انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة البقرة

تفسير الطبريالآيات 91–98

تفسير سورة البقرة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة البقرة

الخلاصة من تفسير الطبري · 20 مقطعًا · 5:38:46

  1. 1 الآيات 75–91في هذه الصفحة 18:14
  2. 2 الآيات 92–105في هذه الصفحة 15:18

التفسير الصوتي لسورة البقرة كاملًا (20 مقطعًا)

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝٩١

يعنـي بقوله جل ثناؤه: {وَإذَا قِـيـلَ لَهُمْ} وإذا قـيـل للـيهود من بنـي إسرائيـل الذين كانوا بـين ظهرانـي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم: {آمِنُوا} أي صدّقوا، {بِـمَا أنْزَلَ اللَّهُ} يعنـي بـما أنزل الله من القرآن علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم. {قالُوا نُؤْمِنُ} أي نصدّق، {بِـمَا أُنْزِلَ عَلَـيْنَا} يعنـي بـالتوراة التـي أنزلها الله علـى موسى.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَيَكْفُرُونَ بِـمَا وَرَاءَهُ}.

يعنـي جل ثناؤه بقوله: {وَيَكْفُرُونَ بِـمَا وَرَاءَهُ} ويجحدون بـما وراءه، يعنـي بـما وراء التوراة.

قال أبو جعفر: وتأويـل «وراءه» فـي هذا الـموضع «سوى» كما يقال للرجل الـمتكلـم بـالـحسن: ما وراء هذا الكلام شيء، يراد به لـيس عند الـمتكلـم به شيء سوى ذلك الكلام فكذلك معنى قوله: {وَيَكْفُرُونَ بِـمَا وَرَاءَهُ} أي بـما سوى التوراة وبـما بعده من كتب الله التـي أنزلها إلـى رسله. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {وَيَكُفُرُونَ بِـمَا وراءَهُ} يقول: بـما بعده.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: {وَيَكْفُرُونَ بِـمَا وَرَاءَهُ} أي بـما بعده، يعنـي بـما بعد التوراة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {وَيَكْفُرُونَ بِـمَا وَرَاءَهُ} يقول: بـما بعده.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَهُوَ الـحَقّ مُصَدّقاً لِـمَا مَعَهُمْ}.

يعنـي بقوله جل ثناؤه: {وهُوَ الـحَقُّ مُصدّقاً} أي ما وراء الكتاب الذي أنزل علـيهم من الكتب التـي أنزلها الله إلـى أنبـيائه الـحق. وإنـما يعنـي بذلك تعالـى ذكره القرآن الذي أنزله إلـى مـحمد صلى الله عليه وسلم. كما:

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {وَإذَا قِـيـلَ لَهُمْ آمِنُوا بِـمَا أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِـمَا أُنْزِلَ عَلَـيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِـمَا وَرَاءَهُ} وهو القرآن. يقول الله جل ثناؤه: {وَهُوَ الـحَقُّ مُصَدّقاً لِـمَا مَعَهُمْ}. وإنـما قال جل ثناؤه: {مُصَدّقاً لِـمَا مَعَهُمْ} لأن كتب الله يصدّق بعضها بعضاً ففـي الإنـجيـل والقرآن من الأمر بـاتبـاع مـحمد صلى الله عليه وسلم والإيـمان به وبـما جاء به، مثل الذي من ذلك فـي توراة موسى علـيه السلام فلذلك قال جل ثناؤه للـيهود إذ خبرهم عما وراء كتابهم الذي أنزله علـى موسى صلوات الله علـيه من الكتب التـي أنزلها إلـى أنبـيائه: {إنّهُ الـحَقُّ} مُصَدّقاً للكتاب الذي معهم، يعنـي أنه له موافق فـيـما الـيهود به مكذّبون.

قال: وذلك خبر من الله أنهم من التكذيب بـالتوراة علـى مثل الذي هم علـيه من التكذيب بـالإنـجيـل والفرقان، عناداً لله وخلافـاً لأمره وبغياً علـى رسله صلوات الله علـيهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قُلْ لـمَ تَقْتُلُونَ أنبـياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إنْ كُنْتُـمْ مُؤْمِنِـينَ}.

يعنـي جل ذكره بقوله: {قُلْ فَلِـمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِـيَاءَ اللَّهِ}: قل يا مـحمد لـيهود بنـي إسرائيـل الذين إذا قلت لهم: {آمِنُوا بِـما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِـمَا أُنْزِلَ عَلَـيْنَا لِـمَ تَقْتُلُونَ} إن كنتـم يا معشر الـيهود مؤمنـين بـما أنزل الله علـيكم {أنْبِـياءهُ} وقد حرّم الله فـي الكتاب الذي أنزل علـيكم قتلهم، بل أمركم فـيه بـاتبـاعهم وطاعتهم وتصديقهم. وذلك من الله جل ثناؤه تكذيب لهم فـي قولهم: {نُؤمِنُ بِـمَا أُنْزِلَ عَلَـيْنَا} وتعيـير لهم. كما:

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي، قال: قال الله تعالـى ذكره وهو يعيرهم، يعنـي الـيهود: {فلـم تَقْتُلُون أنبـياء الله من قبل إن كنتـم مؤمنـين}.

فآن قال قائل: وكيف قـيـل لهم: {فَلِـمَ تَقْتُلُونَ أنْبِـياء اللَّهِ مِنْ قَبْلُ} فـابتدأ الـخبر علـى لفظ الـمستقبل، ثم أخبر أنه قد مضى؟ قـيـل: إن أهل العربـية مختلفون فـي تأويـل ذلك، فقال بعض البصريـين: معنى ذلك: فلـم قتلتـم أنبـياء الله من قبل؟ كما قال جل ثناؤه: وَاتّبعُوا ما تَتْلُو الشّياطِين أي ما تلت، وكما قال الشاعر:

ولقَدْ أمُرُّ علـى اللّئِيـمِ يسُبُّنِـي فمَضَيْتُ عَنْهُ وقُلْتُ لا يَعْنِـينِـي

يريد بقوله: «ولقد أمرّ»: ولقد مررت. واستدلّ علـى أن ذلك كذلك بقوله: «فمضيت عنه»، ولـم يقل: «فأمضي عنه». وزعم أن «فعل ويفعل» قد تشترك فـي معنى واحد، واستشهد علـى ذلك بقول الشاعر:

وإنّـي لآتِـيكُمْ بشَكُّرَي ما مَضَى مِنَ الأمرِ واسْتِـيجابَ ما كانَ فِـي غَدِ

يعنـي بذلك: ما يكون فـي غد. وبقول الـحطيئة:

شَهِدَ الـخَطَيْئَةُ يَوْمَ يَـلْقَـى رَبَّهُ أنَّ الوَلِـيدَ أحَقُّ بـالعُذْرِ

يعنـي: يشهد. وكما قال الآخر:

فَمَا أُضْحي وَلا أمْسَيْتُ إلاَّ أرَانِـي مِنْكُمُ فـي كَوَّفـانٍ

فقال: أضحي، ثم قال: ولا أمسيت.

وقال بعض نـحويـي الكوفـيـين: إنـما قـيـل: {فَلِـمَ تَقْتُلُونَ أنْبِـياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ} فخاطبهم بـالـمستقبل من الفعل ومعناه الـماضي، كما يعنف الرجلُ الرجل علـى ما سلف منه من فعل، فـيقول له: ويحك لـم تكذب ولـم تبغِّض نفسك إلـى الناس؟ كما قال الشاعر:

إذَا ما انْتَسَبْنا لَـمْ تَلِدنِـي لَئِيـمَةٌ ولَـمْ تَـجْدِي مِنْ أَنْ تُقِرِّي بِهِ بُدّا

فـالـجزاء للـمستقبل، والولادة كلها قد مضت وذلك أن الـمعنى معروف، فجاز ذلك.

قال: ومثله فـي الكلام إذا نظرت فـي سيرة عمر لـم تـجده يسيء، الـمعنى: لـم تـجده أساء، فلـما كان أمر عمر لا يشكّ فـي مضيه لـم يقع فـي الوهم أنه مستقبل، فلذلك صلـحت من قبل مع قوله: {فَلِـمَ تَقْتُلُونَ أنْبِـيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ}.

قال: ولـيس الذين خوطبوا بـالقتل هم القتلة، إنـما قتلَ الأنبـياءَ أسلافُهم الذين مضوا، فتلوهم علـى ذلك ورضوا فنسب القتل إلـيهم.

والصواب فـيه من القول عندنا أن الله خاطب الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بنـي إسرائيـل، بـما خاطبهم فـي سورة البقرة وغيرها من سائر السور، بـما سلف من إحسانه إلـى أسلافهم، وبـما سلف من كفران أسلافهم نعمه، وارتكابهم معاصيه، واجترائهم علـيه وعلـى أنبـيائه، وأضاف ذلك إلـى الـمخاطبـين به نظير قول العرب بعضها لبعض: فعلنا بكم يوم كذا وكذا، وفعلتـم بنا يوم كذا كذا وكذا، علـى نـحو ما قد بـيناه فـي غير موضع من كتابنا هذا يعنون بذلك أن أسلافنا فعلوا ذلك بأسلافكم وأن أوائلنا فعلوا ذلك بأوائلكم. فكذلك ذلك فـي قوله: {فَلِـمَ تَقْتُلُونَ أنْبِـياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ} وإن كان قد خرج علـى لفظ الـخبر عن الـمخاطبـين به خبرا من الله تعالـى ذكره عن فعل السالفـين منهم علـى نـحو الذي بـينا، جاز أن يقال من قبل إذْ كان معناه: قل فلـم يقتل أسلافكم أنبـياء الله من قبل؟ وكان معلوماً بأن قوله: {فَلِـمَ تَقْتُلُونَ أنْبِـياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ} إنـما هو خبر عن فعل سلفهم. وتأويـل قوله: {مِنْ قَبْلُ} أي من قبل الـيوم.

أما قوله: {إنْ كُنْتُـمْ مُؤْمِنِـينَ} فإنه يعنـي إن كنتـم مؤمنـين بـما أنزل الله علـيكم كما زعمتـم. وإنـما عَنَى بذلك الـيهود الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلافهم، إن كانوا وكنتـم كما تزعمون أيها الـيهود مؤمنـين. وإنـما عيرهم جل ثناؤه بقتل أوائلهم أنبـياءه عند قولهم حين قـيـل لهم: {آمِنُوا بِـمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤمِنُ بِـمَا أُنْزِلَ عَلَـيْنَا} لأنهم كانوا لأوائلهم الذين تولوا قتل أنبـياء الله مع قـيـلهم: {نُؤْمِنُ بِـمَا أُنْزِلَ عَلَـيْنا} متولّـين، وبفعلهم راضين، فقال لهم: إن كنتـم كما تزعمون مؤمنـين بـما أنزل علـيكم، فلـم تتولون قتله أنبـياء الله؟ أي ترضون أفعالهم.

وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَٰلِمُونَ ۝٩٢

يعنـي جل ثناؤه بقوله: {وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسَى بـالبَـيِّناتِ} أي جاءكم بـالبـينات الدالّة علـى صدقه وحقـية نبوّته كالعصا التـي تـحوّلت ثعبـاناً مبـيناً، ويده التـي أخرجها بـيضاء للناظرين، وفَلْق البحر، ومصير أرضه له طريقاً يبساً، والـجراد والقمّل والضفـادع، وسائر الآيات التـي بـينت صدقه وحقـية نبوّته. وإنـما سماها الله بـينات لتبـينها للناظرين إلـيها أنها معجزة لا يقدر علـى أن يأتـي بها بشر إلا بتسخير الله ذلك له، وإنـما هي جمع بـيّنة مثل طيبة وطيبـات.

قال أبو جعفر: ومعنى الكلام: ولقد جاءكم يا معشر يهود بنـي إسرائيـل موسى بـالآيات البـينات علـى أمره وصدقه وحقـية نبوّته. وقوله: {ثُمَّ اتّـخَذْتُـم العجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُـمْ ظالِـمُونَ} يقول جل ثناؤه لهم: ثم اتـخذتـم العجل من بعد موسى إلها، فـالهاء التـي فـي قوله: «من بعده» من ذكر موسى. وإنـما قال: «من بعد موسى»، لأنهم اتـخذوا العجل من بعد أن فـارقهم موسى ماضياً إلـى ربه لـموعده، علـى ما قد بـيّنا فـيـما مضى من كتابنا هذا. وقد يجوز أن تكون «الهاء» التـي فـي «بعده» إلـى ذكر الـمـجيء، فـيكون تأويـل الكلام حينئذ: ولقد جاءكم موسى بـالبـينات ثم اتـخذتـم العجل من بعد مـجيء البـينات وأنتـم ظالـمون، كما تقول: جئتنـي فكرهته يعنـي كرهت مـجيئك.

وأما قوله: {وأنْتُـمْ ظالِـمُون} فإنه يعنـي بذلك أنكم فعلتـم ما فعلتـم من عبـادة العجل، ولـيس ذلك لكم وعبدتـم غير الذي كان ينبغي لكم أن تعبدوه لأن العبـادة لا تنبغي لغير الله. وهذا توبـيخ من الله للـيهود، وتعيـير منه لهم، وإخبـار منه لهم أنهم إذا كانوا فعلوا ما فعلوا من اتـخاذ العجل إلها وهو لا يـملك لهم ضرّاً ولا نفعاً، بعد الذي علـموا أن ربهم هو الربّ الذي يفعل من الأعاجيب وبدائع الأفعال ما أجراه علـى يدي موسى صلوات الله علـيه من الأمور التـي لا يقدر علـيها أحد من خـلق الله، ولـم يقدر علـيها فرعون وجنده مع بطشه وكثرة أتبـاعه، وقرب عهدهم بـما عاينوا من عجائب حكم الله فهم إلـى تكذيب مـحمد صلى الله عليه وسلم وجحوده ما فـي كتبهم التـي زعموا أنهم بها مؤمنون من صفته ونعته مع بعد ما بـينهم وبـين عهد موسى من الـمدة أسرع، وإلـى التكذيب بـما جاءهم به موسى من ذلك أقرب.

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱسْمَعُوا۟ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا۟ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝٩٣

يعنـي بقوله جل ثناؤه: {وَإذْ أخَذْنَا مِيثاقَكُمْ}: واذكروا إذ أخذنا عهودكم بأن خذوا ما آتـيناكم من التوراة التـي أنزلتها إلـيكم أن تعملوا بـما فـيها من أمري، وتنتهوا عما نهيتكم فـيها بجدّ منكم فـي ذلك ونشاط، فأعطَيْتُـمْ علـى العمل بذلك ميثاقكم، إذْ رفعنا فوقكم الـجبل. أما قوله: {وَاسْمَعُوا} فإن معناه: واسمعوا ما أمرتكم به، وتقبلوه بـالطاعة كقول الرجل للرجل يأمره بـالأمر: سمعت وأطعت، يعنـي بذلك: سمعت قولك وأطعت أمرك. كما قال الراجز:

السّمْعُ والطّاعَةُ والتّسْلِـيـمُ خَيْرٌ وأعْفَـى لِبَنِـي تَـمِيـمْ

يعنـي بقوله السمع: قبول ما يسمع والطاعة لـما يؤمر. فكذلك معنى قوله: {وَاسْمَعُوا} اقبلوا ما سمعتـم واعملوا به.

قال أبو جعفر: فمعنى الآية: وإذ أخذنا ميثاقكم أن خذوا ما آتـيناكم بقوّة، واعملوا بـما سمعتـم، وأطيعوا الله، ورفعنا فوقكم الطور من أجل ذلك.

وأما قوله: {قالُوا سَمِعْنا} فإن الكلام خرج مخرج الـخبر عن الغائب بعد أن كان الابتداء بـالـخطاب، فإن ذلك كما وصفنا من أن ابتداء الكلام إذا كان حكاية فـالعرب تـخاطب فـيه ثم تعود فـيه إلـى الـخبر عن الغائب وتـخبر عن الغائب ثم تـخاطب كما بـينا ذلك فـيـما مضى قبل. فكذلك ذلك فـي هذه الآية لأن قوله: {وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ} بـمعنى: قلنا لكم فأجبتـمونا. وأما قوله: قالُوا سَمِعْنا فإنه خبر من الله عن الـيهود الذين أخذ ميثاقهم أن يعملوا بـما فـي التوراة وأن يطيعوا الله فـيـما يسمعون منها أنهم قالوا حين قـيـل لهم ذلك: سمعنا قولك وعصينا أمرك.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وأُشْرِبُوا فِـي قُلُوبِهُمُ العِجْلَ بكُفْرِهِمْ}.

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: وأشربوا فـي قلوبهم حبّ العجل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: ثنا معمر، عن قتادة: {وأُشْرِبُوا فِـي قُلُوبِهمُ العِجْلَ} قال: أشربوا حبه حتـى خـلص ذلك إلـى قلوبهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: {وأُشْرِبُوا فِـي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ} قال: أشربوا حبّ العجل بكفرهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر عن أبـيه، عن الربـيع: {وَأُشْرِبُوا فـي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ} قال: أشربوا حبّ العجل فـي قلوبهم.

وقال آخرون: معنى ذلك أنهم سقوا الـماء الذي ذُرِّي فـيه سحالة العجل. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي موسى بن هارون. قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: لـما رجع موسى إلـى قومه أخذ العجل الذي وجدهم عاكفـين علـيه فذبحه، ثم حَرَقَه بـالـمبرد، ثم ذراه فـي الـيـمّ، فلـم يبق بحر يومئذ يجري إلا وقع فـيه شيء منه. ثم قال لهم موسى: اشربوا منه فشربوا منه، فمن كان يحبه خرج علـى شاربه الذهب فذلك حين يقول الله عزّ وجل: {وأُشْرِبُوا فِـي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج عن ابن جريج، قال: لـما سُحِل فألقـي فـي الـيـمّ استقبلوا جرية الـماء، فشربوا حتـى ملئوا بطونهم، فأورث ذلك من فعله منهم جُبْناً.

قال أبو جعفر: وأولـى التأويـلـين اللذين ذكرت بقول الله جل ثناؤه: {وأُشْرِبُوا فِـي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ} تأويـل من قال: وأشربوا فـي قلوبهم حبّ العجل لأن الـماء لا يقال منه: أشرب فلان فـي قلبه، وإنـما يقال ذلك فـي حبّ الشيء، فـيقال منه: أشرب قلب فلان حبّ كذا، بـمعنى سقـي ذلك حتـى غلب علـيه وخالط قلبه كما قال زهير:

فَصَحَوْتُ عَنْهَا بَعْدَ حُبّ داخِـلٍ والـحُبُّ يُشْرَبُهُ فُؤَادُكَ دَاءُ

قال: ولكنه ترك ذكر الـحبّ اكتفـاءً بفهم السامع لـمعنى الكلام، إذ كان معلوماً أن العجل لا يشرب القلب، وأن الذي يشرب القلب منه حبه، كما قال جل ثناؤه: { وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ }[الأعراف: 163] { وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا } [يوسف: 82]، وكما قال الشاعر:

ألا إنّنـي سُقّـيتُ أسودَ حالِكاً أَلاَ بَجَلـي مِنَ الشّرَابِ أَلا بَجَلْ

يعنـي بذلك سَمًّا أسود، فـاكتفـى بذكر أسود عن ذكر السم لـمعرفة السامع معنى ما أراد بقوله: «سُقـيت أسود»، ويروى:

ألا إنّنـي سُقِـيتُ أسْوَدَ سالـخاً

وقد تقول العرب: إذا سرّك أن تنظر إلـى السخاء فـانظر إلـى هَرِم أو إلـى حاتـم، فتـجتزىء بذكر الاسم من ذكر فعله إذا كان معروفـاً بشجاعة أو سخاء أو ما أشبه ذلك من الصفـات. ومنه قول الشاعر:

يَقُولُونَ جاهِدْ يا جَمِيـلُ بِغَزْوَةٍ وَإنَّ جِهادا طَيِّءٌ وَقِتالُهَا

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قُلْ بِئْسَما يأْمُرُكُمْ بِهِ إيـمانُكُمْ إنْ كُنْتُـمْ مُؤْمِنِـينَ}.

يعنـي بذلك جل ثناؤه: قل يا مـحمد لـيهود بنـي إسرائيـل: بئس الشيء يأمركم به إيـمانكم إن كان يأمركم بقتل أنبـياء الله ورسله، والتكذيب بكتبه، وجحود ما جاء من عنده. ومعنى إيـمانهم تصديقهم الذي زعموا أنهم به مصدّقون من كتاب الله، إذ قـيـل لهم: آمنوا بـما أنزل الله، فقالوا: نؤمن بـما أنزل علـينا.

وقوله: {إنْ كُنْتُـمْ مُؤْمِنِـينَ} أي إن كنتـم مصدقـين كما زعمتـم بـما أنزل الله علـيكم. وإنـما كذّبهم الله بذلك لأن التوراة تنهي عن ذلك كله وتأمر بخلافه، فأخبرهم أن تصديقهم بـالتوراة إن كان يأمرهم بذلك فبئس الأمر تأمر به. وإنـما ذلك نفـي من الله تعالـى ذكره عن التوراة أن تكون تأمر بشيء مـما يكرهه الله من أفعالهم، وأن يكون التصديق بها يدلّ علـى شيء من مخالفة أمر الله، وإعلام منه جل ثناؤه أن الذي يأمرهم بذلك أهواؤهم، والذي يحملهم علـيه البغيُ والعدوانُ.

قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُا۟ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٩٤

قال أبو جعفر: وهذه الآية مـما احتـجّ الله بها لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم علـى الـيهود الذين كانوا بـين ظهرانـي مهاجره، وفضح بها أحبـارهم وعلـماءهم. وذلك أن الله جل ثناؤه أمر نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم إلـى قضية عادلة بـينه وبـينهم فـيـما كان بـينه وبـينهم من الـخلاف، كما أمره الله أن يدعو الفريق الآخر من النصارى إذ خالفوه فـي عيسى صلوات الله علـيه وجادلوا فـيه إلـى فـاصلة بـينه وبـينهم من الـمبـاهلة. وقال لفريق الـيهود: إن كنتـم مـحقـين فتـمنوا الـموت، فإن ذلك غير ضاركم إن كنتـم مـحقـين فـيـما تدّعون من الإيـمان وقرب الـمنزلة من الله، بل إن أعطيتـم أمنـيتكم من الـموت إذا تـمنـيتـم فإنـما تصيرون إلـى الراحة من تعب الدنـيا ونصبها وكدر عيشها والفوز بجوار الله فـي جنانه، إن كان الأمر كما تزعمون أن الدار الآخرة لكم خالصة دوننا. وإن لـم تُعْطَوْها علـم الناس أنكم الـمبطلون ونـحن الـمـحقون فـي دعوانا وانكشف أمرنا وأمركم لهم. فـامتنعت الـيهود من إجابة النبـيّ صلى الله عليه وسلم إلـى ذلك لعلـمها أنها إن تـمنت الـموت هلكت فذهبت دنـياها وصارت إلـى خزي الأبد فـي آخرتها. كما امتنع فريق النصارى الذين جادلوا النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي عيسى إذ دُعوا إلـى الـمبـاهلة من الـمبـاهلة فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

لَوْ أنَّ الـيَهُودَ تَـمَنّوُا الـمَوْتَ لَـمَاتُوا وَلَرَأَوْا مَقاعِدَهُمْ مِنَ النّارِ، وَلَوْ خَرَجَ الّذِينَ يُبَـاهِلُونَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لَرَجَعُوا لا يَجِدُونَ أَهْلاً وَلا مالاً

حدثنا بذلك أبو كريب، قال: حدثنا أبو زكريا بن عديّ، قال: حدثنا عبـيد الله بن عمرو، عن عبد الكريـم، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثام بن علـيّ، عن الأعمش، عن ابن عبـاس فـي قوله: {فَتَـمَنّوُا الـمَوْتَ إنْ كُنْتُـمْ صَادِقِـينَ} قال: لو تـمنوا الـموت لشرق أحدهم بريقه.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن عبد الكريـم الـجزري، عن عكرمة فـي قوله: {فَتَـمَنّوُا الـمَوْتَ إنْ كُنْتُـمْ صَادِقِـينَ} قال: قال ابن عبـاس: لو تـمنى الـيهود الـموت لـماتوا.

حدثنـي موسى، قال: أخبرنا عمرو، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، قال: حدثنـي ابن إسحاق، قال: حدثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد، قال أبو جعفر فـيـما أروي: أنبأنا عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عبـاس قال: لو تـمنوه يوم قال لهم ذلك، ما بقـي علـى ظهر الأرض يهودي إلا مات.

قال أبو جعفر: فـانكشف، لـمن كان مشكلاً علـيه أمر الـيهود يومئذ، كذبهم وبَهْتهم وبغيهم علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظهرت حجة رسول الله وحجة أصحابه علـيهم، ولـم تزل والـحمد لله ظاهرة علـيهم وعلـى غيرهم من سائر أهل الـملل. وإنـما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: {فَتَـمَنّوُا الـمَوْتَ إنْ كُنْتُـمْ صَادِقِـينَ} لأنهم فـيـما ذكر لنا قالُوا

{ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ }[المائدة: 18] { قَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ } [البقرة: 111] فقال الله لنبـيّه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم إن كنتـم صادقـين فـيـما تزعمون فتـمنوا الـموت فأبـان الله كذبهم بـامتناعهم من تـمنـي ذلك، وأفلـج حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي السبب الذي من أجله أمر الله نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الـيهود أن يتـمنوا الـموت، وعلـى أيّ وجه أمروا أن يتـمنوه.

فقال بعضهم: أمروا أن يتـمنوه علـى وجه الدعاء علـى الفريق الكاذب منهما. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، قال: حدثنـي ابن إسحاق، قال: حدثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: قال الله لنبـيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ إنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَة عندَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَـمَنّوا الـمَوْتَ إنْ كُنْتُـمْ صَادِقِـينَ} أي ادعوا بـالـموت علـى أيّ الفريقـين أكذب. وقال آخرون بـما:

حدثنـي بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: {قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ} وذلك أنهم

{ قَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ } [البقرة: 111] وَقالُوا { نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ }[المائدة: 18] فقـيـل لهم: {فَتَـمَنّوُا الـمَوْتَ إنْ كُنْتُـمْ صَادِقِـينَ}.

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، قال: قالت الـيهود: لَنْ يَدْخُـلَ الـجَنّةَ إلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أوْ نَصَارَى وَقالُوا: نَـحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّـاؤُهُ فقال الله: {قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ الله خَالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَـمَنّوُا الـمَوْتَ إنْ كُنْتُـمْ صَادِقِـينَ} فلـم يفعلوا.

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنـي أبو جعفر، عن الربـيع قوله: {قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً} الآية، وذلك بأنهم

{ قَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ } [البقرة: 111] وقالُوا: { نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ }

[المائدة: 18]. وأما تأويـل قوله: {قلْ إنْ كانَت لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةِ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً} فإنه يقول: قل يا مـحمد إن كان نعيـم الدار الآخرة ولذاتها لكم يا معشر الـيهود عند الله. فـاكتفـى بذكر «الدار» من ذكر نعيـمها لـمعرفة الـمخاطبـين بـالآية معناها. وقد بـينا معنى الدار الآخرة فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وأما تأويـل قوله: {خالِصَةً} فإنه يعنـي به صافـية، كما يقال: خـلص لـي فلان بـمعنى صار لـي وحدي وصَفَـا لـي يقال: منه خـلص لـي هذا الشيء، فهو يخـلص خُـلُوصاً وخالصة، والـخالصة مصدر مثل العافـية، ويقال للرجل: هذا خُـلْصانـي، يعنـي خالصتـي من دون أصحابـي. وقد رُوي عن ابن عبـاس أنه كان يتأول قوله: {خالِصَةً} خاصة، وذلك تأويـل قريب من معنى التأويـل الذي قلناه فـي ذلك.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك عن ابن عبـاس: {قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ} قال: قل يا مـحمد لهم يعنـي الـيهود إن كانت لكم الدار الآخرة يعنـي الـخير {عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً} يقول: خاصة لكم.

وأما قوله: {مِنْ دُونِ النّاسِ} فإن الذي يدل علـيه ظاهر التنزيـل أنهم قالوا: لنا الدار الآخرة عند الله خالصة من دون جميع الناس. ويبـين أن ذلك كان قولهم من غير استثناء منهم من ذلك أحدا من بنـي آدم إخبـارُ الله عنهم أنهم قالوا:

{ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ }[البقرة: 111]. إلا أنه رُوي عن ابن عبـاس قول غير ذلك.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: {مِنْ دُونِ النَّاسِ} يقول: من دون مـحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين استهزأتـم بهم، وزعمتـم أن الـحق فـي أيديكم، وأن الدار الآخرة لكم دونهم.

وأما قوله: {فَتَـمَنّوُا الـمَوْتَ} فإن تأويـله: تشهّوه وأَرِيدُوه. وقد رُوي عن ابن عبـاس أنه قال فـي تأويـله: «فسلوا الـموت». ولا يعرف التـمنـي بـمعنى الـمسألة فـي كلام العرب، ولكن أحسب أن ابن عبـاس وجه معنى الأمنـية إذا كانت مـحبة النفس وشهوتها إلـى معنى الرغبة والـمسألة، إذ كانت الـمسألة هي رغبة السائل إلـى الله فـيـما سأله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك عن ابن عبـاس: {فَتَـمَنّوُ الـمَوْتَ} فسلوا الـموت {إنْ كُنْتُـمْ صَادِقِـينَ}.

وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًۢا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ۝٩٥

وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن الـيهود وكراهتهم الـموت وامتناعهم عن الإجابة إلـى ما دعوا إلـيه من تـمنـي الـموت، لعلـمهم بأنهم إن فعلوا ذلك فـالوعيد بهم نازل والـموت بهم حالّ، ولـمعرفتهم بـمـحمد صلى الله عليه وسلم أنه رسول من الله إلـيهم مرسل وهم به مكذّبون، وأنه لـم يخبرهم خبرا إلا كان حقّا كما أخبر، فهم يحذرون أن يتـمنوا الـموت خوفـاً أن يحلّ بهم عقاب الله بـما كسبت أيديهم من الذنوب، كالذي:

حدثنـي مـحمد بن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: حدثنـي مـحمد بن إسحاق، قال: حدثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد فـيـما يروي أبو جعفر، عن سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس:

{ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ }[البقرة: 94] الآية، أي ادعوا بـالـموت علـى أيّ الفريقـين أكذب، فَأبَوْا ذلك علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول الله لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: {وَلَنْ يَتَـمَنّوْهُ أَبَداً بِـمَا قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ} أي لعلـمهم بـما عندهم من العلـم بك والكفر بذلك.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك عن ابن عبـاس: {وَلَنْ يَتَـمَنّوْهُ أبَداً} يقول: يا مـحمد ولن يتـمنوه أبدا لأنهم يعلـمون أنهم كاذبون، ولو كانوا صادقـين لتـمنوه ورغبوا فـي التعجيـل إلـى كرامتـي، فلـيس يتـمنونه أبدا بـما قدمت أيديهم.

حدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج قوله:

{ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ }[البقرة: 94] وكانت الـيهود أشدّ فرارا من الـموت، ولـم يكونوا لـيتـمنوه أبداً.

وأما قوله: {بِـمَا قَدَمَتْ أيْدِيهِمْ} فإنه يعنـي به بـما أسلفته أيديهم. وإنـما ذلك مثل علـى نـحو ما تتـمثل به العرب فـي كلامها، فتقول للرجل يؤخذ بجريرة جرّها أو جناية جناها فـيعاقب علـيها: نالك هذا بـما جنت يداك، وبـما كسبت يداك، وبـما قدمت يداك فتضيف ذلك إلـى الـيد، ولعلّ الـجناية التـي جناها فـاستـحقّ علـيها العقوبة كانت بـاللسان أو بـالفرج أو بغير ذلك من أعضاء جسده سوى الـيد.

قال: وإنـما قـيـل ذلك بإضافته إلـى الـيد لأن عظم جنايات الناس بأيديهم، فجرى الكلام بـاستعمال إضافة الـجنايات التـي يجنـيها الناس إلـى أيديهم حتـى أضيف كل ما عوقب علـيه الإنسان مـما جناه بسائر أعضاء جسده إلـى أنها عقوبة علـى ما جنته يده فلذلك قال جل ثناؤه للعرب: {ولَنْ يَتَـمَنّوْهُ أبَداً بِـمَا قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ} يعنـي به: ولن يتـمنى الـيهود الـموت بـما قدموا أمامهم في حياتهم من كفرهم بـالله فـي مخالفتهم أمره وطاعته فـي اتبـاع مـحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله، وهم يجدونه مكتوبـا عندهم فـي التوراة، ويعلـمون أنه نبـيّ مبعوث. فأضاف جل ثناؤه ما انطوت علـيه قلوبهم وأضمرته أنفسهم ونطقت به ألسنتهم من حسد مـحمد صلى الله عليه وسلم، والبغي علـيه، وتكذيبه، وجحود رسالته إلـى أيديهم، وأنه مـما قدمته أيديهم، لَعَلِـمَ العرب معنى ذلك فـي منطقها وكلامها، إذ كان جل ثناؤه إنـما أنزل القرآن بلسانها وبلغتها. وروي عن ابن عبـاس فـي ذلك ما:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: {بِـمَا قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ} يقول: بـما أسلفت أيديهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج: {بِـمَا قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ} قال: إنهم عرفوا أن مـحمدا صلى الله عليه وسلم نبـيّ فكتـموه.

وأما قوله: {واللَّهُ عَلِـيـم بـالظالِـمِينَ} فإنه يعنـي جل ثناؤه: والله ذو علـم بظَلَـمَةِ بنـي آدم: يهودِها ونصاراها وسائر أهل الـملل غيرها، وما يعملون. وظلـم الـيهود كفرهم بـالله فـي خلافهم أمره وطاعته فـي اتبـاع مـحمد صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا يستفتـحون به وبـمبعثه، وجحودهم نبوّته وهم عالـمون أنه نبـيّ الله ورسوله إلـيهم. وقد دللنا علـى معنى الظالـم فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته.

وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِۦ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ ۝٩٦

يعنـي بقوله جل ثناؤه: {وَلَتَـجِدَنّهُمْ أحْرَصَ النّاسِ علـى حَياةٍ} الـيهود يقول: يا مـحمد لتـجدن أشدّ الناس حرصاً علـى الـحياة فـي الدنـيا وأشدّهم كراهة للـموت الـيهود. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: حدثنـي مـحمد بن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد فـيـما يروي أبو جعفر عن سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس: {وَلَتَـجِدَنّهُمْ أحْرَصَ النّاسِ علـى حَياةٍ} يعنـي الـيهود.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن أبـي العالـية: {وَلَتَـجِدَنّهُمْ أحْرَصَ النّاسِ علـى حَياةٍ} يعنـي الـيهود.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد مثله.

وإنـما كراهتهم الـموت لعلـمهم بـما لهم فـي الآخرة من الـخزي والهوان الطويـل.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمِنَ الّذِينَ أشْرَكُوا}.

يعنـي جل ثناؤه بقوله: {وَمِنَ الّذِينَ أشْرَكُوا} وأحرص من الذين أشركوا علـى الـحياة، كما يقال: هو أشجع الناس ومن عنترة، بـمعنى: هو أشجع من الناس ومن عنترة، فكذلك قوله: {وَمِنَ الّذِينَ أشْرَكُوا} لأن معنى الكلام: ولتـجدنّ يا مـحمد الـيهود من بنـي إسرائيـل أحرص الناس علـى حياة ومن الذين أشركوا. فلـما أضيف «أحرص» إلـى «الناس»، وفـيه تأويـل «من» أظهرت بعد حرف العطف ردًّا علـى التأويـل الذي ذكرنا.

وإنـما وصف الله جل ثناؤه الـيهود بأنهم أحرص الناس علـى الـحياة لعلـمهم بـما قد أعدّ لهم فـي الآخرة علـى كفرهم بـما لا يقرّ به أهل الشرك، فهم للـموت أكره من أهل الشرك الذين لا يؤمنون بـالبعث لأنهم يؤمنون بـالبعث، ويعلـمون ما لهم هنالك من العذاب، وأن الـمشركين لا يصدّقون بـالبعث، ولا العقاب. فـالـيهود أحرص منهم علـى الـحياة وأكره للـموت.

وقـيـل: إن الذين أشركوا الذين أخبر الله تعالـى ذكره أن الـيهود أحرص منهم فـي هذه الآية علـى الـحياة هم الـمـجوس الذين لا يصدّقون بـالبعث. ذكر من قال هم الـمـجوس:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: {وَمِنَ الّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدُّ أحَدُهُمْ لَوْ يُعَمّرُ ألْفَ سَنَةٍ} يعنـي الـمـجوس.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع {وَمِنَ الّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدُّ أحَدُهُمْ لَوْ يُعَمّرُ ألْفَ سَنَةٍ} قال: الـمـجوس.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنـا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {وَمِنَ الّذِينَ أشْرَكُوا} قال: يهود أحرص من هؤلاء علـى الـحياة. ذكر من قال: هم الذين ينكرون البعث:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: حدثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد فـيـما يروي أبو جعفر، عن سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس: {وَلَتَـجِدنّهُمْ أحْرَصَ النّاسِ علـى حَياةٍ وَمِنَ الّذِينَ أشْرَكُوا} وذلك أن الـمشرك لا يرجو بعثاً بعد الـموت فهو يحبّ طول الـحياة، وأن الـيهودي قد عرف ما له فـي الآخرة من الـخزي بـما ضيع مـما عنده من العلـم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {يَوَدُّ أحَدُهُمْ لَوْ يُعَمّرُ ألْفَ سَنَةٍ}.

هذا خبر من الله جل ثناؤه بقوله عن الذين أشركوا، الذين أخبر أن الـيهود أحرص منهم علـى الـحياة، يقول جل ثناؤه: يودّ أحد هؤلاء الذين أشركوا إلا بعد فناء دنـياه وانقضاء أيام حياته أن يكون له بعد ذلك نشور أو مـحيا أو فرح أو سرور لو يعمر ألف سنة حتـى جعل بعضهم تـحية بعض عشرة آلاف عام حِرْصاً منهم علـى الـحياة. كما:

حدثنا مـحمد بن علـيّ بن الـحسن بن شقـيق، قال: سمعت أبـي علـياً، أخبرنا أبو حمزة، عن الأعمش، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس فـي قوله: {يَوَدُّ أحَدُهُمْ لَوْ يُعَمّرُ ألْفَ سَنَةٍ} قال: هو قول الأعاجم سأل زه نوروز مهرجان حر.

وحدثت عن نعيـم النـحوي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير: يَوَدُّ أحَدُهُمْ لَوْ يُعَمّرُ ألْفَ سَنَةٍ} قال: هو قول أهل الشرك بعضهم لبعض إذا عطس: زه هزارسال.

حدثنا إبراهيـم بن سعيد ويعقوب بن إبراهيـم، قالا: ثنا إسماعيـل بن علـية، عن ابن أبـي نـجيح عن قتادة فـي قوله: {يَوَدُّ أحَدُهُمْ لَوْ يُعَمّرُ ألْفَ سَنَةٍ} قال: حُببت إلـيهم الـخطيئة طول العمر.

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: حدثنـي ابن معبد، عن ابن علـية، عن ابن أبـي نـجيح فـي قوله: {يَوَدُّ أحَدُهُمْ} فذكر مثله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: {وَلَتَـجِدَنّهُمْ أحْرَصَ النّاسِ علـى حَياةٍ} حتـى بلغ: {لَوْ يُعَمّرُ ألْف سَنَةٍ} يهود أحرص من هؤلاء علـى الـحياة، وقد ودّ هؤلاء لو يعمَّر أحدهم ألف سنة.

وحدثت عن أبـي معاوية، عن الأعمش، عن سعيد، عن ابن عبـاس فـي قوله: {يَوَدُّ أحَدُهُمْ لَوْ يُعَمّرُ ألْفَ سَنَةٍ} قال: هو قول أحدهم إذا عطس زه هزار سال، يقول: عشرة آلاف سنة.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمَا هُوَ بِـمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذَابِ أنْ يُعَمّرَ} يعنـي جل ثناؤه بقوله: {وَمَا هُوَ بِـمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذَابِ أنْ يُعَمّرَ} وما التعمير وهو طول البقاء بـمُزَحْزِحه من عذاب الله. وقوله: هُوَ عماد لطلب «ما» الاسم أكثر من طلبها الفعل، كما قال الشاعر:

فَهَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ بِـمَا هَهُنَا رأسُ

و«أن» التـي فـي: {أنْ يُعَمّرَ} رفع بـمزحزحه، أو هو الذي مع «ما» تكرير عماد للفعل لاستقبـاح العرب النكرة قبل الـمعرفة. وقد قال بعضهم إن «هو» الذي مع «ما» كناية ذكر العمر، كأنه قال: يودّ أحدهم لو يعمر ألف سنة، وما ذلك العمر بـمزحزحه من العذاب. وجعل «أن يعمر» مترجماً عن «هو»، يريد: ما هو بـمزحزحه التعمير.

وقال بعضهم: قوله: {وَمَا هُوَ بِـمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذَابِ أنْ يُعَمّرَ} نظير قولك: ما زيد بـمزحزحه أن يعمر. وأقرب هذه الأقوال عندنا إلـى الصواب ما قلنا، وهو أن يكون هو عماداً نظير قولك: ما هو قائم عمرو.

وقد قال قوم من أهل التأويـل: إن «أن» التـي فـي قوله: «أن يعمر» بـمعنى: وإن عمّر، وذلك قول لـمعانـي كلام العرب الـمعروف مخالف. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربـيع عن أبـي العالـية: {ومَا هُوَ بِـمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذَابِ أنْ يُعَمّرَ} يقول: وإن عمر.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع مثله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: أن يعمر ولو عمر.

وأما تأويـل قوله: {بِـمُزَحْزِحِهِ} فإنه بـمبعده ومُنَـحّيه، كما قال الـحُطَيئة:

وقالُوا تَزَحْزَحْ ما بِنا فَضْلُ حاجَةٍ إلَـيْكَ وَما مِنّا لِوَهْيِكَ رَاقِعُ

يعنـي بقوله تزحزح: تبـاعد، يقال منه: زحزحه يزحزحه زحزحةً وزِحزاحاً، وهو عنك متزحزح: أي متبـاعد.

فتأويـل الآية: وما طول العمر بـمبعده من عذاب الله ولا منـحيه منه لأنه لا بد للعمر من الفناء ومصيره إلـى الله. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: حدثنـي ابن إسحاق، قال: حدثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد فـيـما أُري، عن سعيد بن جبـير، أو عن عكرمة، عن ابن عبـاس: {وَمَا هُوَ بِـمُزَحْزحِهِ مِنَ العَذَابِ أنْ يُعَمّرَ} أي ما هو بـمنـحّيه من العذاب.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: {وَمَا هُوَ بِـمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذَابِ أنْ يُعَمّرَ} يقول: وإن عمر، فما ذاك بـمغيثه من العذاب ولا منـجّيه.

حدثنـي الـمثنى قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: حدثنـي أبـي، قال: حدثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {يَوَدُّ أحَدُهُمْ لَوْ يُعَمّرُ ألْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِـمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذَابِ} فهم الذين عادوا جبريـل علـيه السلام.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {يَوَدُّ أحَدُهُمْ لَوْ يُعَمّرُ ألْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِـمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذَابِ أنْ يُعَمّرَ} ويهود أحرص علـى الـحياة من هؤلاء، وقد ودّ هؤلاء لو يعمر أحدهم ألف سنة، ولـيس ذلك بـمزحزحه من العذاب لو عُمِّر كما عُمِّر إبلـيس لـم ينفعه ذلك، إذ كان كافرا ولـم يزحزحه ذلك عن العذاب.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {واللَّهُ بَصِير بِـمَا يَعْمَلُونَ} يعنـي جل ثناؤه بقوله: {وَاللَّهُ بَصِير بِـمَا يَعْمَلُونَ} والله ذو إبصار بـما يعملون، لا يخفـى علـيه شيء من أعمالهم، بل هو بجميعها مـحيط ولها حافظ ذاكر حتـى يذيقهم بها العقاب جزاءها. وأصل بصير مبصر من قول القائل: أبصرت فأنا مبصر ولكن صرف إلـى فعيـل، كما صرف مسمع إلـى سميع، وعذاب مؤلـم إلـى ألـيـم، ومبدع السموات إلـى بديع، وما أشبه ذلك.

قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ۝٩٧

أجمع أهل العلـم بـالتأويـل جميعاً علـى أن هذه الآية نزلت جوابـاً للـيهود من بنـي إسرائيـل، إذْ زعموا أن جبريـل عدوّ لهم، وأن ميكائيـل ولـيّ لهم. ثم اختلفوا فـي السبب الذي من أجله قالوا ذلك، فقال بعضهم: إنـما كان سبب قـيـلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بـينهم وبـين رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي أمر نبوّته ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس، عن بكير، عن عبد الـحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن ابن عبـاس أنه قال: حضرت عصابة من الـيهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبـا القاسم حدثنا عن خلال نسألك عنهنّ لا يعلـمهن إلا نبـيّ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

سَلُوا عَمّا شِئْتُـمْ، وَلَكِنْ اجْعَلُوا لِـي ذِمّةَ اللَّهِ وَمَا أخَذَ يَعْقُوبُ علـى بَنِـيهِ لَئِنْ أنا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئا فَعَرَفْتُـمُوهُ لَتُتابِعُنِّـي علـى الإسْلامِ. فقالوا: ذلك لك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:سَلُونِـي عَمّا شِئْتُـمْفقالوا: أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن أخبرنا أيّ الطعام حرّم إسرائيـل علـى نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ وأخبرنا كيف ماء الـمرأة وماء الرجل، وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا بهذا النبـيّ الأميّ فـي النوم ومَنْ ولـيه من الـملائكة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:عَلَـيْكُمْ عَهْدُ اللَّهِ لَئِنْ أنا أنْبَأْتُكُمْ لَتُتابعُنِّـي. فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق، فقال:نَشَدْتُكُمْ بـالّذِي أنْزَلَ التّوْرَاةَ علـى مُوسَى هَلْ تَعْلَـمُونَ أنَّ إسْرَائِيـلَ مَرِضَ مَرَضاً شَدِيداً فَطالَ سَقَمُه مِنْه، فَنَذَرَ نَذْرا لَئِنْ عافـاه الله مِنْ سَقَمِهِ لَـيُحَرّمَنَّ أحَبَّ الطّعامِ والشرَابِ إلَـيْهِ وكانَ أحَبَّ الطّعامِ إلَـيْهِ لَـحْمُ الإبِلِ؟قال أبو جعفر: فـيـما أُري: «وأحَبُّ الشّرَابِ إلَـيْهِ ألْبـانها» فقالوا: اللهم نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَٰفِرِينَ ۝٩٨

وهذا خبر من الله جل ثناؤه: {من كان عدواً لله} من عاداه وعادى جميع ملائكته ورسله، وإعلام منه أن من عادى جبريـل فقد عاداه وعادى ميكائيـل وعادى جميع ملائكته ورسله لأن الذين سماهم الله فـي هذه الآية هم أولـياء الله وأهل طاعته، ومن عادى لله ولـيّاً فقد عادى الله وبـارزه بـالـمـحاربة، ومن عادى الله فقد عادى جميع أهل طاعته وولايته لأن العدوّ لله عدوّ لأولـيائه، والعدوّ لأولـياء الله عدوّ له. فكذلك قال للـيهود الذين قالوا: إن جبريـل عدوّنا من الـملائكة، وميكائيـل ولـينا منهم: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيـلُ وَمِيكَالَ فَـانَّ اللَّهَ عَدُوّ للكافِرِينَ} من أجل أن عدوّ جبريـل عدوّ كل ولـيّ لله. فأخبرهم جل ثناؤه أن من كان عدوًّا لـجبريـل فهو لكل من ذكره من ملائكته ورسله وميكال عدوّ، وكذلك عدوّ بعض رسل الله عدوّ لله ولكل ولـيّ. وقد:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبـيد الله يعنـي العتكي عن رجل من قريش، قال: سأل النبـيّ صلى الله عليه وسلم الـيهود فقال:

أسألُكُمْ بِكِتابِكُمْ الّذِي تَقْرَءونَ هَلْ تَـجِدُونَ بِهِ قَدْ بَشّرَ بـي عِيسَى بْنُ مَرَيْـمَ أنْ يأتِـيكُمْ رَسُولٌ اسمُهُ أحْمَدُ؟فقالوا: اللهمّ وجدناك فـي كتابنا ولكنا كرهناك لأنك تستـحل الأموال وتهريق الدماء فأنزل الله: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ} الآية.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبـي لـيـلـى، قال: إن يهوديًّا لقـي عمر فقال له: إن جبريـل الذي يذكره صاحبك هو عدوّ لنا. فقال له عمر: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيـلَ وَمِيكالَ فَـانَّ اللَّهَ عَدُوّ للكافِرِين} قال: فنزلت علـى لسان عمر. وهذا الـخبر يدل علـى أن الله أنزل هذه الآية توبـيخاً للـيهود فـي كفرهم بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وإخبـاراً منه لهم أن من كان عدوًّا لـمـحمد فـالله له عدوّ، وأن عدوّ مـحمد من الناس كلهم لـمن الكافرين بـالله الـجاحدين آياته.

فإن قال قائل: أَوَ لـيس جبريـل وميكائيـل من الـملائكة؟ قـيـل: بلـى. فإن قال: فما معنى تكرير ذكرهما بأسمائهما، وقد مضى ذكرهما فـي الآية فـي جملة أسماء الـملائكة؟ قـيـل: معنى إفراد ذكرهما بأسمائهما أن الـيهود لـما قالت: جبريـل عدوّنا وميكائيـل ولـيُّنا، وزعمت أنها كفرت بـمـحمد صلى الله عليه وسلم من أجل أن جبريـل صاحب مـحمد صلى الله عليه وسلم، أعلـمهم الله أن من كان لـجبريـل عدوًّا، فإن الله له عدوّ، وأنه من الكافرين. فنصّ علـيه بـاسمه، وعلـى ميكائيـل بـاسمه، لئلا يقول منهم قائل: إنـما قال الله: من كان عدوًّا لله وملائكته ورسله، ولسنا لله ولا لـملائكته ورسله أعداء لأن الـملائكة اسم عام مـحتـمل خاصًّا وجبريـل وميكائيـل غير داخـلـين فـيه. وكذلك قوله: {وَرُسُلِهِ} فلست يا مـحمد داخلاً فـيهم. فنصّ الله تعالـى علـى أسماء من زعموا أنهم أعداؤه بأعيانهم لـيقطع بذلك تلبـيسهم علـى أهل الضعف منهم، ويحسم تـمويههم أمورهم علـى الـمنافقـين. وأما إظهار اسم الله فـي قوله: {فَـانَّ اللَّهَ عَدُوّ للْكَافِرِينَ} وتكريره فـيه، وقد ابتدأ أوّل الـخبر بذكره فقال: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ} فلئلا يـلتبس لو ظهر ذلك بكناية، فقـيـل: فإنه عدوّ للكافرين علـى سامعه مَن الـمعنّـي بـالهاء التـي فـي «فإنه» أألله أم رسل الله جل ثناؤه، أم جبريـل، أم ميكائيـل؟ إذ لو جاء ذلك بكناية علـى ما وصفت، فإنه يـلتبس معنى ذلك علـى من لـم يوقـف علـى الـمعنى بذلك لاحتـمال الكلام ما وصفت. وقد كان بعض أهل العربـية يوجه ذلك إلـى نـحو قول الشاعر:

لَـيْتَ الغُرَابَ غَدَاةَ يَنْعَبُ دَائِبـاً كانَ الغُرَابُ مُقَطّعَ الأوْدَاجِ

وأنه إظهار الاسم الذي حظه الكناية عنه. والأمر فـي ذلك بخلاف ما قال وذلك أن الغراب الثانـي لو كان مكنـيّ عنه لـما التبس علـى أحد يعقل كلام العرب أنه كناية اسم الغراب الأوّل، إذ كان لا شيء قبله يحتـمل الكلام أن يوجه إلـيه غير كناية اسم الغراب الأول وأن قبل قوله: {فَـانَّ اللَّهَ عَدُوّ للْكَافِرِينَ} أسماً لو جاء اسم الله تعالـى ذكره مكنـياً عنه لـم يعلـم من الـمقصود إلـيه بكناية الاسم إلا بتوقـيف من حجة، فلذلك اختلف أمراهما.
السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ