انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة البقرة

تفسير الطبريالآيات 148–155

تفسير سورة البقرة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة البقرة

الخلاصة من تفسير الطبري · 20 مقطعًا · 5:38:46

  1. 1 الآيات 142–157في هذه الصفحة 17:51

التفسير الصوتي لسورة البقرة كاملًا (20 مقطعًا)

وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا۟ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝١٤٨

يعنـي بقوله تعالـى ذكره: ولكلّ أهل ملة، فحذف أهل الـملة واكتفـى بدلالة الكلام علـيه. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عز وجل:{ وَلِكُلّ وِجْهَةٌ} قال: لكل صاحب ملة.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع:{ وَلِكُلِّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّـيها} فللـيهود وجهة هو مولـيها وللنصارى وجهة هو مولـيها، وهداكم الله عزّ وجل أنتـم أيتها الأمة للقبلة التـي هي قبلته.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء قوله:{ وَلِكُلِّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّـيها}؟ قال: لكل أهل دين الـيهود والنصارى. قال ابن جريج: قال مـجاهد: لكل صاحب ملة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله:{ وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مَوَلِّـيها} قال للـيهود قبلة، وللنصارى قبلة، ولكم قبلة. يريد الـمسلـمين.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: حدثنـي أبـي، قال: حدثنـي عمي، قال: حدثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله:{ وَلِكُلَ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّـيها} يعنـي بذلك أهل الأديان، يقول: لكلّ قبلة يرضونها، ووجهُ الله تبـارك وتعالـى اسمه حيث توجه الـمؤمنون وذلك أن الله تعالـى ذكره قال:{ فأيْنَـمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه إنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِـيـمٌ}.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي:{ وَلِكُلّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّـيها } يقول: لكل قوم قبلة قد وُلّوها.

فتأويـل أهل هذه الـمقالة فـي هذه الآية: ولكل أهل ملة قبلة هو مستقبلها ومولّ وجهه إلـيها. وقال آخرون بـما:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة:{ وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّـيها} قال: هي صلاتهم إلـى بـيت الـمقدس وصلاتهم إلـى الكعبة.

وتأويـل قائل هذه الـمقالة: ولكل ناحية وجّهك إلـيها ربك يا مـحمد قبلة الله عز وجل مولـيها عبـاده. وأما الوجهة فإنها مصدر مثل القِعْدة والـمِشْية من التوجه، وتأويـلها: متوجَّه يتوجه إلـيها بوجهه فـي صلاته. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: وجهةٌ قبلة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع:{ وَلِكُلّ وِجْهَةٌ} قال: وجه.

حدثنـي يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وجهة: قبلة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، قال: قلت لـمنصور: {وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّـيها } قال: نـحن نقرؤها: ولكلّ جعلنا قبلة يرضونها.

وأما قوله: {هُوَ مُوَلِّـيها} فإنه يعنـي: هو مولّ وجهه إلـيها مستقبلها. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {هُوَ مُوَلِّـيها} قال: هو مستقبلها.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد مثله.

ومعنى التولـية هٰهنا الإقبـال، كما يقول القائل لغيره: انصرف إلـيّ، بـمعنى أقبل إلـيّ والانصراف الـمستعمل إنـما هو الانصراف عن الشيء، ثم يقال: انصرف إلـى الشيء بـمعنى أقبل إلـيه منصرفـاً عن غيره. وكذلك يقال: ولـيت عنه: إذا أدبرت عنه، ثم يقال: ولّـيت إلـيه بـمعنى أقبلت إلـيه مولـيا عن غيره. والفعل، أعنـي التولـية فـي قوله:{ هُوَ مُوَلِّـيها } لل«كلّ» و «هو» التـي مع «مولـيها» هو «الكل» وُحِّدت للفظ «الكل».

فمعنى الكلام إذا: ولكل أهل ملة وجهة، الكلُّ منهم مولّوها وجوههم.

وقد رُوي عن ابن عبـاس وغيره أنهم قرأوا: «هو مُوَلاَّها» بـمعنى أنه موَّجه نـحوها، ويكون الكلام حينئذ غير مسمى فـاعله، ولو سمي فـاعله لكان الكلام: ولكل ذي ملة وجهة الله مولـيه إياها، بـمعنى موجهه إلـيها.

وقد ذكر عن بعضهم أنه قرأ ذلك:{ وَلِكُلّ وِجْهَةٍ} بترك التنوين والإضافة. وذلك لـحن، ولا تـجوز القراءة به، لأن ذلك إذا قرىء كذلك كان الـخبر غير تامّ، وكان كلاماً لا معنى له، وذلك غير جائز أن يكون من الله جل ثناؤه.

والصواب عندنا من القراءة فـي ذلك:{ وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّـيها } بـمعنى: ولكلّ وجهة وقبلة، ذلك الكلُّ مولّ وجهه نـحوها، لإجماع الـحجة من القراء علـى قراءة ذلك كذلك وتصويبها إياها، وشذوذ من خالف ذلك إلـى غيره. وما جاء به النقل مستفـيضاً فحجة، وما انفرد به من كان جائزاً علـيه السهو والـخطأ فغير جائز الاعتراض به علـى الـحجة.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ فَـاسْتَبِقُوا الـخَيْرَاتِ }.

يعنـي تعالـى ذكره بقوله:{ فَـاسْتَبِقُوا } فبـادروا وسارعوا، من «الاستبـاق»، وهو الـمبـادرة والإسراع. كما:

حدثنـي الـمثنى قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع قوله:{ فَـاسْتَبِقُوا الـخَيْرَاتِ } يعنـي فسارعوا فـي الـخيرات. وإنـما يعنـي بقوله:{ فَـاسْتَبِقُوا الـخَيْرَاتِ } أي قد بـينت لكم أيها الـمؤمنون الـحق وهديتكم للقبلة التـي ضلت عنها الـيهود والنصارى وسائر أهل الـملل غيركم، فبـادروا بـالأعمال الصالـحة شكراً لربكم، وتزوّدوا فـي دنـياكم لأخراكم، فإنـي قد بـينت لكم سبـيـل النـجاة فلا عذر لكم فـي التفريط، وحافظوا علـى قبلتكم، ولا تضيعوها كما ضيعها الأمـم قبلكم فتضلوا كما ضلت كالذي:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة:{ فَـاسْتَبِقُوا الـخَيْراتِ } يقول: لا تغلبن علـى قبلتكم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله:{ فَـاسْتَبِقُوا الـخَيْرَاتِ} قال: الأعمال الصالـحة.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ أيْنَـما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إنَّ اللَّهَ عَلَـىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

ومعنى قوله:{ أيْنَـمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً } فـي أيّ مكان وبقعة تهلكون فـيه يأت بكم الله جميعاً يوم القـيامة،{ إنَّ اللَّهَ عَلَـىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. كما:

حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع:{ أيْنَـمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً} يقول: أينـما تكونوا يأت بكم الله جميعاً يوم القـيامة.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي: {أيْنَـمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً} يعنـي يوم القـيامة. وإنـما حضّ الله عزّ وجلّ الـمؤمنـين بهذه الآية علـى طاعته والتزوّد فـي الدنـيا للآخرة، فقال جل ثناؤه لهم: استبقوا أيها الـمؤمنون إلـى العمل بطاعة ربكم، ولزوم ما هداكم له من قبلة إبراهيـم خـلـيـله وشرائع دينه، فإن الله تعالـى ذكره يأتـي بكم وبـمن خالف قبلتكم ودينكم وشريعتكم جميعاً يوم القـيامة من حيث كنتـم من بقاع الأرض، حتـى يوفـى الـمـحسن منكم جزاءه بإحسانه، والـمسيء عقابه بإساءته، أو يتفضل فـيصفح.

وأما قوله:{ إنَّ اللَّهَ عَلَـىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فإنه تعالـى ذكره يعنـي أن الله تعالـى علـى جمعكم بعد مـماتكم من قبوركم من حيث كنتـم وعلـى غير ذلك مـما يشاء قدير، فبـادروا خروج أنفسكم بـالصالـحات من الأعمال قبل مـماتكم لـيوم بعثكم وحشركم.

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِنَّهُۥ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ۝١٤٩

يعنـي جل ثناؤه بقوله:{ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ } ومن أيِّ موضع خرجت إلـى أيّ موضع وجهت فولّ يا مـحمد وجهك، يقول: حوّل وجهك. وقد دللنا علـى أن التولـية فـي هذا الـموضع شطر الـمسجد الـحرام، إنـما هي الإقبـال بـالوجه نـحوه وقد بـينا معنى الشطر فـيـما مضى.

وأما قوله: {وَإنَّهُ لَلْـحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} فإنه يعنـي تعالـى ذكره: وإن التوجه شطره للـحقّ الذي لا شك فـيه من عند ربك، فحافظوا علـيه، وأطيعوا الله فـي توجهكم قِبَله.

وأما قوله:{ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }فإنه يقول: فإن الله تعالـى ذكره لـيس بساه عن أعمالكم ولا بغافل عنها، ولكنه مـحصيها لكم حتـى يجازيكم بها يوم القـيامة.

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِى وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ۝١٥٠

يعنـي بقوله تعالـى ذكره:{ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الـمَسْجِدِ الـحَرَام}: من أيّ مكان وبقعة شخصت فخرجت يا مـحمد، فولّ وجهك تلقاء الـمسجد الـحرام وهو شطره. ويعنـي بقوله:{ وَحَيْثُ مَا كُنْتُـمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ} وأينـما كنتـم أيها الـمؤمنون من أرض الله فولوا وجوهكم فـي صلاتكم تـجاهه وقبله وقصده.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَـيْكُمْ حُجَّةٌ إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَـخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِـي}.

فقال جماعة من أهل التأويـل: عنى الله تعالـى بـالناس فـي قوله:{ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ }أهل الكتاب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{ لِئَلاَّ يَكُونَ للنَّاسِ عَلَـيْكُمْ حُجَّةٌ } يعنـي بذلك أهل الكتاب، قالوا حين صُرِف نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم إلـى الكعبة البـيت الـحرام: اشتاق الرجل إلـى بـيت أبـيه ودين قومه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله:{ لِئَلاَّ يَكُونَ للنَّاسِ عَلَـيْكُمْ حُجَّةٌ } يعنـي بذلك أهل الكتاب، قالوا حين صُرِف نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم إلـى الكعبة اشتاق الرجل إلـى بـيت أبـيه ودين قومه.

فإن قال قائل: فأية حجة كانت لأهل الكتاب بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نـحو بـيت الـمقدس علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ قـيـل: قد ذكرنا فـيـما مضى ما رُوي فـي ذلك، قـيـل إنهم كانوا يقولون: ما درى مـحمد وأصحابه أين قبلتهم حتـى هديناهم نـحن، وقولهم: يخالفنا مـحمد فـي ديننا ويتبع قبلتنا! فهي الـحجة التـي كانوا يحتـجون بها علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه علـى وجه الـخصومة منهم لهم، والتـمويه منهم بها علـى الـجهال وأهل العناد من الـمشركين. وقد بـينا فـيـما مضى أن معنى حجاج القوم إياه الذي ذكره الله تعالـى ذكره فـي كتابه إنـما هي الـخصومات والـجدال، فقطع الله جل ثناؤه ذلك من حجتهم وحسمه بتـحويـل قبلة نبـيه صلى الله عليه وسلم والـمؤمنـين به من قبلة الـيهود إلـى قبلة خـلـيـله إبراهيـم علـيه السلام، وذلك هو معنى قول الله جل ثناؤه:{ لِئَلاَّ يَكُونَ للنَّاسِ عَلَـيْكُمْ حُجَّةٌ} يعنـي بـالناس: الذين كانوا يحتـجون علـيهم بـما وصفت.

وأما قوله:{ إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ} فإنهم مشركو العرب من قريش فـيـما تأوّله أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ } قوم مـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط عن السدي، قال: هم الـمشركون، من أهل مكة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ } يعنـي مشركي قريش.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، وابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله:{ إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ} قال: هم مشركو العرب.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله: {إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ} والذين ظلـموا مشركو قريش.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج عن ابن جريج، قال: قال عطاء: هم مشركو قريش. قال ابن جريج: وأخبرنـي عبد الله بن كثـير أنه سمع مـجاهداً يقول مثل قول عطاء.

فإن قال قائل: وأية حجة كانت لـمشركي قريش علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فـي توجههم فـي صلاتهم إلـى الكعبة؟ وهل يجوز أن يكون للـمشركين علـى الـمؤمنـين حجة فـيـما أمرهم الله تعالـى ذكره به أو نهاهم عنه؟ قـيـل: إن معنى ذلك بخلاف ما توهمت وذهبت إلـيه، وإنـما الـحجة فـي هذا الـموضع الـخصومة والـجدال. ومعنى الكلام: لئلا يكون لأحد من الناس علـيكم خصومة ودعوى بـاطلة، غير مشركي قريش، فإن لهم علـيكم دعوى بـاطلة وخصومة بغير حقّ بقـيـلهم لكم: رجع مـحمد إلـى قبلتنا، وسيرجع إلـى ديننا. فذلك من قولهم وأمانـيهم البـاطلة هي الـحجة التـي كانت لقريش علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن أجل ذلك استثنى الله تعالـى ذكره الذين ظلـموا من قريش من سائر الناس غيرهم، إذ نفـى أن يكون لأحد منهم فـي قبلتهم التـي وجههم إلـيها حجة. وبـمثل الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله تعالـى ذكره:{ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَـيْكُمْ حُجَّةٌ إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ } قوم مـحمد صلى الله عليه وسلم قال مـجاهد: يقول: حجتهم، قولهم: قد رجَعْتَ قبلَتنا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد مثله إلا أنه قال قولهم: قد رجعت إلـى قبلتنا.

حدثنا الـحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: ثنا معمر، عن قتادة وابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله:{ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَـيْكُمْ حُجَّةٌ إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ} قالا: هم مشركو العرب، قالوا حين صرفت القبلة إلـى الكعبة: قد رجع إلـى قبلتكم فـيوشك أن يرجع إلـى دينكم. قال الله عز وجل:{ فَلاَ تَـخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِـي}.

حدثنا بشر بن معاذ قال: ثنا يزيد عن سعيد عن قتادة قوله: {إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ } والذين ظلـموا مشركو قريش، يقول: إنهم سيحتـجون علـيكم بذلك، فكانت حجتهم علـى نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم بـانصرافه إلـى البـيت الـحرام أنهم قالوا سيرجع إلـى ديننا كما رجع إلـى قبلتنا، فأنزل الله تعالـى ذكره فـي ذلك كله.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، مثله.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي فـيـما يذكر عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة الهمدانـي، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: لـما صُرف نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم نـحو الكعبة بعد صلاته إلـى بـيت الـمقدس قال الـمشركون من أهل مكة: تـحيّر علـى مـحمد دينه، فتوجه بقبلته إلـيكم، وعلـم أنكم كنتـم أهدى منه سبـيلاً، ويوشك أن يدخـل فـي دينكم. فأنزل الله جل ثناؤه فـيهم:{ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَـيْكُمْ حُجَّةٌ إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَـخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِـي}.

حدثنا القاسم، قال: حدثنـي الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: قوله:{ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَـيْكُمْ حُجَّةٌ إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ}؟ قال: قالت قريش لـما رجع إلـى الكعبة وأمر بها: ما كان يستغنـي عنا قد استقبل قبلتنا. فهي حجتهم، وهم الذين ظلـموا.

قال ابن جريج: وأخبرنـي عبد الله بن كثـير أنه سمع مـجاهداً يقول مثل قول عطاء، فقال مـجاهد: حجتهم: قولهم رجعت إلـى قبلتنا.

فقد أبـان تأويـل من ذكرنا تأويـله من أهل التأويـل قوله: {إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ }عن صحة ما قلنا فـي تأويـله وأنه استثناء علـى معنى الاستثناء الـمعروف الذي يثبت فـيهم لـما بعد حرف الاستثناء ما كان منفـياً عما قبلهم، كما أنّ قول القائل: «ما سار من الناس أحد إلا أخوك» إثبـات للأخ من السير ما هو منفـيّ عن كل أحد من الناس، فكذلك قوله:{ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَـيْكُمْ حُجَّةٌ إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ } نفـى عن أن يكون لأحد خصومة وجدل قِبَل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوى بـاطلة علـيه وعلـى أصحابه بسبب توجههم فـي صلاتهم قبل الكعبة، إلا الذين ظلـموا أنفسهم من قريش، فإن لهم قِبَلَهم خصومةً ودعوى بـاطلة بأن يقولوا: إنـما توجهتـم إلـينا وإلـى قبلتنا لأنا كنا أهدى منكم سبـيلاً، وأنكم كنتـم بتوجهكم نـحو بـيت الـمقدس علـى ضلال وبـاطل. وإذ كان ذلك معنى الآية بإجماع الـحجة من أهل التأويـل، فبـيّنٌ خطأ قول من زعم أن معنى قوله: {إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ}: ولا الذين ظلـموا منهم، وأن «إلا» بـمعنى الواو لأن ذلك لو كان معناه لكان النفـي الأول عن جميع الناس أن يكون لهم حجة علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فـي تـحوّلهم نـحو الكعبة بوجوههم مبـينا عن الـمعنى الـمراد، ولـم يكن فـي ذكر قوله بعد ذلك: {إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ} إلا التلبـيس الذي يتعالـى عن أن يضاف إلـيه، أو يوصف به. هذا مع خروج معنى الكلام إذا وجهت «إلا» إلـى معنى الواو، ومعنى العطف من كلام العرب، وذلك أنه غير موجودة إلا فـي شيء من كلامها بـمعنى الواو إلا مع استثناء سابق قد تقدمها، كقول القائل: سار القوم إلا عمراً إلا أخاك، بـمعنى: إلا عمراً وأخاك، فتكون «إلا» حينئذ مؤدّية عما تؤدّي عنه الواو لتعلق «إلا» الثانـية ب«إلاّ» الأولـى، ويجمع فـيها أيضا بـين «إلا» والواو، فـيقال: سار القوم إلا عمراً وإلا أخاك، فتـحذف إحداهما فتنوب الأخرى عنها، فـيقال: سار القوم إلا عمراً وأخاك، أو إلا عمراً إلا أخاك، لـما وصفنا قبل. وإذ كان ذلك كذلك فغير جائز لـمدّع من الناس أن يدعي أن «إلا» فـي هذا الـموضع بـمعنى الواو التـي تأتـي بـمعنى العطف. وواضح فساد قول من زعم أن معنى ذلك: إلا الذين ظلـموا منهم فإنهم لا حجة لهم فلا تـخشوهم، كقول القائل فـي كلامه: الناس كلهم لك حامدون إلا الظالـم الـمعتدي علـيك، فإن ذلك لا يعتدّ بعداوته ولا بتركه الـحمد لـموضع العداوة. وكذلك الظالـم لا حجة له، وقد سمي ظالـماً لإجماع جميع أهل التأويـل علـى تـخطئة ما ادّعى من التأويـل فـي ذلك. وكفـى شاهداً علـى خطأ مقالته إجماعهم علـى تـخطئتها. وظاهر بطلان قول من زعم أن الذين ظلـموا هٰهنا ناس من العرب كانوا يهوداً ونصارى، فكانوا يحتـجون علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فأما سائر العرب فلـم تكن لهم حجة، وكانت حجة من يحتـجّ منكسرة لأنك تقول لـمن تريد أن تكسر علـيه حجته: إن لك علـيّ حجة، ولكنها منكسرة، وإنك لتـحتـجّ بلا حجة، وحجتك ضعيفة. ووجَّه معنى: {إلاَّ الَّذِينَ ظَلَـمُوا مِنْهُمْ } إلـى معنى: إلا الذين ظلـموا منهم من أهل الكتاب، فإن لهم علـيكم حجة واهية أو حجة ضعيفة. ووَهْيُ قول من قال: «إلا» فـي هذا الـموضع بـمعنى «لكن»، وضَعْفُ قول من زعم أنه ابتداء بـمعنى: إلا الذين ظلـموا منهم فلا تـخشوهم لأن تأويـل أهل التأويـل جاء فـي ذلك بأن ذلك من الله عز وجل خبر عن الذين ظلـموا منهم أنهم يحتـجون علـى النبـي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بـما قد ذكرنا، ولـم يقصد فـي ذلك إلـى الـخبر عن صفة حجتهم بـالضعف ولا بـالقوّة وإن كانت ضعيفة لأنها بـاطلة وإنـما قصد فـيه الإثبـات للذين ظلـموا ما قد نفـى عن الذين قبل حرف الاستثناء من الصفة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، قال: قال الربـيع: إن يهودياً خاصم أبـا العالـية فقال: إن موسى علـيه السلام كان يصلـي إلـى صخرة بـيت الـمقدس، فقال أبو العالـية: كان يصلـي عند الصخرة إلـى البـيت الـحرام. قال: قال: فبـينـي وبـينك مسجد صالـح، فإنه نـحته من الـجبل. قال أبو العالـية: قد صلـيت فـيه وقبلته إلـى البـيت الـحرام. قال الربـيع: وأخبرنـي أبو العالـية أنه مرّ علـى مسجد ذي القرنـين وقبلته إلـى الكعبة.

وأما قوله:{ فَلاَ تَـخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِـي} يعنـي فلا تـخشوا هؤلاء الذين وصفت لكم أمرهم من الظَّلَـمة فـي حجتهم وجدالهم وقولهم ما يقولون من أن مـحمداً صلى الله عليه وسلم قد رجع إلـى قبلتنا وسيرجع إلـى ديننا، أو أن يقدروا لكم علـى ضرّ فـي دينكم أو صدّكم عما هداكم الله تعالـى ذكره له من الـحق ولكن اخشونـي، فخافوا عقابـي فـي خلافكم أمري إن خالفتـموه. وذلك من الله جل ثناؤه تقدُّمٌ إلـى عبـاده الـمؤمنـين بـالـحضّ علـى لزوم قبلتهم والصلاة إلـيها، وبـالنهي عن التوجه إلـى غيرها. يقول جل ثناؤه: واخشونـي أيها الـمؤمنون فـي ترك طاعتـي فـيـما أمرتكم به من الصلاة شطر الـمسجد الـحرام. وقد حكي عن السدي فـي ذلك ما:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط عن السدي:{ فَلاَ تَـخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِـي } يقول: لا تـخشوا أن أردكم فـي دينهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ وَلأُتِمَّ نِعْمَتِـي عَلَـيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}.

يعنـي بقوله جل ثناؤه:{ وَلأُتِمَّ نِعْمَتِـي عَلَـيْكُمْ}: ومن حيث خرجت من البلاد والأرض إلـى أيّ بقعة شخصت فولّ وجهك شطر الـمسجد الـحرام، وحيث كنت يا مـحمد والـمؤمنون، فولوا وجوهكم فـي صلاتكم شطره، واتـخذوه قبلة لكم، كيلا يكون لأحد من الناس سوى مشركي قريش حجة، ولأتـمّ بذلك من هدايتـي لكم إلـى قبلة خـلـيـلـي إبراهيـم علـيه السلام الذي جعلته إماماً للناس نعمتـي فأكمل لكم به فضلـي علـيكم، وأتـمـم به شرائع ملتكم الـحنـيفـية الـمسلـمة التـي وصيت بها نوحاً وإبراهيـم وموسى وعيسى وسائر الأنبـياء غيرهم. وذلك هو نعمته التـي أخبر جل ثناؤه أنه متـمّها علـى رسوله صلى الله عليه وسلم والـمؤمنـين به من أصحابه.

وقوله:{ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }يعنـي: وكي ترشدوا للصواب من القبلة. {ولَعَلَّكُمْ} عطف علـى قوله:{ وَلأُتِـمَّ نِعْمَتِـي عَلَـيْكُمْ} {وَلأتـمّ نعمتـي علـيكم} عطف علـى قوله {لئلا يكون}.

كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا۟ تَعْلَمُونَ ۝١٥١

يعنـي بقوله جل ثناؤه:{ كَمَا أرْسَلْنَا فِـيكُمْ رَسُولاً } ولأتـمّ نعمتـي علـيكم ببـيان شرائع ملتكم الـحنـيفـية، وأهديكم لدين خـلـيـلـي إبراهيـم علـيه السلام، وأجعل لكم دعوته التـي دعانـي بها ومسألته التـي سألنـيها فقال:

{ رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ }[البقرة: 128] كما جعلت لكم دعوته التـي دعانـي بها ومسألته التـي سألنـيها، فقال: { رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ }[البقرة: 129] فـابتعثت منكم رسولـي الذي سألنـي إبراهيـم خـلـيـلـي وابنه إسماعيـل أن أبعثه من ذرّيتهما. ف«كما» إذ كان ذلك معنى الكلام صلة لقول الله عز وجل:{ وَلأُتِـمَّ نِعْمَتِـي عَلَـيْكُمْ } ولا يكون قوله: {كَمَا أرْسَلْنَا فِـيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ} متعلقاً بقوله: {فَـاذْكُرُونِـي أذْكُرْكُمْ}.

وقد قال قوم: إن معنى ذلك: فـاذكرونـي كما أرسلنا فـيكم رسولاً منكم أذكركم. وزعموا أن ذلك من الـمقدّم الذي معناه التأخير، فأغرقوا النزع، وبعدوا من الإصابة، وحملوا الكلام علـى غير معناه الـمعروف وسوى وجهه الـمفهوم. وذلك أن الـجاري من الكلام علـى ألسن العرب الـمفهوم فـي خطابهم بـينهم إذا قال بعضهم لبعض: «كما أحسنت إلـيك يا فلان فأحسن» أن لا يشترطوا للآخر، لأن الكاف فـي «كما» شرط معناه: افعل كما فعلت، ففـي مـجيء جواب:{ اذْكُرُونِـي} بعده وهو قوله:{ أذْكُرْكُمْ }أوضح دلـيـل علـى أن قوله:{ كَمَا أرْسَلْنَا } من صلة الفعل الذي قبله، وأن قوله: {اذْكُرُونِـي أذْكُرْكُمْ} خبر مبتدأ منقطع عن الأول، وأنه من سبب قوله:{ كَمَا أرْسَلْنَا فِـيكُمْ } بـمعزل.

وقد زعم بعض النـحويـين أن قوله:{ فَـاذْكُرُونِـي} إذا جعل قوله:{ كَمَا أرْسَلْنَا فِـيكُمْ } جوابـاً له مع قوله:{ أذْكُرْكُمْ } نظير الـجزاء الذي يجاب بجوابـين، كقول القائل: إذا أتاك فلان فأته ترضه، فـيصير قوله «فأته» و «ترضه» جوابـين لقوله: إذا أتاك، وكقوله: إن تأتنـي أحسن إلـيك أكرمك. وهذا القول وإن كان مذهبـاً من الـمذاهب، فلـيس بـالأسهل الأفصح فـي كلام العرب. والذي هو أولـى بكتاب الله عزّ وجل أن يوجه إلـيه من اللغات الأفصح الأعرف من كلام العرب دون الأنكر الأجهل من منطقها هذا مع بعد وجهه من الـمفهوم فـي التأويـل.

ذكر من قال: إن قوله:{ كَمَا أرْسَلْنَا} جواب قوله: {فـاذْكُرُونِـي}.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، قال: سمعت ابن أبـي نـجيح يقول فـي قول الله عز وجل:{ كَمَا أرْسَلْنَا فِـيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ} كما فعلت فـاذكرونـي.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

قوله:{ كَمَا أرْسَلْنَا فِـيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ} فإنه يعنـي بذلك العرب، قال لهم جل ثناؤه: الزموا أيها العرب طاعتـي، وتوجهوا إلـى القبلة التـي أمرتكم بـالتوجه إلـيها، لتنقطع حجة الـيهود عنكم، فلا تكون لهم علـيكم حجة، ولأتـمّ نعمتـي علـيكم وتهتدوا، كما ابتدأتكم بنعمتـي فأرسلت فـيكم رسولاً إلـيكم منكم، وذلك الرسول الذي أرسله إلـيهم منهم مـحمد صلى الله عليه وسلم. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله:{ كَمَا أرْسَلْنَا فِـيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ} يعنـي مـحمداً صلى الله عليه وسلم.

وأما قوله:{ يَتْلُو عَلَـيْكُمْ آيَاتِنَا} فإنه يعنـي آيات القرآن، وبقوله:{ وَيُزَكِّيكُمْ} ويطهركم من دنس الذنوب،{ وَيُعَلِّـمُكُمُ الْكِتَابَ} وهو الفرقان، يعنـي أنه يعلـمهم أحكامه، ويعنـي بـالـحكمة: السنن والفقه فـي الدين. وقد بـينا جميع ذلك فـيـما مضى قبل بشواهده.

وأما قوله: {وَيُعَلِّـمُكُمْ مَا لَـمْ تَكُونُوا تَعْلَـمُونَ} فإنه يعنـي: ويعلـمكم من أخبـار الأنبـياء، وقصص الأمـم الـخالـية، والـخبر عما هو حادث وكائن من الأمور التـي لـم تكن العرب تعلـمها، فعلـموها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخبرهم جل ثناؤه أن ذلك كله إنـما يدركونه برسوله صلى الله عليه وسلم.

فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ ۝١٥٢

يعنـي تعالـى ذكره بذلك: فـاذكرونـي أيها الـمؤمنون بطاعتكم إياي فـيـما آمركم به وفـيـما أنهاكم عنه، أذكركم برحمتـي إياكم ومغفرتـي لكم. كما:

حدثنا ابن حميد قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبـير: {اذْكُرُونِـي أذْكُرْكُمْ} قال: اذكرونـي بطاعتـي، أذكركم بـمغفرتـي.

وقد كان بعضهم يتأوّل ذلك أنه من الذكر بـالثناء والـمدح. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله:{ فـاذْكُرُونِـي أذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لـي وَلاَ تَكْفُرُون} إن الله ذاكرُ من ذكره، وزائدُ من شكره، ومعذّبُ من كفره.

حدثنـي موسى قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السدي:{ اذْكُرُونِـي أذْكُرْكُمْ} قال: لـيس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله، لا يذكره مؤمن إلا ذكره برحمة، ولا يذكره كافر إلا ذكره بعذاب.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{ وَاشْكُرُوا لِـي وَلاَ تَكْفُرُونِ}.

يعنـي تعالـى ذكره بذلك: اشكروا لـي أيها الـمؤمنون فـيـما أنعمت علـيكم من الإسلام والهداية للدين الذي شرعته لأنبـيائي وأصفـيائي وَلاَ تَكْفُرُونِ يقول: ولا تـجحدوا إحسانـي إلـيكم، فأسلبكم نعمتـي التـي أنعمت علـيكم، ولكن اشكروا لـي علـيها، وأزيدكم، فأتـمـم نعمتـي علـيكم، وأهديكم لـما هديت له من رضيت عنه من عبـادي، فإنـي وعدت خـلقـي أن من شكر لـي زدته، ومن كفرنـي حرمته وسلبته ما أعطيته. والعرب تقول: نصحت لك وشكرت لك، ولا تكاد تقول نصحتك، وربـما قالت شكرتك ونصحتك، من ذلك قول الشاعر:

هُمُ جَمَعُوا بُؤسى ونُعْمَى عَلَـيْكُمُفَهَلاَّ شَكَرْتَ القَوْمَ إنْ لَـمْ تُقَاتِلِ

وقال النابغة فـي «نصحتك:

نَصَحْتُ بَنِـي عَوْفٍ فَلَـمْ يَتَقَبَّلُوارَسُولِـي ولَـمْ تَنْـجَحْ لَدَيْهِمْ وَسَائِلِـي

وقد دللنا علـى أن معنى الشكر: الثناء على الرجل بأفعاله المحمودة، وأن معنى الكفر تغطية الشيء، فـيـما مضى قبل فأغنى ذلك عن إعادته هٰهنا.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ۝١٥٣

وهذه الآية حضٌّ من الله تعالـى ذكره علـى طاعته واحتـمال مكروهها علـى الأبدان والأموال، فقال: يا أيها الذين آمنوا استعينوا بـالصبر والصلاة علـى القـيام بطاعتـي وأداء فرائضي فـي ناسخ أحكامي والانصراف عما أنسخه منها إلـى الذي أحدثه لكم من فرائضي وأنقلكم إلـيه من أحكامي، والتسلـيـم لأمري فـيـما آمركم به فـي حين إلزامكم حكمه، والتـحوّل عنه بعد تـحويـلـي إياكم عنه، وإن لـحقكم فـي ذلك مكروه من مقالة أعدائكم من الكفـار بقذفهم لكم البـاطل، أو مشقة علـى أبدانكم فـي قـيامكم به أو نقص فـي أموالكم، وعلـى جهاد أعدائكم وحربهم فـي سبـيـلـي، بـالصبر منكم لـي علـى مكروه ذلك ومشقته علـيكم، واحتـمال عنائه وثقله، ثم بـالفزع منكم فـيـما ينوبكم من مفظعات الأمور إلـى الصلاة لـي، فإنكم بـالصبر علـى الـمكاره تدركون مرضاتـي، وبـالصلاة لـي تستنـجحون طلبـاتكم قبلـي وتدركون حاجاتكم عندي، فإنـي مع الصابرين علـى القـيام بأداء فرائضي وترك معاصيّ، أنصرهم وأرعاهم وأكلؤهم حتـى يظفروا بـما طلبوا وأمَّلوا قِبَلـي وقد بـينت معنى الصبر والصلاة فـيـما مضى قبل فكرهنا إعادته. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية فـي قوله: {وَاسْتَعِينُوا بـالصَّبْرِ والصَّلاةِ } يقول: استعينوا بـالصبر والصلاة علـى مرضاة الله، واعلـموا أنهما من طاعة الله.

حدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع قوله:{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بـالصَّبْرِ والصَّلاةِ }اعلـموا أنهما عون علـى طاعة الله.

وأما قوله:{ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } فإن تأويـله: فإن الله ناصره وظهيره وراض بفعله، كقول القائل: افعل يا فلان كذا وأنا معك، يعنـي إنـي ناصرك علـى فعلك ذلك ومعينك علـيه.

وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتٌۢ بَلْ أَحْيَآءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ ۝١٥٤

يعنـي تعالـى ذكره: يا أيها الذين آمنوا استعينوا بـالصبر علـى طاعتـي فـي جهاد عدوّكم وترك معاصيّ وأداء سائر فرائضي علـيكم، ولا تقولوا لـمن يقتل فـي سبـيـل الله هو ميت، فإن الـميت من خـلقـي من سلبته حياته وأعدمته حواسه، فلا يـلتذّ لذّة ولا يدرك نعيـما فإن من قتل منكم ومن سائر خـلقـي فـي سبـيـلـي أحياء عندي فـي حياة ونعيـم وعيش هنـيّ ورزق سنـيّ، فرحين بـما آتـيتهم من فضلـي وحبوتهم به من كرامتـي. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله:{ بَلْ أحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } من ثمر الـجنَّة ويجدون ريحها ولـيسوا فـيها.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{ وَلاَ تَقُولُوا لِـمَنْ يُقْتَلُ فِـي سَبِـيـلِ اللَّهِ أمْوَاتٌ بَلْ أحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ } كنّا نُـحَدَّث أن أرواح الشهداء تعارف فـي طير بـيض يأكلن من ثمار الـجنة، وأن مساكنهم سدرة الـمنتهى، وأن للـمـجاهد فـي سبـيـل الله ثلاث خصال من الـخير: من قتل فـي سبـيـل الله منهم صار حياً مرزوقاً، ومن غُلب آتاه الله أجراً عظيـماً، ومن مات رزقه الله رزقاً حسناً.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله:{ وَلاَ تَقُولُوا لِـمَنْ يُقْتَلُ فِـي سَبِـيـلِ اللَّهِ أمْوَاتٌ بَلْ أحْيَاءٌ } قال: أرواح الشهداء فـي صور طير بـيض.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله:{ وَلاَ تَقُولُوا لِـمَنْ يُقْتَلُ فِـي سَبِـيـلِ اللَّهِ أمْوَاتٌ بَلْ أحْيَاءٌ} فـي صور طير خضر يطيرون فـي الـجنَّة حيث شاءوا منها يأكلون من حيث شاءوا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا عثمان بن غياث، قال: سمعت عكرمة يقول فـي قوله:{ وَلاَ تَقُولُوا لِـمَنْ يُقْتَلُ فِـي سَبِـيـلِ اللَّهِ أمْوَاتٌ بَلْ أحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ } قال: أرواح الشهداء فـي طير خضر فـي الـجنَّة.

فإن قال لنا قائل: وما فـي قوله:{ وَلاَ تَقُولُوا لِـمَنْ يُقْتَلُ فِـي سَبِـيـلِ اللَّه أمْوَاتٌ بَلْ أحْيَاءٌ} من خصوصية الـخبر عن الـمقتول فـي سبـيـل الله الذي لـم يعم به غيره؟ وقد علـمت تظاهر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه وصف حال الـمؤمنـين والكافرين بعد وفـاتهم، فأخبر عن الـمؤمنـين أنهم يفتـح لهم من قبورهم أبواب إلـى الـجنة يشمون منها روحها، ويستعجلون الله قـيام الساعة، لـيصيروا إلـى مساكنهم منها ويجمع بـينهم وبـين أهالـيهم وأولادهم فـيها، وعن الكافرين أنهم يفتـح لهم من قبورهم أبواب إلـى النار ينظرون إلـيها ويصيبهم من نتنها ومكروهها، ويسلط علـيهم فـيها إلـى قـيام الساعة من يقمعهم فـيها، ويسألون الله فـيها تأخير قـيام الساعة حذاراً من الـمصير إلـى ما أعدّ الله لهم فـيها مع أشبـاه ذلك من الأخبـار. وإذا كانت الأخبـار بذلك متظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما الذي خصّ به القتـيـل فـي سبـيـل الله مـما لـم يعم به سائر البشر غيره من الـحياة وسائر الكفـار والـمؤمنـين غيره أحياء فـي البرزخ، أما الكفـار فمعذّبون فـيه بـالـمعيشة الضَّنْك، وأما الـمؤمنون فمنعمون بـالروح والريحان ونسيـم الـجنان؟

قـيـل: إن الذي خصّ الله به الشهداء فـي ذلك وأفـاد الـمؤمنـين بخبره عنهم تعالـى ذكره إعلامه إياهم أنهم مرزوقون من مآكل الـجنة ومطاعمها فـي برزخهم قبل بعثهم، ومنعمون بـالذي ينعم به داخـلوها بعد البعث من سائر البشر من لذيذ مطاعمها الذي لـم يطعمها الله أحداً غيرهم فـي برزخه قبل بعثه. فذلك هو الفضيـلة التـي فضلهم بها وخصهم بها من غيرهم، والفـائدة التـي أفـاد الـمؤمنـين بـالـخبر عنهم، فقال تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم:

{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ }

[آل عمران: 169-170]. وبـمثل الذي قلنا جاء الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا أبو كريب قال: ثنا عبد الرحيـم بن سلـيـمان، وعبدة بن سلـيـمان، عن مـحمد بن إسحاق، عن الـحارث بن فضيـل، عن مـحمود بن لبـيد، عن ابن عبـاس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الشُّهَدَاءُ عَلَـى بـارِقٍ نَهْرٍ بِبـابِ الـجَنَّةِ فِـي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ وقال عبدةُ: فِـي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، يَخْرُجُ عَلَـيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنَ الـجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا

حدثنا أبو كريب قال: ثنا جابر بن نوح، عن الإفريقـي، عن ابن بشار السلـمي أو أبـي بشار، شك أبو جعفر قال: أرواح الشهداء فـي قبـاب بـيض من قبـاب الـجنة فـي كل قبة زوجتان، رزقهم فـي كل يوم طلعت فـيه الشمس ثور وحوت، فأما الثور ففـيه طعم كل ثمرة فـي الـجنة، وأما الـحوت ففـيه طعم كل شراب فـي الـجنة.

فإن قال قائل: فإن الـخبر عما ذكرت أن الله تعالـى ذكره أفـاد الـمؤمنـين بخبره عن الشهداء من النعمة التـي خصهم بها فـي البرزخ غير موجود فـي قوله:{ وَلاَ تَقُولُوا لِـمَنْ يُقْتَلُ فِـي سَبِـيـلِ اللَّهِ أمْوَاتٌ بَلْ أحْيَاءٌ } وإنـما فـيه الـخبر عن حالهم أموات هم أم أحياء.

قـيـل: إن الـمقصود بذكر الـخبر عن حياتهم إنـما هو الـخبر عما هم فـيه من النعمة، ولكنه تعالـى ذكره لـما كان قد أنبأ عبـاده عما قد خصّ به الشهداء فـي قوله:

{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }[آل عمران:169] وعلـموا حالهم بخبره ذلك، ثم كان الـمراد من الله تعالـى ذكره فـي قوله:{وَلاَ تَقُولُوا لِـمَنْ يُقْتَلُ فِـي سَبِـيـلِ اللَّهِ أمْوَاتٌ بَلْ أحْيَاءٌ} نَهْيُ خَـلْقِه عن أن يقولوا للشهداء إنهم موتـى، ترك إعادة ذكر ما قد بـين لهم من خبرهم.

وأما قوله: {وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ} فإنه يعنـي به: ولكنكم لا ترونهم فتعلـموا أنهم أحياء، وإنـما تعلـمون ذلك بخبري إياكم به. وإنـما رفع قوله: «أموات» بإضمار مكنـيّ عن أسماء من يقتل فـي سبـيـل الله.

ومعنى ذلك: ولا تقولوا لـمن يقتل فـي سبـيـل الله هم أموات. ولا يجوز النصب فـي الأموات، لأن القول لا يعمل فـيهم. وكذلك قوله: «بل أحياء»، رفع بـمعنى أنهم أحياء.

وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ ۝١٥٥

وهذا إخبـار من الله تعالـى ذكره أتبـاع رسوله صلى الله عليه وسلم أنه مبتلـيهم ومـمتـحنهم بشدائد من الأمور لـيعلـم من يتبع الرسول مـمن ينقلب علـى عقبـيه، كما ابتلاهم فـامتـحنهم بتـحويـل القبلة من بـيت الـمقدس إلـى الكعبة، وكما امتـحن أصفـياءه قبلهم، ووعدهم ذلك فـي آية أخرى فقال لهم:

{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ }

[البقرة: 214]. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك كان ابن عبـاس وغيره يقول.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: حدثنـي معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس قوله:{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الـخَوْفِ والـجُوعِ } ونـحو هذا، قال: أخبر الله الـمؤمنـين أن الدنـيا دار بلاء، وأنه مبتلـيهم فـيها، وأمرهم بـالصبر وبشرهم، فقال:{ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} ثم أخبرهم أنه فعل هكذا بأنبـيائه وصفوته لتطيب أنفسهم، فقال: مَسَّتْهُم البَأْسَاءُ والضَّرَّاءُ وزُلْزِلُوا.

ومعنى قوله:{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ}: ولنـختبرنكم. وقد أتـينا علـى البـيان عن أن معنى الابتلاء الاختبـار فـيـما مضى قبل.

وقوله:{ بِشَيْءٍ مِنَ الـخَوْفِ } يعنـي من الـخوف من العدوّ وبـالـجوع، وهو القحط. يقول: لنـختبرنكم بشيء من خوف ينالكم من عدوّكم وبسَنَة تصيبكم ينالكم فـيها مـجاعة وشدة وتعذر الـمطالب علـيكم فتنقص لذلك أموالكم، وحروب تكون بـينكم وبـين أعدائكم من الكفـار، فـينقص لها عددكم، وموت ذراريكم وأولادكم، وجدوب تـحدث، فتنقص لها ثماركم. كل ذلك امتـحان منـي لكم واختبـار منـي لكم، فـيتبـين صادقوكم فـي إيـمانهم من كاذبـيكم فـيه، ويعرف أهل البصائر فـي دينهم منكم من أهل النفـاق فـيه والشكّ والارتـياب. كل ذلك خطاب منه لأتبـاع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. كما:

حدثنـي هارون بن إدريس الكوفـي الأصمّ، قال: ثنا عبد الرحمٰن بن مـحمد الـمـحاربـي، عن عبد الـملك عن عطاء فـي قوله:{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الـخَوْفِ والـجُوعِ } قال: هم أصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم.

وإنـما قال تعالـى ذكره:{ بِشَيْءٍ مِنَ الـخَوْفِ } ولـم يقل «بأشياء» لاختلاف أنواع ما أعلـم عبـاده أنه مـمتـحنهم به. فلـما كان ذلك مختلفـاً وكانت «مِن» تدلّ علـى أن كل نوع منها مضمر (فـي) شيء وأن معنى ذلك: ولنبلونكم بشيء من الـخوف وبشيء من الـجوع وبشيء من نقص الأموال. اكتفـى بدلالة ذكر الشيء فـي أوله من إعادته مع كل نوع منها. ففعل تعالـى ذكره كل ذلك بهم وامتـحنهم بضروب الـمـحن. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع فـي قوله:{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الـخَوْفِ والـجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ والأنْفُسِ والثَّمَرَاتِ }قال: قد كان ذلك، وسيكون ما هو أشدّ من ذلك. قال الله عند ذلك: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إذَا أصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإنَّا إلَـيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَـيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ الـمُهْتَدُونَ}. ثم قال تعالـى ذكره لنبـيه صلى الله عليه وسلم: يا مـحمد بشر الصابرين علـى امتـحانـي بـما أمتـحنهم به، والـحافظين أنفسهم عن التقدم علـى نهيـي عما أنهاهم عنه، والآخذين أنفسهم بأداء ما أكلفهم من فرائضي مع ابتلائي إياهم بـما ابتلـيتهم به القائلـين إذا أصابتهم مصيبة: إنا لله وإنا إلـيه راجعون. فأمره الله تعالـى ذكره بأن يخصّ بـالبشارة علـى ما يـمتـحنهم به من الشدائد أهل الصبر الذين وصف الله صفتهم. وأصل التبشير: إخبـار الرجل الرجل الـخبر يسرّه أو يسوءه لـم يسبقه به إلـيه غيره.

الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ