انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة البقرة

تفسير الطبريالآيات 263–266

تفسير سورة البقرة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة البقرة

الخلاصة من تفسير الطبري · 20 مقطعًا · 5:38:46

  1. 1 الآيات 263–271في هذه الصفحة 12:28

التفسير الصوتي لسورة البقرة كاملًا (20 مقطعًا)

قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌ ۝٢٦٣

يعنى تعالى ذكره بقوله: {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } قول جميـل، ودعاء الرجل لأخيه الـمسلـم. {وَمَغْفِرَةٌ } يعنـي: وستر منه علـيه لـما علـم من خـلته وسوء حالته، خير عند الله من صدقة يتصدقها علـيه يتبعها أذى، يعنـي يشتكيه علـيها ويؤذيه بسببها. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى } يقول: أن يـمسك ماله خير من أن ينفق ماله ثم يتبعه منًّا وأذى.

وأما قوله: {غَنِىٌّ حَلِيمٌ } فإنه يعنـي: والله غنـيّ عما يتصدقون به، حلـيـم حين لا يعجل بـالعقوبة علـى من يـمنّ بصدقته منكم، ويؤذي فـيها من يتصدّق بها علـيه.

ورُوي عن ابن عبـاس فـي ذلك ما:

حدثنا به الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: الغنـيّ: الذي كمل فـي غناه، والـحلـيـم: الذي قد كمل فـي حلـمه.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُبْطِلُوا۟ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلْأَذَىٰ كَٱلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٌ فَتَرَكَهُۥ صَلْدًا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا۟ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٢٦٤

يعنـي تعالـى ذكره بذلك: {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } صدّقوا الله ورسوله، {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم }، يقول: لا تبطلوا أجور صدقاتكم بـالـمنّ والأذى، كما أبطل كفر الذي ينفق ماله {رِئَاء ٱلنَّاسِ }، وهو مراآته إياهم بعمله؛ وذلك أن ينفق ماله فـيـما يرى الناس فـي الظاهر أنه يريد الله تعالـى ذكره فـيحمدونه علـيه وهو مريد به غير الله ولا طالب منه الثواب وإنـما ينفقه كذلك ظاهراً لـيحمده الناس علـيه فـيقولوا: هو سخيّ كريـم، وهو رجل صالـح، فـيحسنوا علـيه به الثناء وهم لا يعلـمون ما هو مستبطن من النـية فـي إنفـاقه ما أنفق، فلا يدرون ما هو علـيه من التكذيب بـالله تعالـى ذكره والـيوم الآخر.

وأما قوله: {وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاْخِرِ } فإن معناه: ولا يصدّق بواحدنـية الله وربوبـيته، ولا بأنه مبعوث بعد مـماته فمـجازًى علـى عمله، فـيجعل عمله لوجه الله وطلب ثوابه وما عنده فـي معاده. وهذه صفة الـمنافق؛ وإنـما قلنا إنه منافق، لأن الـمظهر كفره والـمعلن شركه معلوم أنه لا يكون بشيء من أعماله مرائياً، لأن الـمرائي هو الذي يرائي الناس بـالعمل الذي هو فـي الظاهر لله وفـي البـاطن عامله مراده به حمد الناس علـيه، والكافر لا يخيـل علـى أحد أمره أن أفعاله كلها إنـما هي للشيطان ـ إذا كان معلنا كفره ـ لا لله، ومن كان كذلك فغير كائن مرائياً بأعماله.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال أبو هانىء الـخولانـي، عن عمرو بن حريث، قال: إن الرجل يغزو، لا يسرق ولا يزنـي، ولا يغلّ، لا يرجع بـالكفـافٰ فقـيـل له: لـم ذاك؟ قال: فإن الرجل لـيخرج فإذا أصابه من بلاء الله الذي قد حكم علـيه سبّ ولعن إمامه، ولعن ساعة غزا، وقال: لا أعود لغزوة معه أبداً! فهذا علـيه، ولـيس له مثل النفقة فـي سبـيـل الله يتبعها منّ وأذى، فقد ضرب الله مثلها فـي القرآن: {حَلِيمٌ يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنّ وَٱلاْذَىٰ } حتـى ختـم الآية.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْء مّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ }.

يعنـي تعالـى ذكره بذلك: فمثل هذا الذي ينفق ماله رئاء الناس، ولا يؤمن بـالله والـيوم الآخر. والهاء فـي قوله: {فَمَثَلُهُ } عائدة علـى «الذي». {كَمَثَلِ صَفْوَانٍ } والصفوان واحد وجمع، فمن جعله جمعا فـالواحدة صفوانة بـمنزلة تـمرة وتـمر ونـخـلة ونـخـل، ومن جعله واحدا جمعه صفوان وصِفِـيّ وصُفِـيّ، كما قال الشاعر:

مَـوَاقِـعُ الـطَّـيْـرِ عـلـى الـصُّـفِـيّ

والصفوان هو الصفـا، وهي الـحجارة الـملس. وقوله: {عَلَيْهِ تُرَابٌ } يعنـي علـى الصفوان تراب، {فَأَصَابَهُ } يعني أصاب الصفوان، {وَابِلٌ }: وهو الـمطر الشديد العظيـم، كما قال امرؤ القـيس:

ساعَةً ثم انْتـحاها وابلٌ ساقِطُ الأكْنافِ واهٍ مُنْهَمِرْ

يقال منه: وَبلت السماء فهي تَبِلُ وَبْلاً، وقد وُبِلَت الأرض فهي تُوبَل.

وقوله: {فَتَرَكَهُ صَلْدًا } يقول: فترك الوابل الصفوان صلدا؛ والصلد من الـحجارة: الصلب الذي لا شيء علـيه من نبـات ولا غيره، وهو من الأرضين ما لا ينبت فـيه شيء، وكذلك من الرؤوس، كما قال رؤبة:

لـما رأتْنِـي خَـلَقَ الـمُـمَوَّهِ بَرَّاقَ أصْلادِ الـجبـين الأجْلَهِ

ومن ذلك يقال للقدر الثـخينة البطيئة الغلـي: قِدْرٌ صَلود، وقد صَلدت تَصْلُدُ صُلُوداً، ومنه قول تأبط شرًّا:

وَلَسْتُ بِجِلْبٍ جِلْبِ لَـيْـلٍ وقِرَّةٍ ولا بصفَـاً صَلْدٍ عن الـخير مَعْزِلِ

ثم رجع تعالـى ذكره إلـى ذكر الـمنافقـين الذين ضرب الـمثل لأعمالهم، فقال: فكذلك أعمالهم بـمنزلة الصفوان الذي كان علـيه تراب، فأصابه الوابل من الـمطر، فذهب بـما علـيه من التراب، فتركه نقـياً لا تراب علـيه ولا شيء يراهم الـمسلـمون فـي الظاهر أن لهم أعمالاً كما يرى التراب علـى هذا الصفوان بـما يراؤونهم به، فإذا كان يوم القـيامة وصاروا إلـى الله اضمـحل ذلك كله، لأنه لـم يكن لله كما ذهب الوابل من الـمطر بـما كان علـى الصفوان من التراب، فتركه أملس لا شيء علـيه، فذلك قوله: لا يقدرون، يعنـي به الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس، ولا يؤمنون بـالله ولا بـالـيوم الآخر، يقول: لا يقدرون يوم القـيامة علـى ثواب شيء مـما كسبوا فـي الدنـيا، لأنهم لـم يعملوا لـمعادهم ولا لطلب ما عند الله فـي الآخرة، ولكنهم عملوه رئاء الناس وطلب حمدهم، وإنـما حظهم من أعمالهم ما أرادوه وطلبوه بها. ثم أخبر تعالـى ذكره أنه لا يهدي القوم الكافرين، يقول: لا يسددهم لإصابة الـحق فـي نفقاتهم وغيرها فـيوفقهم لها، وهم للبـاطل علـيها مؤثرون، ولكنه تركهم فـي ضلالتهم يعمهون، فقال تعالـى ذكره للـمؤمنـين: لا تكونوا كالـمنافقـين الذين هذا الـمثل صفة أعمالهم، فتبطلوا أجور صدقاتكم بـمنِّكم علـى من تصدقتـم بها علـيه وأذاكم لهم، كما أبطل أجر نفقة الـمنافق الذي أنفق ماله رئاء الناس، وهو غير مؤمن بـالله والـيوم الآخر عند الله.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنّ وَٱلاْذَىٰ } فقرأ حتـى بلغ: {عَلَىٰ شَىْءٍ مّمَّا كَسَبُواْ } فهذا مثل ضربه الله لأعمال الكفـار يوم القـيامة يقول: لا يقدرون علـى شيء مـما كسبوا يومئذٍ، كما ترك هذا الـمطر الصفـاةَ الـحجرَ لـيس علـيه شيء أنقـى ما كان.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنّ } إلـى قوله: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } هذا مثل ضربه الله لأعمال الكافرين يوم القـيامة، يقول: لا يقدرون علـى شيء مـما كسبوا يومئذٍ، كما ترك هذا الـمطر الصفـا نقـياً لا شيء علـيه.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنّ وَٱلاْذَىٰ } إلـى قوله: {عَلَىٰ شَىْء مّمَّا كَسَبُواْ } أما الصفوان الذي علـيه تراب فأصابه الـمطر، فذهب ترابه فتركه صلداً، فكذا هذا الذي ينفق ماله رياء الناس ذهب الرياء بنفقته، كما ذهب هذا الـمطر بتراب هذا الصفـا فتركه نقـياً، فكذلك تركه الرياء لا يقدر علـى شيء مـما قدم؛ فقال للـمؤمنـين: {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنّ وَٱلاْذَىٰ } فتبطل كما بطلت صدقة الرياء.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قال: أن لا ينفق الرجل ماله، خير من أن ينفقه ثم يتبعه منًّا وأذى. فضرب الله مثله كمثل كافر أنفق ماله لا يؤمن بـالله ولا بـالـيوم الآخر، فضرب الله مثلهما جميعا {كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا } فكذلك من أنفق ماله ثم أتبعه منًّا وأذى.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنّ وَٱلاْذَىٰ } إلـى: {كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا } لـيس علـيه شيء، وكذلك الـمنافق يوم القـيامة لا يقدر علـى شيء مـما كسب.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج فـي قوله: {لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنّ وَٱلاْذَىٰ } قال: يـمنّ بصدقته ويؤذيه فـيها حتـى يبطلها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ مَنّا وَلا أَذًى } فقرأ: { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنّ وَٱلاْذَىٰ } حتـى بلغ: {لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْء مّمَّا كَسَبُواْ } ثم قال: أترى الوابل يدع من التراب علـى الصفوان شيئاً؟ فكذلك منَّك وأذاك لـم يدع مـما أنفقت شيئا. وقرأ قوله: {حَلِيمٌ يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنّ وَٱلاْذَىٰ } وقرأ:

{ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ }[البقرة: 272]. فقرأ حتـى بلغ: { وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ }

[البقرة: 272] القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {صَفْوَانٍ } قد بـينا معنى الصفوان بـما فـيه الكفـاية، غير أنا أردنا ذكر من قال مثل قولنا فـي ذلك من أهل التأويـل.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {كَمَثَلِ صَفْوَانٍ } كمثل الصفـاة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {كَمَثَلِ صَفْوَانٍ } والصفوان: الصفـا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: أما صفوان، فهو الـحجر الذي يسمى الصفـاة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس قوله: {صَفْوَانٍ } يعنـي الـحجر.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَأَصَابَهُ وَابِلٌ }.

قد مضى البـيان عنه، وهذا ذكر من قال قولنا فـيه:

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: أما وابل: فمطر شديد.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {فَأَصَابَهُ وَابِلٌ } والوابل: الـمطر الشديد.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، مثله.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَتَرَكَهُ صَلْدًا }.

ذكر من قال نـحو ما قلنا فـي ذلك:

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {فَتَرَكَهُ صَلْدًا } يقول نقـياً.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {فَتَرَكَهُ صَلْدًا } قال: تركها نقـية لـيس علـيها شيء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عبـاس قوله: {فَتَرَكَهُ صَلْدًا } قال: لـيس علـيه شيء.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {صَلْدًا } فتركه جرداً.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {فَتَرَكَهُ صَلْدًا } لـيس علـيه شيء.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {فَتَرَكَهُ صَلْدًا } لـيس علـيه شيء.

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍۭ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَـَٔاتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ۝٢٦٥

يعنـي بذلك جل ثناؤه: ومثل الذين ينفقون أموالهم فـيصَّدّقون بها ويحملون علـيها فـي سبـيـل الله ويقوّون بها أهل الـحاجة من الغزاة والـمـجاهدين فـي سبـيـل الله وفـي غير ذلك من طاعات الله طلب مرضاته. {وَتَثْبِيتًا } يعنـي بذلك: وتثبـيتا من أنفسهم يعني لهم علـى إنفـاق ذلك فـي طاعة الله وتـحقـيقا، من قول القائل: ثَبَّتُّ فلاناً فـي هذا الأمر: إذ صححت عزمه وحققته وقوّيت فـيه رأيه أثبته تثبـيتا، كما قال ابن رواحة:

فَثَبَّتَ اللَّهُ ما آتاكَ مِنْ حَسَنٍ تَثْبِـيتَ مُوسَى وَنَصْرا كَالَّذِي نُصِرُوا

وإنـما عنى الله جلّ وعزّ بذلك، أن أنفسهم كانت موقنة مصدّقة بوعد الله إياها فـيـما أنفقت فـي طاعته بغير منّ ولا أذى، فثبتهم فـي إنفـاق أموالهم ابتغاء مرضاة الله، وصحح عزمهم وآراءهم يقـينا منها بذلك، وتصديقاً بوعد الله إياها ما وعدها. ولذلك قال من قال من أهل التأويـل فـي قوله: {وَتَثْبِيتًا } وتصديقاً، ومن قال منهم ويقـيناً؛ لأن تثبـيت أنفس الـمنفقـين أموالهم ابتغاء مرضاة الله إياهم، إنـما كان عن يقـين منها وتصديق بوعد الله. ذكر من قال ذلك من أهل التأويـل:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيـى، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي موسى، عن الشعبـي: {وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } قال: تصديقاً ويقـيناً.

حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي موسى، عن الشعبـي: {وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } قال: وتصديقاً من أنفسهم ثبـات ونصرة.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } قال: يقـيناً من أنفسهم. قال: التثبـيت الـيقـين.

حدثنـي يونس، قال: ثنا علـيّ بن معبد، عن أبـي معاوية، عن إسماعيـل، عن أبـي صالـح فـي قوله: {وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } يقول: يقـينا من عند أنفسهم.

وقال آخرون: معنى قوله: {وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } أنهم كانوا يتثبتون فـي الـموضع الذي يضعون فـيه صدقاتهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } قال: يتثبتون أين يضعون أموالهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن عثمان بن الأسود، عن مـجاهد: {وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } فقلت له: ما ذلك التثبـيت؟ قال: يتثبتون أين يضعون أموالهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن عثمان بن الأسود، عن مـجاهد: {وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } قال: كانوا يتثبتون أين يضعونها.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن علـيّ بن علـيّ بن رفـاعة، عن الـحسن فـي قوله: {وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } قال: كانوا يتثبتون أين يضعون أموالهم، يعنـي زكاتهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن علـيّ بن علـيّ، قال: سمعت الـحسن قرأ: {ٱبْتِغَاء مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } قال: كان الرجل إذا همّ بصدقة تثبت، فإن كان لله مضى، وإن خالطه شك أمسك.

وهذا التأويـل الذي ذكرناه عن مـجاهد والـحسن تأويـل بعيد الـمعنى مـما يدلّ علـيه ظاهر التلاوة، وذلك أنهم تأوّلوا قوله: {وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } بـمعنى: وتثبتا، فزعموا أن ذلك إنـما قـيـل كذلك لأن القوم كانوا يتثبتون أين يضعون أموالهم. ولو كان التأويـل كذلك، لكان: وتثبتا من أنفسهم؛ لأن الـمصدر من الكلام إن كان علـى تفعلت التفعل، فـيقال: تكرمت تكرما، وتكلـمت تكلـما، وكما قال جل ثناؤه:

{ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ }[النحل: 47] من قول القائل: تـخوّف فلان هذا الأمر تـخوّفـاً. فكذلك قوله: {وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } لو كان من تثبت القوم فـي وضع صدقاتهم مواضعها لكان الكلام: «وتثبتاً من أنفسهم»، لا «وتثبـيتاً»، ولكن معنى ذلك ما قلنا من أنه وتثبـيت من أنفس القوم إياهم بصحة العزم والـيقـين بوعد الله تعالـى ذكره.

فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون ذلك نظير قول الله عزّ وجلّ:

{ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً }[المزمل: 8] ولـم يقل: تبتلاً؟ قـيـل: إن هذا مخالف لذلك، وذلك أن هذا إنـما جاز أن يقال فـيه: «تبتـيلاً» لظهور «وتبتل إلـيه»، فكان فـي ظهوره دلالة علـى متروك من الكلام الذي منه قـيـل: تبتـيلاً، وذلك أن الـمتروك هو: «تبتل فـيبتلك الله إلـيه تبتـيلاً»، وقد تفعل العرب مثل ذلك أحياناً تـخرج الـمصادر علـى غير ألفـاظ الأفعال التـي تقدّمتها إذا كانت الأفعال الـمتقدمة تدل علـى ما أخرجت منه، كما قال جل وعزّ: { وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلاْرْضِ نَبَاتاً }[نوح: 17] وقال: { وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا }[آل عمران: 37] والنبـات: مصدر نبت، وإنـما جاز ذلك لـمـجيء أنبت قبله، فدلّ علـى الـمتروك الذي منه قـيـل نبـاتا، والـمعنى: والله أنبتكم فنبّتـم من الأرض نبـاتاً. ولـيس قوله: {وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } كلاما يجوز أن يكون متوهماً به أنه معدول عن بنائه. ومعنى الكلام: ويتثبتون فـي وضع الصدقات مواضعها، فـيصرف إلـى الـمعانـي التـي صرف إلـيها قوله: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً } وما أشبه ذلك من الـمصادر الـمعدولة عن الأفعال التـي هي ظاهرة قبلها.

وقال آخرون: معنى قوله: {وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } احتسابـاً من أنفسهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } يقول: احتسابـاً من أنفسهم.

وهذا القول أيضاً بعيد الـمعنى من معنى التثبـيت، لأن التثبـيت لا يعرف فـي شيء من الكلام بـمعنى الاحتساب، إلا أن يكون أراد مفسره كذلك أن أنفس الـمنفقـين كانت مـحتسبة فـي تثبـيتها أصحابها. فإن كان ذلك كان عنده معنى الكلام، فلـيس الاحتساب بـمعنى حينئذ للتثبـيت فـيترجم عنه به.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَأَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ }.

يعنـي بذلك جل وعزّ: ومثل الذين ينفقون أموالهم، فـيتصدّقون بها، ويسبِّلونها فـي طاعة الله بغير منّ علـى من تصدّقوا بها علـيه ولا أذى منهم لهم بها ابتغاء رضوان الله وتصديقاً من أنفسهم بوعده، {كَمَثَلِ جَنَّةٍ } والـجنة: البستان. وقد دللنا فـيـما مضى علـى أن الـجنة البستان بـما فـيه الكفـاية من إعادته. {بِرَبْوَةٍ } والربوة من الأرض: ما نشز منها فـارتفع عن السيـل. وإنـما وصفها بذلك جل ثناؤه، لأن ما ارتفع عن الـمسايـل والأودية أغلظ، وجنان ما غُلظ من الأرض أحسن وأزكى ثمراً وغرساً وزرعاً مـما رقّ منها، ولذلك قال أعشى بنـي ثعلبة فـي وصف روضة:

ما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الـحَزْنِ مُعْشِبَةٌ خَضْرَاءُ جادَ عَلَـيْهَا مُسْبِلٌ هَطِلُ

فوصفها بأنها من رياض الـحزن، لأن الـحزون: غرسها ونبـاتها أحسن وأقوى من غروس الأودية والتلاع وزروعها. وفـي الربوة لغات ثلاث، وقد قرأ بكل لغة منهنّ جماعة من القراء، وهي «رُبْوة» بضم الراء، وبها قرأت عامة قراء أهل الـمدينة والـحجاز والعراق. و«رَبْوة» بفتـح الراء، وبها قرأ بعض أهل الشام، وبعض أهل الكوفة، ويقال إنها لغة لتـميـم. و«رِبْوة» بكسر الراء، وبها قرأ فـيـما ذكر ابن عبـاس. وغير جائز عندي أن يقرأ ذلك إلا بإحدى اللغتـين: إما بفتـح الراء، وإما بضمها، لأن قراءة الناس فـي أمصارهم بإحداهما. وأنا لقراءتها بضمها أشدّ إيثاراً منـي بفتـحها، لأنها أشهر اللغتـين فـي العرب؛ فأما الكسر فإن فـي رفض القراءة به دلالة واضحة علـى أن القراءة به غير جائزة. وإنـما سميت الربوة لأنها ربت فغلظت وعلت، من قول القائل: ربـا هذا الشيء يربو: إذا انتفخ فعظم.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ } قال: الربوة: الـمكان الظاهر الـمستوي.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال مـجاهد: هي الأرض الـمستوية الـمرتفعة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ } يقول: بنشز من الأرض.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ } والربوة: الـمكان الـمرتفع الذي لا تـجري فـيه الأنهار والذي فـيه الـجنان.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي قوله: {بِرَبْوَةٍ } برابـية من الأرض.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ } والربوة النشَز من الأرض.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عبـاس: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ } قال: الـمكان الـمرتفع الذي لا تـجري فـيه الأنهار.

وكان آخرون يقولون: هي الـمستوية. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الـحسن فـي قوله: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ } قال: هي الأرض الـمستوية التـي تعلو فوق الـمياه.

وأما قوله: {أَصَابَهَا وَابِلٌ } فإنه يعنـي جل ثناؤه أصاب الـجنة التـي بـالربوة من الأرض وابل من الـمطر، وهو الشديد العظيـم القطر منه. وقوله: {فَأَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ } فإنه يعنـي الـجنة أنها أضعف ثمرها ضعفـين حين أصابها الوابل من الـمطر، والأُكْل: هو الشيء الـمأكول، وهو مثل الرُّعْب والهُدء وما أشبه ذلك من الأسماء التـي تأتـي علـى فعل؛ وأما الأَكْل بفتـح الألف وتسكين الكاف، فهو فعل الآكل، يقال منه: أكلت أَكْلاً، وأكلت أكلة واحدة، كما قال الشاعر:

وما أكْلَةٌ أكَلْتُها بِغَنِـيـمَةٍ ولا جَوْعَةٌ إنْ جُعْتُها بغَرَامِ

ففتح الألف لأنها بمعنى الفعل. ويدلك على أن ذلك كذلك قوله: «ولا جوعة»، وإن ضمت الألف من «الأكلة» كان معناه: الطعام الذي أكلته، فيكون معنى ذلك حينئذ: ما طعام أكلته بغنيمة.

وأما قوله: {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ } فإن الطلّ: هو الندى واللـين من الـمطر. كما:

حدثنا عبـاس بن مـحمد، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: {فَطَلٌّ } ندى. عن عطاء الـخراسانـي، عن ابن عبـاس.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: أما الطل: فـالندى.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ } أي طشّ.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {فَطَلٌّ } قال: الطل: الرذاذ من الـمطر، يعنـي اللـين منه.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {فَطَلٌّ } أي طش.

وإنـما يعنـي تعالـى ذكره بهذا الـمثل كما ضعفت ثمرة هذه الـجنة التـي وصفت صفتها حين جاد الوابل فإن أخطأ هذا الوابل فـالطلّ كذلك يضعف الله صدقة الـمتصدّق والـمنفق ماله ابتغاء مرضاته وتثبـيتاً من نفسه من غير منّ ولا أذى، قلَّت نفقته أو كثرت لا تـخيب ولا تـخـلف نفقته، كما تضعف الـجنة التـي وصف جل ثناؤه صفتها قل ما أصابها من الـمطر أو كثر لا يخـلف خيرها بحال من الأحوال.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال جماعة أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي قوله: {فَأَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ } يقول: كما أضعفت ثمرة تلك الـجنة، فكذلك تضاعف ثمرة هذا الـمنفق ضعفـين.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فَأَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ } هذا مثل ضربه الله لعمل الـمؤمن، يقول: لـيس لـخيره خـلف، كما لـيس لـخير هذه الـجنة خـلف علـى أيّ حال، إما وابل، وإما طلٌّ.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قال: هذا مثل من أنفق ماله ابتغاء مرضاة الله.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع قوله: {ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمُ ٱبْتِغَاء مَرْضَاتِ ٱللَّهِ }... الآية، قال: هذا مثل ضربه الله لعمل الـمؤمن.

فإن قال قائل: وكيف قـيـل: {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ } وهذا خبر عن أمر قد مضى؟ قـيـل: يراد فـيه: كان، ومعنى الكلام: فآتت أكلها ضعفـين، فإن لـم يكن الوابل أصابها، أصابها طلّ، وذلك فـي الكلام نـحو قول القائل: حبست فرسين، فإن لـم أحبس اثنـين فواحداً بقـيـمته، بـمعنى: إلا أكن، لا بد من إضمار «كان»، لأنه خبر؛ ومنه قول الشاعر:

إذَا ما انْتَسَبْنَا لَـمْ تَلِدْنِـي لَئِيـمَةٌولَـمْ تَـجِدِي مِنْ أنْ تُقِرّي بِها بُدّا

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }.

يعنـي بذلك: والله بـما تعملون أيها الناس فـي نفقاتكم التـي تنفقونها بصير، لا يخفـى علـيه منها ولا من أعمالكم فـيها وفـي غيرها شيء يعلـم من الـمنفق منكم بـالـمنّ والأذى والـمنفق ابتغاء مرضاة الله، وتثبـيتاً من نفسه، فـيحصي علـيكم حتـى يجازي جميعكم جزاءه علـى عمله، إن خيراً فخيراً، وإن شرًّا فشرًّا.

وإنـما يعنـي بهذا القول جلّ ذكره، التـحذير من عقابه فـي النفقات التـي ينفقها عبـاده، وغير ذلك من الأعمال أن يأتـي أحد من خـلقه ما قد تقدم فـيه بـالنهي عنه، أو يفرّط فـيـما قد أمر به، لأن ذلك بـمرأى من الله ومسمع، يعلـمه ويحصيه علـيهم، وهو بخلقه بـالـمرصاد.

أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ۝٢٦٦

يعنـي تعالـى ذكره

{ يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنّ وَٱلاْذَىٰ كَٱلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاْخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ }[البقرة: 264] {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلانْهَـٰرُ لَهُ فِيهَا مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ وَأَصَابَهُ }... الآية.

ومعنى قوله: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ } أيحبّ أحدكم أن تكون له جنة ـ يعنـي بستاناً من نـخيـل وأعناب ـ تـجري من تـحتها الأنهار ـ يعنـي من تـحت الـجنة ـ وله فـيها من كل الثمرات. والهاء فـي قوله: {لَهُ } عائدة علـى أحد، والهاء والألف فـي: {فِيهَا } علـى الـجنة، {وَأَصَابَهُ } يعنـي وأصاب أحدكم الكبر، {وَلَهُ ذُرّيَّةٌ ضُعَفَاء }. وإنـما جعل جل ثناؤه البستان من النـخيـل والأعناب، الذي قال جل ثناؤه لعبـاده الـمؤمنـين: أيودّ أحدكم أن تكون له مثلاً لنفقة الـمنافق التـي ينفقها رياء الناس، لا ابتغاء مرضاة الله، فـالناس بـما يظهر لهم من صدقته، وإعطائه لـما يعطى وعمله الظاهر، يثنون علـيه ويحمدونه بعمله ذلك أيام حياته فـي حسنه كحسن البستان وهي الـجنة التـي ضربها الله عزّ وجلّ لعمله مثلاً من نـخيـل وأعناب، له فـيها من كل الثمرات، لأن عمله ذلك الذي يعمله فـي الظاهر فـي الدنـيا، له فـيه من كل خير من عاجل الدنـيا، يدفع به عن نفسه ودمه وماله وذرّيته، ويكتسب به الـمـحمدة وحسن الثناء عند الناس، ويأخذ به سهمه من الـمغنـم مع أشياء كثـيرة يكثر إحصاؤها، فله فـي ذلك من كل خير فـي الدنـيا، كما وصف جل ثناؤه الـجنة التـي وصف مثلاً بعمله، بأن فـيها من كل الثمرات، ثم قال جل ثناؤه: {وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُ ذُرّيَّةٌ ضُعَفَاء } يعنـي أن صاحب الـجنة أصابه الكبر وله ذرية ضعفـاء صغار أطفـال، {فَأَصَابَهَا } يعنـي فأصاب الـجنة إعصار فـيه نار، {فَٱحْتَرَقَتْ } يعنـي بذلك أن جنته تلك أحرقتها الريح التـي فـيها النار فـي حال حاجته إلـيها، وضرورته إلـى ثمرتها بكبره وضعفه عن عمارتها، وفـي حال صغر ولده وعجزه عن إحيائها والقـيام علـيها، فبقـي لا شيء له أحوج ما كان إلـى جنته وثمارها بـالآفة التـي أصابتها من الإعصار الذي فـيه النار. يقول: فكذلك الـمنفق ماله رياء الناس، أطفأ الله نوره، وأذهب بهاء عمله، وأحبط أجره حتـى لقـيه، وعاد إلـيه أحوج ما كان إلـى عمله، حين لا مستَعْتَب له ولا إقالة من ذنوبه ولا توبة، واضمـحلّ عمله كما احترقت الـجنة التـي وصف جل ثناؤه صفتها عند كبر صاحبها وطفولة ذرّيته أحوج ما كان إلـيها فبطلت منافعها عنه.

وهذا الـمثل الذي ضربه الله للـمنفقـين أموالهم رياء الناس فـي هذه الآية نظير الـمثل الآخر الذي ضربه لهم بقوله: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْء مّمَّا كَسَبُواْ }.

وقد تنازع أهل التأويـل فـي تأويـل هذه الآية، إلا أن معانـي قولهم فـي ذلك وإن اختلفت تصاريفهم فـيها عائدة إلـى الـمعنى الذي قلنا فـي ذلك، وأحسنهم إبـانة لـمعناها وأقربهم إلـى الصواب قولاً فـيها السدي.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلانْهَـٰرُ لَهُ فِيهَا مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ وَأَصَابَهُ } هذا مثل آخر لنفقة الرياء، أنه ينفق ماله يرائي الناس به، فـيذهب ماله منه وهو يرائي، فلا يأجره الله فـيه، فإذا كان يوم القـيامة واحتاج إلـى نفقته، وجدها قد أحرقها الرياء، فذهبت كما أنفق هذا الرجل علـى جنته، حتـى إذا بلغت وكثر عياله واحتاج إلـى جنته جاءت ريح فـيها سَموم فأحرقت جنته، فلـم يجد منها شيئاً، فكذلك الـمنفق رياء.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عزّ وجل: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ } كمثل الـمفرّط فـي طاعة الله حتـى يـموت، قال يقول: أيودّ أحدكم أن يكون له دنـيا لا يعمل فـيها بطاعة الله، كمثل هذا الذي له جنات تـجري من تـحتها الأنهار، له فـيها من كل الثمرات، وأصابه الكبر، وله ذرية ضعفـاء، فأصابها إعصار فـيه نار فـاحترقت، فمثله بعد موته كمثل هذا حين أحرقت جنته وهو كبـير، لا يغنـي عنها شيئاً، وولده صغار لا يغنون عنها شيئاً، وكذلك الـمفرّط بعد الـموت كل شيء علـيه حسرة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عبد الـملك، عن عطاء، قال: سأل عمر الناس عن هذه الآية فما وجد أحداً يشفـيه، حتـى قال ابن عبـاس وهو خـلفه: يا أمير الـمؤمنـين إنـي أجد فـي نفسي منها شيئاً، قال: فتلفت إلـيه، فقال: تـحوّل ههناٰ لـمَ تـحقر نفسك؟ قال: هذا مثل ضربه الله عزّ وجلّ فقال: أيود أحدكم أن يعمل عمره بعمل أهل الـخير وأهل السعادة، حتـى إذا كان أحوج ما يكون إلـى أن يختـمه بخير حين فنـي عمره، واقترب أجله، ختـم ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء فأفسده كله فحرّقه أحوج ما كان إلـيه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن مـحمد بن سلـيـم، عن ابن أبـي ملـيكة، أن عمر تلا هذه الآية: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ } قال: هذا مثل ضرب للإنسان يعمل عملاً صالـحاً، حتـى إذا كان عنده آخر عمره أحوج ما يكون إلـيه، عمل عمل السوء.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن ابن جريج، قال: سمعت أبـا بكر بن أبـي ملـيكة بخبر عن عبـيد بن عمير أنه سمعه يقول: سأل عمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: فـيـم ترون أنزلت {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ }؟ فقالوا: الله أعلـمٰ فغضب عمر، فقال: قولوا نعلـم أو لا نعلـمٰ فقال ابن عبـاس: فـي نفسي منها شيء يا أمير الـمؤمنـين. فقال عمر: قل يا ابن أخي ولا تـحقر نفسكٰ قال ابن عبـاس: ضربت مثلاً لعمل. قال عمر: أيّ عمل؟ قال: لعمل. فقال عمر: رجل عُنِـيَ بعمل الـحسنات، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بـالـمعاصي حتـى أغرق أعماله كلها قال: وسمعت عبد الله بن أبـي ملـيكة يحدّث نـحو هذا عن ابن عبـاس، سمعه منه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: سمعت أبـا بكر بن أبـي ملـيكة يخبر أنه سمع عبـيد بن عمير، قال ابن جريج: وسمعت عبد الله بن أبـي ملـيكة، قال: سمعت ابن عبـاس، قالا جميعاً: إن عمر بن الـخطاب سأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر نـحوه، إلا أنه قال عمر: للرجل يعمل بـالـحسنات، ثم يبعث له الشيطان فـيعمل بـالـمعاصي.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: سألت عطاء عنها. ثم قال ابن جريج: وأخبرنـي عبد الله بن كثـير، عن مـجاهد، قالا: ضربت مثلاً للأعمال.

قال ابن جريج: وقال ابن عبـاس: ضربت مثلاً للعمل يبدأ فـيعمل عملاً صالـحاً، فـيكون مثلاً للـجنة التـي من نـخيـل وأعناب تـجري من تـحتها الأنهار، له فـيها من كل الثمرات، ثم يسيء فـي آخر عمره، فـيتـمادى علـى الإساءة حتـى يـموت علـى ذلك، فـيكون الإعصار الذي فيه نار التي أحرقت الـجنة، مثلاً لإساءته التي مات وهو عليها. قال ابن عبـاس: الجنة عيشه وعيش ولده فـاحترقت، فلم يستطع أن يدفع عن جنته من أجل كبره، ولم يستطع ذرّيته أن يدفعوا عن جنتهم من أجل صغرهم حتـى احترقت. يقول: هذا مثله تلقاه وهو أفقر ما كان إليّ، فلا يجد له عندي شيئا، ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه من عذاب الله شيئا، ولا يستطيع من كبره وصغر أولاده أن يعملوا جنة، كذلك لا توبة إذا انقطع العمل حين مات.

قال ابن جريج، عن مجاهد: سمعت ابن عبـاس قال: هو مثل المفرِّط في طاعة الله حتى يـموت.

قال ابن جريج وقال مـجاهد: أيودّ أحدكم أن تكون له دنـيا لا يعمل فـيها بطاعة الله، كمثل هذا الذي له جنة، فمثله بعد موته كمثل هذا حين أحرقت جنته وهو كبـير لا يغنـي عنها شيئاً وأولاده صغار ولا يغنون عنه شيئاً، وكذلك الـمفرط بعد الـموت كل شيء علـيه حسرة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلانْهَـٰرُ }... الآية. يقول: أصابها ريح فـيها سموم شديدة، كذلك يبـين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون، فهذا مثل. فـاعقلوا عن الله جلّ وعزّ أمثاله، فإنه قال:

{ وَتِلْكَ ٱلاْمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ }[العنكبوت: 43]. هذا رجل كبرت سنة ودقّ عظمه وكثر عياله، ثم احترقت جنته علـى بقـية ذلك كأحوج ما يكون إلـيه. يقول: أيحبّ أحدكم أن يضلّ عنه عمله يوم القـيامة كأحوج ما يكون إلـيه؟

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ } إلـى قوله: {فَٱحْتَرَقَتْ } يقول: فذهبت جنته كأحوج ما كان إلـيها حين كبرت سنه وضعف عن الكسب، وله ذرية ضعفـاء لا ينفعونه. قال: وكان الـحسن يقول: فـاحترقت فذهبت أحوج ما كان إلـيها، فذلك قوله: أيودّ أحدكم أن يذهب عمله أحوج ما كان إلـيه.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: ضرب الله مثلاً حسنا، وكل أمثاله حسن تبـارك وتعالـى. وقال: قال أيوب. {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ } إلـى قوله: {فِيهَا مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ } يقول: صنعه فـي شبـيبته فأصابه الكبر وله ذرّية ضعفـاء عند آخر عمره، فجاءه إعصار فـيه نار، فأحرق بستانه، فلـم يكن عنده قوّة أن يغرس مثله، ولـم يكن عند نسله خير يعودون علـيه. وكذلك الكافر يوم القـيامة إذا رد إلـى الله تعالـى لـيس له خير فـيُسْتَعْتَب كما لـيس له قوّة فـيغرس مثل بستانه، ولا يجد خيرا قدم لنفسه يعود علـيه، كما لـم يغن عن هذا ولده، وحرم أجره عند أفقر ما كان إلـيه كما حرم هذا جنته عند أفقر ما كان إلـيها عند كبره وضعف ذرّيته. وهو مثل ضربه الله للـمؤمن والكافر فـيـما أوتـيا فـي الدنـيا، كيف نـجى الـمؤمن فـي الآخرة، وذخر له من الكرامة والنعيـم، وخزن عنه الـمال فـي الدنـيا، وبسط للكافر فـي الدنـيا من الـمال ما هو منقطع، وخزن له من الشرّ ما لـيس بـمفـارقه أبداً ويخـلد فـيها مهانا، من أجل أنه فخر علـى صاحبه ووثق بـما عنده ولـم يستـيقن أنه ملاق ربه.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ }... الآية. قال: هذا مثل ضربه الله {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ فِيهَا مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ } والرجل قد كبر سنه وضعف وله أولاد صغار، وابتلاهم الله فـي جنتهم، فبعث الله علـيها إعصاراً فـيه نار فـاحترقت، فلـم يستطع الرجل أن يدفع عن جنته من الكبر، ولا ولده لصغرهم، فذهبت جنته أحوج ما كان إلـيها. يقول: أيحبّ أحدكم أن يعيش فـي الضلالة والـمعاصي حتـى يأتـيه الـموت، فـيجيء يوم القـيامة قد ضلّ عنه عمله أحوج ما كان إلـيه، فـيقول ابن آدم: أتـيتنـي أحوج ما كنت قط إلـى خير، فأين ما قدّمت لنفسك؟

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وقرأ قول الله عزّ وجلّ

{ يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنّ وَٱلاْذَىٰ }[البقرة: 264] ثم ضرب ذلك مثلاً، فقال: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ } حتـى بلغ {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ } قال: جرت أنهارها وثمارها، وله ذرية ضعفـاء، فأصابها إعصار فـيه نار فـاحترقت، أيودّ أحدكم هذا؟ فما يحمل أحدكم أن يخرج من صدقته ونفقته حتـى إذا كان له عندي جنة وجرت أنهارها وثمارها، وكانت لولده وولد ولده أصابها ريح إعصار فحرقها.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا زهير، عن جويبر، عن الضحاك فـي قوله: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلانْهَـٰرُ } رجل غرس بستاناً فـيه من كل الثمرات، فأصابه الكبر، وله ذرية ضعفـاء، فأصابها إعصار فـيه نار فـاحترقت، فلا يستطيع أن يدفع عن بستانه من كبره، ولـم يستطع ذريته أن يدفعوا عن بستانه، فذهبت معيشته ومعيشة ذريته. فهذا مثل ضربه الله للكافر، يقول: يـلقانـي يوم القـيامة وهو أحوج ما يكون إلـى خير يصيبه، فلا يجد له عندي خيراً ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه من عذاب الله شيئاً.

وإنـما دللنا أن الذي هو أولـى بتأويـل ذلك ما ذكرناه، لأن الله جل ثناؤه تقدم إلـى عبـاده الـمؤمنـين بـالنهي عن الـمنّ والأذى فـي صدقاتهم. ثم ضرب مثلاً لـمن منّ وآذى من تصدّق علـيه بصدقة، فمثله بـالـمرائي من الـمنافقـين، الـمنفقـين أموالهم رياء الناس. وكانت قصة هذه الآية وما قبلها من الـمثل نظيرة ما ضرب لهم من الـمثل قبلها، فكان إلـحاقها بنظيرتها أولـى من حمل تأويـلها علـى أنه مثل ما لـم يجر له ذكر قبلها ولا معها.

فإن قال لنا قائل: وكيف قـيـل: {وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ } وهو فعل ماض فعطف به علـى قوله {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ }؟ قـيـل؛ إن ذلك كذلك، لأن قوله: {أَيَوَدُّ } يصحّ أن يوضع فـيه «لو» مكان «أن» فلـما صلـحت بلو وأن ومعناهما جميعا الاستقبـال، استـجازت العرب أن يردّوا «فَعَلَ» بتأويـل «لو» علـى «يفعَل» مع «أن»، فلذلك قال: فأصابها، وهو فـي مذهبه بـمنزلة «لو» إذا ضارعت «أن» فـي معنى الـجزاء، فوضعت فـي مواضعها، وأجيبت «أن» بجواب «لو» و«لو» بجواب «أن، فكأنه قـيـل: أيودّ أحدكم لو كانت له جنة من نـخيـل وأعناب، تـجري من تـحتها الأنهار، له فـيها من كل الثمرات وأصابه الكبر.

فإن قال: وكيف قـيـل ههنا: وله ذرية ضعفـاء؟ وقال فـي النساء:

{ وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضِعَـٰفاً }[النساء: 9]؟ قـيـل: لأن «فعيلاً» يجمع علـى «فعلاء» و«فِعال»، فـيقال: رجل ظريف من قوم ظرفـاء وظراف. وأما الإعصار: فإنه الريح العاصف، تهبّ من الأرض إلـى السماء كأنها عمود، تـجمع أعاصير؛ ومنه قول يزيد بن مُفَرِّغ الـحميريّ:

أناسٌ أجارُونا فكانَ جِوَارُهُمْ أعاصيرَ من سُوءِ العِراقِ الـمُنذَّر

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ } فقال بعضهم: معنى ذلك: ريح فـيها سموم شديدة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عبد الله بن بزيغ، قال: ثنا يوسف بن خالد السمتـي، قال: ثنا نافع بن مالك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس فـي قوله: {إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ } ريح فـيها سموم شديدة.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، عن ابن عبـاس فـي: {إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ } قال: السموم الـحارة التـي خـلق منها الـجان التـي تـحرق.

حدثنا حميد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، عن ابن عبـاس {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ } قال: هي السموم الـحارّة.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا الـحمانـي، قال: ثنا شريك، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، عن ابن عبـاس: {إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ } التـي تقتل.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عمن ذكره، عن ابن عبـاس، قال: إن السموم التـي خـلق منها الـجان جزء من سبعين جزءاً من النار.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ } هي ريح فـيها سموم شديد.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ } قال: سموم شديد.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ } يقول: أصابها ريح فـيها سموم شديدة.

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، نـحوه.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ } أما الإعصار فـالريح، وأما النار فـالسموم.

حُدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ } يقول: ريح فـيها سموم شديد.

وقال آخرون: هي ريح فـيها برد شديد.] ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: كان الـحسن يقول فـي قوله: {إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ } فـيها صِرٌّ وبرد.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ } يعنـي بـالإعصار ريح فـيها برد.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {كَذٰلِكَ يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ }.

يعنـي بذلك جل ثناؤه: كما بـين لكم ربكم تبـارك وتعالـى أمر النفقة فـي سبـيـله، وكيف وجهها، وما لكم وما لـيس لكم فعله فـيها، كذلك يبـين لكم الآيات سوى ذلك، فـيعرفكم أحكامها وحلالها وحرامها، ويوضح لكم حججها، إنعاما منه بذلك علـيكم {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } يقول: لتتفكروا بعقولكم فتتدبروا وتعتبروا بحجج الله فـيها، وتعملوا بـما فـيها من أحكامها، فتطيعوا الله به.)

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، قال: قال مـجاهد: {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } قال: تطيعون.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {كَذٰلِكَ يُبيّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } يعنـي فـي زوال الدنـيا وفنائها، وإقبـال الآخرة وبقائها.

الأربعاء، 4 نوفمبر 2026 24 جمادى الأولى 1448 هـ