انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة البقرة

تفسير الطبريالآيات 9–14

تفسير سورة البقرة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة البقرة

الخلاصة من تفسير الطبري · 20 مقطعًا · 5:38:46

  1. 1 الآيات 1–25في هذه الصفحة 22:11

التفسير الصوتي لسورة البقرة كاملًا (20 مقطعًا)

يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ۝٩

يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ (*) قال أبو جعفر: وخداع الـمنافق ربه والـمؤمنـين إظهاره بلسانه من القول والتصديق خلاف الذي فـي قلبه من الشك والتكذيب لـيدرأ عن نفسه بـما أظهر بلسانه حُكْمَ الله عز وجل،اللازمَ من كان بـمثل حاله من التكذيب لو لـم يظهر بلسانه ما أظهر من التصديق والإقرار من القتل والسبـاء، فذلك خداعه ربه وأهل الإيـمان بـالله.

فإن قال قائل: وكيف يكون الـمنافق لله وللـمؤمنـين مخادعا وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقـية؟ قـيـل: لا تـمتنع العرب أن تسمي من أعطى بلسانه غير الذي هو فـي ضميره تقـية لـينـجو مـما هو له خائف، فنـجا بذلك مـما خافه مخادعاً لـمن تـخـلص منه بـالذي أظهر له من التقـية، فكذلك الـمنافق سمي مخادعاً لله وللـمؤمنـين بـاظهاره ما أظهر بلسانه تقـية مـما تـخـلص به من القتل والسبـاء والعذاب العاجل، وهو لغير ما أظهر مستبطن، وذلك من فعله وإن كان خداعاً للـمؤمنـين فـي عاجل الدنـيا فهو لنفسه بذلك من فعله خادع لأنه يظهر لها بفعله ذلك بها أنه يعطيها أمنـيتها ويسقـيها كأس سرورها، وهو موردها به حياض عطبها، ومـجرّعها به كأس عذابها، ومذيقها من غضب الله وألـيـم عقابه ما لا قبل لها به. فذلك خديعته نفسه ظنّا منه مع إساءته إلـيها فـي أمر معادها أنه إلـيها مـحسن، كما قال جل ثناؤه: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ} إعلاماً منه عبـاده الـمؤمنـين أن الـمنافقـين بإساءتهم إلـى أنفسهم فـي إسخاطهم ربهم بكفرهم وشكهم وتكذيبهم غير شاعرين ولا دارين، ولكنهم علـى عمياء من أمرهم مقـيـمون.

وبنـحو ما قلنا فـي تأويـل ذلك كان ابن زيد يقول.

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب قال: سألت عبد الرحمن بن زيد، عن قول الله جل ذكره: يُخادعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا إلـى آخر الآية، قال: هؤلاء الـمنافقون يخادعون الله ورسوله والذين آمنوا، أنهم مؤمنون بـما أظهروا.

وهذه الآية من أوضح الدلـيـل علـى تكذيب الله جل ثناؤه قول الزاعمين: إن الله لا يعذب من عبـاده إلا من كفر به عناداً، بعد علـمه بوحدانـيته، وبعد تقرّر صحة ما عاند ربه تبـارك وتعالـى علـيه من توحيده والإقرار بكتبه ورسله عنده لأن الله جل ثناؤه قد أخبر عن الذين وصفهم بـما وصفهم به من النفـاق وخداعهم إياه والـمؤمنـين أنهم لا يشعرون أنهم مبطلون فـيـما هم علـيه من البـاطل مقـيـمون، وأنهم بخداعهم الذي يحسبون أنهم به يخادعون ربهم وأهل الإيـمان به مخدوعون. ثم أخبر تعالـى ذكره أن لهم عذابـاً ألـيـماً بتكذيبهم بـما كانوا يكذبونه من نبوّة نبـيه واعتقاد الكفر به، وبـما كانوا يكذبون فـي زعمهم أنهم مؤمنون، وهم علـى الكفر مصرّون.

فإن قال لنا قائل: قد علـمت أن الـمفـاعلة لا تكون إلا من فـاعلـين، كقولك: ضاربت أخاك، وجالست أبـاك إذا كان كل واحد مـجالس صاحبه ومضاربه. فأما إذا كان الفعل من أحدهما فإنـما يقال: ضربت أخاك وجلست إلـى أبـيك، فمن خادع الـمنافق فجاز أن يقال فـيه: خادع الله والـمؤمنـين. قـيـل: قد قال بعض الـمنسوبـين إلـى العلـم بلغات العرب: إن ذلك حرف جاء بهذه الصورة، أعنـي «يُخادع» بصورة «يُفـاعل» وهو بـمعنى «يَفْعل» فـي حروف أمثالها شاذّة من منطق العرب، نظير قولهم: قاتلك الله، بـمعنى قتلك الله.

ولـيس القول فـي ذلك عندي كالذي قال، بل ذلك من التفـاعل الذي لا يكون إلا من اثنـين كسائر ما يعرف من معنى «يُفـاعل ومُفـاعل» فـي كل كلام العرب، وذلك أن الـمنافق يخادع الله جل ثناؤه بكذبه بلسانه علـى ما قد تقدم وصفه، والله تبـارك اسمه خادعه بخذلانه عن حسن البصيرة بـما فـيه نـجاة نفسه فـي آجل معاده، كالذي أخبر فـي قوله:

{ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً }[آل عمران: 178] وبـالـمعنى الذي أخبر أنه فـاعل به فـي الآخرة بقوله: { يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ }[الحديد: 13] الآية، فذلك نظير سائر ما يأتـي من معانـي الكلام بـيفـاعل ومفـاعل. وقد كان بعض أهل النـحو من أهل البصرة يقول: لا تكون الـمفـاعلة إلا من شيئين، ولكنه إنـما قـيـل: يخادعون الله عند أنفسهم بظنهم أن لا يعاقبوا، فقد علـموا خلاف ذلك فـي أنفسهم بحجة الله تبـارك اسمه الواقعة علـى خـلقه بـمعرفته {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم}. قال: وقد قال بعضهم: {وَمَا يَخْدَعُونَ} يقول: يخدعون أنفسهم بـالتـخـلـية بها. وقد تكون الـمفـاعلة من واحد فـي أشياء كثـيرة. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم}.

إن قال لنا قائل: أولـيس الـمنافقون قد خدعوا الـمؤمنـين بـما أظهروا بألسنتهم من قيل الـحقّ عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم حتـى سلـمت لهم دنـياهم وإن كانوا قد كانوا مخدوعين فـي أمر آخرتهم؟ قـيـل: خطأ أن يقال إنهم خدعوا الـمؤمنـين لأنا إذا قلنا ذلك أوجبنا لهم حقـيقة خدعة جاءت لهم علـى الـمؤمنـين، كما أنا لو قلنا: قتل فلان فلاناً، أوجبنا له حقـيقة قتل كان منه لفلان. ولكنا نقول: خادع الـمنافقون ربهم والـمؤمنـين، ولـم يخدعوهم بل خدعوا أنفسهم، كما قال جل ثناؤه، دون غيرها، نظير ما تقول فـي رجل قاتل آخر فقتل نفسه ولـم يقتل صاحبه: قاتل فلان فلاناً ولـم يقتل إلا نفسه، فتوجب له مقاتلة صاحبه، وتنفـي عنه قتله صاحبه، وتوجب له قتل نفسه. فكذلك تقول: خادع الـمنافق ربه والـمؤمنـين، ولـم يخدع إلا نفسه، فتثبت منه مخادعة ربه والـمؤمنـين، وتنفـي عنه أن يكون خدع غير نفسه لأن الـخادع هو الذي قد صحت له الـخديعة ووقع منه فعلها. فـالـمنافقون لـم يخدعوا غير أنفسهم، لأن ما كان لهم من مال وأهل فلـم يكن الـمسلـمون ملكوه علـيهم فـي حال خداعهم إياهم عنه بنفـاقهم ولا قبلها فـيستنقذوه بخداعهم منهم، وإنـما دافعوا عنه بكذبهم وإظهارهم بألسنتهم غير الذي فـي ضمائرهم، ويحكم الله لهم فـي أموالهم وأنفسهم وذراريهم فـي ظاهر أمورهم بحكم ما انتسبوا إلـيه من الـملة، والله بـما يخفون من أمورهم عالـم. وإنـما الـخادع من خَتَلَ غيره عن شيئه، والـمخدوع غير عالـم بـموضع خديعة خادعه. فأما والـمخادَع عارف بخداع صاحبه إياه، وغير لاحقه من خداعه إياه مكروه، بل إنـما يتـجافـى للظان به أنه له مخادع استدراجاً لـيبلغ غاية يتكامل له علـيه الـحجة للعقوبة التـي هو بها موقع عند بلوغه إياها. والـمستدرج غير عالـم بحال نفسه عند مستدرجه، ولا عارف بـاطلاعه علـى ضميره، وأن إمهال مستدرجه وتركه إياه معاقبته علـى جرمه لـيبلغ الـمخاتل الـمخادع من استـحقاقه عقوبة مستدرجه بكثرة إساءته وطول عصيانه إياه وكثرة صفح الـمستدرج وطول عفوه عنه أقصى غاية، فإنـما هو خادع نفسه لا شك دون من حدثته نفسه أنه له مخادع. ولذلك نفـى الله جل ثناؤه عن الـمنافق أن يكون خدع غير نفسه، إذ كانت الصفة التـي وصفنا صفته. وإذ كان الأمر علـى ما وصفنا من خداع الـمنافق ربه وأهل الإيـمان به، وأنه غير سائر بخداعه ذلك إلـى خديعة صحيحة إلا لنفسه دون غيرها لـما يورطها بفعله من الهلاك والعطب، فـالواجب إذا أن يكون الصحيح من القراءة: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم} دون: «وما يخادعون»، لأن لفظ الـمخادع غير موجب تثبـيت خديعة علـى صحة، ولفظ خادع موجب تثبـيت خديعة علـى صحة. ولا شك أن الـمنافق قد أوجب خديعة الله عز وجل لنفسه بـما ركب من خداعه ربه ورسوله والـمؤمنـين بنفـاقه، فلذلك وجبت الصحة لقراءة من قرأ: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم}.

ومن الدلالة أيضا علـى أن قراءة من قرأ: {وما يَخْدَعُونَ} أولـى بـالصحة من قراءة من قرأ: «وما يخادعون» أن الله جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم يخادعون الله والـمؤمنـين فـي أول الآية، فمـحال أن ينفـي عنهم ما قد أثبت أنهم قد فعلوه، لأن ذلك تضادّ فـي الـمعنى، وذلك غير جائز من الله جل وعز. القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمَا يَشْعُرُونَ}.

يعنـي بقوله جل ثناؤه: {وَمَا يَشْعُرُونَ}: وَما يدرون، يقال: ما شعر فلان بهذا الأمر، وهو لا يشعر به إذا لـم يدر ولـم يعلـم شعراً وشعوراً، كما قال الشاعر:

عَقُّوا بِسَهْمٍ ولَـمْ يَشْعُرْ بِهِ أحَدٌثُمَّ اسْتَفـاءُوا وَقالُوا حَبَّذَا الوَضَحُ

يعنـي بقوله: «لـم يشعر به»: لـم يدر به أحد ولـم يعلـم. فأخبر الله تعالـى ذكره عن الـمنافقـين، أنهم لا يشعرون بأن الله خادعهم بإملائه لهم واستدراجه إياهم الذي هو من الله جل ثناؤه إبلاغ إلـيهم فـي الـحجة والـمعذرة، ومنهم لأنفسهم خديعة، ولها فـي الآجل مضرّة. كالذي:

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألت ابن زيد عن قوله: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ} قال: ما يشعرون أنهم ضرّوا أنفسهم بـما أسرّوا من الكفر والنفـاق. وقرأ قول الله:

{ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً }[المجادله: 6] قال: هم الـمنافقون، حتـى بلغ { وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ }[المجادلة: 18] قد كان الإيـمان ينفعهم عندكم.

فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ ۝١٠

وأصل الـمرض: السقم، ثم يقال ذلك فـي الأجساد والأديان فأخبر الله جل ثناؤه أن فـي قلوب الـمنافقـين مرضاً. وإنـما عنى تبـارك وتعالـى بخبره عن مرض قلوبهم الـخبر عن مرض ما فـي قلوبهم من الاعتقاد ولكن لـما كان معلوماً بـالـخبر عن مرض القلب أنه معنىّ به مرض ما هم معتقدوه من الاعتقاد استغنى بـالـخبر عن القلب بذلك والكناية عن تصريح الـخبر عن ضمائرهم واعتقاداتهم كما قال عمر بن لـجأ:

وَسَبَّحَتِ الـمَدِينَةُ لا تَلُـمْهارأتْ قَمَراً بِسُوقِهِمُ نَهارا

يريد وسبح أهل الـمدينة. فـاستغنى بـمعرفة السامعين خبره بـالـخبر عن الـمدينة عن الـخبر عن أهلها. ومثله قول عنترة العبسيّ:

هَلاَّ سألْتِ الـخَيْـلَ يا ابنْةَ مالِكِإنْ كُنْتِ جاهِلَةً بِـمَا لَـمْ تَعْلَـمِي

يريد: هلا سألت أصحاب الـخيـل؟ ومنه قولهم: يا خيـل الله اركبـي، يراد: يا أصحاب خيـل الله اركبوا.

والشواهد علـى ذلك أكثر من أن يحصيها كتاب، وفـيـما ذكرنا كفـاية لـمن وفق لفهمه. فكذلك معنى قول الله جل ثناؤه:{فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} إنـما يعنـي فـي اعتقاد قلوبهم الذي يعتقدونه فـي الدين والتصديق بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وبـما جاء به من عند الله مرض وسقم. فـاجتزأ بدلالة الـخبر عن قلوبهم علـى معناه عن تصريح الـخبر عن اعتقادهم. والـمرض الذي ذكر الله جل ثناؤه أنه فـي اعتقاد قلوبهم الذي وصفناه هو شكهم فـي أمر مـحمد، وما جاء به من عند الله وتـحيرهم فـيه، فلا هم به موقنون إيقان إيـمان، ولا هم له منكرون إنكار إشراك ولكنهم كما وصفهم الله عز وجل

{ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ }[النساء: 143] كما يقال: فلان يـمرض فـي هذا الأمر، أي يضعف العزم ولا يصحح الروية فـيه. وبـمثل الذي قلنا فـي تأويـل ذلك تظاهر القول فـي تفسيره من الـمفسرين ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي شكّ.

وحدثت عن الـمنـجاب، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق عن الضحاك، عن ابن عبـاس، قال: الـمرض: النفـاق.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة الهمدانـي عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم:{فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} يقول: فـي قلوبهم شك.

حدثنـي يونس بن عبد الأعلَـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد فـي قوله:{فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} قال: هذا مرض فـي الدين ولـيس مرضاً فـي الأجساد. قال: هم الـمنافقون.

حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم قال: حدثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك قراءة عن سعيد عن قتادة فـي قوله:{فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} قال: فـي قلوبهم ريبة وشك فـي أمر الله جل ثناؤه.

وحدثت عن عمار بن الـحسن، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس:{فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} قال: هؤلاء أهل النفـاق، والـمرض الذي فـي قلوبهم الشكّ فـي أمر الله تعالـى ذكره.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} حتـى بلغ: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} قال الـمرض: الشك الذي دخـلهم فـي الإسلام.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً}.

قد دللنا آنفـاً علـى أن تأويـل الـمرض الذي وصف الله جل ثناؤه أنه فـي قلوب الـمنافقـين: هو الشكّ فـي اعتقادات قلوبهم وأديانهم وما هم علـيه فـي أمر مـحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر نبوّته وما جاء به مقـيـمون.

فـالـمرض الذي أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنه زادهم علـى مرضهم هو نظير ما كان فـي قلوبهم من الشك والـحيرة قبل الزيادة، فزادهم الله بـما أحدث من حدوده وفرائضه التـي لـم يكن فرضها قبل الزيادة التـي زادها الـمنافقـين من الشك والـحيرة إذْ شكوا وارتابوا فـي الذي أحدث لهم من ذلك إلـى الـمرض والشك الذي كان فـي قلوبهم فـي السالف من حدوده وفرائضه التـي كان فرضها قبل ذلك، كما زاد الـمؤمنـين به إلـى إيـمانهم الذي كانوا علـيه قبل ذلك بـالذي أحدث لهم من الفرائض والـحدود إذ آمنوا به، إلـى إيـمانهم بـالسالف من حدوده وفرائضه إيـماناً. كالذي قال جل ثناؤه فـي تنزيـله:

{ وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَـٰناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ }[التوبة: 124-125] فـالزيادة التـي زيدها الـمنافقون من الرجاسة إلـى رجاستهم هو ما وصفنا، والزيادة التـي زيدها الـمؤمنون إلـى إيـمانهم هو ما بـينا، وذلك هو التأويـل الـمـجمع علـيه. ذكر بعض من قال ذلك من أهل التأويـل:

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت. عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس:{فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} قال: شكّاً.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: أخبرنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرّة الهمدانـي عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم:{فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} يقول: فزادهم الله ريبة وشكاً.

حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال: حدثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك قراءة عن سعيد عن قتادة:{فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} يقول: فزادهم الله ريبة وشكاً فـي أمر الله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قول الله: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} قال: زادهم رجساً. وقرأ قول الله عزّ وجلّ:

{ فأمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ }[التوبة: 124-125] قال: شرّاً إلـى شرّهم، وضلالة إلـى ضلالتهم.

وحدثت عن عمار بن الـحسن، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع:{فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً} قال زادهم الله شكاً.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

قال أبو جعفر: والألـيـم: هو الـموجع، ومعناه: ولهم عذاب مؤلـم، فصرف «مؤلـم» إلـى «ألـيـم»، كما يقال: ضرب وجيع بـمعنى موجع، والله بديع السموات والأرض بـمعنى مبدع. ومنه قول عمرو بن معد يكرب الزبـيدي:

أمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُيُؤَرّقُنِـي وأصْحابـي هُجُوعُ

بـمعنى الـمُسْمِع. ومنه قول ذي الرمة:

وَيَرْفَعُ مِنْ صُدُور شَمَرْدلاتٍيَصُدُّ وُجُوهَها وَهَجٌ ألِـيـمُ

ويروى «يصك»، وإنـما الألـيـم صفة للعذاب، كأنه قال: ولهم عذاب مؤلـم. وهو مأخوذ من الألـم، والألـم: الوجع. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر عن أبـيه عن الربـيع، قال: الألـيـم: الـموجع.

حدثنا يعقوب، قال: حدثنا هشيـم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك قال: الألـيـم، الـموجع.

وحدثت عن الـمنـجاب بن الـحارث، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك فـي قوله {أَلِيمٌ} قال: هو العذاب الـموجع، وكل شيء فـي القرآن من الألـيـم فهو الـموجع.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}.

اختلفت القراءة فـي قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} مخففة الذال مفتوحة الـياء، وهي قراءة معظم أهل الكوفة. وقرأه آخرون: {يُكَذِّبُونَ} بضم الـياء وتشديد الذال، وهي قراءة معظم أهل الـمدينة والـحجاز والبصرة. وكأن الذين قرءوا ذلك بتشديد الذال وضم الـياء رأوا أن الله جل ثناؤه إنـما أوجب للـمنافقـين العذاب الألـيـم بتكذيبهم نبـيهم مـحمداً صلى الله عليه وسلم وبـما جاء به، وأن الكذب لولا التكذيب لا يوجب لأحد الـيسير من العذاب، فكيف بـالألـيـم منه؟

ولـيس الأمر فـي ذلك عندي كالذي قالوا وذلك أن الله عزّ وجلّ أنبأ عن الـمنافقـين فـي أول النبأ عنهم فـي هذه السورة بأنهم يكذبون بدعواهم الإيـمان وإظهارهم ذلك بألسنتهم خداعاً لله عزّ وجلّ ولرسوله وللـمؤمنـين، فقال:

{ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلأْخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءامَنُوا }[البقرة: 8-9] بذلك من قـيـلهم مع استسرارهم الشك، {وَمَا يَخْدَعُونَ} بصنـيعهم ذلك {إِلاَّ أَنْفُسَهُم} دون رسول الله صلى الله عليه وسلم والـمؤمنـين، {وَمَا يَشْعُرُونَ} بـموضع خديعتهم أنفسهم واستدراج الله عزّ وجل إياهم بإملائه لهم فـي قلوبهم شك أي نفـاق وريبة، والله زائدهم شكّاً وريبة بـما كانوا يكذبون الله ورسوله والـمؤمنـين بقولهم بألسنتهم: { ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلأْخِرِ }[البقرة: 8] وهم فـي قـيـلهم ذلك كَذَبة لاستسرارهم الشك والـمرض فـي اعتقادات قلوبهم. فـي أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فأولـى فـي حكمة الله جل جلاله أن يكون الوعيد منه لهم علـى ما افتتـح به الـخبر عنهم من قبـيح أفعالهم وذميـم أخلاقهم، دون ما لـم يجز له ذكر من أفعالهم إذ كان سائر آيات تنزيـله بذلك نزل. وهو أن يفتتـح ذكر مـحاسن أفعال قوم ثم يختـم ذلك بـالوعيد علـى ما افتتـح به ذكره من أفعالهم، ويفتتـح ذكر مساوىء أفعال آخرين ثم يختـم ذلك بـالوعيد علـى ما ابتدأ به ذكره من أفعالهم. فكذلك الصحيح من القول فـي الآيات التـي افتتـح فـيها ذكر بعض مساوىء أفعال الـمنافقـين أن يختـم ذلك بـالوعيد علـى ما افتتـح به ذكره من قبـائح أفعالهم، فهذا مع دلالة الآية الأخرى علـى صحة ما قلنا وشهادتها بأن الواجب من القراءة ما اخترنا، وأن الصواب من التأويـل ما تأوّلنا من أن وعيد الله الـمنافقـين فـي هذه الآية العذاب الألـيـم علـى الكذب الـجامع معنى الشك والتكذيب، وذلك قول الله تبـارك وتعالـى: { إِذَا جَاءكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ ٱتَّخَذُواْ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }[المنافقون: 1-2] والآية الأخرى فـي الـمـجادلة: { ٱتَّخَذْواْ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ }[المجادلة: 16] فأخبر جلّ ثناؤه أن الـمنافقـين بقـيـلهم ما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مع اعتقادهم فـيه ما هم معتقدون، كاذبون. ثم أخبر تعالـى ذكره أن العذاب الـمهين لهم علـى ذلك من كذبهم. ولو كان الصحيح من القراءة علـى ما قرأه القارئون فـي سورة البقرة: {وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} لكانت القراءة فـي السورة الأخرى: { وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ }[المنافقون: 1] لـيكون الوعيد لهم الذي هو عقـيب ذلك وعيداً علـى التكذيب، لا علـى الكذب.

وفـي إجماع الـمسلـمين علـى أن الصواب من القراءة فـي قوله:

{ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ }[المنافقون: 1] بـمعنى الكذب، وأن إيعاد الله تبـارك وتعالـى فـيه الـمنافقـين العذاب الألـيـم علـى ذلك من كذبهم، أوضح الدلالة علـى أن الصحيح من القراءة فـي سورة البقرة:{بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} بـمعنى الكذب، وأن الوعيد من الله تعالـى ذكره للـمنافقـين فـيها علـى الكذب حق، لا علـى التكذيب الذي لـم يجز له ذكر نظير الذي فـي سورة الـمنافقـين سواء.

وقد زعم بعض نـحويـي البصرة أن «ما» من قول الله تبـارك اسمه: {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} اسم للـمصدر، كما أن أن والفعل اسمان للـمصدر فـي قولك: أحبّ أن تأتـينـي، وأن الـمعنى إنـما هو بكذبهم وتكذيبهم. قال: وأدخـل «كان» لـيخبر أنه كان فـيـما مضى، كما يقال: ما أحسن ما كان عبد الله. فأنت تعجب من عبد الله لا من كونه، وإنـما وقع التعجب فـي اللفظ علـى كونه. وكان بعض نـحويـي الكوفة ينكر ذلك من قوله ويستـخطئه ويقول: إنـما ألغيت «كان» فـي التعجب لأن الفعل قد تقدمها، فكأنه قال: «حسنا كان زيد»، «وحسن كان زيد» يبطل «كان»، ويعمل مع الأسماء والصفـات التـي بألفـاظ الأسماء إذا جاءت قبل «كان» ووقعت «كان» بـينها وبـين الأسماء.

وأما العلة فـي إبطالها إذا أبطلت فـي هذه الـحال فشبه الصفـات والأسماء بفعل ويفعل اللتـين لا يظهر عمل كان فـيهما، ألا ترى أنك تقول: «يقوم كان زيد»، ولا يظهر عمل «كان» فـي «يقوم»، وكذلك «قام كان زيد». فلذلك أبطل عملها مع فـاعل تـمثـيلاً بفعل ويفعل، وأعملت مع فـاعل أحياناً لأنه اسم كما تعمل فـي الأسماء. فأما إذا تقدمت «كان» الأسماء والأفعال وكان الاسم والفعل بعدها، فخطأ عنده أن تكون «كان» مبطلة فلذلك أحال قول البصري الذي حكيناه، وتأوّل قوله الله عزّ وجل: {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} أنه بـمعنى: الذي يكذبونه.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ۝١١

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل هذه الآية، فروي عن سلـمان الفـارسي أنه كان يقول: لـم يجيءْ هؤلاء بعد.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثام بن علـيّ، قال: حدثنا الأعمش، قال: سمعت الـمنهال بن عمرو يحدّث عن عبـاد بن عبد الله، عن سلـمان، قال: ما جاء هؤلاء بعد، الذين{ إذَا قـيـلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فـي الأرْضِ قالُوا إنَّـمَا نَـحْنُ مُصْلِـحُونَ}.

حدثنـي أحمد بن عثمان بن حكيـم، قال: حدثنا عبد الرحمن بن شريك، قال: حدثنـي أبـي، قال: حدثنـي الأعمش، عن زيد بن وهب وغيره، عن سلـمان أنه قال فـي هذه الآية:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} قال ما جاء هؤلاء بعد. وقال آخرون بـما:

حدثنـي به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي فـي خبر ذكره، عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة الهمدانـي، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} هم الـمنافقون. أما {لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} فإن الفساد هو الكفر والعمل بـالـمعصية.

وحدثت عن عمار بن الـحسن، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} يقول: لا تعصوا فـي الأرض. قال: فكان فسادهم علـى أنفسهم ذلك معصية الله جل ثناؤه، لأن من عصى الله فـي الأرض أو أمر بـمعصيته فقد أفسد فـي الأرض، لأن إصلاح الأرض والسماء بـالطاعة.

وأولـى التأويـلـين بـالآية تأويـل من قال: إن قول الله تبـارك اسمه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} نزلت فـي الـمنافقـين الذين كانوا علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان معنـياً بها كل من كان بـمثل صفتهم من الـمنافقـين بعدهم إلـى يوم القـيامة. وقد يحتـمل قول سلـمان عند تلاوة هذه الآية: «ما جاء هؤلاء بعد» أن يكون قاله بعد فناء الذين كانوا بهذه الصفة علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم خبراً منه عمن جاء منهم بعدهم ولـما يجيء بعد، لا أنه عنى أنه لـم يـمض مـمن هذه صفته أحد.

وإنـما قلنا أولـى التأويـلـين بـالآية ما ذكرنا، لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـى أن ذلك صفة من كان بـين ظهرانـي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الـمنافقـين، وأن هذه الآيات فـيهم نزلت. والتأويـل الـمـجمع علـيه أولـى بتأويـل القرآن من قول لا دلالة علـى صحته من أصل ولا نظير. والإفساد فـي الأرض: العمل فـيها بـما نهى الله جل ثناؤه عنه، وتضيـيع ما أمر الله بحفظه. فذلك جملة الإفساد، كما قال جل ثناؤه فـي كتابه مخبراً عن قـيـل ملائكته:

{ قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاءَ } } [البقرة: 30] يعنون بذلك: أتـجعل فـي الأرض من يعصيك ويخالف أمرك؟ فكذلك صفة أهل النفـاق مفسدون فـي الأرض بـمعصِيتهم فـيها ربهم، وركوبهم فـيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضيـيعهم فرائضه وشكهم فـي دين الله الذي لا يقبل من أحد عملاً إلا بـالتصديق به والإيقان بحقّـيته، وكذبهم الـمؤمنـين بدعواهم غير ما هم علـيه مقـيـمون من الشك والريب، وبـمظاهرتهم أهل التكذيب بـالله وكتبه ورسله علـى أولـياء الله إذا وجدوا إلـى ذلك سبـيلاً.

فذلك إفساد الـمنافقـين فـي أرض الله، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلـحون فـيها. فلـم يسقط الله جل ثناؤه عنهم عقوبته، ولا خفف عنهم ألـيـم ما أعدّ من عقابه لأهل معصيته بحسبـانهم أنهم فـيـما أتوا من معاصي الله مصلـحون، بل أوجب لهم الدرك الأسفل من ناره والألـيـمَ من عذابه والعارَ العاجل بسبّ الله إياهم وشتـمه لهم، فقال تعالـى:

{ أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ }[البقرة: 12] وذلك من حكم الله جل ثناؤه فـيهم أدلّ الدلـيـل علـى تكذيبه تعالـى قول القائلـين: إن عقوبـات الله لا يستـحقها إلا الـمعاند ربه فـيـما لزمه من حقوقه وفروضه بعد علـمه وثبوت الـحجة علـيه بـمعرفته بلزوم ذلك إياه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}.

وتأويـل ذلك كالذي قاله ابن عبـاس، الذي:

حدثنا به مـحمد بن حميد، قال: حدثنا سلـمة بن الفضل، عن مـحمد بن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس قوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} أي قالوا: إنـما نريد الإصلاح بـين الفريقـين من الـمؤمنـين وأهل الكتاب. وخالفه فـي ذلك غيره.

حدثنا القاسم بن الـحسن، قال: حدثنا الـحسين بن داود، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} قال: إذا ركبوا معصية الله، فقـيـل لهم: لا تفعلوا كذا وكذا، قالوا: إنـما نـحن علـى الهدى مصلـحون.

قال أبو جعفر: وأيّ الأمرين كان منهم فـي ذلك أعنـى فـي دعواهم أنهم مصلـحون فهم لا شكّ أنهم كانوا يحسبون أنهم فـيـما أتوا من ذلك مصلـحون. فسواء بـين الـيهود والـمسلـمين كانت دعواهم الإصلاح أو فـي أديانهم، وفـيـما ركبوا من معصية الله، وكذبهم الـمؤمنـين فـيـما أظهروا لهم من القول وهم لغير ما أظهروا مستبطنون، لأنهم كانوا فـي جميع ذلك من أمرهم عند أنفسهم مـحسنـين، وهم عند الله مسيئون، ولأمر الله مخالفون لأن الله جل ثناؤه قد كان فرض علـيهم عداوة الـيهود وحربهم مع الـمسلـمين، وألزمهم التصديق برسول الله صلى الله عليه وسلم وبـما جاء به من عند الله كالذي ألزم من ذلك الـمؤمنـين، فكان لقاؤهم الـيهود علـى وجه الولاية منهم لهم، وشكهم فـي نبوّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفـيـما جاء به أنه من عند الله أعظم الفساد، وإن كان ذلك كان عندهم إصلاحاً وهدى: فـي أديانهم، أو فـيـما بـين الـمؤمنـين والـيهود، فقال جل ثناؤه فـيهم: {أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ} دون الذين ينهونهم من الـمؤمنـين عن الإفساد فـي الأرض

{ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ }}.

[البقرة: 12]

أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ ۝١٢

وهذا القول من الله جل ثناؤه تكذيب للـمنافقـين فـي دعواهم إذا أمروا بطاعة الله فـيـما أمرهم الله به، ونُهوا عن معصية الله فـيـما نهاهم الله عنه. قالوا: إنـما نـحن مصلـحون لا مفسدون، ونـحن علـى رشد وهدى فـيـما أنكرتـموه علـينا دونكم لا ضالون. فكذبهم الله عزّ وجلّ فـي ذلك من قـيـلهم، فقال: {أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ} الـمخالفون أمر الله عزّ وجل، الـمتعدّون حدوده الراكبون معصيته، التاركون فروضه وهم لا يشعرون ولا يدرون أنهم كذلك، لا الذين يأمرونهم بـالقسط من الـمؤمنـين وينهونهم عن معاصي الله فـي أرضه من الـمسلـمين.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ ۝١٣

قال أبو جعفر: وتأويـل قوله: {إِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ ٱلنَّاسُ} يعنـي: وإذا قـيـل لهؤلاء الذين وصفهم الله ونعتهم بأنهم يقولون {آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}: صَدِّقوا بـمـحمد وبـما جاء به من عند الله كما صدّق به الناس. ويعنـي «بالناس» الـمؤمنـين الذين آمنوا بـمـحمد ونبوّته وما جاء به من عند الله. كما:

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمار، عن أبـي روق، عن الضحاك عن ابن عبـاس فـي قوله: {إِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ ٱلنَّاسُ} يقول: وإذا قـيـل لهم صدّقوا كما صدّق أصحاب مـحمد، قولوا: إنه نبـيّ ورسول، وإن ما أنزل علـيه حق. وصَدِّقوا بـالآخرة، وأنكم مبعوثون من بعد الـموت.

وإنـما أدخـلت الألف واللام فـي «الناس» وهم بعض الناس لا جميعهم لأنهم كانوا معروفـين عند الذين خوطبوا بهذه الآية بأعيانهم. وإنـما معناه: آمنوا كما آمن الناس الذين تعرفونهم من أهل الـيقـين والتصديق بـالله وبـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند الله وبـالـيوم الآخر، فلذلك أدخـلت الألف واللام فـيه كما أدخـلتا فـي قوله:

{ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ }[آل عمران: 173] لأنه أشير بدخولها إلـى ناس معروفـين عند من خوطب بذلك.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ}.

قال أبو جعفر: والسفهاء جمع سفـيه، كالعلـماء جمع علـيـم، والـحكماء جمع حكيـم. والسفـيه: الـجاهل الضعيف الرأي، القلـيـل الـمعرفة بـمواضع الـمنافع والـمضارّ ولذلك سمى الله عزّ وجل النساء والصبـيان سفهاء، فقال تعالـى:

{ وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ } [النساء: 5] قِـياماً فقال عامة أهل التأويـل: هم النساء والصبـيان لضعف آرائهم، وقلة معرفتهم بـمواضع الـمصالـح والـمضارّ التـي تصرف إلـيها الأموال. وإنـما عنى الـمنافقون بقـيـلهم أنؤمن كما آمن السفهاء، إذْ دُعوا إلـى التصديق بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وبـما جاء به من عند الله، والإقرار بـالبعث، فقال لهم: آمنوا كما آمن أصحاب مـحمد وأتبـاعه من الـمؤمنـين الـمصدقـين به أهل الإيـمان والـيقـين والتصديق بـالله وبـما افترض علـيهم علـى لسان رسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم وفـي كتابه وبـالـيوم الآخر، فقالوا إجابة لقائل ذلك لهم: أنؤمن كما آمن أهل الـجهل ونصدق بـمـحمد صلى الله عليه وسلم كما صدق به هؤلاء الذين لا عقول لهم ولا أفهام كالذي:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة الهمدانـي، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم، قالوا: {أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ} يعنون أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم.

حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال: حدثنا إسحاق بن الـحجاج، قال: حدثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه عن الربـيع بن أنس: قالوا{أنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهاءُ} يعنون أصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلـم فـي قوله: {قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ} قال: هذا قول الـمنافقـين، يريدون أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمار، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: {قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ} يقولون: أنقول كما تقول السفهاء؟ يعنون أصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم، لـخلافهم لدينهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ}.

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالـى عن الـمنافقـين الذين تقدم نعته لهم ووصْفُه إياهم بـما وصفهم به من الشك والتكذيب، أنهم هم الـجهال فـي أديانهم، الضعفـاء الآراء فـي اعتقاداتهم واختـياراتهم التـي اختاروها لأنفسهم من الشك والريب فـي أمر الله وأمر رسوله وأمر نبوّته، وفـيـما جاء به من عند الله، وأمر البعث، لإساءتهم إلـى أنفسهم بـما أتوا من ذلك، وهم يحسبون أنهم إلـيها يحسنون. وذلك هو عين السفه، لأن السفـيه إنـما يفسد من حيث يرى أنه يصلـح ويضيع من حيث يرى أنه يحفظ. فكذلك الـمنافق يعصي ربه من حيث يرى أنه يطيعه، ويكفر به من حيث يرى أنه يؤمن به، ويسيء إلـى نفسه من حيث يحسب أنه يحسن إلـيها، كما وصفهم به ربنا جل ذكره فقال:

{ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ }[البقرة: 12] وقال: ألا إنهم هم السفهاء دون الـمؤمنـين الـمصدّقـين بـالله وبكتابه وبرسوله وثوابه وعقابه، ولكن لا يعلـمون. وكذلك كان ابن عبـاس يتأوّل هذه الآية.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمار، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس يقول الله جل ثناؤه: {أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ} يقول الـجهال، {وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ} يقول: ولكن لا يعقلون. وأما وجه دخول الألف واللام فـي «السفهاء» فشبـيه بوجه دخولهما فـي «الناس» فـي قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ ٱلنَّاسُ} وقد بـينا العلة فـي دخولهما هنالك، والعلة فـي دخولهما فـي السفهاء نظيرتها فـي دخولهما فـي الناس هنالك سواء. والدلالة التـي تدل علـيه هذه الآية من خطأ قول من زعم أن العقوبة من الله لا يستـحقها إلا الـمعاند ربه مع علـمه بصحة ما عانده فـيه نظير دلالة الآيات الأخر التـي قد تقدّم ذكرنا تأويـلَها فـي قوله: {وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} ونظير ذلك.

وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ۝١٤

وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ (*) قال أبو جعفر: وهذه الآية نظير الآية الأخرى التـي أخبر الله جل ثناؤه فـيها عن الـمنافقـين بخداعهم الله ورسوله والـمؤمنـين، فقال:

{ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ }[البقرة: 8] ثم أكذبهم تعالـى ذكره بقوله: { وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ }[البقرة: 8] وأنهم بقـيـلهم ذلك يخادعون الله والذين آمنوا. وكذلك أخبر عنهم فـي هذه الآية أنهم يقولون للـمؤمنـين الـمصدقـين بـالله وكتابه ورسوله بألسنتهم: آمنا وصدّقنا بـمـحمدٍ وبـما جاء به من عند الله، خداعا عن دمائهم وأموالهم وذراريهم، ودرءا لهم عنها، وأنهم إذا خـلوا إلـى مَرَدَتِهم وأهل العتوّ والشرّ والـخبث منهم ومن سائر أهل الشرك الذين هم علـى مثل الذي هم علـيه من الكفر بـالله وبكتابه ورسوله وهم شياطينهم. وقد دللنا فـيـما مضى من كتابنا علـى أن شياطين كل شيء مردته قالوا لهم:{إِنَّا مَعَكُمْ} أي إنا معكم علـى دينكم، وظهراؤكم علـى من خالفكم فـيه، وأولـياؤكم دون أصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم، إنـما نـحن مستهزئون بـالله وبكتابه ورسوله وأصحابه. كالذي:

حدثنا مـحمد بن العلاء: قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال حدثنا بشر بن عمار عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس فـي قوله: {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا} قال: كان رجال من الـيهود إذا لقوا أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم أو بعضهم، قالوا: إنا علـى دينكم، وإذا خـلوا إلـى أصحابهم وهم شياطينهم {قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ }.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة بن الفضل عن مـحمد بن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس:{وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ} قال: إذا خـلوا إلـى شياطينهم من يهود الذين يأمرونهم بـالتكذيب، وخلاف ما جاء به الرسول {قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ} أي إنا علـى مثل ما أنتـم علـيه {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ}.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة الهمدانـي، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ} أما شياطينهم، فهم رؤوسهم فـي الكفر.

حدثنا بشر بن معاذ العقدي، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله: {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ} أي رؤسائهم وقادتهم فـي الشرّ، قالوا {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة فـي قوله:{وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ} قال: الـمشركون.

حدثنـي مـحمد بن عمرو البـاهلـي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميـمون، قال: حدثنا عبد الله بن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عز وجل: {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ} قال: إذا خلا الـمنافقون إلـى أصحابهم من الكفـار.

حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال: حدثنا أبو حذيفة، عن شبل بن عبـاد، عن عبد الله بن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: وَإذَا خَـلَوْا إلـى شَياطِينِهِمْ قال أصحابهم: من الـمنافقـين والـمشركين.

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الـحجاج، عن عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس:{وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ} قال إخوانهم من الـمشركين،{قالُوا إنا مَعَكُم إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ}.

حدثنا القاسم بن الـحسن، قال: حدثنا الـحسين بن داود، قال: حدثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج فـي قوله: {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا} قال: إذا أصاب الـمؤمنـين رخاء، قالوا: إنا نـحن معكم إنـما نـحن إخوانكم، وإذا خـلوا إلـى شياطينهم استهزءوا بـالـمؤمنـين.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مـجاهد: شياطينهم: أصحابهم من الـمنافقـين والـمشركين.

فإن قال لنا قائل: أرأيت قوله:{وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ} فكيف قـيـل «خـلوا إلـى شياطينهم» ولـم يقل «خـلوا بشياطينهم»؟ فقد علـمت أن الـجاري بـين الناس فـي كلامهم «خـلوت بفلان» أكثر وأفشى من «خـلوت إلـى فلان»، ومن قولك: إن القرآن أفصح البـيان قـيـل: قد اختلف فـي ذلك أهل العلـم بلغة العرب، فكان بعض نـحويـي البصرة يقول: يقال خـلوت إلـى فلان، إذا أريد به: خـلوت إلـيه فـي حاجة خاصة لا يحتـمل إذا قـيـل كذلك إلا الـخلاء إلـيه فـي قضاء الـحاجة. فأما إذا قـيـل: خـلوت به احتـمل معنـيـين: أحدهما الـخلاء به فـي الـحاجة، والآخر: فـي السخرية به، فعلـى هذا القول{ وَإذَا خَـلَوْا إلـى شَياطينهمْ} لا شك أفصح منه لو قـيـل: «وإذا خـلوا بشياطينهم» لـما فـي قول القائل: «إذا خـلوا بشياطينهم» من التبـاس الـمعنى علـى سامعيه الذي هو منتف عن قوله: {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ} فهذا أحد الأقوال. والقول الآخر أن توجيه معنى قوله: {وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ} أي إذا خـلوا مع شياطينهم، إذ كانت حروف الصفـات يعاقب بعضها بعضاً كما قال الله مخبراً عن عيسى ابن مريـم أنه قال للـحواريـين:

{ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ }[آل عمران: 52] يريد مع الله، وكما توضع «علـى» فـي موضع «من» و«فـي» و«عن» و«البـاء»، كما قال الشاعر:

إذَا رَضِيَتْ عَلـيَّ بَنُو قُشَيْرٍلَعَمْرُ اللّهِ أعْجَبَنِـي رِضَاها

بـمعنى «عنِّـي».

وأما بعض نـحويـي أهل الكوفة فإنه كان يتأوّل أن ذلك بـمعنى:{وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا} وإذا صرفوا خلاءهم إلـى شياطينهم فـيزعم أن الـجالب «إلـى» الـمعنى الذي دل علـيه الكلام: من انصراف الـمنافقـين عن لقاء الـمؤمنـين إلـى شياطينهم خالـين بهم، لا قوله «خـلوا». وعلـى هذا التأويـل لا يصلـح فـي موضع «إلـى» غيرها لتغير الكلام بدخول غيرها من الـحروف مكانها.

وهذا القول عندي أولـى بـالصواب، لأن لكل حرف من حروف الـمعانـي وجهاً هو به أولـى من غيره، فلا يصلـح تـحويـل ذلك عنه إلـى غيره إلا بحجة يجب التسلـيـم لها. ول«إلـى» فـي كل موضع دخـلت من الكلام حكم وغير جائز سلبها معانـيها فـي أماكنها.

القول فـي تأويـل قوله جل ثناؤه: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ}.

أجمع أهل التأويـل جميعاً لا خلاف بـينهم، علـى أن معنى قوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ}: إنـما نـحن ساخرون. فمعنى الكلام إذاً: وإذا انصرف الـمنافقون خالـين إلـى مردتهم من الـمنافقـين والـمشركين قالوا: إنا معكم على ما أنتـم علـيه من التكذيب بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وبـما جاء به ومعاداته ومعاداة أتبـاعه، إنـما نـحن ساخرون بأصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم فـي قـيـلنا لهم إذا لقـيناهم

{ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ }

[البقرة: 8] كما حدثنا مـحمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمار، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: قالوا:{إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} ساخرون بأصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس:{إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ}: أي إنـما نـحن نستهزىء بـالقوم ونلعب بهم.

حدثنا بشر بن معاذ العقدي، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة:{إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ}: إنـما نستهزىء بهؤلاء القوم ونسخر بهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق بن الـحجاج، عن عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع:{إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} أي نستهزىء بأصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم.

السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ