انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة البقرة

تفسير الطبريالآيات 110–116

تفسير سورة البقرة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة البقرة

الخلاصة من تفسير الطبري · 20 مقطعًا · 5:38:46

  1. 1 الآيات 106–123في هذه الصفحة 17:51

التفسير الصوتي لسورة البقرة كاملًا (20 مقطعًا)

وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ۝١١٠

قال أبو جعفر: قد دللنا فـيـما مضى علـى معنى إقامة الصلاة، وأنها أداؤها بحدودها وفروضها، وعلـى تأويـل الصلاة وما أصلها، وعلـى معنى إيتاء الزكاة، وأنه إعطاؤها بطيب نفس علـى ما فُرضت ووَجبت، وعلـى معنى الزكاة واختلاف الـمختلفـين فـيها، والشواهد الدالة علـى صحة القول الذي اخترنا فـي ذلك بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وأما قوله: {وَما تُقَدّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَـجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ} فإنه يعنـي جل ثناؤه بذلك: ومهما تعملوا من عمل صالـح فـي أيام حياتكم فتقدموه قبل وفـاتكم ذخراً لأنفسكم فـي معادكم، تـجدوا ثوابه عند ربكم يوم القـيامة، فـيجازيكم به. والـخير: هو العمل الذي يرضاه الله. وإنـما قال: {تَـجِدُوهُ} والـمعنى: تـجدوا ثوابه. كما:

حُدثت عن عمار بن الـحسن. قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع قوله: {تـجِدُوهُ} يعنـي: تـجدوا ثوابه عند الله.

قال أبو جعفر: لاستغناء سامعي ذلك بدلـيـل ظاهر علـى معنى الـمراد منه، كما قال عمر بن لـجأ:

وَسَبّحَتِ الـمَدِينَةُ لا تَلُـمْها رأتْ قَمَراً بِسُوقِهِمُ نَهَارا

وإنـما أراد: وسبح أهل الـمدينة. وإنـما أمرهم جل ثناؤه فـي هذا الـموضع بـما أمرهم به من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وتقديـم الـخيرات لأنفسم، لـيطهّروا بذلك من الـخطأ الذي سلف منهم فـي استنصاحهم الـيهود، وركون من كان ركن منهم إلـيهم، وجفـاء من كان جفـا منهم فـي خطابه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: {راعِنا} إذ كانت إقامة الصلوات كفـارة للذنوب، وإيتاء الزكاة تطهيراً للنفوس والأبدان من أدناس الآثام، وفـي تقديـم الـخيرات إدراك الفوز برضوان الله.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {إنَّ اللَّهَ بِـمَا تَعْمَلُونَ بَصِير}.

وهذا خبر من الله جل ثناؤه للذين خاطبهم بهذه الآيات من الـمؤمنـين أنهم مهما فعلوا من خير وشرّ سِرًّا وعلانـية، فهو به بصير لا يخفـى علـيه منه شيء، فـيجزيهم بـالإحسان جزاءه وبـالإساءة مثلها. وهذا الكلام وإن كان خرج مخرج الـخبر، فإن فـيه وعداً ووعيدا، وأمرا وزجراً وذلك أنه أعلـم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم لـيجدّوا فـي طاعته، إذ كان ذلك مذخورا لهم عنده حتـى يُثـيبهم علـيه، كما قال: {وما تُقَدّمُوا لأِنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَـجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ} ولـيحذروا معصيته، إذ كان مطلعاً علـى راكبها بعد تقدمه إلـيه فـيها بـالوعيد علـيها. وما أوعد علـيه ربنا جل ثناؤه فمنهيّ عنه، وما وعد علـيه فمأمور به.

وأما قوله: {بَصِيرٌ} فإنه مُبْصِر صرف إلـى بصير، كما صرف مُبْدِع إلـى بديع، ومُؤْلـم إلـى ألـيـم.

وَقَالُوا۟ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَٰرَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا۟ بُرْهَٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝١١١

يعنـي جل ثناؤه بقوله: {وَقالُوا} وقالت الـيهود والنصارى: {لَنْ يَدْخُـلَ الـجَنّةَ}.

فإن قال قائل: وكيف جمع الـيهود والنصارى فـي هذا الـخبر مع اختلاف مقالة الفريقـين، والـيهود تدفع النصارى عن أن يكون لها فـي ثواب الله نصيب، والنصارى تدفع الـيهود عن مثل ذلك؟ قـيـل: إن معنى ذلك بخلاف الذي ذهبت إلـيه، وإنـما عنى به: وقالت الـيهود: لن يدخـل الـجنة إلا من كان هوداً، وقالت النصارى: لن يدخـل الـجنة إلا النصارى. ولكن معنى الكلام لـما كان مفهوماً عند الـمخاطبـين به معناه جمع الفريقان فـي الـخبر عنهما، فقـيـل: {قالُوا لَنْ يَدْخُـلَ الـجَنّةَ إلا مَنْ كانَ هُوداً أوْ نَصَارَى} الآية، أي قالت الـيهود: لن يدخـل الـجنة إلا من كان يهوديًّا، وقالت النصارى: لن يدخـل الـجنة إلا من كان نصرانـيًّا. وأما قوله: {مَنْ كانَ هُوداً} فإن فـي الهُودِ قولـين: أحدهما أن يكون جمع هائد، كما جاء عُوط جمع عائط، وعُوذ جمع عائذ، وحُول جمع حائل، فـيكون جمعاً للـمذكر والـمؤنث بلفظ واحد والهائد: التائب الراجع إلـى الـحقّ. والآخر أن يكون مصدراً عن الـجميع، كما يقال: «رجل صَوْمٌ وقوم صَوْمٌ»، و«رجل فِطْر وقوم فِطْر ونسوة فِطْر».

وقد قـيـل: إن قوله: {إلا مَنْ كانَ هُوداً} إنـما هو قوله: إلا من كان يهوداً ولكنه حذف الـياء الزائدة، ورجع إلـى الفعل من الـيهودية.

وقـيـل: إنه فـي قراءة أبـيّ: «إلا من كان يهوديًّا أو نصرانـيًّا». وقد بـينا فـيـما مضى معنى النصارى ولـم سُميت بذلك وجمعت كذلك بـما أغنى عن إعادته.

وأما قوله: {تِلْكَ أمانِـيُّهُمْ} فإنه خبر من الله تعالـى ذكره عن قول الذين قالوا: {لَنْ يَدْخُـلَ الـجَنّةَ إلا مَنْ كانَ هُوداً أوْ نَصَارَى} أنه أمانـيّ منهم يتـمنونها علـى الله بغير حقّ ولا حجة ولا برهان ولا يقـين علـم بصحة ما يدعون، ولكن بـادّعاء الأبـاطيـل وأمانـي النفوس الكاذبة. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {تِلْكَ أمانِـيُّهُمْ} أمانـيّ يتـمنونها علـى الله كاذبة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {تِلْكَ أمانِـيُّهُمْ} قال: أمانـيّ تـمنوا علـى الله بغير الـحقّ.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قُلْ هاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنْتُـمْ صَادِقِـينَ}.

وهذا أمر من الله جل ثناؤه لنبـيه صلى الله عليه وسلم بدعاء الذين {قالُوا لَنْ يَدْخُـلَ الـجَنّةَ إلا مَنْ كانَ هُوداً أوْ نَصَارَى} إلـى أمر عدل بـين جميع الفرق مسلـمها ويهودها ونصاراها، وهو إقامة الـحجة علـى دعواهم التـي ادعوا من أن الـجنة لا يدخـلها إلا من كان هودا أو نصارى. يقول الله لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: يا مـحمد قل للزاعمين أن الـجنة لا يدخـلها إلا من كان هوداً أو نصارى دون غيرهم من سائر البشر: هاتوا برهانكم علـى ما تزعمون من ذلك فنسلـم لكم دعواكم إن كنتـم فـي دعواكم من أن الـجنة لا يدخـلها إلا من كان هوداً أو نصارى مـحقـين. والبرهان: هو البـيان والـحجة والبـينة. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {هاتُوا بُرْهَانَكُمْ} هاتوا بَـيِّنتكم.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {هاتُوا بُرْهَانَكُمْ} هاتُوا حجتكم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {قُلْ هاتوا بُرْهَانَكُمْ} قال: حجتكم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ} أي حجتكم.

وهذا الكلام وإن كان ظاهره ظاهر دعاء القائلـين: {لَنْ يَدْخُـلَ الـجَنّةَ إلا مَنْ كانَ هُوداً أوْ نَصَارَى} إلـى إحضار حجة علـى دعواهم ما ادّعوا من ذلك، فإنه بـمعنى تكذيب من الله لهم فـي دعواهم وقـيـلهم لأنهم لـم يكونوا قادرين علـى إحضار برهان علـى دعواهم تلك أبداً.

وقد أبـان قوله:

{ بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ }[البقرة: 112] علـى أن الذي ذكرنا من الكلام بـمعنى التكذيب للـيهود والنصارى فـي دعواهم ما ذكر الله عنهم.

وأما تأويـل قوله: {قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ} فإنه: أحضروا وأتوا به.

بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُۥٓ أَجْرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝١١٢

يعنـي بقوله جل ثناؤه: {بَلَـى مَنْ أسْلَـمَ} أنه لـيس كما قال الزاعمون

{ لَنْ يَدْخُـلَ الـجَنّةَ إلا مَنْ كانَ هُوداً أوْ نَصَارَى وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ }[البقرة: 111] ولكن من أسلـم وجهه لله وهو مـحسن، فهو الذي يدخـلها وينعم فـيها. كما:

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي، قال: أخبرهم أن من يدخـل الـجنة هو من أسلـم وجهه لله الآية. وقد بـينا معنى {بَلـى} فـيـما مضى قبل.

وأما قوله: {مَنْ أسْلَـمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} فإنه يعنـي بإسلام الوجه التذلل لطاعته والإذعان لأمره. وأصل الإسلام: الاستسلام لأنه من استسلـمت لأمره، وهو الـخضوع لأمره. وإنـما سُمي الـمسلـم مسلـما بخضوع جوارحه لطاعة ربه. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {بَلَـى مَنْ أسْلَـمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} يقول: أخـلص لله. وكما قال زيد بن عمرو بن نُفَـيـل:

وأسْلَـمْتُ وَجْهِي لِـمَنْ أسْلَـمَتْ لَهُ الـمُزْنُ تَـحْمِلُ عَذْبـاً زُلالاَ

يعنـي بذلك: استسلـمت لطاعة من استسلـم لطاعته الـمزن وانقادت له.

وخصّ الله جل ثناؤه بـالـخبر عمن أخبر عنه بقوله: {بَلَـى مَنْ أسْلَـمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} بإسلام وجهه له دون سائر جوراحه لأن أكرم أعضاء ابن آدم وجوارحه وجهه، وهو أعظمها علـيه حرمة وحقًّا، فإذا خضع لشيء وجهه الذي هو أكرم أجزاء جسده علـيه فغيره من أجزاء جسده أحرى أن يكون أخضع له. ولذلك تذكر العرب فـي منطقها الـخبر عن الشيء فتضيفه إلـى وجهه وهي تعنـي بذلك نفس الشيء وعينه، كقول الأعشى:

وأوِّلُ الـحُكْمَ علـى وَجْهِهِ لَـيْسَ قَضَائِي بـالهَوَى الـجائِرِ

يعنـي بقوله: «علـى وجهه»: علـى ما هو به من صحته وصوابه. وكما قال ذو الرُّمة:

فَطَاوَعْتُ هَمّي وَأَنْـجَلَـى وَجْهُ بَـازلٍ مِنَ الأمْرِ لَـمْ يَتْرُكْ خِلاجاً نُزُولُها

يريد: «وانـجلـى البـازل من الأمر فتبـين»، وما أشبه ذلك، إذ كان حسنُ كل شيء وقبحُه فـي وجهه، وكان فـي وصفها من الشيء وجهه بـما تصفه به إبـانة عن عين الشيء ونفسه.

فكذلك معنى قوله جل ثناؤه: {بَلَـى مَنْ أسْلَـمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} إنـما يعنـي: بلـى من أسلـم لله بدنه، فخضع له بـالطاعة جسده {وهو مـحسن} فـي إسلامه له جسده، {فله أجره عند ربه}. فـاكتفـى بذكر الوجه من ذكر جسده لدلالة الكلام علـى الـمعنى الذي أريد به بذكر الوجه.

وأما قوله: {وَهُوَ مُـحْسِنَ} فإنه يعنـي به فـي حال إحسانه. وتأويـل الكلام: بلـى من أخـلص طاعته لله وعبـادته له مـحسناً فـي فعله ذلك.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَـيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. يعنـي بقوله جل ثناؤه: {فَلَهُ أَجْرهُ عِنْدَ رَبِّهِ} فللـمسلـمِ وجْهَهُ لله مـحسناً جزاؤه وثوابه علـى إسلامه وطاعته ربه عند الله فـي معاده.

ويعنـي بقوله: {وَلا خَوْف عَلَـيْهِمْ} علـى الـمسلـمين وجوههم لله وهم مـحسنون، الـمخـلصين له الدين فـي الآخرة من عقابه وعذاب جحيـمه، وما قدموا علـيه من أعمالهم.

ويعنـي بقوله: {وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} ولا هم يحزنون علـى ما خـلفوا وراءهم فـي الدنـيا، ولا أن يـمنعوا ما قدموا علـيه من نعيـم ما أعدَّ الله لأهل طاعته.

وإنـما قال جل ثناؤه: {وَلا خَوْف عَلَـيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} وقد قال قبلُ: {فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} لأن «من» التـي فـي قوله: {بَلَـى مَنْ أسْلَـمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} فـي لفظ واحد ومعنى جميع، فـالتوحيد فـي قوله: {فله أجره} للّفظ، والـجمع فـي قوله: {وَلاَ خَوْف عَلَـيْهِمْ} للـمعنى.

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ۝١١٣

قال أبو جعفر: ذكر أن هذه الآية نزلت فـي قوم من أهل الكتابـين تنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم لبعض. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، وحدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قالا جميعاً: ثنا مـحمد بن إسحاق، قال: حدثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، قال: حدثنـي سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: لـما قدم أهل نـجران من النصارى علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتتهم أحبـار يهود، فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رافع بن حريـملة: ما أنتـم علـى شيء وكفر بعيسى ابن مريـم وبـالإنـجيـل. فقال رجل من أهل نـجران من النصارى: ما أنتـم علـى شيء وجحد نبوّة موسى وكفر بـالتوراة. فأنزل الله عزّ وجلّ فـي ذلك من قولهما: {وَقالَتِ الـيَهودُ لَـيْسَتِ النّصَارَى علـى شَيْءٍ وَقالَتِ النّصارى لَـيْسَتِ الـيَهُودُ علـى شَيْءٍ} إلـى قوله: {فـيـما كانوا فـيه يختلفون} حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع قوله: {وقالَتِ الـيَهُودُ لَـيْسَتِ النّصارَى علـى شيْءٍ وَقالَتِ النّصارَى لَـيْسَتِ الـيَهُودُ علـى شَيْءٍ} قال: هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا علـى عهد النبـيّ صلى الله عليه وسلم.

وأما تأويـل الآية، فإن قالت الـيهود: لـيست النصارى فـي دينها علـى صواب، وقالت النصارى: لـيست الـيهود فـي دينها علـى صواب.

وإنـما أخبر الله عنهم بقـيـلهم ذلك للـمؤمنـين إعلاما منه لهم بتضيـيع كل فريق منهم حكم الكتاب الذي يظهر الإقرار بصحته وبأنه من عند الله، وجحودهم مع ذلك ما أنزل الله فـيه من فروضه لأن الإنـجيـل الذي تدين بصحته وحقـيقته النصارى يحقق ما فـي التوراة من نبوّة موسى علـيه السلام وما فرض الله علـى بنـي إسرائيـل فـيها من الفرائض، وأن التوراة التـي تدين بصحتها وحقـيقتها الـيهود تـحقق نبوّة عيسى علـيه السلام وما جاء به من عند الله من الأحكام والفرائض. ثم قال كل فريق منهم للفريق الآخر ما أخبر الله عنهم فـي قوله: {وَقَالَتِ الـيَهُودُ لَـيْسَتِ النّصارَى علـى شَيْءٍ وقالت النّصَارَى لَـيْسَتِ الـيَهُودُ علـى شَيْءٍ} مع تلاوة كل واحد من الفريقـين كتابه الذي يشهد علـى كذبه فـي قـيـله ذلك. فأخبر جل ثناؤه أن كل فريق منهم قال ما قال من ذلك علـى علـم منهم أنهم فـيـما قالوه مبطلون، وأتوا ما أتوا من كفرهم بـما كفروا به علـى معرفة منهم بأنهم فـيه ملـحدون.

فإن قال لنا قائل: أَوَ كانت الـيهود والنصارى بعد أن بعث الله رسوله علـى شيء، فـيكون الفريق القائل منهم ذلك للفريق الآخر مبطلاً فـي قـيـله ما قال من ذلك؟ قـيـل: قد روينا الـخبر الذي ذكرناه عن ابن عبـاس قَبْلُ، مِنْ أن إنكار كل فريق منهم إنـما كان إنكاراً لنبوّة النبـيّ صلى الله عليه وسلم، الذي ينتـحل التصديق به، وبـما جاء به الفريق الآخر، لا دفعاً منهم أن يكون الفريق الآخر فـي الـحال التـي بعث الله فـيها نبـينا صلى الله عليه وسلم علـى شيء من دينه، بسبب جحوده نبوّة نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم. وكيف يجوز أن يكون معنى ذلك إنكار كل فريق منهم أن يكون الفريق الآخر علـى شيء بعد بعثة نبـينا صلى الله عليه وسلم، وكلا الفريقـين كان جاحداً نبوّة نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم فـي الـحال التـي أنزل الله فـيها هذه الآية؟ ولكن معنى ذلك: وقالت الـيهود: لـيست النصارى علـى شيء من دينها منذ دانت دينها، وقالت النصارى: لـيست الـيهود علـى شيء منذ دانت دينها. وذلك هو معنى الـخبر الذي رويناه عن ابن عبـاس آنفـا. فكذّب الله الفريقـين فـي قـيـلهما ما قالا. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {وَقَالَتِ الـيَهُودُ لَـيْسَتِ النّصَارَى علـى شَيْءٍ} قال: بلـى قد كانت أوائل النصارى علـى شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرّقوا وقالت النصارى: لـيست الـيهود علـى شيء. ولكن القوم ابتدعوا وتفرّقوا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج: {وقالَتِ الـيَهُودُ لَـيْسَتِ النّصَارَى علـى شَيْءٍ وقَالَتِ النّصَارَى لَـيْسَتِ الـيَهُودُ عَلَـى شَيْءٍ} قال: قال مـجاهد: قد كانت أوائل الـيهود والنصارى علـى شيء.

وأما قوله: {وَهُمْ يَتْلُونَ الكِتابَ} فإنه يعنـي به كتاب الله التوراة والإنـجيـل، وهما شاهدان علـى فريقـي الـيهود والنصارى بـالكفر، وخلافهم أمر الله الذي أمرهم به فـيه. كما:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة بن الفضل، قالا جميعاً: ثنا ابن إسحاق، قال: حدثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، قال: حدثنـي سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس فـي قوله: {وَهُمْ يَتْلُونَ الكِتابَ كَذَلِكَ قالَ الّذِينَ لاَ يَعْلَـمُون مِثْلَ قَوْلِهِمُ}، أي كل يتلو فـي كتابه تصديق ما كفر به: أي يكفر الـيهود بعيسى وعندهم التوراة فـيها ما أخذ الله علـيهم من الـميثاق علـى لسان موسى بـالتصديق بعيسى علـيه السلام، وفـي الإنـجيـل مـما جاء به عيسى تصديق موسى، وما جاء به من التوراة من عند الله وكل يكفر بـما فـي يد صاحبه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {كَذَلِكَ قالَ الّذِينَ لا يَعْلَـمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ}.

اختلف أهل التأويـل فـي الذين عنى الله بقوله: {كَذَلِكَ قالَ الّذِينَ لاَ يَعْلَـمُونَ}، فقال بعضهم بـما:

حدثنـي به الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، {قالَ الّذِينَ لاَ يَعْلَـمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} قال: وقالت النصارى مثل قول الـيهود قبلهم.

حدثنا بشر بن سعيد، عن قتادة: {قالَ الّذِينَ لاَ يَعْلَـمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} قال: قالت النصارى مثل قول الـيهود قبلهم. وقال آخرون بـما:

حدثنا به القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: قلت لعطاء: من هؤلاء الذين لا يعلـمون؟ قال: أمـم كانت قبل الـيهود والنصارى، وقبل التوراة والإنـجيـل.

وقال بعضهم: عَنَى بذلك مشركي العرب، لأنهم لـم يكونوا أهل كتاب فنسبوا إلـى الـجهل، ونفـى عنهم من أجل ذلك العلـم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {كَذَلِكَ قال الّذِينَ لا يَعْلَـمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} فهم العرب، قالوا: لـيس مـحمد صلى الله عليه وسلم علـى شيء.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا أن يقال: إن الله أخبر تبـارك وتعالـى عن قوم وصفهم بـالـجهل، ونفـى عنهم العلـم بـما كانت الـيهود والنصارى به عالـمين أنهم قالوا بجهلهم نظير ما قال الـيهود والنصارى بعضها لبعض مـما أخبر الله عنهم أنهم قالوه فـي قوله: {وَقالَتِ الـيَهُودُ لَـيْسَتِ النّصَارَى علـى شَيْءٍ وَقالَتِ النّصَارَى لَـيْسَتِ الـيَهُودُ علـى شَيْءٍ}. وجائز أن يكونوا هم الـمشركين من العرب، وجائز أن يكونوا أمة كانت قبل الـيهود والنصارى. ولا أمة أولـى أن يقال هي التـي عنـيت بذلك من أخرى، إذ لـم يكن فـي الآية دلالة علـى أيَ من أيَ، ولا خبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتت حجته من جهة نقل الواحد العدل ولا من جهة النقل الـمستفـيض.

وإنـما قصد الله جل ثناؤه بقوله: {كَذَلِكَ قالَ الّذِينَ لاَ يَعْلَـمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} إعلام الـمؤمنـين أن الـيهود والنصارى قد أتوا من قـيـل البـاطل، وافتراء الكذب علـى الله، وجحود نبوّة الأنبـياء والرسل، وهم أهل كتاب يعلـمون أنهم فـيـما يقولون مبطلون، وبجحودهم ما يجحدون من ملتهم خارجون، وعلـى الله مفترون مثل الذي قاله أهل الـجهل بـالله وكتبه ورسله الذين لـم يبعث الله لهم رسولاً ولا أوحى إلـيهم كتابـاً.

وهذه الآية تنبىء عن أن من أتـى شيئاً من معاصي الله علـى علـم منه بنهي الله عنها، فمصيبته فـي دينه أعظم من مصيبة من أتـى ذلك جاهلاً به لأن الله تعالـى ذكره عظم توبـيخ الـيهود والنصارى بـما وبّخهم به فـي قـيـلهم ما أخبر عنهم بقوله: {وَقَالَتِ الـيَهُودُ لَـيْسَتِ النّصَارَى علـى شَيْءٍ وَقَالَتِ النّصَارَى لَـيْسَتِ الـيَهُودُ علـى شَيْءٍ} من أجل أنهم أهل كتاب قالوا ما قالوا من ذلك علـى علـم منهم أنهم مبطلون.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فـاللَّهُ يَحْكُمُ بَـيْنَهُمْ يَوْمَ القِـيَامَةِ فِـيـما كانُوا فِـيهِ يَخْتَلِفُونَ}.

يعنـي بذلك جل ثناءه: فـالله يقضي فـيفصل بـين هؤلاء الـمختلفـين القائل بعضهم لبعض: لستـم علـى شيء من دينكم يوم قـيام الـخـلق لربهم من قبورهم، فـيتبـين الـمـحقّ منهم من الـمبطل بإثابته الـمـحقّ ما وعد أهل طاعته علـى أعماله الصالـحة ومـجازاته الـمبطل منهم بـما أوعد أهل الكفر به علـى كفرهم به فـيـما كانوا فـيه يختلفون من أديانهم ومللهم فـي دار الدنـيا. وأما القـيامة فهي مصدر من قول القائل: قمت قـياما وقـيامةً، كما يقال: عدت فلاناً عيادةً، وصنت هذا الأمر صيانةً. وإنـما عنى بـالقـيامة: قـيام الـخـلق من قبورهم لربهم، فمعنى يوم القـيامة: يوم قـيام الـخلائق من قبورهم لـمـحشرهم.

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَآ أُو۟لَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝١١٤

قد دللنا فـيـما مضى قَبْلُ علـى أن تأويـل الظلـم: وضع الشيء فـي غير موضعه. وتأويـل قوله: {وَمَنْ أَظْلَـمَ}: وأيّ امرىء أشدّ تعدّياً وجراءة علـى الله وخلافـاً لأمره مِن امرىء منع مساجد الله أن يعبد الله فـيها؟ والـمساجد جمع مسجد: وهو كل موضع عبد الله فـيه. وقد بـينا معنى السجود فـيـما مضى، فمعنى الـمسجد: الـموضع الذي يسجد لله فـيه، كما يقال للـموضع الذي يجلس فـيه: الـمـجلس، وللـموضع الذي ينزل فـيه: منزل، ثم يجمع منازل ومـجالس نظير مسجد ومساجد. وقد حكي سماعا من بعض العرب مساجد فـي واحد الـمساجد، وذلك كالـخطأ من قائله.

وأما قوله: {أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسمُهُ} فإن فـيه وجهين من التأويـل، أحدهما: أن يكون معناه: ومن أظلـم مـمن منع مساجد الله من أن يذكر فـيها اسمه، فتكون «أن» حينئذ نصبـاً من قول بعض أهل العربـية بفقد الـخافض وتعلق الفعل بها. والوجه الآخر أن يكون معناه: ومن أظلـم مـمن منع أن يذكر اسم الله فـي مساجده، فتكون «أن» حينئذ فـي موضع نصب تكريراً علـى موضع الـمساجد وردًّا علـيه.

وأما قوله: {وَسَعَى فـي خَرَابِها} فإن معناه: ومن أظلـم مـمن منع مساجد الله أن يذكر فـيها اسمه، ومـمن سعى فـي خراب مساجد الله. ف«سعى» إذا عطف علـى «منع».

فإن قال قائل: ومن الذي عنـي بقوله: {وَمَنْ أظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَر فـيها اسمُهُ وَسَعَى فِـي خَرَابِها} وأيّ الـمساجد هي؟ قـيـل: إن أهل التأويـل فـي ذلك مختلفون، فقال بعضهم: الذين منعوا مساجد الله أن يذكر فـيها اسمه هم النصارى والـمسجد بـيت الـمقدس. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: حدثنـي أبـي، قال: حدثنـي عمي، قال: حدثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {وَمَنْ أظْلَـمُ مِـمْنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسمُهُ} أنهم النصارى.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {وَمَنْ أظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسْمُهُ وَسَعَى فِـي خَرَابِها} النصارى كانوا يطرحون فـي بـيت الـمقدس الأذى، ويـمنعون الناس أن يصلوا فـيه.

حدثنـي الـمثنى قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

وقال آخرون: هو بختنصر وجنده ومن أعانهم من النصارى والـمسجد: مسجد بـيت الـمقدس. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله: {ومَنْ أَظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسمُهُ} الآية، أولئك أعداء الله النصارى، حملهم بغض الـيهود علـى أن أعانوا بختنصر البـابلـي الـمـجوسي علـى تـخريب بـيت الـمقدس.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {وَمَنْ أَظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسْمُهُ وَسَعَى فِـي خَرَابِها} قال: هو بختنصر وأصحابه خرّب بـيت الـمقدس، وأعانه علـى ذلك النصارى.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {وَمَنْ أظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسمُهُ وَسَعَى فِـي خَرَابِها} قال: الروم، كانوا ظاهروا بختنصر علـى خراب بـيت الـمقدس، حتـى خرّبه وأمر به أن تطرح فـيه الـجِيَف وإنـما أعانه الروم علـى خرابه من أجل أن بنـي إسرائيـل قتلوا يحيى بن زكريا.

وقال آخرون: بلـى عنى الله عزّ وجل بهذه الآية مشركي قريش، إذ منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الـمسجد الـحرام. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس ابن عبد الأعلـى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَمَنْ أَظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسمُهُ وَسَعَى فِـي خَرَابِها} قال: هؤلاء الـمشركون، حين حالوا بـين رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الـحديبـية وبـين أن يدخـل مكة حتـى نـحر هدية بذي طُوًى وهادنهم، وقال لهم:

ما كَانَ أَحَدٌ يُرَدُّ عن هذا البَـيْتِ. وقد كان الرجل يـلقـى قاتل أبـيه أو أخيه فـيه فما يصدّه، وقالوا: لا يدخـل علـينا من قتل آبـاءنا يوم بدر وفـينا بـاقٍ. وفـي قوله: {وَسَعَى فـي خَرَابِها} قالوا: إذْا قطعوا من يعمرها بذكره ويأتـيها للـحجّ والعمرة.

وأولـى التأويلات التـي ذكرتها بتأويـل الآية قول من قال: عنى الله عز وجل بقوله: {وَمَنْ أظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسمُهُ} النصارى وذلك أنهم هم الذين سعوا فـي خراب بـيت الـمقدس، وأعانوا بختنصر علـى ذلك، ومنعوا مؤمنـي بنـي إسرائيـل من الصلاة فـيه بعد منصرف بختنصر عنهم إلـى بلاده.

والدلـيـل علـى صحة ما قلنا فـي ذلك: قـيام الـحجة بأن لا قوم فـي معنى هذه الآية إلا أحد الأقوال الثلاثة التـي ذكرناها، وأن لا مسجد عنى الله عزّ وجل بقوله: {وَسَعَى فِـي خَرَابِها} إلا أحد الـمسجدين، إما مسجد بـيت الـمقدس، وإما الـمسجد الـحرام. وإذْ كان ذلك كذلك، وكان معلوماً أن مشركي قريش لـم يسعوا قط فـي تـخريب الـمسجد الـحرام، وإن كانوا قد منعوا فـي بعض الأوقات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الصلاة فـيه صحّ وثبت أن الذين وصفهم الله عزّ وجل بـالسعي فـي خراب مساجده غير الذين وصفهم الله بعمارتها، إذْ كان مشركو قريش بنوا الـمسجد الـحرام فـي الـجاهلـية، وبعمارته كان افتـخارهم، وإن كان بعض أفعالهم فـيه كان منهم علـى غير الوجه الذي يرضاه الله منهم. وأخرى، أن الآية التـي قبل قوله: {وَمَنْ أظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسْمُهُ} مضت بـالـخبر عن الـيهود والنصارى وذَمِّ أفعالهم، والتـي بعدها نبهت بذمّ النصارى والـخبر عن افترائهم علـى ربهم، ولـم يَجْرِ لقريش ولا لـمشركي العرب ذكر، ولا للـمسجد الـحرام قبلها، فـيوجه الـخبر بقول الله عز وجل: {وَمَنْ أظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسْمُهُ} إلـيهم وإلـى الـمسجد الـحرام. وإذْ كان ذلك كذلك، فـالذي هو أَوْلـى بـالآية أن يوجه تأويـلها إلـيه، هو ما كان نظير قصة الآية قبلها والآية بعدها، إذ كان خبرها لـخبرهما نظيراً وشكلاً، إلاّ أن تقوم حجة يجب التسلـيـم لها بخلاف ذلك وإن اتفقت قصصها فـاشتبهت.

فإن ظنّ ظانّ أن ما قلنا فـي ذلك لـيس كذلك، إذْ كان الـمسلـمون لـم يـلزمهم قط فرض الصلاة فـي الـمسجد الـمقدس، فمنعوا من الصلاة فـيه، فـيـلـجئون توجيه قوله: {وَمَنْ أَظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسمُهُ} إلـى أنه معنـيّ به مسجد بـيت الـمقدس فقد أخطأ فـيـما ظنّ من ذلك. وذلك أن الله جل ذكره إنـما ذكر ظلـم من منع من كان فرضه الصلاة فـي بـيت الـمقدس من مؤمنـي بنـي إسرائيـل، وإياهم قصد بـالـخبر عنهم بـالظلـم والسعي فـي خراب الـمسجد، وإن كان قد دلّ بعموم قوله: {وَمَنْ أظْلَـمُ مِـمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِـيها اسمُهُ} أن كل مانع مصلـياً فـي مسجد لله فرضاً كانت صلاته فـيه أو تطوّعاً، وكل ساع فـي إخرابه فهو من الـمعتدين الظالـمين.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {أُولَئِكَ ما كان لَهُمْ أنْ يَدْخُـلُوها إلا خائِفِـينَ}.

وهذا خبر من الله عزّ وجل عمن منع مساجد الله أن يذكر فـيها اسمه، أنه قد حرّم علـيهم دخول الـمساجد التـي سعوا فـي تـخريبها ومنعوا عبـاد الله الـمؤمنـين من ذكر الله عز وجل فـيها ما داموا علـى مناصبة الـحرب إلا علـى خوف ووجل من العقوبة علـى دخولهموها. كالذي:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ما كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُـلُوها إلا خائِفِـينَ} وهم الـيوم كذلك، لا يوجد نصرانـي فـي بـيت الـمقدس إلا نُهك ضربـاً وأبلغ إلـيه فـي العقوبة.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال الله عزّ وجل: {ما كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُـلُوهَا إِلاَّ خَائِفِـينَ} وهم النصارى، فلا يدخـلون الـمسجد إلا مسارقة، إن قُدر علـيهم عوقبوا.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {أُولَئِكَ ما كَانَ لَهُمْ أنْ يَدْخُـلُوهَا إلا خَائِفِـينَ} فلـيس فـي الأرض روميّ يدخـلها الـيوم إلا وهو خائف أن تضرب عنقه، أو قد أُخيف بأداء الـجزية فهو يؤدّيها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {أُولَئِكَ ما كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُـلُوهَا إِلاَّ خَائِفِـينَ} قال: نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم:


وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا۟ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ۝١١٥

يعنـي جل ثناؤه بقوله: {ولِلَّهِ الـمَشْرِقُ وَالـمَغْرِبُ} لله ملكهما وتدبـيرهما، كما يقال: لفلان هذه الدار، يعنـي بها أنها له ملكاً، فذلك قوله: {ولِلَّهِ الـمَشْرِقُ وَالـمَغْرِبُ} يعنـي أنهما له ملكاً وخـلقا. والـمشرق: هو موضع شروق الشمس، وهو موضع طلوعها، كما يقال لـموضع طلوعها منه مَطْلِع بكسر اللام، وكما بـينا فـي معنى الـمساجد آنفـاً.

فإن قال قائل: أوَ ما كان لله إلا مشرق واحد ومغرب واحد حتـى قـيـل: {ولِلَّهِ الـمَشْرِقُ والـمَغْرِبُ}؟ قـيـل: إن معنى ذلك غير الذي ذهبت إلـيه، وإنـما معنى ذلك: ولله الـمشرق الذي تشرق منه الشمس كل يوم، والـمغرب الذي تغرب فـيه كل يوم. فتأويـله إذا كان ذلك معناه: ولله ما بـين قُطْرَي الـمشرق، وما بـين قُطري الـمغرب، إذ كان شروق الشمس كل يوم من موضع منه لا تعود لشروقها منه إلـى الـحَوْلِ الذي بعده، وكذلك غروبها كل يوم.

فإن قال: أَوَ لـيس وإن كان تأويـل ذلك ما ذكرت فللَّه كل ما دونه؟ الـخـلقُ خـلقُه قـيـل: بلـى.

فإن قال: فكيف خصّ الـمشارق والـمغارب بـالـخبر عنها أنها له فـي هذا الـموضع دون سائر الأشياء غيرها؟ قـيـل: قد اختلف أهل التأويـل فـي السبب الذي من أجله خَصَّ الله ذكر ذلك بـما خصه به فـي هذا الـموضع، ونـحن مبـينو الذي هو أولـى بتأويـل الآية بعد ذكرنا أقوالهم فـي ذلك. فقال بعضهم: خصّ الله جل ثناؤه ذلك بـالـخبر من أجل أن الـيهود كانت توجه فـي صلاتها وجوهَها قِبَلَ بـيت الـمقدس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك مدة، ثم حُوِّلوا إلـى الكعبة، فـاستنكرت الـيهود ذلك من فعل النبـيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا:

{ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا }[البقرة: 142] فقال الله تبـارك وتعالـى لهم: الـمشارق والـمغارب كلها لـي أُصرِّفُ وجوه عبـادي كيف أشاء منها، فحيثما تُوَلُّوا فثم وجه الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: حدثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قال: كان أوّل ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لـما هاجر إلـى الـمدينة، وكان أكثر أهلها الـيهود، أمره الله عزّ وجلّ أن يستقبل بـيت الـمقدس، ففرحت الـيهود، فـاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهراً، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبّ قبلة إبراهيـم علـيه السلام فكان يدعو وينظر إلـى السماء، فأنزل الله تبـارك وتعالـى:

{ قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱ }[البقرة: 142] إلـى قوله: { فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ }[البقرة: 142] فـارتاب من ذلك الـيهود، وقالوا: { مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا }[البقرة: 142] فأنزل الله عزّ وجلّ: {قُلِ لِلَّهِ الـمَشْرِقُ وَالـمَغْرِبُ} وقال: «أيْنَـما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ».

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي نـحوه.

وقال آخرون: بل أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض علـى نبـيه صلى الله عليه وسلم وعلـى الـمؤمنـين به التوجه شطر الـمسجد الـحرام. وإنـما أنزلها علـيه معلـما نبـيه علـيه الصلاة والسلام بذلك وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاءوا من نواحي الـمشرق والـمغرب لأنهم لا يوجهون وجوههم وجهاً من ذلك وناحية، إلا كان جل ثناؤه فـي ذلك الوجه وتلك الناحية لأن له الـمشارق والـمغارب، وأنه لا يخـلو منه مكان، كما قال جل وعزّ:

{ وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ }[المجادلة: 7] قالوا: ثم نسخ ذلك بـالفرض الذي فرض علـيهم فـي التوجه شطر الـمسجد الـحرام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد عن قتادة: قوله جل وعز: {ولِلَّهِ الـمَشْرِقُ والـمَغْرِبُ فَأيْنَـمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} ثم نسخ ذلك بعد ذلك، فقال الله:

{ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ }

[البقرة: 149]. حدثت عن الـحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {فأيْنَـمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} قال: هي القبلة، ثم نسختها القبلة إلـى الـمسجد الـحرام.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج بن الـمنهال، قال: ثنا همام، قال: ثنا يحيى، قال: سمعت قتادة فـي قول الله: {فأيْنَـمَا تُولُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} قال: كانوا يصلون نـحو بـيت الـمقدس ورسول الله صلى الله عليه وسلم بـمكة قبل الهجرة، وبعد ما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلـى نـحو بـيت الـمقدس ستة عشر شهرا، ثم وجه بعد ذلك نـحو الكعبة البـيت الـحرام، فنسخها الله فـي آية أخرى:

{ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا }[البقرة: 144] إلـى: { وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ }[البقرة: 144] قال: فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من أمر القبلة.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعته يعنـي زيداً يقول: قال عز وجل لنبـيه صلى الله عليه وسلم: {فَأينَـمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِع عَلِـيـم} قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

هَولاَءِ قَوْمُ يَهُود يَسْتَقْبِلُونَ بَـيْتاً مِنْ بُـيُوتِ اللَّهِ لَوْ أنّا اسْتَقْبَلْنَاهُفـاستقبله النبـيّ صلى الله عليه وسلم ستة عشر شهراً. فبلغه أن يهود تقول: والله ما دري مـحمد وأصحابه أين قبلتهم حتـى هديناهم فكره ذلك النبـيّ صلى الله عليه وسلم، ورفع وجهه إلـى السماء، فقال الله عز وجل: { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِـي السَّمَاءِ }[البقرة: 144] الآية.

وقال آخرون: نزلت هذه الآية علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم إذنا من الله عز وجل له أن يصلـي التطوّع حيث توجه وجهه من شرق أو غرب، فـي مسيره فـي سفره، وفـي حال الـمسايفة، وفـي شدّة الـخوف، والتقاء الزحوف فـي الفرائض. وأعلـمه أنه حيث وجه وجهه فهو هنالك، بقوله: {ولِلَّهِ الـمَشْرِقُ وَالـمَغْرِبُ فَأيْنَـمَا تُولُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا عبد الـملك، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عمر أنه كان يصلـي حيث توجهت به راحلته، ويذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، ويتأول هذه الآية: {أيْنَـمَا تُولُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا ابن فضيـل، عن عبد الـملك بن أبـي سلـيـمان، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عمر أنه قال: «إنـما نزلت هذه الآية: «أيْنَـمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» أن تصلـي حيثما توجهتْ بك راحلتك فـي السفر تطوعاً، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رجع من مكة يصلـي علـى راحلته تطوّعاً يومىء برأسه نـحو الـمدينة».

وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية فـي قوم عميت علـيهم القبلة فلـم يعرفوا شَطْرَها، فصلوا علـى أنـحاء مختلفة، فقال الله عزّ وجلّ لهم: لـي الـمشارق والـمغارب، فأنَّ ولـيتـم وجوهكم فهنالك وجهي، وهو قِبْلَتُكم معلـمهم بذلك أن صلاتهم ماضية. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا أبو الربـيع السمان، عن عاصم بن عبـيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربـيعة، عن أبـيه، قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي لـيـلة سوداء مظلـمة، فنزلنا منزلاً، فجعل الرجل يأخذ الأحجار فـيعمل مسجداً يصلـي فـيه. فلـما أصبحنا، إذا نـحن قد صلـينا علـى غير القبلة، فقلنا: يا رسول الله لقد صلـينا لـيـلتنا هذه لغير القبلة فأنزل الله عز وجل: ولِلَّهِ الـمَشْرِقُ وَالـمَغْرِبُ فَأيْنَـما تُولُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِـيـمٌ».

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنـي الـحجاج، قال: ثنا حماد، قال: قلت للنـخعي: إنـي كنت استـيقظت أو قال أُوقِظْتُ، شكّ الطبري فكان فـي السماء سحاب، فصلـيت لغير القبلة. قال: مضت صلاتك، يقول الله عزّ وجلّ: {فأيْنَـمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}.

حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: ثنا أبـي عن أشعث السمان، عن عاصم بن عبـيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربـيعة، عن أبـيه، قال: كنا مع النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي لـيـلة مظلـمة فـي سفر، فلـم ندر أين القبلة فصلـينا، فصلـى كل واحد منا علـى حياله. ثم أصبحنا فذكرنا للنبـيّ صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عزّ وجلّ: {فأيْنَـمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}.

وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية فـي سبب النـجاشي لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تنازعوا فـي أمره من أجل أنه مات قبل أن يصلـي إلـى القبلة، فقال الله عز وجل: الـمشارق والـمغارب كلها لـي، فمن وجّه وَجْهَه نـحو شيء منها يريدنـي به ويبتغي به طاعتـي، وجدنـي هنالك. يعنـي بذلك أن النـجاشي وإن لـم يكن صلـى إلـى القبلة، فإنه قد كان يوجه إلـى بعض وجوه الـمشارق والـمغارب وجهه، يبتغي بذلك رضا الله عزّ وجل فـي صلاته. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هشام بن معاذ، قال: حدثنـي أبـي، عن قتادة أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال:


وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا سُبْحَٰنَهُۥ بَل لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ ۝١١٦

يعنـي بقوله جل ثناؤه: {وَقَالُوا اتّـخَذَ اللَّهُ وَلَداً} الذين منعوا مساجد الله أن يذكر فـيها اسمه، {وقالوا} معطوف علـى قوله: {وَسَعَى فـي خَرَابِها}.

وتأويـل الآية: ومن أظلـم مـمن منع مساجد الله أن يذكر فـيها اسمه وسعى فـي خرابها، وقالوا اتـخذ الله ولداً وهم النصارى الذين زعموا أن عيسى ابن الله؟ فقال الله جل ثناؤه مكذّبـاً قِـيـلَهم ما قالوا من ذلك ومنفـياً ـما نـحلوه وأضافوا إلـيه بكذبهم وفريتهم. { سبحانه} يعنـي بها: تنزيهاً وتبريئاً من أن يكون له ولد، وعلوًّا وارتفـاعاً عن ذلك. وقد دللنا فـيـما مضى علـى معنى قول القائل: «سبحان الله» بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. ثم أخبر جل ثناؤه أن له ما فـي السموات والأرض مِلْكاً وخـلقاً، ومعنى ذلك: وكيف يكون الـمسيح لله ولداً، وهو لا يخـلو إما أن يكون فـي بعض هذه الأماكن إما فـي السموات، وإما فـي الأرض، ولله ملك ما فـيهما؟ ولو كان الـمسيح ابناً كما زعمتـم لـم يكن كسائر ما فـي السموات والأرض من خـلقه وعبـيده فـي ظهور آيات الصنعة فـيه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {كُلّ لَهُ قَانِتُونَ}.

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: مطيعون. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {كُلّ لَهُ قَانِتُونَ}: مطيعون.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عز وجل: {كُلّ لَهُ قَانِتُونَ} قال: مطيعون، قال: طاعة الكافر فـي سجود ظله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد بـمثله، إلا أنه زاد: بسجود ظله وهو كاره.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {كُلّ لَهُ قَانِتُونَ} يقول: كل له مطيعون يوم القـيامة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: حدثنـي يحيى بن سعيد، عمن ذكره، عن عكرمة: {كُلّ لَهُ قَانِتُونَ} قال: الطاعة.

حدثت عن الـمنـجاب بن الـحرث، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: قانِتون: مطيعون.

وقال آخرون: معنى ذلك كلٌّ له مُقرُّون بـالعبودية. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الـحسين بن واقد، عن يزيد النـحوي، عن عكرمة: {كُلّ لَهُ قَانِتُونَ} كل مقّر له بـالعبودية. وقال آخرون بـما:

حدثنـي به الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع قوله: {كُلّ لَهُ قَانِتُونَ} قال: كل له قائم يوم القـيامة. وللقنوت فـي كلام العرب معان: أحدها الطاعة، والآخر القـيام، والثالث الكفّ عن الكلام والإمساك عنه.

وأولـى معانـي القنوت فـي قوله: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} الطاعة والإقرار لله عز وجل بـالعبودية بشهادة أجسامهم بـما فـيها من آثار الصنعة، والدلالة علـى وحدانـية الله عز وجل، وأن الله تعالـى ذكره بـارئها وخالقها. وذلك أن الله جل ثناؤه أكذب الذين زعموا أن لله ولداً بقوله: بل له ما فـي السموات والأرض ملكاً وخـلقاً. ثم أخبر عن جميع ما فـي السموات والأرض أنها مقرّة بدلالتها علـى ربها وخالقها، وأن الله تعالـى بـارئها وصانعها. وإنْ جحد ذلك بعضهم فألسنتهم مذعنة له بـالطاعة بشهادتها له بآثار الصنعة التـي فـيها بذلك، وأن الـمسيح أحدهم، فأنى يكون لله ولداً وهذه صفته؟ وقد زعم بعض من قصرت معرفته عن توجيه الكلام وجهته أن قوله: {كُلّ لَهُ قَانِتُونَ} خاصة لأهل الطاعة ولـيست بعامة. وغير جائز ادّعاء خصوص فـي آية عام ظاهرها إلا بحجة يجب التسلـيـم لها لـما قد بـينا فـي كتابنا: «كتاب البـيان عن أصول الأحكام».

وهذا خبر من الله جلّ وعزّ عن أن الـمسيح الذي زعمت النصارى أنه ابن الله مُكَذّبهم هو والسموات والأرض وما فـيها، إما بـاللسان، وإما بـالدلالة وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر عن جميعهم بطاعتهم إياه وإقرارهم له بـالعبودية عقـيب قوله: {وَقَالُوا اتّـخَذَ اللَّهُ وَلَداً} فدلّ ذلك علـى صحة ما قلنا.

الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ