انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الزخرف

تفسير البغويالآيات 1–89

تفسير سورة الزخرف آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

حمٓ ۝١ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُبِينِ ۝٢ إِنَّا جَعَلْنَٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ۝٣ وَإِنَّهُۥ فِىٓ أُمِّ ٱلْكِتَٰبِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ ۝٤

{حـۤمۤ * وٱلْكِتَـٰبِ ٱلمُبِينِ}, أقسم بالكتاب الذي أبان طريق الهدى من طريق الضلالة، وأبان ما تحتاج إليه الأمة من الشريعة.

{إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}, قوله: "جعلناه" أي: صيّرنا قراءة هذا الكتاب عربياً. وقيل: بينّاه. وقيل: سميناه. وقيل: وصفناه، يقال: جعل فلان زيداً أعلم الناس، أي وصفه، هذا كقوله تعالى:

{ وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً }[الزخرف: 19] وقوله: { جَعَلُواْ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ }[الحجر: 91]، وقال: { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ } [التوبة: 19]، كلها بمعنى الوصف والتسمية.

{وَإِنَّهُ}، يعني القرآن، {فِىۤ أُمِّ ٱلْكِتَـٰبِ}، في اللوح المحفوظ. قال قتادة: "أم الكتاب": أصل الكتاب، وأم كل شيء: أصله. قال ابن عباس: أول ما خلق الله القلم فأمره أن يكتب بما يريد أن يخلق، فالكتاب عنده، ثم قرأ {وَإِنَّهُ فِىۤ أُمِّ ٱلْكِتَـٰبِ لَدَيْنَا}، فالقرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ كما قال:

{ { بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَّجِيدٌ فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ }[البروج: 21]. {لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ} قال قتادة: يخبر عن منزلته وشرفه، أي: إن كذبتم بالقرآن يا أهل مكة فإنه عندنا لعليٌّ رفيعٌ شريفٌ محكم من الباطل.

أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ ۝٥ وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِىٍّ فِى ٱلْأَوَّلِينَ ۝٦ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن نَّبِىٍّ إِلَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ۝٧ فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝٨ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ ۝٩ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ۝١٠ وَٱلَّذِى نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِۦ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ ۝١١ وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلْأَنْعَٰمِ مَا تَرْكَبُونَ ۝١٢ لِتَسْتَوُۥا۟ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا۟ سُبْحَٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقْرِنِينَ ۝١٣ وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ ۝١٤

{أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً}، يقال: ضربت عنه وأضربت عنه إذا تركته وأمسكت عنه و"الصفح" مصدر قولهم صفحت عنه إذا أعرضت عنه، وذلك بأن تُوليه صفحة وجهك وعنقك، والمراد بالذكر القرآن، ومعناه: أفنترك عنكم الوحي ونمسك عن إنزال القرآن فلا نأمركم ولا ننهاكم من أجل أنكم أسرفتم في كفركم وتركتم الإيمان؟ استفهام بمعنى الإنكار، أي: لا نفعل ذلك، وهذا قول قتادة وجماعة.

قال قتادة: والله لو كان هذا القرآن رُفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله عاد عليهم بعائدته ورحمته، فكرره عليهم عشرين سنة أو ما شاء الله.

وقيل: معناه أفنضرب عنكم بذكيرنا إيّاكم صافحين معرضين.

قال الكسائي: أفنطوي عنكم الذكر طياً فلا تُدْعَوْن ولا توعَظون. وقال الكلبي: أفنترككم سُدىً لا نأمركم ولا ننهاكم. وقال مجاهد والسدي: أفنعرض عنكم ونترككم فلا نعاقبكم على كفركم. {أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ}، قرأ أهل المدينة وحمزة والكسائي: "إن كنتم" بكسر الهمزة، {أَن كُنتُمْ قَوْماً مسرفين} على معنى: إذ كنتم، كقوله:

{ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }[آل عمران: 139]، وقرأ الآخرون بالفتح، على معنى: لأن كنتم قوماً مسرفين مشركين.

{وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِى ٱلأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِم}, أي وما كان يأتيهم، {مِّنْ نَّبِىٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ}، كاستهزاء قومك بك، يعزِّي نبيه صلى الله عليه وسلم.

{فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً}، أي أقوى من قومك، يعني الأولين الذين أُهلكوا بتكذيب الرسل، {وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ}، أي صفتهم وسنتهم وعقوبتهم، فعاقبة هؤلاء كذلك في الإهلاك.

{وَلَئِن سَأَلْتَهُم}، أي سألت قومك، {مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ}، أقروا بأن الله خالقها، وأقروا بعزه وعلمه ثم عبدوا غيره وأنكروا قدرته على البعث لفرط جهلهم. إلى هاهنا تم الإخبار عنهم، ثم ابتدأ دالاًّ على نفسه بصنعه فقال:

{ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}. إلى مقاصدكم في أسفاركم.

{وَٱلَّذِى نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ}، أي بقدر حاجتكم إليه لا كما أنزل على قوم نوح بغير قدر حتى أهلكهم. {فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ}، أي كما أحيينا هذه البلدة الميتة بالمطر كذلك، {تُخْرَجُونَ}، من قبوركم أحياء.

{وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأَزْوَٰجَ}، أي الأصناف {كُلَّهَا}: {وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ}، في البر والبحر.

{لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ}, ذكَّر الكناية لأنه ردها إلى "ما". {ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ}, بتسخير المراكب في البر والبحر, {وَتَقُولُواْ سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا}, ذلل لنا هذا {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ}, مطيقين, وقيل: ضابطين.

{وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ}, لمنصرفون في المعاد.

أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، أخبرني علي بن ربيعة أنه شهد علياً رضى الله عنه حين ركب فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فلما استوى قال: الحمد لله، ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنّا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، ثم حمد ثلاثاً وكبر ثلاثاً، ثم قال: لا إله إلا الله ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، فقال: ما يضحكك يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ما فعلت، وقال مثل ما قلت، ثم ضحك، فقلنا: ما يضحكك يا نبي الله؟ قال: "العبد"، أو قال:

عجبت للعبد إذا قال لا إله إلا الله ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، يعلم أنه لا يغفر الذنوب إلا هو».

وَجَعَلُوا۟ لَهُۥ مِنْ عِبَادِهِۦ جُزْءًا إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ ۝١٥ أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَىٰكُم بِٱلْبَنِينَ ۝١٦ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَٰنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ۝١٧ أَوَمَن يُنَشَّؤُا۟ فِى ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ۝١٨

قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا}، أي نصيباً وبعضاً وهو قولهم: الملائكة بنات الله، ومعنى الجعل - هاهنا - الحكم بالشيء والقول، كما تقول: جعلت زيداً أفضل الناس، أي وصفته وحكمت به، {إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ}، يعني الكافر، {لَكفورٌ}، جحود لنعم الله، {مُّبِينٌ}، ظاهر الكفران.

{أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ}، هذا استفهام توبيخ وإنكار، يقول: اتَّخذَ ربكم لنفسه البنات، {وَأَصْفَـٰكُم بِٱلْبَنِينَ}، كقوله:

{ أَفَأَصْفَـٰكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ }[الإسراء: 40].

{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلاً}، بما جعل لله شبهاً، وذلك أن ولد كل شيء يشبهه، يعني إذا بُشّر أحدهم بالبنات كما ذكر في سورة النحل:

{ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ، ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ }[النحل: 58]، من الحزن والغيظ.

{أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ}، قرأ حمزة والكسائي وحفص: "يُنَشَّأ" بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين، أي يُربّى، وقرأ الآخرون بفتح الياء وسكون النون وتخفيف الشين، أي ينبت ويكبر، {فِى ٱلْحِلْيَةِ}، في الزينة يعني النساء، {وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ}، في المخاصمة غير مبين للحجة من ضعفهن وسفههن، قال قتادة: في هذه الآية: قلَّما تتكلم امرأة تريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها.

وفي محل "مَنْ" ثلاثة أوجه: الرفع على الابتداء، والنصب على الإضمار، مجازه: أَوَ مَنْ ينشؤ في الحلية يجعلونه بنات الله، والخفض ردّاً على قوله: "مِمَّا يَخلق"، وقوله: "بِمَا ضربَ".

وَجَعَلُوا۟ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَٰدُ ٱلرَّحْمَٰنِ إِنَٰثًا أَشَهِدُوا۟ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَٰدَتُهُمْ وَيُسْـَٔلُونَ ۝١٩ وَقَالُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَٰنُ مَا عَبَدْنَٰهُم مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ۝٢٠ أَمْ ءَاتَيْنَٰهُمْ كِتَٰبًا مِّن قَبْلِهِۦ فَهُم بِهِۦ مُسْتَمْسِكُونَ ۝٢١

{وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً}، قرأ أهل الكوفة، وأبو عمرو {عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ} بالباء والألف بعدها ورفع الدال كقوله تعالى:

{ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } [الأنبياء: 26]، وقرأ الآخرون: "عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ" بالنون ونصب الدال على الظرف، وتصديقه قوله عزّ وجلّ: { إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ }[الأعراف: 206] الآية: {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ}، قرأ أهل المدينة على ما لم يسم فاعله، وليّن الهمزة الثانية بعد همزة الاستفهام، أي أحضَرُوا خلقهم، وقرأ الآخرون بفتح الشين أي أحضَرُوا خلقهم حين خُلقوا، وهذا كقوله: { أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلَـٰئِكَةَ إِنَـٰثاً وَهُم شَاهِدُون }[الصافات: 150]، {سَتُكْتَبُ شَهَـٰدَتُهُمْ}، على الملائكة أنهم بنات الله، {وَيُسْـئَلُونَ}، عنها.

قال الكلبي ومقاتل:

لما قالوا هذا القول سألهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"ما يدريكم أنهم إناث؟ قالوا: سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا، فقال الله تعالى: {سَتُكْتَبُ شَهَـٰدَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ}، عنها في الآخرة.

{وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُمْ}، يعني الملائكة، قاله قتادة ومقاتل والكلبي، قال مجاهد: يعني الأوثان، وإنما لم يعجل عقوبتنا على عبادتنا إياها لرضاه منا بعبادتها. قال الله تعالى: {مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ}، فيما يقولون {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} ما هم إلاّ كاذبون في قولهم: إن الله تعالى رضي منّا بعبادتها، وقيل: إن هم إلاّ يخرصون في قولهم: إن الملائكة إناث وإنهم بنات الله.

{أَمْ ءَاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰباً مِّن قَبْلِهِ}، أي من قبل القرآن بأن يعبدوا غير الله، {فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ}.

بَلْ قَالُوٓا۟ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّهْتَدُونَ ۝٢٢ وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّقْتَدُونَ ۝٢٣ قَٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَآءَكُمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ۝٢٤ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ۝٢٥ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦٓ إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ۝٢٦ إِلَّا ٱلَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُۥ سَيَهْدِينِ ۝٢٧ وَجَعَلَهَا كَلِمَةًۢ بَاقِيَةً فِى عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ۝٢٨ بَلْ مَتَّعْتُ هَٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ ۝٢٩ وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُوا۟ هَٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِۦ كَٰفِرُونَ ۝٣٠ وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ۝٣١ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَٰتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ۝٣٢ وَلَوْلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ۝٣٣ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَٰبًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِـُٔونَ ۝٣٤ وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ۝٣٥

{بَلْ قَالُوۤاْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ}، على دين وملة، قال مجاهد: على إمام. {وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَـٰرِهِم مُّهْتَدُونَ}، جعلوا أنفسهم باتباع آبائهم مهتدين.

{وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ}، أغنياؤها ورؤساؤها، {إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَـٰرِهِم مُّقْتَدُونَ}، بهم.

{قُلْ}، قرأ ابن عامر وحفص: "قال" على الخبر، وقرأ الآخرون "قل" على الأمر، {أَوَلَوْ جئْتُكُم}، قرأ أبو جعفر: "جئناكم" على الجمع، والآخرون "جئتكم" على الواحد، {بِأَهْدَىٰ}، بدين أصوب، {مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَآءَكُمْ}، قال الزجاج: قل لهم يا محمد أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم وإن جئتكم بأهدى منه؟ فأبوا أن يقبلوا, و{قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَـٰفِرُونَ}.

{فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ}.

قوله عزّ وجلّ: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِى بَرَآءٌ}، أي بريء، ولا يثنى "البراء" ولا يجمع ولا يُؤنث لأنه مصدر وضع موضع النعت. {مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱلَّذِى فَطَرَنِى}، خلقني {فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} يرشدني لدينه.

{وَجَعَلَهَا}، يعني هذه الكلمة، {كَلِمَةً بَـٰقِيَةً فِى عَقِبِهِ}، قال مجاهد وقتادة: يعني كلمة التوحيد، وهي "لا إله إلا الله" كلمة باقية في عقبه في ذريته. قال قتادة: لا يزال في ذريته من يعبد الله ويوحده. وقال القرظي: يعني: وجعل وصية إبراهيم التي أوصى بها بنيه باقية في نسله وذريته، وهو قوله عزّ وجلّ:

{ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِيمُ بَنِيهِ } [البقرة: 132].

وقال ابن زيد: يعني قوله:

{ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } [البقرة: 131]، وقرأ: { هُوَ سَمَّـٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ }[الحج: 78].

{لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، لعل أهل مكة يتبعون هذا الدين ويرجعون عما هم عليه إلى دين إبراهيم، وقال السدي: لعلهم يتوبون ويرجعون إلى طاعة الله عزّ وجلّ.

{بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ وَءَابَآءَهُمْ}، يعني: المشركين في الدنيا، ولم أعاجلهم بالعقوبة على الكفر، {حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ}، يعني القرآن، وقال الضحاك: الإسلام. {وَرَسُولٌ مُّبِينٌ}، يبين لهم الأحكام وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وكان من حق هذا الإنعام أن يطيعوه، فلم يفعلوا، وعصوا.

وهو قوله عز وجل: {وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ}، يعني القرآن، {قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَـٰفِرُونَ * وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}، يعنون الوليد بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي بالطائف، قاله قتادة.

وقال مجاهد: عتبة بن ربيعة من مكة، وابن عبد ياليل الثقفي من الطائف.

وقيل: الوليد بن المغيرة من مكة، ومن الطائف: حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي. ويُروى هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

قال الله تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ}، يعني النبوة، قال مقاتل: يقول: بأيديهم مفاتيح الرسالة فيضعونها حيث شاؤوا؟ ثم قال:

{نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا}، فجعلنا هذا غنياً وهذا فقيراً وهذا مالكاً وهذا مملوكاً، فكما فضلنا بعضهم على بعض في الرزق كما شئنا، كذلك اصطفينا بالرسالة من شئنا.

{وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ}، بالغنى والمال، {لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً}، ليستخدم بعضهم بعضاً فيسخر الأغنياء بأموالهم الأجراء الفقراء بالعمل، فيكون بعضهم لبعض سبب المعاش، هذا بماله، وهذا بأعماله، فيلتئم قِوامُ أمر العالم. وقال قتادة والضحاك: يملك بعضهم بمالهم بعضاً بالعبودية والملك. {وَرَحْمَتُ ربِّكَ}، [يعني الجنة]، {خَيْرٌ}، للمؤمنين، {مِّمَّا يَجْمَعُونَ}، مما يجمع الكفار من الأموال.

{وَلَوْلآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً}، أي: لولا أن يصيروا كلهم كفاراً فيجتمعون على الكفر، {لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ}، قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، وأبو عمرو: "سَقْفاً" بفتح السين وسكون القاف على الواحد، ومعناه الجمع، كقوله تعالى:

{ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ }[النحل: 26]، وقرأ الباقون بضم السين والقاف على الجمع، وهي جمع "سقف" مثل رُهُن ورَهْن، قال أبو عبيدة: ولا ثالث لهما. وقيل: هو جمع سقيف. وقيل: جمع سقوف جمع الجمع. {وَمَعَارِجَ}، مصاعد ودرجاً من فضة، {عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ}، يعلون ويرتقون، يقال: ظهرت على السطح إذا علوته.

{وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَٰباً}، من فضة، {وَسُرُراً} أي: وجعلنا لهم سرراً من فضة، {عَلَيْهَا يَتَّكئُون}.

{وَزُخْرُفاً}، أي وجعلنا مع ذلك لهم زخرفاً وهو الذهب، نظيره:

{ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ }[الإسراء: 93]، {وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا}، قرأ حمزة وعاصم "لما" بالتشديد على معنى: وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا، فكان: "لما" بمعنى إلاّ، وخففه الآخرون على معنى: وكل ذلك متاع الحياة الدنيا، فيكون: "إن" للابتداء، و"ما" صلة، يريد: إن هذا كله متاع الحياة الدنيا يزول ويذهب، {وَٱلأَخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ}، خاصة يعني الجنة.

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن هارون الطيسفوني، أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمر بن بسطام، أخبرنا أحمد بن سيَّار القرشي، حدثنا عبد الرحمن بن يونس أبو مسلم، حدثنا أبو بكر بن منظور، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها قطرة ماء".

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله، أخبرنا محمد بن إبراهيم بن عبد الله الخلال، أخبرنا عبد الله ابن المبارك، عن مجالد بن سعيد، عن قيس بن أبي حازم، عن المستورد بن شداد أخي بني فهر قال: كنت في الركب الذين وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السخلة الميتة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها؟ قالوا": من هوانِها ألقوها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها".

وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُۥ شَيْطَٰنًا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٌ ۝٣٦ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ۝٣٧ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَٰلَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ ۝٣٨ وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ۝٣٩ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَمَن كَانَ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٤٠ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ ۝٤١ أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِى وَعَدْنَٰهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ ۝٤٢ فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىٓ أُوحِىَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝٤٣ وَإِنَّهُۥ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْـَٔلُونَ ۝٤٤ وَسْـَٔلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَٰنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ ۝٤٥

قوله عزّ وجلّ: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ}، أي يعرض عن ذكر الرحمن فلم يخف عقابه، ولم يرجُ ثوابه، يقال: عشوت إلى النار أعشو عشواً، إذا قصدتها مهتدياً بها، وعشوت عنها: أعرضت عنها، كما يقول: عدلت إلى فلان، وعدلت عنه، وملت إليه، وملت عنه. قال القرظي: يولي ظهره عن ذكر الرحمن وهو القرآن. قال أبو عبيدة والأخفش: يُظلم بصرف بصره عنه. قال الخليل بن أحمد: أصل العشو النظر ببصر ضعيف. وقرأ ابن عباس: "ومن يعشَ" بفتح الشين أي يعم، يقال عشى يعشى عشاً إذا عمي فهو أعشى، وامرأة عشواء. {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً}، قرأ يعقوب: "يقيض" بالياء، والباقون بالنون، نسبب له شيطاناً ونضمه إليه ونسلطه عليه. {فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}، لا يفارقه، يزين له العمى ويخيل إليه أنه على الهدى.

{وَإِنَّهُمْ}، يعني الشياطين، {لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ}، أي ليمنعونهم عن الهدى وجمع الكناية لأن قوله: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً} في مذهب جمعٌ وإن كان اللفظَ على الواحد، {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ}، ويحسب كفار بني آدم أنهم على الهدى.

{حَتَّىٰ إِذَا جَآءَنَا}، قرأ أهل العراق غير أبي بكر: "جاءنا" على الواحد يعنون الكافر، وقرأ الآخرون: جاءانا، على التثنية يعنون الكافر وقرينه، قد جُعلا في سلسلة واحدة. {قَالَ}، الكافر لقرينه الشيطان، {يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ}، أي بعد ما بين المشرق والمغرب فغلب اسم أحدهما على الآخر كما يقال للشمس والقمر: القمران، ولأبي بكر وعمر: العُمَران. وقيل: أراد بالمشرقين مشرق الصيف ومشرق الشتاء، والأول أصح، {فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ}، قال أبو سعيد الخدري: إذا بعث الكافر زُوِّج بقرينه من الشياطين فلا يفارقه حتى يصير إلى النار.

{وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ}، في الآخرة، {إِذ ظَّلَمْتُمْ}، أشركتم في الدنيا، {أَنَّكُمْ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ}، يعني لا ينفعكم الاشتراك في العذاب ولا يخفف الاشتراك عنكم شيئاً من العذاب، لأن لكل واحد من الكفار والشياطين الحظ الأوفر من العذاب. وقال مقاتل: لن ينفعكم الاعتذار والندم اليوم فأنتم وقرناؤكم اليوم مشتركون في العذاب كما كنتم مشتركين في الدنيا في الكفر.

{أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَمَن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ}، يعني الكافرين الذين حقت عليهم كلمة العذاب لا يؤمنون.

{فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ}، بأن نميتك قبل أن نعذبهم، {فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ}، بالقتل بعدك.

{أَوْ نُرِيَنَّكَ}، في حياتك، {ٱلَّذِى وَعَدْنَـٰهُمْ}، من العذاب، {فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ}، قادرون، متى شئنا عذبناهم، وأراد به مشركي مكة انتقم منهم يوم بدر، هذا قول أكثر المفسرين، وقال الحسن وقتادة: عنى به أهل الإسلام من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم نقمة شديدة في أمته، فأكرم الله نبيه وذهب به ولم يره في أمته إلا الذي يقر عينه، وأبقى النقمة بعده. ورُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم أُري ما يُصيب أمته بعده فما رُئي ضاحكاً منبسطاً حتى قبضه الله.

{فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىۤ أُوحِىَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. {وَإِنَّهُ}، يعني القرآن، {لَذِكْرٌ لَّكَ}، لشرف لك، {وَلِقَوْمِكَ}، من قريش، نظيره:

{ لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَـٰباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ }[الأنبياء: 10]، أي شرفكم، {وَسَوْفَ تُسْـئَلُونَ}، عن حقه وأداء شكره. روى الضحاك عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سئل لمن هذا الأمر بعدك؟ لم يخبر بشيء حتى نزلت هذه الآية، فكان بعد ذلك إذا سئل لمن هذا؟ قال: لقريش.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا عاصم بن محمد بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي اثنان".

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري قال: كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبّه الله على وجهه ما أقاموا الدين".

وقال مجاهد: القوم هم العرب، فالقرآن لهم شرف إذ نزل بلغتهم، ثم يختص بذلك الشرف الأخص فالأخص من العرب، حتى يكون الأكثر لقريش ولبني هاشم.

وقيل: "ذكر ذلك": شرف لك بما أعطاك من الحكمة، "ولقومك" المؤمنين بما هداهم الله به، {وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} عن القرآن وعمّا يلزمكم من القيام بحقه.

قوله عزّ وجلّ: {وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ}، اختلفوا في هؤلاء المسئولين:

قال عطاء عن ابن عباس: لما أُسري بالنبي صلى الله عليه وسلم بعث الله له آدم وولده من المرسلين، فأذّن جبريل ثم أقام، وقال: يا محمد تقدم فصلِّ بهم، فلما فرغ من الصلاة قال له جبريل: سلْ يا محمد {مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ} الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا أسأل فقد اكتفيت. وهذا قول الزهري وسعيد بن جبير وابن زيد، قالوا: جمع الله له الرسل ليلة أسري به وأمره أن يسئلهم فلم يشك ولم يسأل.

وقال أكثر المفسرين: سل مؤمني أهل الكتاب الذين أُرسِلتْ إليهم الأنبياء هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد؟ وهو قول ابن عباس في سائر الروايات، ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي والحسن والمقاتليين. يدل عليه قراءة عبد الله وأُبيّ: "واسئل الذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا"، ومعنى الأمر بالسؤال التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة غير الله عزّ وجلّ.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَقَالَ إِنِّى رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٤٦ فَلَمَّا جَآءَهُم بِـَٔايَٰتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ ۝٤٧ وَمَا نُرِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَٰهُم بِٱلْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ۝٤٨ وَقَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ۝٤٩ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ۝٥٠ وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِۦ قَالَ يَٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ ٱلْأَنْهَٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ۝٥١ أَمْ أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ۝٥٢ فَلَوْلَآ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ۝٥٣ فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُۥ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا فَٰسِقِينَ ۝٥٤ فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَٰهُمْ أَجْمَعِينَ ۝٥٥ فَجَعَلْنَٰهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِّلْـَٔاخِرِينَ ۝٥٦ وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ۝٥٧ وَقَالُوٓا۟ ءَأَٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًۢا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ۝٥٨ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَٰهُ مَثَلًا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ۝٥٩ وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَٰٓئِكَةً فِى ٱلْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ۝٦٠ وَإِنَّهُۥ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِ هَٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ ۝٦١ وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ۝٦٢ وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَٰتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ۝٦٣ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ ۝٦٤ فَٱخْتَلَفَ ٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ۝٦٥ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ۝٦٦

قوله عز وجل: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـئايَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَقَالَ إِنِّى رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * فَلَمَّا جَآءَهُم بِـئَايَـٰتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ}, استهزاء.

{وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلاَّ هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا}، قرينتها وصاحبتها التي كانت قبلها، {وَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ}، بالسنين والطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع والدم والطمس، فكانت هذه دلالاتٍ لموسى، وعذاباً لهم، فكانت كل واحدة أكبر من التي قبلها، {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، عن كفرهم.

{وَقَالُواْ}، لموسى لمّا عاينوا العذاب، {يٰأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ}، يا أيها العالم الكامل الحاذق، وإنما قالوا هذا توقيراً وتعظيماً له، لأن السحر عندهم كان علماً عظيماً وصفةً ممدوحة، وقيل: معناه يا أيها الذي غلبنا بسحره. وقال الزجاج: خاطبوه به لما تقدم له عندهم من التسمية بالساحر. {ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ}، أي بما أخبرتنا من عهده إليك إن آمنا كشف عنا العذاب فاسأله يكشف عنا العذاب، {إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ}، مؤمنون، فدعى موسى فكشف عنهم فلم يؤمنوا، فذلك قوله عزّ وجلّ:

{فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ}، ينقضون عهدهم ويصرون على كفرهم.

{وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَـٰرُ}، أنهار النيل، {تَجْرِى مِن تَحْتِىۤ}، من تحت قصوري، وقال قتادة: تجري بين يدي في جناني وبساتيني. وقال الحسن: بأمري. {أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}، عظمتي وشدة ملكي.

{أَمْ أَنَآ خَيْرٌ}، بل أنا خير، "أم" بمعنى "بل" وليس بحرف عطف على قول أكثر المفسرين، وقال الفراء: الوقف على قوله: "أم"، وفيه إضمار، مجازه: أفلا تبصرون أم تبصرون، ثم ابتدأ فقال: أنا خير، {مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌ}، ضعيف حقير يعني موسى، قوله: {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} يفصح بكلامه للثغته التي في لسانه.

{فَلَوْلآ أُلْقِىَ عَلَيْهِ}، إن كان صادقاً، {أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ}، قرأ حفص ويعقوب "أسورة" جمع سوار، وقرأ الآخرون "أساورة" على جمع الأسورة، وهي جمع الجمع. قال مجاهد: كانوا إذا سوّدوا رجلاً سوّروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب يكون ذلك دلالة لسيادته، فقال فرعون: هلا ألقى ربُّ موسى عليه أسورة من ذهب إن كان سيداً تجب علينا طاعته. {أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ}، متتابعين يقارن بعضهم بعضاً يشهدون له بصدقه ويعينونه على أمره.

قال الله تعالى: {فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ}، أي استخف فرعون قومه القبط، أي وجدهم جهالاً، وقيل: حملهم على الخفة والجهل. يقال استخفه عن رأيه، إذا حمله على الجهل وأزاله عن الصواب، {فَأَطَاعُوهُ}، على تكذيب موسى، {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَـٰسِقِينَ}.

{فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا}، أغضبونا، {ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَـٰهُمْ سَلَفاً}، قرأ حمزة والكسائي "سُلُفا" بضم السين واللام، قال الفراء: هو جمع سليف من سلف بضم اللام يسلف، أي تقدم، وقرأ الآخرون بفتح السين واللام على جمع السالف، مثل حارس وحرس وخادم وخدم، وراصد ورصد، وهما جميعاً الماضُون المتقدمون من الأمم، يقال: سلف يسلف، إذا تقدم والسلف من تقدم من الآباء، فجعلناهم متقدمين ليتعظ بهم الآخرون. {وَمَثَلاً لِّلأَخِرِينَ}، عبرة وعظة لمن بقي بعدهم. وقيل: سلفاً لكفار هذه الأمة إلى النار ومثلاً لمن يجيء بعدهم.

{وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً}, قال ابن عباس وأكثر المفسرين: إن الآية نزلت في مجادلة عبد الله بن الزبعرَي مع النبي صلى الله عليه وسلم في شأن عيسى عليه السلام، لما نزل قوله عز وجل:

{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ }[الأنبياء: 98]، وقد ذكرناه في سورة الأنبياء عليهم السلام. {إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ}، قرأ أهل المدينة والشام والكسائي "يصدون" بضم الصاد، أي يعرضون، نظيره قوله تعالى: { يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً }[النساء: 61]، وقرأ الآخرون بكسر الصاد.

واختلفوا في معناه، قال الكسائي: هما لغتان مثل يعرُشون ويعرِشون، وشد عليه يَشُدّ ويَشِد، ونمّ بالحديث يَنُمُّ ويَنِمُّ.

وقال ابن عباس: معناه يضجّون. وقال سعيد ابن المسيب: يصيحون. وقال الضحاك: يعجّون. وقال قتادة: يجزعون.وقال القرظي: يضجرون: ولمّا ضُرب ابنُ مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون يقولون ما يريد محمد منا إلا أن نعبده ونتخذه إلهاً كما عبدت النصارى عيسى.

{وَقَالُوۤاْ أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ}، قال قتادة: "أم هو" يعنون محمداً، فنعبده ونطيعه ونترك آلهتنا. وقال السدي وابن زيد: "أَمْ هُوَ" يعنون عيسى، قالوا: يزعم محمد أن كل ما عبد من دون الله في النار فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى وعزير والملائكة في النار، وقال الله تعالى: {مَا ضَرَبُوهُ}، يعني هذا المثل، {لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ}، خصومة بالباطل وقد علموا أن المراد من قوله:

{ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ }[الأنبياء: 98] هؤلاء الأصنام. {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو بكر عبد الرحمن بن عبد الله الحمشادي، أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا حجاج بن دينار الواسطي، عن أبي غالب عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما ضلّ قوم بعد هدىً كانوا عليه إلا أُوتوا الجَدَل، ثم قرأ: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}.

ثم ذكر عيسى فقال: {إِنْ هُوَ}، ما هو، يعني عيسى عليه السلام، {إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ}، بالنبوة، {وَجَعَلْنَـٰهُ مَثَلاً} آية وعبرة، {لِّبَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ}، يعرفون به قدرة الله عزّ وجلّ على ما يشاء حيث خلقه من غير أب.

{وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلَـٰئِكَةً}، أي ولو نشاء لأهلكناكم وجعلنا بدلاً منكم ملائكة، {فِى ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ}، يكونون خلفاء منكم يعمرون الأرض ويعبدونني ويطيعونني. وقيل: يخلف بعضهم بعضاً.

{وَإِنَّهُ}، يعني عيسى عليه السلام، {لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ}، يعني نزوله من أشراط الساعة يعلم به قربها، وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة: "وإنه لَعَلمٌ للساعة"، بفتح اللام والعين أي أَمارة وعلامة.

وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم:

لَيُوشكنّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً يكسر الصليب، ويقتل الخنزير ويضع الجزية، وتهلك في زمانه الملل كلها إلاّ الإسلام".

ويروى: "أنه ينزل على ثنية بالأرض المقدسة، وعليه ممصرتان، وشعر رأسه دهين، وبيده حربة وهي التي يقتل بها الدجال، فيأتي بيت المقدس والناس في صلاة العصر، فيتأخر الإِمام فيقدّمه عيسى ويصلي خلفه على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يقتل الخنازير ويكسر الصليب، ويخرب البِيَع والكنائس، ويقتل النصارى إلاّ من آمن به".

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا ابن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامُكم منكم»؟.

وقال الحسن وجماعة: "وإنه" يعني وإن القرآن لعلم للساعة يعلمكم قيامها. ويخبركم بأحوالها وأهوالها، {فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا}، فلا تشكنّ فيها، قال ابن عباس: لا تكذبوا بها، {واتَّبِعُونِ}، على التوحيد، {هَذَا}، الذي أنا عليه، {صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٌ}.

{وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ}، لا يصرفنكم، {ٱلشَّيْطَـٰنُ}، عن دين الله، {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}.

{وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ}، بالنبوة، {وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ}، من أحكام التوراة، قال قتادة: يعني اختلاف الفرق الذين تحزبوا على أمر عيسى. قال الزجاج: الذي جاء به عيسى في الإِنجيل إنما هو بعض الذي اختلفوا فيه، وبيّن لهم في غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. {فَٱتَّقُواْ ٱللهَ وَأَطِيعُونِ}.

{إِنَّ ٱللهَ هُوَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ * فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ * هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ}، يعني أنها تأتيهم لا محالة فكأنهم ينتظرونها، {أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً}، فجأة، {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}.

ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ ۝٦٧ يَٰعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ۝٦٨ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُوا۟ مُسْلِمِينَ ۝٦٩ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ تُحْبَرُونَ ۝٧٠ يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلْأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝٧١ وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِىٓ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٧٢ لَكُمْ فِيهَا فَٰكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ ۝٧٣ إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ۝٧٤ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ۝٧٥ وَمَا ظَلَمْنَٰهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا۟ هُمُ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٧٦ وَنَادَوْا۟ يَٰمَٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّٰكِثُونَ ۝٧٧

{ٱلأَخِلاَّءُ}، على المعصية في الدنيا، {يَوْمَئِذٍ}، يوم القيامة، {بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ}، إلا المتحابين في الله عزّ وجلّ على طاعة الله عزّ وجلّ.

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني عقيل بن محمد بن أحمد، أن أبا الفرج البغدادي القاضي أخبرهم عن محمد بن جرير، حدثنا ابن عبد الأعلى، عن قتادة، حدثنا أبو ثور عن معمر عن قتادة عن أبي إسحاق أن علياً قال في هذه الآية: خليلان مؤمنان وخليلان كافران، فمات أحد المؤمنين فقال: يا رب إن فلاناً كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر، ويخبرني أني ملاقيك، يا رب فلا تضله بعدي واهده كما هديتني وأكرمه كما أكرمتني، فإذا مات خليله المؤمن جُمع بينهما، فيقول: ليثنِ أحدكما على صاحبه، فيقول: نِعْمَ الأخ، ونعم الخليل، ونعم الصاحب، قال: ويموت أحد الكافرين، فيقول: يا رب إن فلاناً كان ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير، ويخبرني أني غير ملاقيك، فيقول بئس الأخ، وبئس الخليل، وبئس الصاحب.

{يٰعِبَادِ}، أي فيقال لهم: يا عبادي، {لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}، ورُوي عن المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: سمعت أن الناس حين يبعثون ليس منهم أحد إلا فزع، فينادي منادٍ: {يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}، فيرجوها الناس كلهم فيتبعها: {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِـئَايَـٰتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ}، فييأسُ الناسُ منها غير المسلمين. فيقال لهم: {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ تُحْبَرُونَ}، تسرون وتنعمون.

{يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَـٰفٍ}، جمع صحفة وهي القصعة الواسعة، {مِّن ذَهَبٍ وأكوابٍ}، جمع كوب وهو إناء مستدير مدور الرأس لا عرى لها، {وَفِيهَا}، أي في الجنة، {مَا تَشْتَهِى ٱلأَنْفُسُ}، قرأ أهل المدينة والشام وحفص (تشتهيه)، وكذلك في مصاحفهم، وقرأ الآخرون بحذف الهاء. {وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ}.

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن عبد الرحمن بن سابط قال:

قال رجل: يا رسول الله أفي الجنة خيل؟ فإني أحب الخيل، فقال: «إن يدخلك الله الجنة لا تشاء أن تركب فرساً من ياقوتة حمراء فتطير بك في أي الجنة شئت، إلاّ فعلتَ»، فقال أعرابي: يا رسول الله أفي الجنة إبل؟ فقال: «يا أعرابي إن يدخلك الله الجنة أصبت فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك».

{وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِىۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ} وفي الحديث:

لا ينزع رجل من الجنة من ثمرة إلا نبت مكانها مثلاها".

{إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ}، المشركين، {فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ * لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّـٰلِمِينَ * وَنَادَوْاْ يٰمَـٰلِكُ}، يدعون خازن النار، {لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ}، ليمتنا ربك فنستريح فيجيبهم مالك بعد ألف سنة، {قَالَ إِنَّكُمْ مَّـٰكِثُونَ}، مقيمون في العذاب.

أخبرنا محمد ابن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة يذكره عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنّ أهل النار يدعون مالكاً فلا يجيبهم أربعين عاماً، ثم يردّ عليهم إنكم ماكثون، قال: هانت - والله - دعوتهم على مالك وعلى رب مالك، ثم يدعون ربهم فيقولون: ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنّا قوماً ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنّا ظالمون، قال: فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين، ثم يرد عليهم: اخسؤوا فيها ولا تكلمون، قال: فوالله ما نبس القوم بعدها بكلمة، وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم، فشبه أصواتهم بأصوات الحمير، أولها زفير وآخرها شهيق.

لَقَدْ جِئْنَٰكُم بِٱلْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَٰرِهُونَ ۝٧٨ أَمْ أَبْرَمُوٓا۟ أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ۝٧٩ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَىٰهُم بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ۝٨٠ قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْعَٰبِدِينَ ۝٨١ سُبْحَٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ۝٨٢ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا۟ وَيَلْعَبُوا۟ حَتَّىٰ يُلَٰقُوا۟ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ ۝٨٣

{لَقَدْ جِئْنَـٰكُم بِٱلْحَقِّ}، يقول أرسلنا إليكم يا معشر قريش رسولنا بالحق، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ}.

{أَمْ أَبْرَمُوۤاْ}، أم أحكموا، {أَمْراً}، في المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم، {فَإِنَّا مُبْرِمُونَ}، محكمون أمراً في مجازاتهم، قال مجاهد: إن كادُوا شراً كدتهم مثله.

{أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ ونَجْوَاهُم}، ما يسرونه من غيرهم ويتناجون به بينهم، {بَلَىٰ}، نسمع ذلك ونعلم، {وَرُسُلُنَا}، أيضاً من الملائكة يعني الحفظة، {لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ}.

{قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ}، يعني إن كان للرحمن ولد في قولكم وعلى زعمكم، فأنا أول من عبده فإنه واحد لا شريك له ولا ولد. وروي عن ابن عباس: {إِنْ كَانَ} أي ما كان للرحمن ولد، فأنا أول العابدين الشاهدين له بذلك، جعل: "إنْ" بمعنى الجحد.

وقال السدي: معناه لو كان للرحمن ولد فأنا أول من عبده بذلك، ولكن لا ولد له.

وقيل: "العابدين" بمعنى الآنفين، أي أنا أول الجاحدين والمنكرين لما قلتم.

ويقال: معناه: أنا أول من غضب للرحمن أن يقال له ولد، يقال: عبد يعبد إذا أنف وغضب.

وقال قوم: قلّ ما يُقال: عَبَدَ فهو عابد، إنما يقال: فهو عَبْدٌ.

ثم نزه نفسه فقال: {سُبْحَـٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} عما يقولون من الكذب.

{فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ}، في باطلهم، {وَيَلْعَبُواْ}، في دنياهم، {حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ}، يعني يوم القيامة.

وَهُوَ ٱلَّذِى فِى ٱلسَّمَآءِ إِلَٰهٌ وَفِى ٱلْأَرْضِ إِلَٰهٌ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ ۝٨٤ وَتَبَارَكَ ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُۥ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ۝٨٥ وَلَا يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۝٨٦ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ۝٨٧ وَقِيلِهِۦ يَٰرَبِّ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ ۝٨٨ فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَٰمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ۝٨٩

{وَهُوَ ٱلَّذِى فِى ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِى ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ}، قال قتادة: يُعبد في السماء وفي الأرض لا إله إلا هو، {وَهُوَ ٱلحكيمُ}، في تدبير خلقه، {ٱلْعَلِيمُ}، بمصالحهم.

{وَتَبَارَكَ ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، قرأ ابن كثير والكسائي "يرجعون" بالياء، والآخرون بالتاء.

{وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَـٰعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ}، وهم عيسى وعزير والملائكة فإنهم عُبدوا من دون الله، ولهم الشفاعة، وعلى هذا يكون "من" في محل الرفع، وقيل: "من" في محل الخفض، وأراد بالذين يدعون عيسى وعزير والملائكة، يعني أنهم لا يملكون الشفاعة إلا من شهد بالحق، والأول أصح، وأراد بشهادة الحق قوله لا إله إلا الله كلمة التوحيد، {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم.

{وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}، يصرفون عن عبادته.

{وَقِيلِهِ يٰرَبِّ}، يعني قول محمد صلى الله عليه وسلم شاكياً إلى ربه: يا رب، {إِنَّ هَـٰؤُلآءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ}، قرأ عاصم وحمزة "وقيله" بجر اللام والهاء، على معنى: وعنده علم الساعة وعلم قيله يا رب، وقرأ الآخرون بالنصب، وله وجهان: أحدهما معناه: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيله يا رب، والثاني: وقال قيله.

{فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ}، أعرض عنهم، {وَقُلْ سَلَـٰمٌ}، معناه: المتاركة، كقوله تعالى:

{ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ }[القصص: 55]، {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}، قرأ أهل المدينة والشام بالتاء، وقرأ والباقون بالياء، قال مقاتل: نسختها آية السيف.
الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ