مثل ما صنع جاره. حتـى إذا فشا فـيهم أكل السمك قال لهم علـماؤهم: ويحكم إنـما تصطادون السمك يوم السبت، وهو لا يحلّ لكم فقالوا: إنـما صدناه يوم الأحد حين أخذناه، فقال الفقهاء: لا، ولكنكم صدتـموه يوم فتـحتـم له الـماء فدخـل فقالوا: لا. وعتوا أن ينتهوا، فقال بعض الذين نهوهم لبعض: { لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً }[الأعراف: 164] يقول: لـم تعظونهم وقد وعظتـموهم فلـم يطيعوكم؟ فقال بعضهم: مَعْذِرةً إلَـى رَبِّكُمْ ولعلَّهم يَتَّقُون. فلـما أبوا قال الـمسلـمون: والله لا نساكنكم فـي قرية واحدة فقسموا القرية بجدار، ففتـح الـمسلـمون بـابـاً والـمعتدون فـي السبت بـابـاً، ولعنهم داود. فجعل الـمسلـمون يخرجون من بـابهم والكفـار من بـابهم فخرج الـمسلـمون ذات يوم ولـم يفتـح الكفـار بـابهم، فلـما أبطئوا علـيهم تسوّر الـمسلـمون علـيهم الـحائط، فإذا هم قردة يثب بعضهم علـى بعض، ففتـحوا عنهم فذهبوا فـي الأرض. فذلك قول الله عز وجل: { فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ }[الأعراف: 166] فذلك حين يقول: { لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ }[المائدة: 78] فهم القردة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} قال: لـم يـمسخوا إنـما هو مثل ضربه الله لهم مثل ما ضرب مثل الـحمار يحمل أسفـاراً.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} قال: مسخت قلوبهم، ولـم يـمسخوا قردة، وإنـما هو مثل ضربه الله لهم كمثل الـحمار يحمل أسفـارا.

وهذا القول الذي قاله مـجاهد قول لظاهر ما دل علـيه كتاب الله مخالف، وذلك أن الله أخبر فـي كتابه أنه جعل منهم القردة والـخنازير وعبد الطاغوت، كما أخبر عنهم أنهم قالوا لنبـيـم:

{ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً }[النساء: 153] وأن الله تعالـى ذكره أصعقهم عند مسألتهم ذلك ربهم وأنهم عبدوا العجل، فجعل توبتهم قتل أنفسهم، وأنهم أُمروا بدخول الأرض الـمقدسة، فقالوا لنبـيهم: { ٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ }[المائدة: 24] فـابتلاهم بـالتـيه. فسواء قال قائل: هم لـم يـمسخهم قردة، وقد أخبر جل ذكره أنه جعل منهم قردة وخنازير، وآخر قال: لـم يكن شيء مـما أخبر الله عن بنـي إسرائيـل أنه كان منهم من الـخلاف علـى أنبـيائهم والعقوبـات والأنكال التـي أحلها الله بهم. ومن أنكر شيئاً من ذلك وأقرّ بآخر منه، سئل البرهان علـى قوله وعورض فـيـما أنكر من ذلك بـما أقرّ به، ثم يسأل الفرق من خبر مستفـيض أو أثر صحيح. هذا مع خلاف قول مـجاهد قول جميع الـحجة التـي لا يجوز علـيها الـخطأ والكذب فـيـما نقلته مـجمعة علـيه، وكفـى دلـيلاً علـى فساد قول إجماعها علـى تـخطئته.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ}.

يعنـي بقوله: {فَقُلْنَا لَهُمْ} أي فقلنا للذين اعتدوا فـي السبت يعنـي فـي يوم السبت. وأصل السبت الهدوّ السكون فـي راحة ودعة، ولذلك قـيـل للنائم مسبوت لهدوّه وسكون جسده واستراحته، كما قال جل ثناؤه: {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً} [النبأ: 9] أي راحة لأجسادكم، وهو مصدر من قول القائل: سبت فلان يسبُتُ سَبْتا. وقد قـيـل إنه سمي سبتاً لأن الله جل ثناؤه فرغ يوم الـجمعة، وهو الـيوم الذي قبله، من خـلق جميع خـلقه.

وقوله: {كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِين} أي صيروا كذلك. والـخاسىء: الـمبعد الـمطرود كما يخسأ الكلب، يقال منه: خسأته أخسؤه خَسْأً وخُسوءاً، وهو يخسأ خُسوءاً، قال: ويقال خسأته فخسأ وانـخسأ، ومنه قول الراجز:

كالكَلْبِ إنْ قُلْتَ لَهُ اخْسأ انْـخَسأْ

يعنـي إن طردته انطرد ذلـيلاً صاغراً. فكذلك معنى قوله: {كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ} أي مبعدين من الـخير أذلاء صغراء. كما:

حدثنا بشار، قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: حدثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} قال: صاغرين.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفـيان، عن رجل، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {خاسِئِينَ} قال: صاغرين.

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله: {كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ} أي أذلة صاغرين.

وحدثت عن الـمنـجاب، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: خاسئاً: يعنـي ذلـيلاً.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل الهاء والألف فـي قوله: {فَجَعَلْناها} وعلام هي عائدة، فروي عن ابن عبـاس فـيها قولان: أحدهما ما:

حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق عن الضحاك، عن ابن عبـاس: {فَجَعَلْنَاها} فجعلنا تلك العقوبة وهي الـمسخة نكالاً. فـالهاء والألف من قوله: {فَجَعَلْناها} علـى قول ابن عبـاس هذا كناية عن الـمسخة، وهي «فَعْلَة» من مَسَخَهم الله مَسْخَةً. فمعنى الكلام علـى هذا التأويـل: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِردَةً خاسِئِينَ} فصاروا قردة مـمسوخين {فَجَعَلْناها} فجعلنا عقوبتنا ومسخنا إياهم {نَكالاً لِـمَا بـينَ يَدَيْها وما خَـلْفَها وَمَوْعِظَةً للْـمُتّقِـينَ}. والقول الآخر من قولـي ابن عبـاس ما:

حدثنـي به مـحمد بن سعد، قال: حدثنـي أبـي قال: حدثنـي عمي، قال: حدثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {فجَعَلْناها} يعنـي الـحيتان. والهاء والألف علـى هذا القول من ذكر الـحيتان، ولـم يجر لها ذكر. ولكن لـما كان فـي الـخبر دلالة كنـي عن ذكرها، والدلالة علـى ذلك قوله: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ}.

وقال آخرون: فجعلنا القرية التـي اعتدى أهلها فـي السبت. فـالهاء والألف فـي قول هؤلاء كناية عن قرية القوم الذين مسخوا.

وقال آخرون: معنى ذلك: فجعلنا القردة الذين مسخوا نكالاً لـما بـين يديها وما خـلفها، فجعلوا الهاء والألف كناية عن القردة.

وقال آخرون: {فجَعَلْناها} يعنـي به: فجعلنا الأمة التـي اعتدت فـي السبت نكالاً.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {نَكالاً}.

والنكال مصدر من قول القائل: نكل فلان بفلان تنكيلاً ونكالاً، وأصل النكال: العقوبة، كما قال عديّ بن زيد العبـادي:

لا يَسخُطُّ الضّلِّـيـلُ ما سمعَ الْـــ عَبْدُ وَلا فِـي نَكالِهِ تَنْكِيرُ

وبـمثل الذي قلنا فـي ذلك رُوي الـخبر عن ابن عبـاس:

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: {نَكالاً} يقول: عقوبة.

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنـي إسحاق، قال: حدثنـي ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله: {فجَعَلْناها نَكالاً} أي عقوبة.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {لِـمَا بـينَ يَدَيْها وَما خَـلْفَها}.

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك. فقال بعضهم بـما:

حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: {لِـمَا بـينَ يَدَيْها} يقول: لـيحذر من بعدهم عقوبتـي، {وَما خَـلْفَها} يقول: الذين كانوا بقوا معهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {لِـمَا بـينَ يَدَيْهَا وَما خَـلْفَها} لـما خلا لهم من الذنوب، {وَما خَـلْفَها}: أي عبرة لـمن بقـي من الناس. وقال آخرون بـما:

حدثنـي ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، قال: حدثنـي ابن إسحاق، عن داود بن الـحصين، عن عكرمة مولـى ابن عبـاس، قال: قال ابن عبـاس: {فجَعلْناها نَكالاً لِـمَا بـينَ يَدَيْها وَما خَـلْفَها} أي من القرى. وقال آخرون بـما:

حدثنا به بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال الله: {فَجَعَلْناها نَكالاً لِـما بـينَ يَدَيْها} من ذنوب القوم، {وَما خَـلْفَها} أي للـحيتان التـي أصابوا.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {لِـمَا بـينَ يَدَيْها} من ذنوبها {وَما خَـلْفَها} من الـحيتان.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنـي عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله تعالـى: {لِـمَا بـينَ يَدَيْها} ما مضى من خطاياهم إلـى أن هلكوا به.

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {نَكالاً لِـمَا بـينَ يَدَيْها وَما خَـلْفَها} يقول: بـين يديها ما مضى من خطاياهم، {وما خـلفها}: خطاياهم التـي هلكوا بها.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله إلا أنه قال: {وَما خَـلْفَها} خطيئتهم التـي هلكوا بها. وقال آخرون بـما:

حدثنـي به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي: {فجَعَلْناها نَكالاً لِـمَا بـينَ يَدَيْها وَما خَـلْفَها} قال: أما ما بـين يديها: فما سلف من عملهم، {وماخـلفها}: فمن كان بعدهم من الأمـم أن يعصوا فـيصنع الله بهم مثل ذلك. وقال آخرون بـما:

حدثنـي به ابن سعد، قال: حدثنـي أبـي، قال: حدثنـي عمي، قال: حدثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {فَجَعَلْناها نَكالاً لِـمَا بـينَ يَدَيْها ومَا خَـلْفَها} يعنـي الـحيتان جعلها نكالاً لـما بـين يديها {وما خـلفها} من الذنوب التـي عملوا قبل الـحيتان، وما عملوا بعد الـحيتان، فذلك قوله: {ما بـينَ يَدَيْها وَما خَـلْفَها}.

وأولـى هذه التأويلات بتأويـل الآية ما رواه الضحاك عن ابن عبـاس وذلك لـما وصفنا من أن الهاء والألف فـي قوله: {فجَعَلْناها نَكالاً} بأن تكون من ذكر العقوبة والـمَسْخة التـي مسخها القوم أولـى منها بأن تكون من ذكر غيرها، من أجل أن الله جل ثناؤه إنـما يحذّر خـلقه بأسه وسطوته، وبذلك يخوّفهم. وفـي إبـانته عز ذكره بقوله: {نَكالاً} أنه عنى به العقوبة التـي أحلها بـالقوم ما يعلـم أنه عنى بقوله: {فجَعَلْناهَا نَكالاً لِـمَا بَـينَ يَدَيْها وَما خَـلْفَها}: فجعلنا عقوبتنا التـي أحللناها بهم عقوبة لـما بـين يديها وما خـلفها، دون غيره من الـمعانـي. وإذا كانت الهاء والألف بأن تكون من ذكر الـمسخة والعقوبة أولـى منها بأن تكون من ذكر غيرها، فكذلك العائد فـي قوله: {لِـمَا بـينَ يَدَيها وَما خَـلْفَها} من الهاء والألف أن يكون من ذكر الهاء والألف اللتـين فـي قوله: {فَجَعَلْناها} أولـى من أن يكون من غيره.

فتأويـل الكلام إذا كان الأمر علـى ما وصفنا: فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين، فجعلنا عقوبتنا لهم عقوبة لـما بـين يديها من ذنوبهم السالفة منهم مسخنا إياهم وعقوبتنا لهم، ولـما خـلف عقوبتنا لهم من أمثال ذنوبهم، أن يعمل بها عامل، فـيـمسخوا مثل ما مسخوا، وأن يحلّ بهم مثل الذي حلّ بهم تـحذيرا من الله تعالـى ذكره عبـاده أن يأتوا من معاصيه مثل الذي أتـى الـمـمسوخون فـيعاقبوا عقوبتهم.

وأما الذي قال فـي تأويـل ذلك: {فجَعَلْناها} يعنـي الـحيتان عقوبة لـما بـين يدي الـحيتان من ذنوب القوم وما بعدها من ذنوبهم، فإنه أبْعَدَ فـي الانتزاع وذلك أن الـحيتان لـم يجر لها ذكر فـيقال: {فجَعَلْناها} فإن ظنّ ظانّ أن ذلك جائز وإن لـم يكن جرى للـحيتان ذكر، لأن العرب قد تكنـي عن الاسم ولـم يجر له ذكر، فإن ذلك وإن كان كذلك، فغير جائز أن يترك الـمفهوم من ظاهر الكتاب والـمعقول به ظاهر فـي الـخطاب والتنزيـل إلـى بـاطن لا دلالة علـيه من ظاهر التنزيـل ولا خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم منقول ولا فـيه من الـحجة إجماع مستفـيض.

وأما تأويـل من تأوّل ذلك: لـما بـين يديها من القرى وما خـلفها، فـينظر إلـى تأويـل من تأول ذلك بـما بـين يدي الـحيتان وما خـلفها.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمَوْعِظَةً}.

والـموعظة مصدر من قول القائل: وعظت الرجل أعظه وَعْظا وموعظة: إذا ذكّرته.

فتأويـل الآية: فجعلناها نكالاً لـما بـين يديها وما خـلفها، وتذكرة للـمتقـين، لـيتعظوا بها، ويعتبروا، ويتذكروا بها، كما:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق عن الضحاك، عن ابن عبـاس: {وَمَوْعِظَةً} يقول: وتذكرة وعبرة للـمتقـين.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى {للْـمَتّقِـينَ}.

وأما الـمتقون فهم الذين اتقوا بأداء فرائضه واجتناب معاصيه كما:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، قال: ثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: {وَمَوْعِظَةً للْـمُتّقِـينَ} يقول: للـمؤمنـين الذين يتقون الشرك، ويعملون بطاعتـي. فجعل تعالـى ذكره ما أحلّ بـالذين اعتدوا فـي السبت من عقوبته موعظة للـمتقـين خاصة وعبرة للـمؤمنـين دون الكافرين به إلـى يوم القـيامة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: حدثنـي ابن إسحاق، عن داود بن الـحصين، عن عكرمة مولـى ابن عبـاس، عن عبد الله بن عبـاس فـي قوله: {وَمَوْعِظَةً للْـمُتّقِـينَ} إلـى يوم القـيامة.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَمَوْعِظَةً للْـمُتَّقِـينَ}: أي بعدهم.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: أما موعظة للـمتقـين، فهم أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {وَمَوْعِظَةً للْـمُتَّقِـينَ} قال: فكانت موعظة للـمتقـين خاصة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسن، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج فـي قوله: {وَمَوْعِظَةً للْـمُتّقِـينَ}: أي لـمن بعدهم.

الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ